عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 28 November 2002 No. 12578 Year 38

الخميس 23 رمضان 1423العدد 12578 السنة 38

  مساءلات فكرية .. العلم بين السياسة والأخلاق

د. عبدالسلام المسدي

ليس مقالاً في السياسة ما أريد أن أكتبه، وليس وصية من وصايا الوعاظ والمرشدين ما أنوي ان أخطه على جدران الأخلاق، ولست اعتزم ان أتفقه في باب من أبواب الفلسفة من تلك التي تصطنعها المؤسسات المعرفية العليا حين تضع العلم مركزا لدائرة ذات أشعة لكل واحد منها صلة ما بالعلم: كالإيمان، والأخلاق، والغيب، وخلجات النفس، وما إليها جميعها.
إنما الذي أرومه - وأريدك عليه أيها القارىء - هو شيء آخر ليس غريبا في ذاته، وما هو ببعيد كل البعد عما تبادر إلى خاطرك، ولكنه دقيق بدقة القلق الذي يستبد بالمثقف حين لا يريد ان يلبس كسوة السياسي، ولا ان يرتدي قميص العلماء، ولا ان يصطنع جلباب الأوامر والنواهي. والنية معقودة ان نتوسل بالشواهد دون ان نغمط الفكر حقه في الإنابة والتحليل.
أما المقاصد - إذ ليس الحوار بيننا ترفا نأتيه ولا بذخا تستجم به قلوبنا فترتاح له نفوسنا - فإنها تدور على ما يجب ان تدور به عقولنا في هذه الأيام، فمن منا بوسعه الجلوس على الأرائك والكون من حولنا مرجل يغلي بما فيه كغليان القدور؟
للسياسة منطق ليس دوما يتطابق مع منظومات الفكر المطلقة، والسبب هو ان للسياسة آليات تحكمها النتائج، مما تحددها الأسباب، ولها مرجعيات تحركها المقاصد المضمرة أكثر مما تقودها التوسلات المعلنة، بينما يحتكم الفكر الخالص إلى العلل والأسباب قبل أن يلقي سؤال النتائج، ويتمسك بمبدأ الكشف عن المضمر ويدين كل اضمار مضلل.
العمل السياسي غائي بطبعه لذلك يعلن عن نفسه انه نفعي وأنه يزين خياراته بميزان المصالح، والعمل الفكري متنزه عن حسابات المنفعة لأنه يحتكم إلى ميثاق الكشف عن المجهول من خلال المعلوم.
الفكر يغامر بنفسه في سبيل صناعة المستقبل والسياسة تقامر بالحاضر لتربح رهان المستقبل، من هنا نفهم - على سبيل المقارنة الجدلية - كيف ان تاريخ العلم هو تاريخ اخطائه، بينما تاريخ السياسة هو تاريخ نجاحاتها، ونفهم بالاستتباع لماذا يكون الخطأ في العلم وثابا بينما يكون الخطأ في العمل السياسي مدمرا هداما.
غير ان تاريخ الإنسان لا يتماهى بشكل مطلق لا مع تاريخ العلم ولا مع تاريخ السياسة. انه واقع في منطقة أخرى كأنه بعد ثالث ينطلق من نقطة تقاطع البعدين الآخرين. تاريخ الإنسان تصنعه استدراكات العلم على نفسه بحثا عن صوابات جديدة، وتاريخ الإنسان تصنعه أخطاء السياسة أكثر مما تصنعه صواباتها لأن أخطاء السياسة إذا حصلت تعذر الاستدراك عليها.
ما يتسنى استدراكه في السياسة هو الهنة، هو الهفوة الصغرى، هو الكيل إذا نقص قليلا عن النصيب أو اذا زاد بحجم محسوب، هو الكيل دونما غمط ودونما طفح أو فيضان. ذاك ما يصطلح عليه في لغة التداول السياسي بثنائية العمل التكتيكي والفعل الاستراتيجي، وهما مدلولان مجلوبان أساسا من قاموس اللغة العسكرية لأنهما يصوران وضعين من أوضاع المواجهة الحربية، ثم تسربا إلى كل ما يتصل بالصراع المادي أو بالنزاع المعنوي حتى استقرا في جداول الخطاب السياسي على وجه التعميم.
هل على العالم إذا خشي ان تفضي أبحاثه إلى اكتشافات قد يستغلها الإنسان لغاية غير أخلاقية ان يمسك عن مواصلة بحثه العلمي فيكون بذلك ممثلا لقاعدة اتقاء المحاذير، ومبدأ درء الشبهات، ولكنه ينخرط آليا في مرجعية التعطيل؟ أم هل عليه - إذا تم له الاكتشاف - ان يتكتم عليه خانقا أنفاسه وهو في المهد؟ وما عسى ان يكون الأمر لو ان الاكتشاف كان قابلا لتقديم أعظم الخدمات للانسانية إذا تم توجيهه وجهة الخير والمنافع، وكف الإنسان عن استغلاله تحت اغراء نوازع الشر؟ وهذا الاحتمال وارد يصدق في أغلب الحالات على معظم المستكشفات العلمية منذ فجر النهضة المعاصرة.
بين عام  1833وعام  1896عاش رجل يعرف كل الناس قصته، ويذكرون اسمه خمس مرات في السنة على أقل تقدير، وكثير من الذاكرين ينسون أو يتناسون تفاصيل سيرته لأن اسمه اصبح رمزا، ومعلوم ان للرمز سلطة على الاذهان جبارة تنسي أصحابها الأهم وتبقي لهم فتاتا من المهم. هذا الرجل العالم بوسعنا ان نعيد قراءة قصته في هذا الظرف الكوني تحديدا، وفي لحظة الارتباك الإنساني هذه تخصيصا، على ان تكون قراءتنا من خلال عدسة مجهرية استثنائية ربما لم يفكر هو فيها تفكيرا واضح الوعي، وهذه العدسة هي نقطة ضوئية غريزة الكثافة لأنها حصيلة تجمع أشعة ثلاثة: شعاع العلم وشعاع السياسة وشعاع الأخلاق.
إنه العالم الكيمياوي السويدي ألفريد نوبل، ذاك الذي اخترع مادة النيتروغليسيرين، وهي الصيغة الأولى لكل التركيبات المتفرقعة، وهي كذلك نقطة الانطلاق لصناعة المتفجرات بأكملها. كان شغوفا بالعلم، ولوعا على وجه خاص بالعلوم التطبيقية، وكان كل مهجته للبحث والاكتشاف.
كان أبوه من طبقة الفلاحين، حصل على الهندسة والتحق بالجيش ثم ارتحل إلى روسيا وتعاطى صناعة الألغام، ولكن الابن كأخويه تربى في كنف الرخاء، وسافر إلى الولايات المتحدة لينهل من العلم، وابتسمت الدنيا لأخويه في مجال استغلال البترول، والتأم شمل العائلة من جديد في وطنها السويد، وشرع الابن مع أبيه في استثمار ذاك الاكتشاف الكيمياوي العجيب: سائل النيتروغليسيرين الذي كان يتفجر من تلقاء نفسه فيحدث الأضرار المفزعة، وكان من بين الضحايا أحد أخوة ألفريد، فانكب صاحبنا على مزيد من البحث العلمي حتى اخترع الديناميت فسماه الناس مسحوق نوبل للأمان، وواصل البحث فاخترع الباليستيت الذي اصبح أساس صناعة البارود.
اجتمع لألفريد نوبل ما لم يجتمع لغيره من براءات الاختراع ومن المصانع الموزعة على مختلف البلدان الكبرى، وتدفقت إليه ثروات زادتها نماء حكمته في إدارة شؤون المال. وستزداد قصته إثارة إذا تأملنا فيها من خلال تلك العدسة الضوئية الكثيفة عند تقاطع العلم والسياسة والأخلاق، ولكل واحد من ثلاثتها سلطة: سلطة العلم وهي على العقول، وسلطة السياسة التي هي على العباد، وسلطة الأخلاق وفضاؤها الضمائر والقلوب.
لقد أثمر العلم اكتشافا، ولقد أفادت البشرية منه لما أحسن الإنسان استغلاله، فلولا ما اكتشفه نوبل ما حفرت قناة باناما، ولا نسفت صخور الهلغات في ممر نيويورك، ولا تمت السيطرة على نهر الدانوب عندما يسمى بأبواب الحديد. يومها كان الزواج سعيدا بين العلم والأخلاق والسياسة. ولكن السياسة سرعان ما أدخلت المادة الجديدة إلى مصانع الأسلحة فأصبحت آلة من آلات انتاج الدمار، فقفزت أدوات الحرب من شكلها اليدوي البدائي إلى أشكال ميكانيكية رهيبة. يومئذ حصل الطلاق بين السياسة والأخلاق فبدا كأنه طلاق بين العلم والأخلاق أو بين العلم والسياسة.
أوصى ألفريد نوبل بقسط وفير من ثروته الضخمة لأحداث جائزة تتوزع على مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والآداب، وجائزة ترصد إلى قضية السلام في العالم، وكانت كلها من حقل العلوم العملية حيث يسود التطبيق بعد سيادة النظرية، لذلك لم يخص الرياضيات بجائزة رغم انها أنبل العلوم من حيث تمثل أقصى درجات التجريد الذهني. وراجت قصص وحكايات لتفسير هذا الحيف، وقيل عبر التخييل الاسطوري ان نوبل قد كان يبغض علم الرياضيات لأنه تعلق امرأة فوجدها قد تعلقت عالما من علماء الرياضيات، ولذلك لم يكوّن أسرة في حياته قط. وراح المخيال يفعل فعله، والسبب ان ألفريد نوبل قد غدا اسطورة: فيما صنع أولا، وفيما أوصى به تاليا. والأسطورة تستمد سلطتها من سلطة الرمز، لذلك جنى هذا الإرث الاسطوري على صاحبه فلم يعد الناس متقبلين للقراءة الأخرى.
ومن مظاهر إجحاف المجد بصاحبه، وجناية الشهرة على ذويها، ما شاع في أذهان العامة والخاصة من تفسير لحيثيات الوصية بالجائزة. فكيف تأولها الناس؟ وكيف حادوا على صواب التأويل؟.




 

بقية المواضيع

التشكيلي محمد العمير : التشكيليون السعوديون بحاجة إلى زيارة الدول المتقدمة فنياً لتطوير ما يقدمون
عدد خاص من مجلة بانيبال الإنجليزية  حول الأدب الفلسطيني الحديث
المسرحية عائشة عبدالرحمن: للأسف.. أبو الفنون يلفظ آخر أنفاسه
اسماعيل ياسين بدد ثروته على فرقته والقصري قضى آخر أيامه متسولاً
ماذا لو خرجت الرواية من رحم السيرة والقصيدة؟ (1-2)
من قضايا النقد الحديث (2/2)
بريد الخزامى
الوهم الأكبر
المنارة
أماكن في عيون الشعر .. أشعار وأزهار حول جبل ظلم
من الأرشيف الشعبي
أسرة وحدة
يا مجدد عادات  حكام الاسلام
مكتبة الشارقة تتسع لـ 2 مليون كتاب وتجمع مزيجاً من العمارة الإسلامية والحديثة
العرب وعصر العولمة تكنولوجيا المعلومات ووجه العالم الجديد
ما هكذا يُكتب الشعر
أمل دنقل
دار الكتب المصرية تنطلق من معطيات التراث لتتجاوب مع النظام المعرفي العالمي!
أسبوع السينما التونسية في باريس
العمارة السورية التراثية في كتاب فرنسي
معرض "مانيه - فيلاسكيز" تأثر فناني فرنسا بالفن الاسباني
إدوار الخراط لثقافة اليوم: لكل أدب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه أصالة معينة
قصة .. جريش منيرة
15من فناني وفنانات المنطقة الشرقية يشتركون في معرض
ادوار سعيد وعروبة فلسطين
فنان من الخفجي في معرض القاهرة
البيان التأسيسي الأول
كتاب جديد لعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران دعوة إلى إنقاذ الكوكب وأهله
حسب توقيت الضوء
اعتباطية العلامة وعلاقة الدال بالمدلول عند العرب
مساءلات فكرية .. العلم بين السياسة والأخلاق
مكتبة نادي  الباطن تساهم في نشر الثقافة والمعرفة بالمحافظة
قصص قصيرة جداً
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض