عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 28 November 2002 No. 12578 Year 38

الخميس 23 رمضان 1423العدد 12578 السنة 38

  إدوار الخراط لثقافة اليوم: لكل أدب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه أصالة معينة

حوار - جهاد فاضل

كان الناقد المصري الكبير الراحل الدكتور لويس عوض يفتقد في سنواته الاخيرة مصر القديمة التي عرفها في شبابه، قبل ثورة يوليو، ويقول عن مصر تلك، انها غائبة، ولكنها راجعة.. فما هي مواصفات مصر تلك وما سبب غيبتها ولماذا ستعود؟
بهذا السؤال بدأ الحوار مع روائي وناقد ومفكر مصري هو الاستاذ ادوار الخراط الذي يتحدث في الكثير من اعماله الروائية على الخصوص عن مصر ما شبيهة بمصر التي كان يفتقدها لويس عوض. فما هي مصر هذه؟ وهل هي غائبة وهل هي راجعة ايضا؟
ومن هذا السؤال اشتقت اسئلة اخرى حول شخصية مصر وابعادها المختلفة: البعد الافريقي والبعد الآسيوي والبعد المتوسط والأوروبي دون ان ننسى عراقتها الفرعونية القديمة وهويتها العربية الاسلامية التي سلمت لها منذ الفتح العربي.
ولكن الحوار مع ادوار الخراط اتسع ليشمل جوانب ثقافية وادبية مختلفة منها "مصرية الادب" التي كان يتحدث عنها الشيخ امين الخولي، ومنها الحداثة ومفهومها، ومنها الفصحى والعامية. ادوار الخراط يرى ان الحداثة، (ويا للغرابة!) هي في نهاية المطاف الاصالة وليس الجدّة، وبهذا المعيار يرى في الكثير من صفحات تراثنا القديم (كصفحات المعري والمتنبي والتوحيدي والنفري) حداثة لا يمكن ان يمرّ عليها الزمن.
وبدأ الحوار بسؤال مصر.
- قال ادوار الخراط ل "الرياض": هذا سؤال هام، وطويل سُلَّمُهُ.. هذا صحيح في اعمالي الاولى مثلا: "ترابها زعفران"، وما ينحو نحوها، كان هناك هذه "المصر" التي تغيرت معالمها، على الاقل. لكن اظن انه في روايتي الأخيرة "يقين العطش"، مصر الآن ماثلة بما فيها من مشاكل وصراعات، ما يسمى بالنزاعات التي تهدد نسيج الوطن في وحدته. وربما كان هناك في الرواية المعاصرة من تناول هذه الناحية التي كانت تُعتبر شائكة وحساسة ودقيقة، ولا يجوز الخوض فيها الى آخره.. انا احكي واحلل، الى حد ما، اسباب هذا التماسك، او هذه الطعنة. وهذا يتبدى في بعض عناوين الرواية. الرواية مكونة من تسعة فصول. الفصل الخامس منها بعنوان "جسد طعين"، الجسد المعطون هو جسد الوطن، جسد مصر. قبل ذلك، او بعد ذلك، هناك "جسد غامض الوضاءة". هو ماذا مضيئاً، لكنه ملتبس. ما زال غامضاً.
مصر عندي هي كل هذا. هي الماضي العريق جدا، والماضي الحديث الذي عاصرتُهُ وعشته في صباي، وطفولتي، وشبابي. الذي يحسّ المرء نحوه بنوع من الحنين، النوستالجيا، المناعمة الذي لا يرين. هو هذا، لكنها ايضا الواقع: مصر المشاكل والصعوبات، التي تتعرض الآن لغزوات. تتعرض للعدوان من الاغراب ومن بنيها ايضا، او من بعض بنيها. ولكن في يقيني ايضا، مثل لويس عوض، ان مصر "راجعة".. "راجعة"، وان مصر لا تزول، وان جوهرها باقٍ مهما تغيرت المظاهر..
متى؟ هذا سؤال. متى؟ هذا سؤال الاجابة عليه صعبة. ستعود مصر ان لم تكن بالضبط كما كانت، ففي جوهرها.
7من مواصفات مصر الغائبة هذه - ان صح انها غائبة؟
- هي غائبة حاضرة..
7من هذه المواصفات هذا التعدد في المناحي والتوجهات..
- من مقوماتها الاساسية هذا التنوع في داخل وحدة معينة، المقدرة على اذابة وصهر عوامل ومكونات مختلفة، لكي تصبح في النهاية شيئاً واحداً. انا اذكر عبارة وردت في "رما والتنين": "مصر تحوّل كل شيء إلى تبره الخاص". حتى التراب، الوطن يحوّله الى تبر.. يحوّل كل شيء، بما في ذلك اللغة، وهكذا، لان مصر مصّرت المسيحية، كما مصّرت الإسلام. اصبح لكل من هذين الدينين سمات مصرية لا تتكرر في غير مصر.
وكذلك، فإن مصر مصّرت كل شيئ فيها. استطاعت ان تزيل الغزاة الفاتحين، الوالين الوافدين، ان تحوّلهم الى ابناء لها. حتى العدوان يتحول الى شيء منها، من صميمها. وهذا ما حصل باستمرار. في البداية، الفرس، فاليونان، فالرومان، فالعرب، فالترك، فالفاطميون، فالمغاربة، ولا ننسى الفرنسيين والانكليز وسواهم. خصوصا الاتراك.. لقد تحولوا الي جذر واحد، الي جذور متشابكة..
7مصر بدون شك تختلف، لهذه الجهة، عن اي بلد عربي آخر.. ثمة شعوب مختلفة داخلها، دماء مختلفة.. إذا اخذنا امير الشعراء شوقي، وجدنا ان دماء مختلفة تسري في ذاته: الترك، الشركس، العرب، اليونان..
- البلد الواحد، والوادي الواحد، ميزات معينة.
البقاء على قيد الحياة والازدهار في مثل هذا الشريط الطويل، يتطلب تحويل كل شيء فيه الى خدمة هذا الوادي لسبب جغرافي طبعاً، لكن لاسباب اخرى اثنوغرافية وهكذا. وقد يكون هناك - باعتباري مصريا شديد التعصب لمصريتي - سرّ خاص..
7كان المؤرخ اللبناني الراحل يوسف ابراهيم يزبك يقول عن لبنان "ان له خصوصية معينة: فإن نقول عنه انه عربي خالص، فهو ليس عربيا خالصا، وان نقول عنه انه غير عربي، ففي ذلك افتتات على الحقيقة".. ويبدو ان مصر من هذا النوع: عروبتها ذات خصوصية معينة، ولكنها، مثل لبنان، عربياً بالطبع.
- أنا اوافق تماماً على هذا الرأي. البعد العربي في مصر واضح الآن بعد اربعة عشر قرنا من الفتح العربي، فاصبح مع ابعادها العريقة وتاريخها العريق، سواء كان فرعونيا او بيزنطيا او قبطيا، بعدا ثانيا. اصبح احد المقومات والخصائص، فلا يمكن انكاره، لكن لا يمكن الاقتصار عليه ايضا، وهذه هي نقطة الجدل او النظر في المسألة..
هي ليست عربية خالصة.. هل هناك شيء خالص مائة بالمائة؟ لكنها ليست بالتأكيد غريبة عن العروبة. لا يمكن. هي عربية بالطبع.
7وليست غريبة عن افريقيا، وليست غريبة عن اوروبا ايضا. فعبقريتها ليست في المكان فقط، كما كان يقول جمال حمدان، بل في أشياء كثيرة..
هذه الأبعاد اساسية فيها: البعد الافريقي والبعد المتوسطي. كلها ابعاد اساسية ايضا، الى جانب البعد العربي. هذا صحيح..
وانت تجد هذا في محاولة دائبة في كل اعمالي وخاصة في الثلاثية: "راما والتنين"، ثم "الزمن الآخر"، ثم "يقين العطش". تجد هذا البحث، وايضا هذا الحب والتوتر. هناك في هذه الثلاثية شخصية "راما" التي هي امرأة متعينة، عضوية، حسّية، آنية بكل واقعيتها، ولكنها ايضا لها ابعادها الاسطورية والرمزية، سواء كانت افريقية او عربية او غير ذلك، كأنها معادل او موازن للوطن ولأشياء اخرى.
* في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، حاول الدكتور طه حسين ان يربط مصر باوروبا، وبالبحر المتوسط، اكثر من اللازم.. هل تعتقد ان مثل هذا المنحى اخذ مجاله في التاريخ الحديث، او انه سيأخذ مجاله في المستقبل؟
- هذا الكتاب لطه حسين محكوم بالظروف التاريخية التي كُتب فيها. نسقط هذا المنظور التاريخي لكتاب "مستقبل الثقافة في مصر". لقد كُتب فيها في الفترة التي كانا فيها مصير ومستقبل مصر موضع البحث، قبيل الاستقلال الكامل، قبيل الجلاء الكامل، ووجود قوات الاحتلال في مراكز حاكمة.
هناك بلا شك، في تلك الفترة، في الثلاثينيات، كانت هناك موجة تدعو الى "أوروبة" مصر، اذا صح هذا التعبير، كان من انصارها الكبار كتّاب مثل سلامة موسى. وبهذه الموجة تأثر طه حسين في كتابه.
المسألة الآن قد تختلف قليلا. وانا لم اعد ارى ان المسألة مسألة ثقافة اوروبية او غربية، بل استشعر انها ثقافة انسانية شاملة. لان هذه الثقافة الانسانية لا شك انه اسهم فيها الغرب بشكل عام، اسهاما اساسيا ومبدعاً وخلاقاً باستمرار. هذه الثقافة نفسها ليست واحدة. اولا ليست قالبا مصمتا، لانها هي ايضا متعددة المناحي والاتجاهات. فيها عناصر غريبة، مشوبة، او مكروهة ومدانة، وفيها عناصر يجب ان تكون موضع تقييم واستعداد وتلقّ.
ليست المسألة مسألة تحويل مصر الى قطعة من اوروبا، كما كان يزعم مثلاً الخديوي اسماعيل، وكما كانت تدعو هذه الموجة الى "أوروبة" مصر. ولكن المسألة ان تحتفظ مصر (وكل بلد آخر) بما في هويته الخاصة من مميزات ومقومات على ان لا يُغلق على نفسه ابواب الثقافة العالمية او الإنسانية. في الثقافة الاوروبية هناك مناحي وانجازات واسهامات وآفاق على كل بلد ان يفيد منها، ويطوّعها، ويلخصها، ويدمجها في ثقافته.
على الأقل في الثقافة ليس هناك حرس حدود، ليست هناك جوازات سفر. ليس هناك جمارك، بالمعنى الذي نعانيه ايضا. اين ايام مضت عندما كان يركب اي انسان في العالم العربي، او في اوروبا، حصانه او ناقته ويسافر من غرناطة الى خراسان؟.
وكذلك كان يحدث في الغرب.. دلوقت القومية، مع ما لها من افضال، ادت الى كوارث منها هذه العزلة، او الحدود المصطنعة المفروضة بين الناس، والتي تؤدي باستمرار الى نزاعات وصراعات وحروب الى آخره.
لكن في الثقافة ليس هناك كل هذا. صحيح ان ما يسمى بالبعد الاوروبي غاب عن الحياة الفكرية في مصر، في العقود الاخيرة منذ الخمسينات والستينات والسبعينات الى آخره. لكن اظن ان الآفاق تنفتح الآن، إما لخير او لشر. انها تنفتح علي كل حال، وعلى المثقفين انفسهم ان يصلوا الى الصياغة الحقة، الصيغة العادلة، بين هذه المقومات جميعاً..
7أنا معك في ان الثقافة ذات آفاق انسانية، وانه لا حدود فيها، ولكني اجد ان لكم في بعض ما كتبتم، حديثا حول "مصرية الأدب" او "الادب المصري"، وهو ما كان يقول به الشيخ امين الخولي.. لقد الححتم مراراً على "مصرية الادب".. فهل ما زلتم على هذا الرأي؟
- لا اعرف ماذا تعني بالالحاح على "مصرية الادب".. بشكل طبيعي، الادب في مصر مصري، والادب في لبنان لبناني، والادب في سوريا سوري، والادب في المغرب مغربي، الى آخره.
لكن اذا انتقلنا الى خط ابعد من هذا، ابعد من المسلمات نجد نفس المشكلة التي تحدثنا عنها الآن: وضع الحدود، او وضع انواع من التفرقة. لكل بلد خصائص. وحتى في داخل البلد الواحد، هناك خصائص معينة لكتاب ينتمون الى فئات ثقافية قد تختلف، او قد تتنوع. لعل الكاتب الصعيدي يختلف، قليلا او كثيرا، عن الكاتب الاسكندراني، او الكاتبة التي تعيش في بيئة شبه صحراوية.
لكن هذا لا ينفي وجود عناصر واحدة عناصر تجاوب. الادب المصري هو جزء من الادب العربي.. وكما ارجو، وآمل ان يكون، جزءاً من الادب الانساني. فليست هناك ما يمكن تسميته بالشوفينية في الثقافة
والادب. لكن لا يمكن ايضا ان ننكر على الادب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه اصالة معينة، تفردا معينا. لكن ارجو الا تقطعه عن سائر اوصال الادب الذي ينتمي اليه بشكله العريض، اي الادب العربي بشكل عام، او الادب الانساني، هذا ما ارجوه.
7الاحظ عندما اقرأ اعمالا لكم متانة اللغة، اتقان اللغة العربية: العبارة المسبوكة، المعرفة الجيدة باسرار اللغة العربية، وهذا لا يؤثر عادة عن انصار الحداثة اليوم.. فهؤلاء كثيرا ما تقترب لغتهم من اللهجة الدارجة..
- انا سأذهب الى ابعد من هذا، وسأل نفسي كيف وفقت بين لغة وثيقة الوشائج بجذورها التراثية، وفي الوقت نفسه التي تفيد في عملي الروائي من لهجات مختلفة وعاميات مختلفة، وما ارجوه وما يسعدني ان اسمع نقادا كثيرين يلحظون انه ليس ثمة نتوء، او نشوز، او اقحام لهذه المستويات المتعددة من اللغة العربية. كما تعرف، اللغة العربية لغة غنية جدا. اسميتها مرة فادحة الغنى، فاحشة الغنى.. ونحن الكتاب، ربما الشعراء لا نستفيد من هذه الثروة الهائلة. كتاب القصة والرواية، في الغالب، كتاب القصة القصيرة وكتاب الموجات الاخيرة، موجات الشباب الآن، موجات ادب التسعينات، يُفقرون انفسهم، وبالتالي يفقرون حساسيتهم ويحدّون من خبرتهم ويضيقون من افق رؤيتهم بالاقتصار على لغة تكاد تكون سطحية، دارجة، عامية. لكن العامية ليس العيب فيها بذاتها، انما في كيفية الافادة منها، او كيفية توظيفها، لأن بعض الالفاظ العامية، والتركيبات العامية، فريدة، ولها نكهة ومذاق خاص جدا، ولا يمكن احلال لغة او عبارة فصحي قديمة تحجرت واصبحت قالبا محلها.
إذن المسألة في النهاية هي مسألة شيئين: موهبة وحاسية من ناحية، ومعرفة من ناحية اخرى.
الكاتب عليه اولا واساسا ان يتقن صنعته. وهذه بديهة من البديهيات. الرسام الذي لا يعرف كيف يمزج الالوان، لن يكون فنانا بالمعنى الحقيقي. ما بالك بالكاتب الذي لا يعرف كيف يفيد من الالفاظ والكلمات والسياقات؟ طبعا ليس هناك ابدا كما نعرف، فصل بين "اللغة" والخبرة او الطاقة، التي تحملها اللغة. كل كلمة، كل سياق، كل تركيب، كل نقطة، كل فاصلة، كل علامة استفهام او علامة تعجب، لها دلالة. دلالة بالمعنى، وبالطاقة، وبالشخص. هذا كله اوليات عمل الكاتب او الشاعر.
7ولكن هذه الاوليات لم تعد تُعتبر من بديهات هذه المهنة. لقد بات يُفقتد ما يُسمّى بادبية النص.. بالنتيجة هناك نص ادبي وبخاصة بالنسبة للكاتب او للشاعر..
- الى حد كبير، وان كان هناك طبعا مزاعم او دعاوى بان اللغة القوية، او اللغة المعبرة، الدقيقة، تجور او تظلم الخبرة المباشرة لما يُسمى المشهد اليومي وما يُسمى المعرفة المباشرة بالأشياء اليومية وإلى آخره..
طبعاً دعوى زائفة، في النهاية. هذا يُحدث نوعاً من التضييق للخبرة وتحديدها وتصغيرها. الخبرة الانسانية هامة جدا. شديدة الكثافة والتعقيد. والفن ليست وظيفته ان يعكسها عكس مرآة، او عكساً آلياً. لكن ليس من وظيفته ان يسطحها، ان يحولها الى شيء سهل المتناول. هناك دائما هذا الطريق الصعب، الوعر، بين الابتذال وبين الاحتشاد، او بين السهولة السطحية والتعقيد السليم او المرهف.
تفهم الحداثة احيانا فهما ملتويا أو غير سوي، كما لو انها على عداء شديد مع اللغة أو مع مقتضيات الفن الرفيع، زو مع التقاليد التي ارستها العصور. كان الشيخ أمين الخولي يقول: "ان أول الجديد قتل القديم فهما".. بعض الحداثيين يعتبر ان أول الحداثة قتل القديم، فقط لا غير..
- لا اعتقد انهم كلهم على هذا القدر من ضيق الأفق. طبعا الحداثة لها معان كثيرة واتجاهات متعددة، لكن تتحدث عنه هو التفاهة وليست الحداثة. لأن الحداثة أيضا مغامرة في اللغة، كما هي في الخبرة. لا شك.
ثم ان لي فهما خاصا للحداثة. الحداثة ليست الجدة فقط. ليست الشيء الجديد، ليست بنت اليوم، وانها كما قلت في أكثر من موضع: النفري حداثي بكل غموض لغته وسموقها واحتشادها.
أبو نواس عندما يتحدث عن الخمر، ليست هي الخمر المادية، وانما هي ايضا خمر النشوة الصوفية التي تتجاوز الحسي. المعري حداثي بامتياز. لا شك في هذا. الجاحظ والتوحيدي. هؤلاء هم اسلاف الحداثة. الحداثة هي الأصالة، ويا للغرابة! الحداثة هي الأصالة وهي العراقة، لكن ليست هي القوالب المتحجرة، وليست هي البنى المقفلة على أنفسها. هي دائما سؤال مفتوح. حيثما تجد الفن أو الكتابة أو الشعر يقتحم مناطق بسؤال لا يمكن ان تكون له اجابة، يتجاوز الزمنية، يتجاوز التاريخية، يصبح لا زمنيا يصبح حداثيا دائما. دائم التجدد.
7لم تكتب أدبا باللهجة المصرية، كما كتب الدكتور لويس عوض..
- لا. لم اكتب باللهجة العامية الصرف المصرية، انما هناك كلمات وسياقات وتراكيب ومفردات تنسجم، فيما ارجو، انسجاما عفويا وطبيعيا وله دلالة هامة في قلب نسيج الرؤية التقنية في الوقت نفسه، أو الصياغة - الخبرة، كما لو كانت عبارة الصياغة - الخبرة كلمة واحدة. هنا تدخل المفردة العامية، وتزداد أهميتها مع كل عمل جديدة، لكن الكتابة المباشرة باللهجة العامية، كما عمل الدكتور لويس عوض، أو الشاعر سعيد عقل، لم استجب لها. ولا احكم الآن بالاخفاق أو بالنجاح على هذه المحاولات. المسألة متروكة للزمن. لكن انا لم استجب لهذه المحاولات. لم اجد فيه ما يجذبني.
7ثم ان ماكتبه سعيد عقل، وحتى لويس عوض بالعامية كان عبارة عن ترجمة من الفصحى إلى العامية. كتب مرة سعيدة عقل مقدمة لديوان ميشال طراد "وهو بالعامية أيضا"، وعنوانه "جلنار" فإذا بالمقدمة تبدو وكأنها منقولة من الفصحى إلى العامية لأنها مملوءة بأفكار هي بنت الثقافة المعاصرة والفلسفة، وهو ما تضيق به العامية..
- هذا ما يحدث باستمرار. وهذا يتبدى، أكثر ما يتبدى في مصر، على قدر خبرتي، يتبدى في الشعر العامي، ليس في الزجل. الشعر بكل تعقيده، بكل تناوله لمسائل فلسفية وميتافيزيقية، إلى آخره، باللغة العامية. العامية هنا طبعاً تفيد فائدة عظمى من مفردات الفصحى، وحتى من التأملات والأفكار والتراث الأدبي العريق، والغربي والأوروبي والشرقي إلى آخره. لكن هذا هو الإنجاز الذي أعتقد انه تحقق إلى حد كبير في اللغة العامية، وليس في الكتابة القصصية ولا في الكتابة الروائية. هذه فاشلة حتى الآن.
اخفقت اخفاقات كبيرة. عندنا شعراء في العامية بدءاً من صلاح جاهين إلى سيد حجاب في بعض أعماله، ثم ماجد يوسف وهكذا، يبدعون أدباً رفيعاً باللهجة المحكية، أو باللغة المحكية، كما لو أن الشعر ميدان أكثر ترحيباً بموسيقية المحكية من الرواية.
طبعاً في التفكير النقدي، يصبح الاخفاق ذريعة حتى الآن. ولهذا تبدو مقدمة سعيد عقل لديوان ميشال طراد، تبدو كأنها ترجمة من لغة إلى لغة..
7من الصعب المغامرة بالكتابة بالمحكية أو العامية نظراً لأن هناك محكيات وعاميات كثيرة..
تماماً هذا من عامل افقار أو فقر العامية، لأنها محدوداً في بيئة ثقافية. ربما تكون العامية المصرية أو العامية اللبنانية أقرب إلى الفهم على نطاق واسع من العامية المغربية والجزائرية.. مستحيل فهم هاتين العاميتين الاخيرتين إلا لأهلها.. ثمة تضييق بالضرورة لنطاق التلقي، إذا كتب النص باللغة العامية أو المحكية..
7ولكن لمثل هذا الأدب المكتوب بالعامية مبرراته وأسبابه أحياناً. فالقارئ، أو الجمهور، عندما لا يجد نفسه في أدب الفصحى، أو في الأدب الفصيح، يفتش عمن يعبر عنه، أو عما يعبر عنه..
هذا صحيح نحن نرى أن المسرح الآن يكاد يفتقر إلى النص الفصيح تماماً، وأصبح حوالي تسعين بالمئة منه، باللهجات المحكية. أحد أصدقائنا كتب مسرحية بالفصحى، عندما مثلت طلب منه أن يحولها إلى المحكية..
الفصحى تكاد تكون عائقاً في المسرح بالذات. وهذه مسألة تحتاج إلى تفكير.. أحدنا لا يستطيع أن يقطع بإجابة. في الكتاب، الأمر يختلف المحكيات تتقدم.





 

بقية المواضيع

التشكيلي محمد العمير : التشكيليون السعوديون بحاجة إلى زيارة الدول المتقدمة فنياً لتطوير ما يقدمون
عدد خاص من مجلة بانيبال الإنجليزية  حول الأدب الفلسطيني الحديث
المسرحية عائشة عبدالرحمن: للأسف.. أبو الفنون يلفظ آخر أنفاسه
اسماعيل ياسين بدد ثروته على فرقته والقصري قضى آخر أيامه متسولاً
ماذا لو خرجت الرواية من رحم السيرة والقصيدة؟ (1-2)
من قضايا النقد الحديث (2/2)
بريد الخزامى
الوهم الأكبر
المنارة
أماكن في عيون الشعر .. أشعار وأزهار حول جبل ظلم
من الأرشيف الشعبي
أسرة وحدة
يا مجدد عادات  حكام الاسلام
مكتبة الشارقة تتسع لـ 2 مليون كتاب وتجمع مزيجاً من العمارة الإسلامية والحديثة
العرب وعصر العولمة تكنولوجيا المعلومات ووجه العالم الجديد
ما هكذا يُكتب الشعر
أمل دنقل
دار الكتب المصرية تنطلق من معطيات التراث لتتجاوب مع النظام المعرفي العالمي!
أسبوع السينما التونسية في باريس
العمارة السورية التراثية في كتاب فرنسي
معرض "مانيه - فيلاسكيز" تأثر فناني فرنسا بالفن الاسباني
إدوار الخراط لثقافة اليوم: لكل أدب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه أصالة معينة
قصة .. جريش منيرة
15من فناني وفنانات المنطقة الشرقية يشتركون في معرض
ادوار سعيد وعروبة فلسطين
فنان من الخفجي في معرض القاهرة
البيان التأسيسي الأول
كتاب جديد لعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران دعوة إلى إنقاذ الكوكب وأهله
حسب توقيت الضوء
اعتباطية العلامة وعلاقة الدال بالمدلول عند العرب
مساءلات فكرية .. العلم بين السياسة والأخلاق
مكتبة نادي  الباطن تساهم في نشر الثقافة والمعرفة بالمحافظة
قصص قصيرة جداً
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض