عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 28 November 2002 No. 12578 Year 38

الخميس 23 رمضان 1423العدد 12578 السنة 38

  اعتباطية العلامة وعلاقة الدال بالمدلول عند العرب

د. محمد ربيع الغامدي

يولي الباحثون في اللسانيات والنقد الأدبي اليوم مبدأ (اعتباطية العلامة (arbitrary of sign أهمية كبيرة. ويظن كثير منهم أن هذا المفهوم من انجازات اللسانيات الحديثة فحسب، وأن أول من جاء به دي سوسير أول رواد البنيوية في القرن العشرين. وقليل من الباحثين من تنبه إلى أن تراثنا العربي لم تكد تحظ قضية من قضايا الدرس اللساني الحديث في بالبحث والدرس والتمحيص كما حظيت به هذه المسألة. وستقف هذه المقالة على بعض المواضع التي بحثت فيها في التراث العربي بحثاً لو تابعه أبناء العربية اليوم لحققوا فيه انجازات لغوية، لم يكن - ربما - ليصل إليها الغرب قبلنا.
نضجت في القرون الأربعة الأولى من الهجرة الدراسة اللغوية، وتبلورت على مدى تلك القرون ملامح التصور اللغوي للألفاظ والصيغ والأصوات والتراكيب والدلالة والمعجم، بل والتصور الكلي لظاهرة اللغة في عمومها، إلى الحد الذي لم يكن للاحقين فضل ما في اضافة إليه جوهرية، بل لقد أساء المتأخرون أحياناً إلى جهود المتقدمين. وقد وجد عند علماء العربية من الأسباب الدينية وغير الدينية ما جعل من النظر في العلاقة بين الدال اللغوي ومدلوله أمراً بالغ الأهمية لهم. ذلك أن جموع المتجهين إلى تقليب النصوص على وجوهها المختلفة، من النحويين والمعجميين والمفسرين والأصوليين وأهل الكلام وأعلام الفرق الإسلامية المعنية بتأويل النصوص - كالمعتزلة خاصة - والمتصوفة والبلاغيين والأدباء، قد عناهم بدرجات متفاوتة علاقة اللفظ بما يدل عليه، سواء من جهة المناسبة بينهما: أطبيعية هي أم عرفية؟ أم من جهة كونها توقيفية أو اصطلاحية، أم من جهة تمثيل الدال العالم الخارجي.
وتنقل المصادر خلافاً قديماً بين العلماء في لزوم وجود مناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه أو عدم لزوم تلك المناسبة. وتنسب القول بالمناسبة إلى عباد بن سليمان من المعتزلة، وإلى الجمهور القول بضده. والعجيب أن الجمهور يعترض على هذا الرأي بالحجة التي يوردها سوسير في تأييد عدم وجود مناسبة طبيعية لازمة بين اللفظ ومعناه نفسها، وهي الاختلاف بين الدوال في اللغات المختلفة لمدلول واحد. يقول السيوطي ما نصه: "نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع علي أن يضع. قال: وإلا لكان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمى المعيَّن ترجيحاً من غير مرجح.
وكان بعض من يرى رأيه يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسئل ما مسمى "أذغاغ"؟ وهو بالفارسية: الحجر. فقال: أجد فيه يبساً شديداً، وأراه الحجر. وأنكر الجمهور هذه المقالة، وقال: لو ثبت ما قاله لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة، ولما صح وضع اللفظ للضدين، كالقرء للحيض والطهر، والجون للأبيض والأسود". ويورد الدكتور وليد قصاب رأي عباد بن سليمان  هذا في سياق اندفاع بعض طوائف غلاة المعتزلة وراء القول الذي "يرى أن الصلة بين اللفظ ومعناه هي صلة حتمية لازمة،  وهي علاقة واجبة لا تتخلف أبداً".
ومن هذا الرأي يمضي العلاّمة ابن جني - وهو من المعتزلة - إلى القول بما سماه في كتاب الخصائص: "إمساس الألفاظ أشباه المعاني" و"تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني" ويستند في الصفحات التي عقدها في خصائصه لهذه الصلة بين اللفظ والمعنى إلى أقوال أوائل الأئمة كالخليل وسيبويه، فيقول: "قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومداً، فقالوا: صرَّ. وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر. وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة، نحو  "النقران، والغليان، والغثيان" فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال".
ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أن هذا المبحث ليس إلا حلقة واحدة في سلسلة لا تنفصل حلقاتها من المناقشات والخلافات بين أئمة العربية في قضايا العلاقة بين اللفظ والمعنى. من أهمها: قضية التوقيف والاصطلاح، ويتصل المبحث السابق معها بأقوى الصلات. ذلك أن الفخر الرازي - فيما نقله عنه السيوطي - قد قال "في المحصول، وتبعه تاج الدين الأرموي في الحاصل، وسراج الدين الأرموي في التحصيل: الألفاظ إما أن تدل على المعاني بذواتها، أو بوضع الله إياها، أو بوضع الناس، أو بكون البعض بوضع الله والباقي بوضع الناس. والأول مذهب عبّاد بن سليمان، والثاني مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك، والثالث مذهب أبي هاشم. وأما الرابع فإما أن يكون الابتداء من الناس والتتمة من الله، وهو مذهب قوم، أو الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحق الأسفراييني".
ومعلوم عند دارسي العربية كافة ما دار من جدل بين الأقدمين في القول بالتوقيف أو بالمواضعة والاصطلاح. وقد يُعد ابن فارس - من  أعلام القرن الرابع الهجري - أحد أكثر المتشددين في إنكار المواضعة والعرف والاصطلاح في اللغة. وقد دارت حجج القائلين بالتوقيف المنكرين المواضعة والعُرف، كابن فارس مثلاً، على قول الله عز وجل "وعلم آدم الأسماء كلها" الذي يفيد ظاهره التوقيف. ويعتمد القائلون بأن اللغة بأسرها تثبت اصطلاحاً فيما أورده عنهم ابن برهان في كتاب الوصول إلى الأصول على "أن اللغات لا تدل على مدلولاتها كالدلالة العقلية، ولهذا المعنى يجوز اختلافها. ولو ثبتت توقيفاً من جهة الله تعالى لكان ينبغي أن يخلق الله العلم بالصيغة، ثم يخلق العلم بالمدلول، ثم يخلق لنا العلم بجعل الصيغة دليلاً على ذلك المدلول. ولو خلق لنا العلم بصفاته لجاز أن يخلق لنا العلم بذاته. ولو خلق لنا العلم بذاته بطل التكليف، وبطلت المحنة". واحتج هؤلاء أيضاً بحجج أخرى من المنقول والمعقول. وهو ما جعل ابن جني يورد الآراء ويتوقف عن الفصل الجازم في أيها الجدير بالترجيح. أما الاتجاه الذي يُعزى إلى عباد بن سليمان وأصحابه، وهو أن دلالة الألفاظ ذاتية، فقد رد عليه الرازي في المحصول برد مشابه لرد الجمهور السالف، وهو قوله: "لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولاهتدى كل إنسان إلى كل لغة. وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم".
لقد أدرك عامة الباحثين من المحدثين والوشائج التي جمعت في حلقات متصلة متراصة اتجاهات العلاقة بين الدال ومدلوله المختلفة كما وردت عند القدماء على النحو الذي أشرنا إليه في السطور السابقة، فكان من نتيجة ذلك أن عد قول عبَّاد بالمناسبة بين اللفظ والمعنى أحد أركان هذه العلاقة، وقريناً لأقوال التوقيفيين والاصلاحيين ومن يتوسط بين الاتجاهين. إذ رتب مثلاً الدكتور السيد أحمد عبدالغفار في كتابه "التصور اللغوي عند الأصوليين" جملة الآراء باعتبارها مجتمعة مفتاح القضايا اللغوية العامة التي بها تنجلي ظاهرة اللغة للأصولي. ويشير في معرض سوق هذه الآراء إلى نص أورده الآمدي في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" يعزو قول عباد بن سليمان في المناسبة بين اللفظ والمعنى أيضاً إلى أرباب علم التكسير.
وربط الدكتور لطفي عبدالبديع ربطاً مدهشاً في فصل من كتابه "التركيب اللغوي للأدب" بين قول عباد هذا بالمناسبة الطبيعية بين اللفظ وما يشير إليه وبين مذهب "الطبيعيين" اليونانيين. وذكر أن هذا الاعتقاد بالدلالة الذاتية يبين من وجهة نظره الخاصة عن المعنى الفطري للغة، وهو الأمر الذي "يظهر في التعبير الذي تأسر اللغة فيه صورة الشيء وتوحي إلى المرء بالحياة فيه، وكأنما تمثله وتحضره.. وهو وإن كان لا يكفي في بيان أصل اللغة إلا أنه جدير بأن يعول عليه في إثبات وجود عناصر لغوية لها دلالة ذاتية تشابه من بعض الوجوه الصور الرمزية والتمثيلية، وينتقي معها اطراد مبدأ المواضعة والاصطلاح". ونلحظ هنا أن هذا النص يمثل عدم الأخذ باعتباطية سوسير أو مبدأ المواضعة والاصطلاح على إطلاقه، مع اتكاء شديد على رأي عباد السالف وعلى غيره من الآراء لبعض الأقدمين، إذ يقول عبدالبديع بعد: "وإذا كانت السمة الاصطلاحية للغة هي المبدأ الجوهري الذي أقام عليها سوسير مذهبه، ومقتضاه أن اللغة نظام من العلامات تلتقي فيه ما أطلق عليه الفكرة الذهنية والصورة الصوتية، أو المدلول والدال، وأن العلاقة بينهما تحكمية محضة غير معللة بعلة، فإنه قد استثنى من ذلك ما سماه التعليل النسبي،  كالتعليل القائم على الاشتقاق.. أو المبني على علة سمنتيقية" ويذهب إلى أن المتكلم يستعمل علامات حسية ترمز للأشياء والمعنى، و"تجري على علاقة طبيعية تنم عنها الخصائص التي تظهر في التشكل الصوتي وأبعاد التركيب. فاختيار هذه العلامات وإن كان يتم في نطاق المواضعة والاصطلاح، إلا أنه معلل تثيت فيه مناسبة الصور اللفظية للحظات المعنى الذي يروم المتكلم صياغته". ويذكر بعد ذلك عدداً من أوجه المناسبة، منها ما تقدم عند ابن جني، ومنها فصول ذكرها ابن القيم وغيره من القدماء.
ومما يذكر في هذا السياق أيضاً أن المباحث المنوه عنها فيما مضى تتصل عند الأقدمين أشد الاتصال بمباحث أخرى في العلاقة بين الدال والمدلول، لا تقل عن المذكورة أهمية، ولا يمكن الفصل بينهما، ولا عد كل منها شيئاً قائماً بذاته بإطلاق. ولو تتبعنا مباحث الأصوليين - دون غيرهم - لألفيناهم يدرسون الظاهرة اللغوية من زواياها المتعددة في أكثر من عشرين مبحثاً في أقل تقدير. وقد جعلوا لمباحثهم اللغوية هذه عنواناً يجمعهما هو "المبادئ اللغوية". يقول الشوكاني في الفصل الثالث المعنون بالمبادئ اللغوية من كتاب الإرشاد: "اعلم ان البحث إما أن يقع عن ماهية الكلام، أو عن كيفية دلالته. ثم لما كانت وضعية فالبحث عن هذه الكيفية إما أن يقع عن الواضع، أو الموضوع، أو الموضوع له، أو عن الطريق التي يعرف بها الوضع. فهذه أبحاث خمسة". أما ابن عمر فيجعل مباحث المبادئ اللغوية عند الأصوليين: "بيان معنى اللغة، والإشارة إلى سبب وضعها، وبيان الواضع، وهل المناسبة بين اللفظ ومعناه لازمة؟ وأن المعنى الذي وضع اللفظ له ذهني أو خارجي أو أعم منهما؟ وطريق معرفة الوضع، وهل يجري القياس في اللغة؟ وانقسام اللفظ إلى اقسام متعددات متباينات ومتداخلات باعتبارات مختلفات".
ولما كان الأمر كذلك ضم بعض الباحثين المعاصرين إلى حديث عرفية العلامة حديثا آخر لا ينفصل عند التحقيق عنه، هو حديث تمثيل العلامة اللغوية ما يقع في الخارج، أو ما سماه الدكتور عبدالحكيم راضي ب "اللغة والعالم"، إذ تتبع راضي هذه المسألة في التراث العربي، بدءا بتأملات أوائل الأقدمين، ومرورا بما يرى انه من أثر الثقافة اليونانية في الدراسات الفلسفية العربية، وانتهاءً بما أثير في العصور الحديثة عن طبيعة العلاقة بين الكلمات والأشياء.
ويرى الدكتور عز الدين اسماعيل أن ما عرف في التراث العربي قديماً بقضية "الاسم والمسمى" التي دار حولها الجدل طويلاً، قد "انقسم الفكر العربي القديم إزاء هذه المعضلة التي تبلغ حدَّ الاشكالية قسمين متعارضين. ففريق يرى أن الاسم هو المسمى عينه، وفريق يرى أن الاسم شيء والمسمى شيء آخر. وقد تفرع عن هذه المعضلة وارتبط بها مشكل "التوقيف والاصطلاح" في اللغة، كما تفرع عنها كذلك مشكل "الحقيقة والمجاز". وهو هنا يشير فيما يشبه المداخلة إلى بحث صنعه الدكتور لطفي عبدالبديع بعنوان "الاسم والمسمى"، درس فيه مذاهب الفرق وأصحاب الكلام وأدلتهم من المعقول والمنقول. فأوجز اسماعيل نتائج البحث المذكور في أن القائلين بالتوقيف هم الذين تعاملوا مع اللغة "بوصفها حقيقة، والذين قالوا بالاصطلاح.. هم الذين تعاملوا معها بوصفها مجازاً.. الفريق الأول أكد ثقته في اللغة بما هي حقيقة وجودية فاعلة بذاتها، في حين انطوى موقف الفريق الثاني على قطيعة بين اللغة والوجود".

mrabeea@hotmail.c




 

بقية المواضيع

التشكيلي محمد العمير : التشكيليون السعوديون بحاجة إلى زيارة الدول المتقدمة فنياً لتطوير ما يقدمون
عدد خاص من مجلة بانيبال الإنجليزية  حول الأدب الفلسطيني الحديث
المسرحية عائشة عبدالرحمن: للأسف.. أبو الفنون يلفظ آخر أنفاسه
اسماعيل ياسين بدد ثروته على فرقته والقصري قضى آخر أيامه متسولاً
ماذا لو خرجت الرواية من رحم السيرة والقصيدة؟ (1-2)
من قضايا النقد الحديث (2/2)
بريد الخزامى
الوهم الأكبر
المنارة
أماكن في عيون الشعر .. أشعار وأزهار حول جبل ظلم
من الأرشيف الشعبي
أسرة وحدة
يا مجدد عادات  حكام الاسلام
مكتبة الشارقة تتسع لـ 2 مليون كتاب وتجمع مزيجاً من العمارة الإسلامية والحديثة
العرب وعصر العولمة تكنولوجيا المعلومات ووجه العالم الجديد
ما هكذا يُكتب الشعر
أمل دنقل
دار الكتب المصرية تنطلق من معطيات التراث لتتجاوب مع النظام المعرفي العالمي!
أسبوع السينما التونسية في باريس
العمارة السورية التراثية في كتاب فرنسي
معرض "مانيه - فيلاسكيز" تأثر فناني فرنسا بالفن الاسباني
إدوار الخراط لثقافة اليوم: لكل أدب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه أصالة معينة
قصة .. جريش منيرة
15من فناني وفنانات المنطقة الشرقية يشتركون في معرض
ادوار سعيد وعروبة فلسطين
فنان من الخفجي في معرض القاهرة
البيان التأسيسي الأول
كتاب جديد لعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران دعوة إلى إنقاذ الكوكب وأهله
حسب توقيت الضوء
اعتباطية العلامة وعلاقة الدال بالمدلول عند العرب
مساءلات فكرية .. العلم بين السياسة والأخلاق
مكتبة نادي  الباطن تساهم في نشر الثقافة والمعرفة بالمحافظة
قصص قصيرة جداً
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض