عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Monday 29 July 2002 No. 12456 Year 38

الاثنين 19 جمادى الأولى 1423العدد 12456 السنة 38

  رحيل الدكتور عبدالرحمن بدوي

إعداد - عبدالعزيز الصقعبي:

بعد ثلاثة أشهر من دخوله المستشفى وصراع طويل مع مرض السرطان توفي في القاهرة يوم الخميس الماضي  25يولية المفكر والفيلسوف الدكتور عبدالرحمن بدوي عن عمر يناهز  85عاماً والدكتور بدوي من مواليد  1917في قرية شرباص في مدينة دمياط وحصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة عام 1938م وعمل معيداً بجامعة القاهرة ونال درجتي الماجستير ثم الدكتوراه عام 1944، وقد عمل الدكتور بدوي في عدة جامعات عربية منها جامعتا طرابلس والكويت كما عمل في جامعة طهران وقضى السنوات العشرين الأخيرة من حياته في فندق بباريس.
وقد قال عنه الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي الذي شارك في لجنة الحكم على رسالته لنيل درجة الدكتوراه انه "أول فيلسوف مصري" فقد كانت له رؤيته الفكرية الخاصة.
وقد حفلت حياة الدكتور عبدالرحمن بدوي بالمؤلفات الفلسفية والأدبية الغزيرة إذ ألف أكثر من  120كتاباً منها خمسة مجلدات بالفرنسية وترجم حوالي  100كتاب لكبار الفلاسفة بالإضافة إلى مئات المقالات والأبحاث التي قدمت في مؤتمرات دولية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والأسبانية كما ترجم مجموعات قصائد شعرية، وفي عام  1999حصل على جائزة مبارك للعلوم الاجتماعية وقيمتها مئة ألف جنيه، وقد نشرت "ثقافة اليوم" على مدى حلقتين أسرار في حياة الفيلسوف عبدالرحمن بدوي رواها شقيقه ثروت بدوي وكتبها الدكتور سعيد اللاوندي وذلك في العددين الصادرين في  18و 19يونية 2000، مما قاله ثروت بدوي عن الدكتور عبدالرحمن بدوي:
- لقد كان منكباً طوال الوقت على القراءة والتفكير أما هاجسه الدائم فكان اللغات التي تعلمها بنفسه معتمداً على ذاكرته الحديدية (يقال انه يعرف عشر لغات معرفة جيدة) ولم يكن يضيع وقتاً في غير القراءة حتى في إجازات الأعياد عندما نذهب إلى شرباص كان يحمل كتبه معه ويظل يقرأ ليلاً ونهاراً.
شيء آخر كان يعشقه الدكتور عبدالرحمن وهو الزراعة. ففي الإجازات الصيفية كان يقوم بالإشراف على عمليات زراعية كثيرة مثل جني القطن، أو ضم القمح أو دراس الأرز. ويحب أن يقسم المحاصيل بين أصحاب الأراضي وبين الفلاحين المزارعين.
وحول عزوفه عن الزواج يقول ثروت بدوي عن أخيه الدكتور عبدالرحمن:
- لأمر ما كان والدي ووالدتي من الحريصين على أن يتزوج شقيقي الدكتور عبدالرحمن فور تخرجه في الجامعة لكنه كان قد قرر لنفسه طريق العزوبية إلى الأبد وللانصاف لا بد أن اذكر أن الدكتور عبدالرحمن قد اتخذ قراره في وقت مبكر لأنه ادرك أن تكوين بيت وأسرة وأولاد سيأتي حتماً على حساب البحث العلمي والاستغراق فيه وعلى الرغم من ذلك كانت والدتي تنتظر أن يعلن موافقته على الزواج ليبدأ البحث عن (عروسة) تليق به.
ويضيف بأنه لا يعتقد أنه نادم الآن وإن كنت اتصور انه استشعر بعض الندم في الخمسينيات وبداية الستينيات لأنه كان يلتقي بنا ويجلس مع شقيقنا الأكبر (وهبة) وأولاده ومع المهندس محمد عبدالمنعم وزوجته.. والجميع يتحدث في أمر زواجه وكان شقيقي عبدالرحمن يستمع إلى الحديث باسماً في أغلب الأحيان وخصوصاً عندما كانت زوجة وهبة أو زوجة عبدالمنعم تعرضان عليه الفكرة بحماس..
في هذه الأوقات كنا نستشعر انه يقتنع لكن للانصاف لم يحدث في يوم من الأيام أنه اتخذ خطوات إيجابية في هذا الطريق على الرغم من أننا كنا نلتف حوله ومعنا بعض الأقارب والأصدقاء منهم حسان أبو سمرة الذي كان يتميز بخفة الدم.. لكن الدكتور عبدالرحمن كان يكتفي بأن يسمعنا مبتسماً، وعلى كل حال أعتقد أن المرحلة الأولى وكانت عقب التخرج كان يرفض فيها الفكرة من أساسها.. ثم المرحلة الثانية عندما بلغ عمره ال  35عاماً.. أعطانا انطباعاً بأنه نادم.. لكن تبين أنها كانت مجرد أحاديث ينتهي اثرها بانتهاء المجلس!.
وحول حياته في الغربة يجيب ثروت بدوي على سؤال الدكتور سعيد اللاوندي عن باريس والغربة الطويلة في بلاد الفرنجه حيث يقول:
- يجب أن تعرف أن الدكتور عبدالرحمن كان اعتاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على أن يقضي ثلاثة أشهر على الأقل في باريس وأوروبا (خصوصاً هولندا وأسبانيا للاطلاع على المخطوطات).
واستطيع أن أجزم بأنه كان بمثابة (عمدة باريس) في الأربعينات والخمسينات.. فعقب الامتحانات، وعندما يفرغ من تصحيح الأوراق في الجامعة، يطير إلى باريس التي يبدأ حياته فيها كالتالي: يخرج من فندق لويتسيا (حيث يقيم) في الثامنة والنصف صباحاً، ليتناول إفطاره في الحي اللاتيني وتحديداً في مقهى ماركيزون الواقعة في شارع سان ميشيل.. حيث يلتقي بتلاميذه ومريديه وبعد نحو ساعتين يشد الرحال متجهاً إلى المكتبة الوطنية التي يظل فيها باحثاً ثم يعود إلى المقى ليلتقي بتلاميذه حتى السابعة والنصف بعدها، يتناول العشاء في أحد المطاعم الصغيرة المنتشرة هناك، ثم يقضي السهرة. اما في مشاهدة مسرحية أو مشاهدة عروض الأوبرا، أو جالساً في مقاهي سان جرمان الشهيرة حتى يلتقي بكبار المفكرين والرسامين والأدباء. ثم يستطرد الدكتور ثروت بدوي قائلاً: كان شقيقي عبدالرحمن يسير على نفس البرنامج بشكل منتظم دون ملل أو كلل.
وعندما سافرت إلى باريس في نوفمبر 1949م لإعداد أطروحتي للدكتوراه، صادفت تلاميذه في كل مكان، وكانوا يعرضون عليّ خدماتهم حباً في أستاذهم عبدالرحمن بدوي.
ولأن شقيقي يتمتع بذاكرة حديدية فكان يحدثني باستفاضة عن تواريخ وأحداث كثيرة في كل مكان نسير فيه معاً. فهو يكاد يحفظ كل شيء عن المتاحف والكنائس والقصور التي تملأ باريس ويعرف أسماء جميع الفنانين والخطاطين، وكل من له لمسة جمال في باب كنيسة أو في صورة أو على حائط.
ومن الأمور التي أذهلتني يوماً انه في عام 1954م أخبرني انه يحفظ عن ظهر قلب معجم لاروس الفرنسي الضخم. فلم أصدقه وظننته يمزح.
فقال لي متحدياً: هذا هو لاروس وبوسعك أن تختبرني وستجدني إن شاء الله من الفائزين.فتعمدت أن أبحث عن أشياء صعبة فسألته في كلمات يستحيل أن أذكرها الآن من فرط دقتها مثل اسم جزء من وريقة في شجيرة.فكانت المفاجأة أنه أجابني بإسهاب. فسألته عن اسم حيوان لم أسمع به من قبل، فأذهلني انه يعرف كل شيء عنه.
وأذكر الآن ترجماته الدقيقة من اللغات الأوروبية، وهو صاحب الفضل في ترجمة كلمة لفََمَّ الفرنسية التي كانت توقعنا - نحن رجال القانون - في حيرة فكان أن أراحنا عندما ترجمها لكلمة معطيات بالعربية وبسبب دقة ترجماته، ورهافتها، جعلني أعشق مشاهدة المسرحيات التي كان يقوم بتعريبها، ومنها مسرحية كان بطلها الفنان عمر الحريري شاهدتها مع أصدقاء لي على مسرح الجامعة الأمريكية.
وبموت الدكتور عبدالرحمن بدوي يسدل الستار عن شخصية أثارت كثيراً من الجدل لتاريخها السياسي والفكري والفلسفي، ولمساهمته في مد الجسور الفكرية بين مختلف الحضارات والمناهج الفلسفية حيث ألف كتباً كثيرة في الفلسفتين الإغريقية والإسلامية إضافة إلى ذلك كان شاعراً موهوباً.


 

بقية المواضيع

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض