عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 28 November 2002 No. 12578 Year 38

الخميس 23 رمضان 1423العدد 12578 السنة 38

  قصة .. جريش منيرة

أحمد الواصل

:"ما غلطت بالمقادير بس وش ذا الطعم.. يا ربيه!".
:"فيه شي يمه.."؟.
:"هاه.. لا بس ما نقعته زين البارح".
:"لا نقعتيه زين بس يمكن التكشين!".
:"تكشين.. ايش؟!.. غلطت بشي.."
:"وشو؟.."
:"مدري.. نسيت.."
:"طيب خليني أكمل.."
:"بتعرفين؟" - بإذعان وانكساف -
:"أحاول.. بس روحي، استريحي.."
ليست بمثل عادتها عندما تكون بمستوى نفسي رائق حين تطبخ أجود طبخة (الجريش)، ربما أمي لم تنم جيداً البارحة..
دخل حمد حاملاً أكياس اللبن والحليب من البقالة..
:"خلود.. وين أمي؟"
:"بالصالة.."
:"تراي ما لقيت.."
:"مي مشكلة.. قصر حسك ورح"
:"ليش صاير شي..؟"
:"مدري متضايقة ما ضبطت الجريش".
:"خربتي عليها.."
:"لا.. يمكن ما لها مزاج تطبخ.."
أشير للخادمة، لتعصر الطماطم، وتعد صحن الفاكهة، عدلت نار الفرن تحت قدر الجريش، ومررت من الصالة لاغير شرشف الطاولة، أمي طالعتني متجهمة، ومرهقة..
:"عرفتي له.."
:"إيه.."
:"يعني زينتيه والا لا؟"
:"خففت المويه شوي وضبطت الملح.."
:"لا بقوم أسويه من جديد.."
:"وش يمدي.. ما فيه وقت.."
:"وش ما بنفع ذا الكلام"
:"خلاص مشي اليوم كذا، بسوي مشكلة.."
ربما صابتها عين السهم.. وشت.. تشك وسواس الإنسان حين يفكر معجباً في سلوك شخص، يتحرك مثل ذرات إلكترونية تضج، وتنفجر من دون سيطرة وينفذ الفيروس، فيروس العين، أذكر عمي عبدالله احتار فترة طويلة ليعرف لماذا لا يطيق مشاهدة الكبدة منزوعة من بطن الخاروف، وأكلها نية مثل إخوته أو كعادته سابقا؟..
:"أهلا محمد.. حياتي.."
:"كيفك رزان مشتقلك"
:"أنا كمان مشتاقتلك، وميرسي ع الكارد.."
:"ماحي يمحاك.. "قالتها أمي حانقة، على المذيعة، فاحتقن الدم كما لو كان (كشنة) الجريش تجمعت في حوض وجهها الدائري..
:"يمه.. يمه.."
:"نعم، وش تبين؟"
:"ترى حطيت الغدا، يا اللا!"
متثاقلة تقوم بلا نفس وشيء من الخجل طافح على ملامحها، تشعر بأن خللاً غير مسبوق أصابها، جلست بلا شهية، تمسك الملعقة وتفلتها، أكلت نصف تفاحة، وتركت الآخر يتأرجح، وقامت..
لم نرها طيلة اليوم، وحين بحثت عنها بعد المغرب، قال حمد بأنها خرجت إلى خالتي عفاف، صديقتها وليست أختها فقط، حمد ظل يستهتر من مخاوفي بأنها عين حتى ذكرته بعمي عبدالله المصاب بالنفور من الكبدة طيلة عشر سنوات.. فأذعن وفكر متسائلاً: "من يكون أو من تكون؟"، كنت مليئة ومحصورة أفكر بمن تكون؟ فثمة نساء يغرن من بعض في الطبخ، لكن عندما قال حمد: "من يكون؟" وعطفها قلت يمكن أن يكون من ضيوف أبي..
أشفق والدي عليها، ولم يجبرها لتحضر إلى البيت تركها تبيت عند خالتي أسبوعاً.. ثم عادت من إلحاحي أنا وحمد، مرة تدخل المطبخ لتعد الفطور.. وتهرب منه وقت الغداء أو العشاء حين ترى غضارة التنقيع، في الدولاب.
مرت أشهر وتناست الطبخة، نجحت في شهادة الثانوية، وتزوج أخي حمد واستللنا من دموعها سهراً بالفرح والحزن معاً بين شواهد الذكرى.
في ليلة من الصيف كنت ذهبت مع خالتي إلى زواج إحدى زميلات الثانوية بعد أن امتنعت والدتي عن الذهاب معنا، فأخذت البطاقة لخالتي عفاف متشوقة لتغيير جو البيت إلى سهرة من هذا النوع.
عدت متأخرة ونحرت إلى المطبخ أريد أكل أي شيء لأن زيت الخروع الذي أفضى معدتي وشدها خصر الفستان الضيق لم يجعلني أقبل سوى عصير الجوافة ثم شاهدت جريشاً منقوعاً.. اندهشت وشردت حتى أفزعني أخي حمد بظلاله المسوق من ضوء الصالة.. صاعداً إلى غرفته، وتبعته إنما إلى غرفتي واتساءل أظنها تعاود طبخه، غداً، ولكن هل زالت عقدتها أو العين انزاحت أو أنها ستكلفني بإشرافها..
بعد أن عرفت سبب ابتسام والدي حتى انفجاره بالضحك، حيث يأكل الجريش ويقول انه ثقيل تلك المرة، فنهضت أمي لترقد وأنا لأحضر ماء مغلياً فاهمة أن هناك نشوفة فأخفف منها، فتحول إلى شوربة، فلم يصمت حمد بل شارك والدي الضحك وناهضة في قهقهاته الطفولية..
ما كدت أنزع ملابسي لأخمد تاركة للجوافة السهر في دمائي..
@@@
:"خلود.. خلود.. يا بنيتي قومي يكفي نوم"
آه صوت أمي من أول الدرج كعادتها لتنادينا رغم أن أجهزة النداء في البيت متوفرة حتى في الحمامات، ولكنها درجت على هذه العادة.. يا الله ما الساعة؟.. وجه الساعة ماطاً فمه المغلق تشير للثالثة إلا ربعاً، أشعر أنني منعفطة، كيف يحدث هذا الطهري، وأنا ليلة البارحة مشدودة القوام، ولم أشرب أو أكل شيئاً..
:"يا للا.. تنزلين للغدا والا لا؟"
:"طيب، جايه.. بس شوي.."
ما هذا؟.. ربما لم أغسل عن وجهي البخور الذي انتشر في صالة حفل الزواج، لا بل هذا جريش تلمع عليه الكشنة السمراء.. وأبي يأكل متلذذاً، بينما حين أكلت معهم هازئة بنفسي وطريقة إكمالي له تلك المرة.. رن الهاتف فنهض حمد.. رغم أنه انتقل إلى بيته، لكنه لم يترك عادة أن يظل عضواً قائماً بأعمال السنترال، ابتسمنا وعاودنا الأكل، كلام أمي معه محاولة تفسيره ليرد على الهاتف، وقف ممسكاً مسندة كرسيه.. وتمتم وعلا صوته مرتجفاً بفزعة لم تخبت حتى وصوله إلينا في المقلط.. ويسأله والدي
:"وش بك؟"
:"عظم الله أجر الجميع.."
:"يا قلبي من؟ احك! "قلت أمي.
الوجوم اكتسحنا ضربة، وحشد التوتر في دماء وجوهنا..
:"من..؟ "قال أبي.
:"عمتي نورة توفت.."
:"متى؟ لا حول الله.. "قالت زوجته.
:"أمس بالليل.."
تراخت الملعقة من أصابعي، وسرحت أتذكر من بين الحوقلات والترحمات، كيف أكل عمي عبدالله الكبدة في المزرعة قبل سنتين، ذلك اليوم، وحين عدنا في اليوم الثاني، كان ثالث أيام عزاء أخي؟
زوجته.. فهلل ثم أطرق ساعة وبعدها مات بأقل من ساعتين..

14حزيران
2001ت




 

بقية المواضيع

التشكيلي محمد العمير : التشكيليون السعوديون بحاجة إلى زيارة الدول المتقدمة فنياً لتطوير ما يقدمون
عدد خاص من مجلة بانيبال الإنجليزية  حول الأدب الفلسطيني الحديث
المسرحية عائشة عبدالرحمن: للأسف.. أبو الفنون يلفظ آخر أنفاسه
اسماعيل ياسين بدد ثروته على فرقته والقصري قضى آخر أيامه متسولاً
ماذا لو خرجت الرواية من رحم السيرة والقصيدة؟ (1-2)
من قضايا النقد الحديث (2/2)
بريد الخزامى
الوهم الأكبر
المنارة
أماكن في عيون الشعر .. أشعار وأزهار حول جبل ظلم
من الأرشيف الشعبي
أسرة وحدة
يا مجدد عادات  حكام الاسلام
مكتبة الشارقة تتسع لـ 2 مليون كتاب وتجمع مزيجاً من العمارة الإسلامية والحديثة
العرب وعصر العولمة تكنولوجيا المعلومات ووجه العالم الجديد
ما هكذا يُكتب الشعر
أمل دنقل
دار الكتب المصرية تنطلق من معطيات التراث لتتجاوب مع النظام المعرفي العالمي!
أسبوع السينما التونسية في باريس
العمارة السورية التراثية في كتاب فرنسي
معرض "مانيه - فيلاسكيز" تأثر فناني فرنسا بالفن الاسباني
إدوار الخراط لثقافة اليوم: لكل أدب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه أصالة معينة
قصة .. جريش منيرة
15من فناني وفنانات المنطقة الشرقية يشتركون في معرض
ادوار سعيد وعروبة فلسطين
فنان من الخفجي في معرض القاهرة
البيان التأسيسي الأول
كتاب جديد لعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران دعوة إلى إنقاذ الكوكب وأهله
حسب توقيت الضوء
اعتباطية العلامة وعلاقة الدال بالمدلول عند العرب
مساءلات فكرية .. العلم بين السياسة والأخلاق
مكتبة نادي  الباطن تساهم في نشر الثقافة والمعرفة بالمحافظة
قصص قصيرة جداً
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض