بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 30 October 2003 No. 12914 Year 39

الخميس 04 رمضان 1424العدد 12914 السنة 39

  من علوم "الانساب" الى علوم "الانسان"

د. معجب سعيد الزهراني

تنهض الثقافات التقليدية العريقة على مجموعة من "علوم الاصول" التي ما ان تدشن وتقنن موضوعاتها وطرق البحث فيها وغاياته في حقبة معينة من تاريخها حتى تتحول الي "اصول للعلم" في هذا المجال او ذاك. ومع تقدم المعرفة البشرية وتطور مناهج البحث ضمن تحولات التاريخ العام تصبح هذه "المنتجات الثقافية" موضوعا للبحث والمساءلة والنقد وفق شروط معرفية جديدة، وبمعزل عن هالات التبجيل التي عادة ما تحيط بعلوم كهذه، هكذا ما ان تتنوع المقاربات وتتراكم المنجزات في مجال محدد، كاللغة مثلاً، حتى يفضي منطق البحث العلمي ذاته الى تجاوز العلم القديم او الى اعادة تأسيسه لتخترق معاني النسبية مرتكزاته ومقولاته ومجمل وظائفه الرمزية والعملية في المجتمع الذي قد تغيرت علاقاته وانماط عمله وطموحاته.
هذه هي القيمة الدلالية والوظيفية لمقولة "القطيعة المعرفية" التي تشكل جزءًا من المسار الطبيعي للحياة والثقافة في اي مجتمع تنبثق عوامل التغيير والابدال من داخل مؤسساته وبفضل جهود الباحثين المنتمين اليه والعاملين على تطويره ضمن الشرط الاسبتمولوجي العام للمرحلة التاريخية لهم وله. فمنطق العلم ومنطق التاريخ يقولان لنا ان العلم الذي لا يتجاوز ذاته لا يعود علماً (ايديولوجيا، او معرفة ما قبل علمية) والباحث الذي لا يساهم بحثه في تغيير منظومات القيم والافكار والمعلومات في مجتمعه ليس باحثاً الا بالاسم والرتبة الوظيفية.
الاشكال يتولد ويتضخم حينما تدخل المجتمعات التقليدية في علاقات تفاعل قسري مع مجتمعات متقدمة تسود فيها معارف ومناهج بحث جديدة انجزت قطيعتها مع ثقافاتها التقليدية ومع كل ثقافة تقليدية غيرها. فالتوترات الحادة التي عادة ما تبرز في مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية، وقد تترجم الى صراعات عسكرية مباشرة، عادة ما تخترق مجال العلاقات الثقافية بين الطرفين. هنا تحديداً لابد ان تنقسم النخب المثقفة الى فئات وتيارات لا تناقش اي قضية معرفية الا ويدخل البعد الايديولوجي في النقاشات بدرجات متفاوتة من الحدة. في وضعية كهذه كثيرا ما تفقد الاطراف الممثلة للنخبة العارفة متعة الاختلاف وتعدد الجهود والاجتهادات الضرورية تماما لاغناء وتطوير الحقل المعرفي مما يعوق سيرورات البحث وقد يعطله ويؤجله الى حين. هذه للأسف الشديد، هي حال معظم الباحثين العرب في مجال العلوم الانسانية الحديثة التي اصبحت، هي والعلوم الرياضية والطبيعية، تبدو كما لو كانت "علوما غربية" اولا وبعد كل شيء فالباحث الفرد قد يعي جيداً مدى تطور مناهج البحث وتنوع مكتسباته في المجال الذي يتخصص فيه ولكنه يعي في الوقت نفسه حجم الصعوبات التي تنتظره وامثاله عندما يبحث في "علوم الاسل
اف" وبالاخص ما يعتبر منها في مقام "علوم الاصول" التي عادة ما يتحكم فيها المثقفون التقليديون في مجتمعات لا تزال تقليدية في معظم تصوراتها للزمن والانسان والعالم من حولها. فبحث قضايا تتعلق باللغة والتاريخ والمعتقدات تسحب الباحث الى كثير من الادبيات التبريرية كيما يتجنب بعض الآثار السلبية لخطاب من يشكك في نواياه باسم "الخصوصية" و"الهوية" و"المصلحة الوطنية" و"كيان الامة"!. فهذه المقولات عادة ما تتضخم دلالاتها ويكثر الكلام عنها في لحظات التوتر والضعف والقلق من الآخر القوي، والعدائي ربما، وهكذا تصبح في المركز من الخطابات الرسمية السائدة سواء كانت اعلامية او تربوية تعليمية او ايديولوجية. وحينما تستمر وضعية كهذه فترة طويلة تتصلب وتجمد ولا يعود من السهل على الباحثين ادماجها في متن الخطاب المعرفي وتحويلها إلى مقولات للتأمل والبحث والنقد مع ان هذا من اولى واجباتهم المهنية ومسؤولياتهم الاخلاقية.
لقد حلل بعض الباحثين هذه الوضعية غير المريحة للباحث وغير المفيدة للمجتمع، ومنهم تمثيلاً لا حصراً عبدالله العروي في كتابيه "الايديولوجيا العربية المعاصرة" و"أزمة المثقفين العرب" ومحمد اركون الذي طالما اشتكى من تآكل وضمور المعرفة والفكر في المجتمعات العربية والاسلامية بسبب هيمنة الخطابات الايديولوجية الآنية والمسطحة على المجال الثقافي العام، بل وعلى المؤسسات الاكاديمية ذاتها!.
تواردت الى ذهني هذه الافكار وانا اقرأ خبرا عن محاضرة القيت منذ اسابيع في احد انديتنا الادبية (ابها) عن "علم الانساب" وهو خبر غير سار كمعظم اخبارنا في السنوات الاخيرة. فالمحاضر، وهو استاذ جامعي!، نوه باهمية هذا العلم الشريف، ودعا الى توسيع الاهتمام به، وادعى انه موضع عناية كبيرة في امريكا، وربما في الغرب عموما، ولابد ان بعض الحضور اخذ كلامه علي محمل الجد خاصة انه يتكلم باسم المعرفة والرتبة العلمية التي يحملها ويمثلها. ولمثل هذا الاكاديمي يجب ان نقول ان العلوم الانسانية الحديثة تنقض كل ما ذهبت اليه لأن ذلك "العلم" لم يكن ولن يكون ذات يوم اكثر من مرويات شفاهية فيها من الخرافات والاساطير اكثر مما فيها من الحقائق، ولهذا لم يدخل قط الى جامعات الغربولا الى جامعاتنا لحسن الحظ. لقد كان ابن خلدون اقرب منك ومن امثالك الى منطق العلم الحديث وهو يدرج هذه الحكايات ضمن "علوم البادية" ليخلص الى القول بأنه "علم لا ينفع وجهالة لا تضر" متى ما زاد عما يحتاج اليه في بعض المسائل الشرعية "كتعصيب الوراثة وولاية النكاح والعاقلة في الديات". وفي كل الاحوال لا شك ان خبر المحاضرة يدل دلالة اكيدة على هشاشة العلوم الانسانية في مجتمعاتنا ومؤ
سساتنا الثقافية وهي مضيعة تثير القلق وتستدعي المزيد من الجهود لتكريسها حتى لا نظل ضحايا لخطابات "الجهل المظنون علماً" كما يقول ابراهيم البليهي والله المستعان.




 

بقية المواضيع

علا حجازي: أحب أن أصنع من لوحاتي تاريخي!
رمضان على شوتايم طاش.. صلاح الدين.. أيام السادات.. وأحدث أجزاء حرب النجوم..!
قراءة في مجموعة (أنت النار وأنا الفراشة) لعبدالعزيز الصقعبي
أعمال مميزة في معرض نزلاء الإصلاحيات ودور الإصلاح الاجتماعية
شذى سبت: أرفض مقارنتي بشقيقتي شيماء حتى لو تفوقت عليها!!
تزيين العشش والاهازيج تستقبل شهر الخير
المرجعيات المهمشة في الروايات الجديدة
ثقافة الشباب.. الكويت والأردن نموذجاً
شماليل
أسئلة الرواية العربية في حضرة الرباط عاصمة الثقافة العربية
مساءلات فكرية .. الخطاب النقدي وحيثيات إنتاجه
من علوم "الانساب" الى علوم "الانسان"
القصيبي: في عوالم هوليود الوهمية
المرأة بين القانون والمجتمع
الرويضان وحرية دوران الظل
ميثاق السيرة متخيلاً
أحادية الرؤية النقدية
الأنشودة الريفية الأخيرة
ثلاثية الهواجس
عندما تتداخل التفاصيل
مراوحات الذات الظامئة
اللغة ومشكلة المعنى
رمضانيات شاعر
بيت وصدى
رجفة
الحقيبة الثقافية
مسافات البوح
مت واقفاً..!!
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض