عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 28 November 2002 No. 12578 Year 38

الخميس 23 رمضان 1423العدد 12578 السنة 38

  ماذا لو خرجت الرواية من رحم السيرة والقصيدة؟ (1-2)

د. معجب الزهراني

النص المقالي الذي نشره الكاتب الشاب محمد حسن علوان في العددين السابقين من هذا الملحق الجاد سيظل وثيقة ثمينة لأي ناقد يريد أن يحاور راهن الكتابة الروائية الوطنية ويستشرف مستقبلها. فهذا النص مهم في ذاته لما يكشفه من مظاهر تمكن الكاتب من أدوات كتابته تمكناً يثير الإعجاب بقدر ما يعزز ثقة القارئ في غنى لغته وبراعة أسلوبه ونضج فكره وشفافية مشاعره، وكل هذه السمات مما يفتح أفق التوقعات على المزيد من الإنجازات الخلاقة في المجال الروائي تحديداً. لقد قال محمود درويش ما معناه "إذا أردت أن تعرف المستوى الحقيقي لشاعر ما فاقرأ ما يكتبه نثراً"، وها هو محمد حسن علوان يكتب نصاً موازياً ل "سقف الكفاية" لا يدع مجالاً للشك في أنه مبدع متميز لا يخشى عليه من الاحباطات ولا من الغرور، وذلك لسبب بسيط وهو أن ثقته في وجاهة مغامرته الروائية الأولى لا تعميه عن نقاط ضعفها وإمكانيات تجاوزها.
والنص المقالي مهم ثانياً لما يطرحه من قضايا تتعلق بشروط التلقي المحلي التي تبدو مترعة بأشكال سوء الظن وسوء الفهم.
وهذا عندي مؤشر قوي على خطورة ما يسميه ريجيس دوبريه ب "الوعي المحاصر" وهو نمط الوعي تتراكم أمامه ومن حوله المعوقات فيرتد ضد ذاته في حركة تدميرية تطال آثارها السلبية ممثلي الخطاب الثقافي قبل غيرهم. هكذا تنتشر نزعات الشك في مصداقيات الأعمال ونوايا الأشخاص ومن ثم تبدأ محاكمة الضمائر وتبخيس المنجزات بتضخيم مظاهر الضعف وإهمال مظاهر التميز وكأن شقاً من "النخب الأدبية" موكل بتأثيم الشق الآخر وتعويقه عن الانطلاق نحو المزيد من المغامرات (تذكروا جيداً ما كتب عن "حزام" أحمد أبو دهمان)!.
أما الوجه الثالث والأهم للنص ذاته فيتمثل حسب اعتقادنا في المستوى المعرفي النظري حيث أعادنا الكاتب إلى قضية العلاقات الفنية بين النص الروائي من جهة والسيرة الذاتية أو الشعر من جهة ثانية. فقضية كهذه كتب عنها الكثير في السباقات الثقافية العالمية لكنها لا تزال تحتاج إلى بحوث معمقة في السياق العربي بعامة وفي سياقنا الثقافي المحلي أو الوطني بشكل خاص. هذا تحديداً ما أريد أن أتوقف عنده محاولاً تعيين بعض الأطر العامة للقضية كيما يبتعد النقاش حولها عن مزالق الأسئلة المزيفة التي لا معنى فيها ولا جدوى منها ومن الغريب حقاً أن يطرحها حتى بعض "الأكاديميين" في السياقين المشار إليهما آنفاً!.
فالناقد المحترف يفترض أن يمتلك من المعرفة والخبرة ما يؤهله لتحرير المسائل التي تتعلق بمجال تخصصه وعمله عوضاً عن تلبيس الأمور وتعميتها باسم النقد والمعرفة النقدية.
من هذا المنظور لعل أول ما ينبغي التذكير به والإلحاح عليه هو أن نظريات الرواية الحديثة في مجملها لا تعترف بمعايير ثابتة للشكل الروائي لا يشذ عنها إلا هالك. فالأمر يتعلق هنا بجنس أدبي حديث هو في سيرورة تغير وتحول متصلة اتصال كتابة منفتحة باستمرار على إمكانيات التجديد والتجاوز للنماذج المنجزة من قبل هنا وهناك. ففي سياق الرواية الغربية لا يمكن أن نعتبر روايات دستويفسكي ومارسيل بروست وجيمس جويس، وهي من أبرز النماذج، ذات خصائص شكلية أو بنائية واحدة يستطيع الناقد المولع بتجنيس الخطابات تحديدها بناءً على منطق القياس ورد الفرع إلى الأصل أو الفردي الخاص إلى الجماعي والعام.
فدستويفسكي كان يعبر عن أزمة الوعي الشقي - وبالمعنى الهيجلي للمفهوم - حين كانت المنظومات الثقافية التقليدية تنهار بعنف في روسيا القصيرية لتفسح المجال أمام منظومات معرفية وفكرية وأخلاقية وجمالية جديدة قادمة من جهة "الغرب".
وكان بروست في ثلاثيته الشهيرة "البحث عن الزمن الضائع" يعيد طرح إشكالية الذات الفردية القلقة التي تدفعها أشكال غربتها عن مجتمعها وعالمها إلى المزيد من الانطواء على الذات كيما تغرف من ينابيعها الغنية ما يساعدها على تحقيق معاني وجودها في المجال الإبداعي تحديداً، وبالتالي فهو يعبر عن روح عصر ثقافي مختلف تماماً من ذلك الزمن المتصدع الذي عاناه دستويفسكي وعبر عنه أبلغ تعبير. أما جيمس جويس فكانت كتاباته مزيجاً فريداً من سيرته الذاتية وحكايات مجتمعه الإيرلندي الخاص والملاحم الاغريقية يتم التأليف بين عناصرها بطريقة تتمرد على أعراف الكتابة الروائية وقوانينها السائدة وليس من قبيل الصدفة أن يهيمن تيار الوعي المتدفق على كتابته لأن التقنية الجديدة هي ما يناسب كتابة صعلوكة كهذه.
وإذا ما خرجنا إلى سياقات أخرى لعلنا نشير إلى الشعرية الروائية الجديدة التي أضافها كبار كتاب أمريكا اللاتينية إلى الرواية الغربية والعلمية حيث أصبح النقد النظري والتطبيقي مضطراً لاجتراح مفاهيم واصفة ومحللة جديدة، كمفهوم "الواقعية السحرية"، كيما يتفهم اختلافات هذه الكتابة باعتبارها إثراء للخطابين الأدبي الجمالي والنقدي المعرفي. ولو استطردنا في تتبع الإضافات النوعية التي مثلتها روايات من أفريقيا وآسيا في العقود الأخيرة لتبين لنا مدى خطل وعدم كفاية أي نظرية تدعي احتواء كل هذه التجارب والنماذج كيما تستنبط منها معايير محددة للنص أو للجنس الروائي.
وأذكر بهذه الأفكار الشائعة في أوساط الكتاب والنقاد منذ نصف قرن على الأقل، لأن بعض نقادنا يجهلها أو يتجاهلها  عندما يكتب عن عمل روائي جديد عليه وعلى الساحة الأدبية. إنه لم الغريب حقاً أن يتوهم ويصدق ناقد ما أن من تمام حقه أن يحكم على نص سردي يسميه كاتبه وصاحبه "رواية" بأنه ليس رواية وإنما هو "سيرة ذاتية" أو حتى "قصيدة شعرية"!. فحكم كهذا يدل أولاً وقبل كل شيء على أن الناقد ليس متابعاً جاداً لا للكتابات الروائية ولا للنقد الروائي وبالتالي فإن حكمه يفتقد إلى أي وجاهة معرفية في هذا المجال. نعم إن من تمام حقه أن يعلن أن هذا النص يعجبه أو لا يعجبه، وقد يبرر حكمه ويعلل رأيه بما يقنع بعض القراء، ومع هذا فلن يبتعد كلامه كثيراً عن كلام القارئ المعتاد لأن الخطاب النقدي، ولو اتخذ شكل مقالة صحفية، يقترب من طبيعته ووظيفته بقدر ما يقترب من عمليات الوصف والتحليل والحوار مع العمل الذي أمامه كما هو عليه لا كما يفترض أن يكون. أما حينما نكتب عن انطباعاتنا الأولى تجاه رواية أو قصيدة أو قصة قصيرة أو نص مسرحي جديد. فإن الأمر يتعلق بمقال عادي يمكن لأي شخص آخر أن يكتب مثله وأحسن منه، وهذا تحديداً ما ينبغي للمبدع أن يدركه حتى لا تخيب توقعاته إذ يبحث عن النقد المعمق في غير مكانه. وفي كل الأحوال تظل أسوأ الكتابات المقالية وأكثرها غرابة وانحرافاً تلك التي تتحول إلى خطاب مرافعات ومحاكمات للنصوص والكتاب من دون أن تكشف عن طبيعتها فتكتسب مصداقيتها في المستويات الايديولوجية على الأقل. فالمؤكد أن كتابة كهذه لا تنجز بقلم الناقد بل بقلم صاحب الدعوى أو القضية التي يريد الانتصار لها بأي وسيلة، وهذا الموقف هو ما يجعله يهمل المظهر الاستعاري - التمثيلي للنص الجمالي ويركز على بعده الوثائقي كجزء من خطاب ثقافي معتاد.
بعد هذا لا شك أن سؤال العلاقات المعقدة بين الرواية والسيرة أو بينها وبين الشعر - أو التاريخ أو الفلسفة.. يظل سؤالاً وجيهاً ومشروعاً متى ما تم البحث عن إجاباته الممكنة ضمن السياق الأدبي وفي ضوء المعرفة النقدية الحديثة. هذا ما سنحاوله بعيداً عن الخضوع للضواغط الرمزية والعملية في مجتمع تقليدي تحاصره رياح التغيير وكثيراً ما يدفعه قلق من ثقافات عصره إلى لوم الفرد حتى وهو يضحك أو يغني فما بالك بما فوق ذلك.




 

بقية المواضيع

التشكيلي محمد العمير : التشكيليون السعوديون بحاجة إلى زيارة الدول المتقدمة فنياً لتطوير ما يقدمون
عدد خاص من مجلة بانيبال الإنجليزية  حول الأدب الفلسطيني الحديث
المسرحية عائشة عبدالرحمن: للأسف.. أبو الفنون يلفظ آخر أنفاسه
اسماعيل ياسين بدد ثروته على فرقته والقصري قضى آخر أيامه متسولاً
ماذا لو خرجت الرواية من رحم السيرة والقصيدة؟ (1-2)
من قضايا النقد الحديث (2/2)
بريد الخزامى
الوهم الأكبر
المنارة
أماكن في عيون الشعر .. أشعار وأزهار حول جبل ظلم
من الأرشيف الشعبي
أسرة وحدة
يا مجدد عادات  حكام الاسلام
مكتبة الشارقة تتسع لـ 2 مليون كتاب وتجمع مزيجاً من العمارة الإسلامية والحديثة
العرب وعصر العولمة تكنولوجيا المعلومات ووجه العالم الجديد
ما هكذا يُكتب الشعر
أمل دنقل
دار الكتب المصرية تنطلق من معطيات التراث لتتجاوب مع النظام المعرفي العالمي!
أسبوع السينما التونسية في باريس
العمارة السورية التراثية في كتاب فرنسي
معرض "مانيه - فيلاسكيز" تأثر فناني فرنسا بالفن الاسباني
إدوار الخراط لثقافة اليوم: لكل أدب خصائصه المحلية التي تميزه وتكسبه أصالة معينة
قصة .. جريش منيرة
15من فناني وفنانات المنطقة الشرقية يشتركون في معرض
ادوار سعيد وعروبة فلسطين
فنان من الخفجي في معرض القاهرة
البيان التأسيسي الأول
كتاب جديد لعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران دعوة إلى إنقاذ الكوكب وأهله
حسب توقيت الضوء
اعتباطية العلامة وعلاقة الدال بالمدلول عند العرب
مساءلات فكرية .. العلم بين السياسة والأخلاق
مكتبة نادي  الباطن تساهم في نشر الثقافة والمعرفة بالمحافظة
قصص قصيرة جداً
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض