عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Monday 30 September 2002 No. 12519 Year 38

الاثنين 23 رجب 1423العدد 12519 السنة 38

  "الرياض" تطرح أول تحقيق نسائي مصور عن المرأة

تحقيق وتصوير نوال الراشد:

المرأة في الباحة لها اكثر من وجه مشرق تحمل في ملامحه الكثير من صفات الجمال الفطري.. والعالم الاسري.. والتقليد الاجتماعي.. الذي يجبرك على اكتشافه بهدوء فكانت الباحة المحطة الفواحة التي رغبت زيارتها ورؤية عالمها الجبلي الساحر الذي يختلف في تكوينه الطبوغرافي عن باقي المناطق فهي تعيش متناقضات السطح الذي قسمها إلي قسمين فبين الانحدار السحيق للاودية والارتفاع الشاهق للجبال تجد ان هناك مساحات خضراء تجبرك لتتوقف امامها طويلا لتشم عبق الريحان والكادي.. تثيرك اكثر رؤية المرأة وهي تعمل بين الحقول في منظر يدعوك إلى التساؤل هل لا تزال النسوة هنا يعملن في مزارعهن حتى الآن؟ وكيف استمرت هذه الحرفة وسط اجواء باتت تعيش المدنية بكل تفاصيلها!!
فجغرافية الارض هنا استطاعت ان تشكل الاستيطان السكاني عبر مساحة  12000الف متر مربع وبطبيعة جبيلة اعطت بعدا آخر للزراعة ومنحتها مجالاً اكثر في تنوع المحاصيل.
والمرأة في الباحة هي السيدة في الجبل والوادي والسهل ولا تتردد في ان تتربع على قمة سفحه ان ارادت فهي بحق امرأة استطاعت ان تتكيف مع كل الظروف وان تعيش في كافة الاجواء لاجل اسرتها وتعمل كل ما بوسعها لاسعادهم والحفاظ على الترابط الاسري.
وفي هذا التحقيق الجديد في فكرته والمختلف في طرحه سنأخذ القارئ معنا من خلال جولة ميدانية نكتب فيها تفاصيل كل ما شاهدناه وسمعناه، كما تم التركيز على جوانب الدور الحرفي في عمل المرأة في القطاع الزراعي في منطقة الباحة قديما وكيف اسهمت في تنشيط هذا الدور ونقل هذه الجوانب الصورة والكلمة عبر اللقاءات التي تمت في بعض القرى.

كل الطرق توصلك إلى الباحة
في أول محطة تجمعك بالمدينة يستقبلك مطار الباحة عبر مساحات كبيرة من الحدائق والأشجار المنظمة ويقع في ضاحية تبعد عن المدينة بحوالي  50كيلومترا يمتد بعدها طريق جبلي طويل ومتعرج وكثير المنعطفات يظل في ارتفاع وانخفاض حتى يوصلك الى وسط المدينة التي تحوي في طابعها العام على جميع الدوائر الحكومية المختلفة وبعض المجتمعات التجارية الصغيرة الى جانب البيوت الحديثة التي تميزت بارتفاعهاتها المتوسطة واتخذت مواقع مختلفة على الجبال.. اما اجواؤها فتبقى لطيفة معتدلة تميل الى البرودة على المرتفعات الجبلية ليلاً.
وتتميز الباحة بتضاريسها الجغرافية وتكويناتها الجيولوجية والتي اعطت لسطح الارض طبيعة صخرية نتيجة احتوائها على تركيبات متفاوتة من الصخور البركانية فتشكلت التضاريس من السهول والاودية والمرتفعات الجبلية من الصخور واعلى منطقة بها تصل الى ارتفاع  2500متر عن سطح البحر ويمثل هذا الجزء عائقاً طبيعاً امام التمدد العمراني ويقل في هذا الجزء السكان.
كما تحتوي الارض على سهول ساحلية كما هي الحال في تهامة السفلى حيث تشتد فيها الحرارة في فصل الصيف نتيحة وقوعها بين العديد من الجبال الشاهقة الارتفاع أما مناخ باقي المناطق فيعتبر معتدلا بسبب ارتفاعها عن سطح الارض..
اما الطبيعة العمرانيية فتوجد البيوت الحجرية القديمة والاثرية والتي بنيت من الحجارة وصممت باشكال هندسية جميلة تجبر الزائر للمنطقة ان يبحث عن تاريخها العمراني ويقترب منها ويرى كيف بنيت هذه المنازل بهذه الطريق على قرى الباحة المختلفة.. ومن خلال رحلتنا تم التركيز على هذه البيوت، كيف بنيت؟ ومن الذي سكنها؟

البيوت الحجرية
على امتداد طريق أبها - بيشة مررت على الكثير من القرى الصغيرة والمتناثرة على جانبي الطريق ووجد أن لهذه البيوت الحجرية أوضاعا عمرانية كانت سائدة قديماً في المنطقة لا تختلف كثيرا في تصاميمها سوي في المساحة حيث يكون الاختلاف فيها حسب عدد افراد الاسرة ويختلف التصميم الجمالي داخل البيوت حسب المكانة الاجتماعية او الحالة المادية لصاحب المنزل حيث يكمن الفرق في الزخرفة والزينة كما يوجد بالإضافة الى البيوت السكنية بعض الابراج والحصون العالية التي بنيت في الماضي لاستخدامها في المراقبة آنذاك.
وقفت في قرية (قيذانة) والتي تحتوي على بعض البيوت واخذت اتجول في القرية وسألت بعض السكان الذين يسكنون البيوت الحديثة عن مدى معرفتهم لتاريخ هذه البيوت فاخبرني البعض منهم انها قديمة وقد تصل الى اكثر من مائتي عام وارجعوا اعتماد سكان المنطقة على بناء البيوت من الاحجار إلى وجودها في منطقة جبلية تكثر فيها الاحجار الصخرية فاستفاد السكان منها في البناء الى جانب قدرة هذه الاحجار على التماسك امام العوامل الجوية طوال السنوات الماضية.
واغلب هذه البيوت مهجورة وغير مسكونة حاليا نظرا لانتقال الناس الى البيوت الحديثة.
وسألت بعض السكان حول كيفية نقل هذه الحجارة في عمليات البناء الى الجبال فقالوا انهم يستعينون بالدواب وخاصة الحمير في نقل الحجارة من مكان الى آخر حيث يستمر بناء البيت حسب الموقع ما بين  3الى  6اشهر حتى يكتمل.
تنقلنا بين هذه البيوت لنشاهدها عن قرب ودخلنا بعضها وقد لفت نظرنا الباب الخارجي والنوافذ المصنوعة من الخشب ذات الالوان الداكنة كما لاحظنا بالداخل كثرة الغرف واتساعها بطريقة مرتبة حسب عدد افراد الاسرة الكاملة والمؤلفة من الجد والجدة والابناء والزوجات والاحفاد معا.. كما لفت نظرنا وجود الاسقف الملونة والتي بنيت من جذوع اشجار العتم والاثل وصممت باشكال وطرق جميلة تدل على الذوق الفني الذي كان يتمتع به البناؤون في المنطقة.

سيدة الجبل
بينما نحن نتجول بين هذه البيوت  التي بهرتنا بجمالياتها الهندسية اذا بنا نلمح من بعيد امرأة مسنة خرجت من بيتها الذي يقع بين هذه البيوت واخذت تمشي ببطء متجهة الى الشارع، لحقنا بها حتى وصلنا اليها، وكانت ذات جسد نحيل وقامة قصيرة مما يدل على تقدم سنها فالتجاعيد التي في وجهها قد اخفت كثيرا من ملامحها نظرت وحدقت بي، وقال: من أنت؟ قلت لها أنا زائرة للمنطقة، فقالت وماذا تريدين مني؟ فقلت لا شيء! فقالت هل أنت من الجيران.. انا لم اعد أرى جيداً؟ فقلت لها لا، ولكن رأيتك واحببت ان اسلم عليك.. ولكن ما رأيك في ان تستضيفيني عندك.. فنظرت الي متوجسة ثم قالت نعم ولكن ماذا تريدين مني؟ قلت: لا شيء انما اريد ان أرى بيتك اذا سمحت لي.. فقالت: هو كذلك فعادت امامي الى بيتها، وقد توكأت على عصا كانت معها وسارت على طريق الجبل حتى وصلت الى البيت واخرجت المفتاح الذي كان مربوطاً في طرف ثيابها وفتحت الباب وقالت ادخلي.
دخلت في بيتها واذا هو عبارة عن غرفة واحدة مليئة بالأواني القديمة والفرش والملابس الى جانب ان رائحة الغرفة كان يملؤها الكيروسين فاجلستني على الارض واحضرت لي دلة القهوة وبعض الخبز وقالت اكشفي وجهك لاراك فكشفت وجهي فاخذت يدها فمسحت على وجهي وقالت (الله يسعدك) فسألتها ما اسمك يا خالة فقالت: سعدة، سألتها: كم عمرك؟ فقالت: لا اعرف وما اعلم كم هو عمري!! فقلت وهل هو في حدود ال  100سنة فقالت اكثر يا بنتي فقلت اين زوجك يا خالة فقالت ان جميع ازواجي توفوا!! وامسكت بيدي واخذت تعد على ازواجها الخمسة، فقلت: والابناء فامسكت مرة اخرى بيدي وعدت على اصابعي العشرة وقالت ايضا توفوا ولا يوجد لي احد في هذه الدنيا! قلت ومنذ متى وانت تسكنين هذا البيت فقالت منذ فترة طويلة لا اذكر! فقلت لها: هل تحتاجين شيئاً استطيع ان اساعدك فيه؟ فقالت لا. وبعدها سكتت ثم قالت اذا كنت تريدين ان تساعديني فاريد بيتا آخر غير هذا البيت!!
فكما ترين انه صغير ومرتفع وانا لم اعد اقدر على الصعود اليه.. اطلبي من امير المنطقة ان يعطيني بيتا وسوف ادعو لك ان فعلت!
فقلت لها سأفعل ما في وسعي ان شاء الله بعدها سكبت لي القهوة وقربت لي الخبز، وقالت كلي لا تخجلي مني وسألتها من الذي يزودك بالأكل والمياه واحتياجاتك الاخرى؟ فقالت ان الناس في القرية يعرفون انني اسكن هنا فيأتون لي بكل شيء دون طلب وهم بمقام اهلي وبعدها استأذنتها في اخذت بعض الصور للمنزل وخرجت وامسكت بي وقالت لي لا تذهبي اجلسي عندي لقد استأنست بك وارتحت لك فوعدتها بزيارة في وقت لاحق وخرجت وحاولت ان ابحث عن احد يسكن حولها فوجدت ان اغلب البيوت لا يوجد بها احد فمشيت وبعدها اخدت اتجول في انحاء القرى الاخرى المجاورة والتي توجد بالقرب منها والتقيت بمجموعة من السكان الذين يحاولون ان يتحدثوا عن اهم ما لديهم في قراهم فاشات الى مجموعة منهم عن القبور الاثرية القديمة في منطقة زهران وما تحويه من تاريخ قديم لا يعرفه الكثير منهم فتوجهت الى شمال شرق وادي نوان والذي يقع بقربه قرى مسعود، النصايب، والاحسبة وجميعها تحوي مواقع اثرية.

القبور الأثرية
من المعروف لأهل الباحة ان قرية (ذي عين) هي اهم القرى التي تحوي الكثير من هذه القبور تقع على وادي نوان ويبلغ طول هذه القري كيلاً واحداً وعرضها نصف كيل وتقع هذه القرية على تلال تحيطها اشجار النخيل الوارفة من كل جانب فتوجهت الى هناك لاستطلع صحة هذه المقولة التي تؤكد وجود هذه القبور فوق الجبال وانها حفرت بطريقة غريبة فوق الصخور وبالفعل ذهبت الى هناك وكان على ان اصعد الى بعض من هذه الجبال فقد كانت المهمة شاقة ولكن للوقوف امام الحيقة لابد من المجازفة وبالفعل تم اختيار جبل يكون الصعود اليه ليس مستحيلاً ولكن يحتاج الى العزيمة في الصعود وبالفعل صعدت على قمته ووجدت بعضا من هذه القبور الصخرية قد حفرت بطريقة الكهوف حيث يوجد بها فتحات في مقدمة القبر وهي تختلف عن القبور المألوفة على الارض.
ويعتقد سكان المنطقة انها قبور قديمة كانت لبني كنانة حيث يعتقد ان سبب قيام هذه القرية كان لوجود معدن الذهب في ذلك المكان حيث توجد بعض النقوش الذهبية الموجودة على بعض القبور.
وبعد ان مررت في انحاء هذا القرية وتجولت في معالمها التي تضم الآثار القديمة والمزارع خرجنا بعدها الى الطريق العام عائدين الى الباحة وعلى جانب الطريق وجدت شيخا كبيرا كان جالسا ومعه صندوق كبير من الموز سلمت عليه وسألته عن مصدر الفاكهة التي معه فقال انها من انتاج وادي نون والمشهور بمزارع الموز حيث تتم زراعته بطريقة بدائية وعادية ولا تستخدم فيها الاساليب الزراعية الحديثة وسألته عن معرفته بالمناطق الاثرية الاخري فقال انه سمع انه في بلاد غامد وزهران الكثير منها مثل جبل القهب وجبل غيب وجبل قملا والرحى على هذه الآثار ولكنه لم يزرها على حد قوله.

قرى العقيق
في اليوم التالي قررت زيارة قرى العقيق الواقعة في السراة التي تبعد عن الباحة حوالي  40كيلو متراً رغبة مني في معرفة الوضع المعيشي والاجتماعي للسكان هناك حيث يقطن هذه الأودية الكثير من سكان البادية وتوجهت إلى هناك بواسطة الطريق الصحراوي القديم ومررنا بمنطقة جبلية يكثر فيها الرعي وقطعان الماشية تنتشر في كل مكان بشكل كبير وتنتقل بين بطون الأودية بشكل لافت لزائر المنطقة.

الراعية والصحافة
وأثناء سيرنا في الطريق كنت أشاهد الرعاة الذين يجوبون البراري لرعي ماشيتهم وسط جو قائظ وحار ولا توجد لديهم أي وسيلة مواصلات سوى عصيهم التي يهشون بها على اغنامهم وقبل وصولنا للوادي إذا بي أشاهد من بعيد امرأة ترعى أغنامها لوحدها وتسير على أطراف الجبال بعيداً عن أعين المتطفلين فاستوقفني وادهشني المنظر وجرأتها أن تكون في هذا المكان الموحش بمفردها تطلعت للحديث إليها توقفت السيارة ومشيت باتجاهها وحين رأتني أخذت تقذفني بالحجارة واحدة تلو الأخرى وأنا اكلمها بصوت عال وأقول لها لا تخافي فأنا لن أذيك ولكن هيهات إن كانت تقتنع توقفت لها أريد التحدث إليك إذا سمحت ولكن لا مجيب فالتفت حولي ووجدت بقربي عصا فاخذتها وحاولت تقليدها في رعي الغنم توقفت ونظرت إليّ وهي صامتة وبدأت أكلمها من بعيد علها تجيب ولكن بلا فائدة ويبدو أنها لم تأمن لي. وبالرغم مما حدث لمست فيها الشجاعة حيث ترعى أغنامها في منطقة خاضعة لرعي الأجانب فبعد أن انتظرت حوالي الساعة تركتها وأنا اتحسر على انها لم تترك لي فرصة الحديث معها.
بعدها مشينا ودخلنا الوادي والذي كان في بعض أرجائه بيوت بسيطة ومتفرقة وبعض المزارع.. وتوقفنا عند مزرعة كبيرة وقد كانت تبدو من الخارج خالية وحاولت أن أنادي أي شخص قد يكون موجوداً بها.
فخرج عليّ عامل أظنه الحارس وهو يقول قبل أن أبدأ الكلام (بابا مزرعة ما فيه موجود) تركناه ومشينا إلى مزرعة أخرى لمحت من بعيد بعض الصبية الصغار يلعبون فيها ففرحت بأنني أخيراً وجدت أحداً أستطيع أن أسأله وأتحدث معه.
أطفال الوادي
اقتربت من المكان والذي كانت فيه درجة الحرارة شديدة الارتفاع والوقت يشارف على الواحدة ظهراً توقفت السيارة وسألت الأطفال: أين أمكم؟ فنظروا إليّ مستغربين وهم يتهامسون إلى بعضهم البعض في تعجب، فقال أكبرهم: إنها بالداخل من أنت؟ فقلت له: نادها لي، فركض إلى داخل البيت وهو يناديها بعدها اطلت أمه عليّ من وراء الجدار واخرجت نصف وجهها وهي تتوشح برقعها وقالت: من أنت، فقلت لها: قد اضعنا الطريق أريد أن ارتاح عندك بعض الوقت إذا كنت لا تمانعين، فقالت: أهلاً وسهلاً تفضلي وادخلتني غرفة بسيطة الأثاث وأعتقد أنها غرفة الجلوس، وقالت: من أنت فقلت لها فلانة، وإننا هنا نبحث عن أقرباء لنا في هذه المنطقة وحتى الآن لم نعثر عليهم بعد.. وبادرتها بالسؤال: هل تسكنين هنا مع أولادك بمفردك فقالت: نعم.. وسألتها: ومنذ متى؟ قالت: منذ أن تزوجت وعلى فكرة لم تأتنا الكهرباء إلا منذ شهرين فقط، وسألتها: ماذا يعمل زوجك؟ فقالت: انه يعمل في الباحة في وظيفة حكومية، وقلت: هل أبناؤك يدرسون؟ فقالت: نعم يدرسون في أقرب مدرسة لمكاننا هذا ويوجد لدينا عامل يساعد أولادي في الاهتمام بالماشية وبعض الأمور المتعلقة بالمزرعة، وسألتها: وكيف تعيشين لوحدك في هذا المكان الب
عيد عن المدينة؟ فقالت: لمن نترك أرضنا.. إن رزقنا هنا ولقد تعودنا على هذا المكان. وسألتها: كيف تمضين يومك، فقالت: استيقظ عند صلاة الفجر وأقوم بعمل الخبز وحلب الماعز وتجهيز الإفطار لأبنائي بعدها أقوم بعمل أشغالي المنزلية ويساعدني في ذلك أبنائي أحياناً فيها، وسألتها: هل تزورين أهلك؟ فقالت: نعم في المناسبات والأعياد وهم قد يحضرون إلينا ويقضون عندنا عدة أيام.. وسألتها: عن أصعب المواقف التي مرت عليها في هذا الوادي؟ فقالت: لا يمكن أن يكون هناك أصعب من لدغة عقرب، فلقد تعرض أولادي جميعهم للدغات العقارب السامة وبالرغم من تكرارها إلا أنني لا أخاف منها وأذكر أنه في أول مرة لدغ فيها أحد أبنائي لم أتمالك نفسي فمشيت على أقدامي وأنا أحمله إلى جيراني الذي يبعدون عنا مسافة ليست بالقصيرة واخذوني وذهبوا به إلى أقرب مركزصحي يبعد عنا حوالي  6كيلومترات وكنت وقتها لم اتحمل بكاءه ولم أعرف بعد كيف اسعفه. وبعد أن انتهت من حديثها استأذنت منها في التقاط بعض الصور لأبنائها، فوافقت وبعدها ودعناهم وأنا أشكرها.

أم سعيد والمحراث
وبعد أن تركت المرأة البدوية وذهبت في جولة أخيرة في العقيق على أمل أن أجد أسرة أخرى أستطيع أن أتحدث إليها وأثناء سيرنا مررنا بمزرعة كبيرة بابها مغلق بالأسلاك الشائكة! اقتربنا من الباب وتوقفنا وبعدها حضر إلينا أحد العمال وقال ماذا تريدون فقلت: هل يوجد بالداخل نساء؟ فقال: نعم فقلت أريد أن أكلمهن فأفتح الباب.. ودخلنا ووجدتها مزرعة كبيرة ومترامية الأطراف وسألت العامل أينهن؟ فأشار لي أن أم سعيد زوجة صاحب المزرعة موجودة في الجهة الأخرى من المزرعة سرت إلى الاتجاه الذي حدده ورأيت من بعيد امرأة بين الأشجار اقتربت وسلمت وردت السلام وقالت: من أنت؟ فقلت لها: أنا زائرة لهذه المنطقة، فقالت: ما حاجتك فقلت انني أقوم باستطلاع عن دور المرأة في الزراعة هنا، وسألتها: بحكم أنك تعملين في هذا المجال هل من الممكن أن تعطيني فكرة حول هذا الموضوع؟ فنظرت إليّ وقالت: إن الزراعة هي جزء من حياتنا اليومية ولذلك فهي ليست بغريبة عليّ. فقلت لها. وماذا تعملين هنا في المزرعة، فقالت كما ترين هنا نزرع العنب وأقوم بتغليف العناقيد بشباك بلاستيكية خوفاً عليها من العصافير والطيور وأقوم بتفقدها كل يوم وأتأكد من وصول الماء إلى الأشجار حتى لا تجف ثم أذهب
إلى الجهة الأخرى التي يوجد فيها أشجار التين الشوكي وهو ينبت هنا بكثرة ويعتبر من الفواكه الصيفية في المنطقة.
قلت لها: ولكن من حديثك يبدو أنك متعلمة، فقالت: نعم وتعليمي ابتدائي فقط، وأود أن أذكر لك انه يوجد لدينا عمال في المزرعة يقومون بالزراعة ولكني أحب أن اتفقد كل شيء بنفسي خاصة في غياب زوجي، وسألتها: وهل تعرفين كيف تقودين هذه الحراثة؟ فضحكت وقالت: كنت لا أعرف أقودها ولكن حدث لي موقف دفعني لقيادتها من باب الحاجة والفضول وهي لسيت بالشيء الصعب ففي العام الماضي مرض العامل في المزرعة وأمضى فترة وهو لا يستطيع العمل وأتى موسم الزراعة في الشتاء وهو مريض فلاحت لدي فكرة تشغيل الحراثة وتعلم قيادتها بنفسي وبالفعل تمكنت من تشغيلها وحرث الأرض بها فكان هذا الموقف هو السبب، وقلت لها: وهل تعتقدين انه يوجد نساء يستخدمن المحراث أو الأدوات الزراعية الحديثة في عملهن داخل المزارع، فقالت: يجوز فبعض الأسر المشتغلة بالزراعة والتي ليس لديها المال الكافي وأفراد الأسرة يعملون فيها ولا يحضرون العمال لأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا رواتبهم المرأة هي التي تحرث وتزرع وتقوم بتشغيل مضخة المياه لسقيا المزارع.. وتمسك النساء بهذه والحرفة هو جزء من حياة الآباء الذين علموا أولادهم حب الأرض لأن فيها الخير والبركة، وبعد أن استكملت حديثها ودعتها و أشكرت لها ل
قاءها وبعدها خرجنا من العقيق وأخذنا الطريق الممهد ومررنا بالقرى التي تلي العقيق مثل بني كبير، وبني ظبيان، وبني حسن، برحرح وغيرها من القرى الصغيرة.

بائعة البطيخ
وبعد المخواة توقفنا في قرية البطاط واتجهنا إلى سوق الخضار والذي هو عبارة عن سوق شعبي وبدائي ويجلس فيه الباعة ومعهم غلتهم الزراعية، وكان أكثر الغالب عليها البطيخ والشمام والبلح وتجولنا في السوق الصغير وإذا بي أشاهد امرأة وزوجها يقفان لبيع البطيخ توقفت عندها وسلمت عليها وأخذت أسأل عن الأسعار فقلت لها: استغرب أن تكوني في هذا المكان يا خالة؟ فقالت: لماذا فقلت لم أر امرأة تبيع الخضار حتى الآن! فقالت: أنت من لهجتك غريبة عن المنطقة؟! فقلت: نعم، فقالت: ولماذا الغرابة أنا هنا في هذا السوق أبيع أنا وزوجي منذ  15سنة وأبدأ عملي مع زوجي من الساعة  7صباحاً وحتى المغرب، وسألتها عن أولادها فقالت: عندي أولاد أكبرهم لديه أولاد وهو يعمل في المخواة والبقية لا يزالون يدرسون، والحال كما ترين ضعيفة والعمل ليس عيباً، قلت لها: هل تسكنين في هذه المنطقة؟ فقالت: أنا من قرية جبير وتبعد عن هنا  10كيلومترات، ونحضر الخضار من المزارع القريبة من هنا، قلت لها: وهل تصادفين مشاكل أثناء عملك بالسوق؟ فقالت: إن مشكلتنا هي في الأجانب الذين ينافسوننا في السوق ويحاولون أن يحدوا من عملنا هنا فالبيع في الخضار فيه رزق وفائدة ولله الحمد ولكن في غياب البلد
ية نجد أن العمالة تبيع هنا الخضار بنصف السعر حتى يقبل عليهم الناس.. تركتها واخذت اتجول في أنحاء السوق ووجدت نساء يبعن  بعض البضائع البسيطة ويتخذن مباسط على الأرض.
ومن المعروف أن الأسواق في المناطق الجنوبية مشهورة بالأسواق الأسبوعية إذ لكل منطقة يوم معين تعرض فيه البضائع المختلفة والتي ترد من المدن الكبيرة ولكن أسواق الخضار تظل مفتوحة طوال أيام الأسبوع وبهذه الزيارة ختمنا اليوم الثاني من الرحلة.


#€




 

بقية المواضيع

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض