عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Tuesday 30 July 2002 No. 12457 Year 38

الثلاثاء 20 جمادى الأولى 1423العدد 12457 السنة 38

  القرار متسرع.. ويكرر  نفس غلطة نقل جامعة الإمام

د. فيصل عبدالعزيز المبارك

أثار خبر نقل المكتبة الوطنية التي مضى على وجودها في موقعها الحالي أكثر من أربعين عاماً ردود فعل عديدة تراوحت بين العاطفية والواقعية.. من الذين ارتبطت مراحل الطفولة والشباب عندهم بتلك المكتبة إبان سنوات "الثروة الفكرية" - التي سبقت سنوات الطفرة - إن صح تسميتهما كذلك، وفئة "الواقعيين" الذين لم يجدوا بداً من التعامل مع الواقع المتمثل في انخفاض عدد المرتادين..؟
ومن المؤسف أكثر أن هذه المكتبة ستنقل إلى مبنى مستأجر!! ولن يكون من المستغرب أيضاً أن يحصل في المبنى المستأجر كارثة أخرى كتلك التي حصلت في مدرسة مكة المكرمة قبل أشهر قليلة، ويطرح السؤال نفسه: هل سنقوم بنقل كل عنصر ثقافي اللهم لمجرد ضعف الاقبال وقبل أن نسأل أنفسنا لماذا تناقص الاقبال قبل الخروج بقرار متسرع كما حصل الأمر في قرار نقل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً؟؟ باختصار، لدينا مشكلة في فهم مجالات تخطيط وتمويل وإدارة المدن.. في هذا الجزء الأول سأتحدث عن تأثيرات قرار نقل المكتبة الوطنية على وسط الرياض بتوسع، بينما سأناقش الدور الشمولي لعلم التخطيط العمراني في إعادة احياء المدن ومراكزها في الجزء الثاني من هذا المقال.
فكما أنني أسفت قبل عشرين سنة لقرار نقل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية خارج وسط مدينة الرياض ها نحن نكرر الغلطة مرة أخرى بنقل المكتبة الوطنية خارج مركز العاصمة مما يعزز تدهور وظائفه واحدة تلو الأخرى.. كنت آنذاك أقول بأنه كان بالامكان بذل ما يعادل قيمة أرض موقع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجديد شمال الرياض لشراء المواقع الخربة داخل وسط الرياض وترميم المنشآت القديمة ذات الأهمية تدريجياً، ضمن مخطط لمدينة جامعية يتم تطبيقه مرحلياً ولعشرات السنين (ولكن نظام أملاك الدولة يجعل مرونة مثل هذا أمراً مستحيلاً!!).. ولنا أن نتصور القيمة الاقتصادية (والتاريخية) الكامنة من بقاء جامعة الإمام داخل وسط الرياض وهي تحرك الاقتصاد العمراني لوسط المدينة من خلال القوة الشرائية للطلاب و الكليات وفتح مجال توظيفهم في مجالات العمل خلال سنوات الدراسة في المنشآت المحيطة واستفادة السكان والطلاب من الوجود بين الخدمات المتاحة وفرص تأجير المساكن للطلاب، وفوق هذا الحدّ من الحركة المرورية من جراء الانتقال نحو أطراف المدينة كما هو حال الموقع الحالي.
هذا هو شأن الجامعات العالمية كالجامعات الفرنسية في وسط باريس وجامعات كمبردج وأكسفورد البريطانية العريقة، جامعات تتناثر مبانيها ضمن المركز التاريخي ولا ضير في ذلك.. وهو حال معظم جامعات العالم، التي وجدت لمئات السنين ولم يفكر أحد لنقلها بسبب ظروف مؤقتة كالازدحام أو انتقال السكان خارج المدن بل أصرت إداراتها وتضافرت الجهود مع الحكومات المحلية على البقاء حيث العبق التاريخي لتلك الصروح التعليمية الضخمة.. وفي الولايات المتحدة، وتقع جامعة جنوب كاليفورنيا (USC) في مدينة لوس انجيليس وفي منطقة متردية يسكنها الفقراء وتعج بالجريمة ومع ذلك يرتادها طلاب من أغنى الأسر الأمريكية والعالمية.. ولكن تصميم شبكات الطرق السريعة والشريانية تطورت مع مرور الزمن لتغذي تلك الجامعة بقنوات الحركة المناسبة، وأصبحت الجامعة مصدراً هاماً للأنشطة الاقتصادية التي استفادت منها الأسر المحيطة بالجامعة واستفاد السكان من تأجير منازلهم أو أجزاء منها للطلاب وازدهرت المنطقة المحيطة بالتجارة وتم تطوير متحف ضخم على مقربة منها وبناء ملعب ضخم لكرة القدم، وأصبحت مرافق الجامعة عناصر تدريب وتثقيف للسكان المحيطين وحدائقها ساحات ترفيه لهم.. بالطبع لم يستسلم القائمون على المدينة لأعذار الازدحام وارتفاع معدلات الجريمة بل قلبوا سلبيات الموقع إلى ايجابيات.. فلماذا نسرع بتفريغ مركز الرياض من رناته الثقافية، ثم نتوقع أن يقبل المرتادون إلى وسط المدينة وهو لم يتغير (تخطيطياً) منذ عشرات السنين اللهم إلا القليل؟
وعودة إلى قضية نقل المكتبة الوطنية من مبناها المتهالك، تشكل المكتبات أنشطة ثقافية تعكس البعد الحضاري لأي مجتمع.. بالطبع سيفشل موقع أي مكتبة لأن مقومات الحياة الثقافية لمركز الرياض تضمحل واحدة تلو الأخرى، بدءاً بنقل جامعة الإمام.. طالما تمنيت أن يكون لدينا نظام مكتبات وطنية موحد لا أن تتوزع وظيفة المكتبات بين مختلف الجهات - فلماذا تزدهر مكتبة الملك عبدالعزيز في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي ومكتبة الملك فهد وتفشل المكتبة الوطنية؟ أليس كلها منشآت تحوي كتباً تقوم على تمويلها دولة واحدة؟
عرفت مراكز المدن العالمية برصيدها التاريخي الذي لا يقدر بثمن.. وبدلاً من نقل المؤسسات الثقافية واحدة تلو الأخرى سواء كانت جامعات أو برلمانات أو مكاتب أو متاحف،، تقوم الجهات البلدية بمؤازرة تلك المؤسسات في الاحتفاظ بمواقعها.. بالطبع تعتمد مصادر تمويل تلك البلديات على الضرائب التي تستفيدها من بقاء تلك الأنشطة في مواقعها، فتقوم بوضع مخططات هيكلية محلية ذات برامج تنفيذية تشتمل علي آليات تمويل تضمن بقاء مراكز المدن فتية.. وتخصص لها الميزانيات وتقوم المدن باقتراض الملايين لتوظيف بيوت الخبرة في شتى المجالات التخطيطية، وشق الطرق وشراء الأراضي الخربة والمباني الآيلة للسقوط لتوفير مواقف السيارات وتوسعة الميادين وتشييد الحدائق العامة وبناء المتاحف، ضمن مخططات رائعة.. ولتأصيل الرصيد التاريخي تقوم بشراء المساكن والمباني ذات الجودة المعمارية أو التي ارتبطت بسكن عظمائهم لتبقى ذكرى للجميع.. هكذا يتم تجديد وسط جميع المدن وتحتفظ الدول بمراكز عواصمها ذات ثراء ثقافي تفخر به بين الدول، وليس ترحيلها منها كما نراه مرة أخرى وربما ثالثة ورابعة.. فمواقع  الجامعات إما أن تبقى وتصبح أداة تطوير لما حولها أو  أن تنتقل إلى مدن أخرى طلباً لتوزيع التنمية المتعادلة بين الأقاليم لا أن تنتقل إلى أطراف المدينة في منافسة لأنشطة أخرى هي أولى بها.. تصارع مراكز مدن المملكة منافسة أطراف المدن، وهي مكبلة بضوابط مالية وبيروقراطية تجعلها عاجزة عن التطوير والابتكار.. لقد أصبحت المركزية تهدد مستقبل بقاء المدينة السعودية وهي مقيدة بضوابط وتعاميم صممت لجميع الحالات والمقاسات (one size fits all) على درجة من العمومية يستحيل تطبيقها بعدل وتجانس على الجميع.
ثم إننا لم نسمع تقريراً وافياً عن أسباب تناقص الاقبال، ولم يثر أحد السؤال التالي: هل الموقع هو المشكلة الوحيدة؟ أم أن المبنى أصابه ما أصابه من التدهور ونقص الصيانة (كما هو الحال في الكثير من منشآت وزارة المعارف) وعلا صالاتها الغبار ولم يتم تجديدها وإعداد الظروف المحيطة المشجعة من مواصلات ومواقف وبرامج تأهيل وجذب للقراء؟ ربما كانت أحد الأسباب تولي وزارة المعارف المنشغلة بالتعليم - ويكفيها هدفاً نبيلاً تعليم أبنائنا - فلماذا لا ننظر في أن تستقل الوزارة لتعليم وتترك المكتبات لجهة أخرى وأن تنقل وظيفة الآثار إلى الهيئة العامة للسياحة مثلاً.. أيها الاخوة والأخوات، المكتبات أكثر من مجرد أرفف لصف الكتب في مبانٍ كئيبة متسخة تفتقد إلى أدنى الابتكارات المعمارية التي تشجع الاقبال والقراءة.. القصد هنا أن فشل الوظائف العمرانية في أي مجال كان يجب أن ننظر إليه بشمولية تتجاوز ردود الفعل السطحية العاجلة (كنقص المرتادين في موضوعنا هذا) فيجب النظر في العلاقات الفراغية وهرم الهياكل الوظيفية والنظر في الظواهر المجتمعية.
إن المطالع للصحف السعودية يقرأ يومياً الأوضاع المتردية لمركز المدن حيث المنشآت المتدهورة، وتراكم النفايات، وعجز الجهات البلدية عن تقديم العلاج الايجابي للمشاكل المتزايدة، كل ذلك على حساب التجهيزات الأساسية وأصبحنا نرى تكدس السلع في الشوارع والطرقات والتي يقوم عليها وافدون.. وقد أفادت احدى الدراسات أن نسبة الأنشطة التجارية تفوق اضعاف مثيلاتها في المدن الرأسمالية العالمية، كل ذلك يسبب اختناق الأنشطة المؤسسة بسبب المنافسة من الباعة غير المرخصين بشكل مرشد.. وانه من المؤسف ان دور البلديات أصبح دور (البوليس) في مراقبة وملاحقة (وقمع)  المخالفين في كل مكان حتى ان أخبار البلديات تكاد تكون محصورة في مجال المكافحة والمداهمة، بدلاً من أن يكون دوراً ايجابياً يتمثل في رعاية التنمية وتطويرها.
لاشك ان هناك محاولات جادة للرفع من مستوى وسط مدينة الرياض كما هو الحال في تشييد متحف الملك عبدالعزيز التاريخي وتطوير منطقة قصر الحكم وأخيراً، وليس آخراً، حديقة سلام.. ولنا أن نتصور وضع وسط الرياض بدون هذه المشاريع المشرقة.. ولكن تطوير مراكز المدن أكثر من عمليات جراحية لمواقع معينة تقيدها الموارد المالية المتاحة، بل خطط هيكلية محلية متكاملة ترسم خطوطاً طويلة المدى لتملك مواقع بطريقة تدريجية لمد وتوسعة شبكات الطرق وبناء شبكة نشطة للنقل العام (الباصات والقطارات الخفيفة) وتوفير المواقف والساحات والميادين، تسهم في مجموعها في جذب السكان من أطراف المدن وجذب الشركات إلى الوسط بشتى وسائل الجذب من تخفيضات على أسعار الأراضي أو الحوافز المالية المباشرة كالقروض المخفضة وتأسيس شركات تمويل مشترك بين القطاع العام والخاص.. فالمدن العالمية تتصرف مالياً بقدرة تفوق بكثير الأنظمة واللوائح المقيدة التي تنوء تحت وطأتها المدن السعودية.. وهكذا يتآزر الجميع لتحقيق مصالح مشتركة.. وفي الجزء الثاني سأكمل الحديث حيث سأتطرق للمفهوم العام لمجال التنمية العمرانية وتخطيطها في مراكز المدن وخارجها وأوجه التعامل معها.
fmubarak@hotmail.com







 

بقية المواضيع

 

 

[ الصفحة الأولى | أخبار الإقتصاد | النفط | أخبار الشركات | الأسهم وصناديق الإستثمار | التنمية البشرية | العمران والتنمية | حماية المستهلك ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
economy@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

الصفحة الأولى

أخبار الإقتصاد

النفط

أخبار الشركات

الأسهم وصناديق الإستثمار

التنمية البشرية

العمران والتنمية

حماية المستهلك

إنضم إلى قوائم
الرياض