بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 28 October 2004 No. 13278 Year 40

الخميس 14 رمضان 1425العدد 13278 السنة 40

  صانع الحلبة الرمضانية في مدينة أبها يتحدى عولمة الإنسان والمكان

ابها - استطلاع وتصوير - احمد السلمي:

رجل تخطى بقليل الثمانين حولا، وقد اختزلت ذاكرته الجميلة مراحل الصبا، ومكامن الرجولة، وعطاء السنين، ولكن محياه الطلق لايزال يبتسم في عصرنا الحاضر الذي لم يعد يعني له الا مزيدا من الغربة والغموض في ظل عولمة الإنسان والمكان، ورغم عجاج السنين إلا انه مازال حتى يومنا هذا يبحر في مهنته التي أحبها وعرف اسرارها في وقت مبكر قبل أكثر من خمسين عاما مضت، إنه وكما يحلو للكثير من سكان مدينة ابها وكل من عرفه، بتسميته (دكتور الحلبة) وهو المواطن، احمد مقري الصبياني، من مواليد مدينة جازان عام (1349ه) قابلته بالصدفة، ودار بيننا حديث مطول، عندما بادرت بسؤاله عن وجهته، فأخرج الى ساعة بدأت لي من الوهلة الأولى انها قد صنعت قبل الحرب العالمية الأولى، وقال لي انه يمتلك هذه الساعة التي لم تتوقف دقات عقاربها على مدى ثلث قرن من الزمان، وقد سقطت منه بسبب جهاز الحلبة، الذي يعمل عليه، فتعطلت، عن حساب الزمن، وأخذ يتنفس بعمق وقال كنت اظن يا ولدي ان قلبي سوف يسبقها الى التوقف، وطلب مني ان ادله على اقرب موقع لتصليحها وإعادة عقاربها للعمل من جديد، عندها اخذني الفضول، للبحث عن مزيد من اسرار الليالي التي يتدثرها هذا المسن، فطلبت منه ان انتظره حت
ى ينتهي من اصلاح ساعته العتيقة، وإعادته الى منزله، وما ذلك الا استجابة لرغبة ملحة في نفسي لمعرفة اسرار الليالي التي خاضها هذا العصامي خلال هذا العمر المديد، وعند وصوله الى منزله المتواضع بحي اليمانية (ذرة) بمدينة ابها اوقفت سيارتي، فسألني لماذا توقفت عند هذا الباب، فقلت له ان هذا هو منزلك، فنظر لي وقال كيف عرفته، فقلت انني لحظت وصولي احسست انني قد ولجت مصنعا خاصا بالحلبة فرائحتها النفاثة قد غطت جزءاً من حارته المتواضعة، وأثناء الدخول للمنزل لفت انتباهي جهاز عبارة عن (ماطور) صغير يقبع خلف باب المنزل، فطلبت منه ان يحكي لي قصة هذا الماطور كما يحب ان يسميه، فقال وهو يتحسسه، وكأنه يقف الى جوار احد ابنائه ان قصته قد بدأت منذ عام (1390ه) عند، جارت علي السنون وانهزمت قواي الجسدية، ولم اعد قادرا على عمل حلبة رمضان يدويا كما كنت افعل ذلك قبل اكثر من اربعين سنة، فقررت ان ابحث عن جهاز يساعدني على مواصلة هذه المهنة التي اصبحت الحياة لكل حياتي، فقررت حينها الذهاب لمدينة جدة، وقابلت الكثير من تجار الحلبة آنذاك.ولكن هذه الرحلة بآت بالفشل، عند ذلك عقدت العزم على السفر للهند، لإحضار الجهاز، لنصيحة احد التجار لي بأن هذا الجهاز
لا يوجد الا في الهند، وبالفعل سافرت الى نيودلهي وقد كانت قيمة التذكرة التي دفعتها في ذلك الزمان (3400) ريال ذهابا ومرجعا، هذه قصتي مع جهاز الحلبة الذي كان اول جهاز خاص بخلط الحلبة الرمضانية احضره للمملكة، ولقد استطعت من خلاله ان اوصل مهنتي التي اعتبرها عشقي الكبير.
وحول بداية مشواره مع الحلبة الطويل وطريقة اعداده لها، وكيف اصبح هذا الرجل يمتلك اسرار فن الحلبة البيتية، والتي اصبحت مطلباً غالياً لكل من ذاق طعمها الخاص من يد هذا المسن من سكان ابها وما جوارها من المدن والقرى، قال الصبياني، لقد بدأت مشواري مع هذه المهنة كما ذكرت لكم قبل اكثر من خمسين سنه تقريبا، عندما كنت في مراتع الصبا، ذهبت الى السوق بطلب من والدي رحمه الله للبحث عن الحلبة، التي يحبها فقابلت احد اشهر صانعي الحلبة في مدينة صبيا وهو من الجالية اليمنية، وطلبت منه كأساً من الحلبة بقيمة ريال واحد، وقبل احضارها للمنزل، تذوقتها فأدهشتني بطعمها ومذاقها الرائع، ومن ذلك الزمان قررت ان أتعلم اسرارها التي قل من يجيدها اليوم ومضى يقول، انني ابدأ في تحضير الحلبة، وتنقية حبوبها من الأتربة والحصى ثم غسلها جيدا بالماء وتخميرها وتركها داخل الماء لأكثر من ساعتين، بعد ذلك اقوم بتعريضها لأشعة الشمس لمدة خمسة ايام، والسر في ذلك كما قال الصبياني، حتى تتنفس بشكل افضل ثم تطحن جذور شجرة الحلبة مع الحبوب، وأخذها بعد ذلك الى الطاحون ثم تنقل بعد الطحن الى البيت، ليتم بثها على مشمع (بساط) كبير حتى تبرد تماما، لأنها كما ذكر الصبياني، ان
تركت في كيس الطاحون، اكثر من يوم فإنها تتعرض لتيبس والجفاف، وبعد هذه المرحلة نبدأ في التحضير الذي ينطلق مع نهاية صلاة الفجر من كل يوم في رمضان، بوضع ثلاثة الى اربعة كيلو في قدر جهاز الماطور وإضافة الماء بمقياس محدد لا يزيد ولا ينقص، لأنه لو نقص فإن الحلبة تتحجر، وإذا زاد عن الحد المطلوب تعرضت الحلبة للمرارة، حيث نستمر في هذا العمل حتى صلاة الظهر، ثم نتركها لتبرد داخل المنزل بعد اخراجها من جهاز الماطور ثم اقوم بتوزيعها داخل العلب المخصصة لها وأنقلها الى سوق الضباب الشعبي المشهور عند الناس بسوق (السمبوسة) ليبدأ زبائنها بالتوافد على شرائها حيث تنفذ الكمية المحددة معي قبل آذان صلاة العصر... نظرا للإقبال الشديد عليها من المواطنين والمقيمين وخاصة كبار السن.. وعن المواقف التي تعرض لها الصبياني خلال رحلته الطويلة مع الحلبة الرمضانية، قال لنا انه في يوم من الأيام قامت بلدية وصحة ابها بجولة تفتيشية على المأكولات الرمضانية ومن بينها الحلبة فوقف عندي المفتش وطلب مني كشف احد القدور التي كنت اضعها تحت الطاولة، وقام بوضع ملعقة كبيرة داخل القدر امام الناس واستخرج الحلبة ثم رفعها وأنزلها مرة اخرى داخل القدر، قائلا للباعة الآخ
رين خلوا حلبتكم في مستوى حلبة هذا الرجل، فضحكوا وقالوا بصوت واحد انهم سارقو المهنة.
وبعد و"الرياض" وهي تلامس هذا الذكريات المضيئة في حياة الصبياني، في زمن لم تكن فيه مقومات الحياة مبسوطة كل البسط الا للقليل، وبعد ان جار عليه وعلى زوجته زماننا بإيقاعاته السريعة، فإنها تأمل ان ترعى ايادي الخير شيخوخة الثمانين عاما، وأن تحفظ للأجيال الحاضرة والقادمة مهنته الثمينة، التي اختفى وغاب بريقها، ضمن عشرات المهن التي لم تعد موجودة الا ضمن المهرجانات السياحية والتراثية كشكل لا مضمون وواقع.




 

بقية المواضيع

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | أيام رمضان | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

أيام رمضان

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم



إنضم إلى قوائم
الرياض