بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 28 October 2004 No. 13278 Year 40

الخميس 14 رمضان 1425العدد 13278 السنة 40

  الحكاية المؤسِّسة (2/2)

د. محمد ربيع الغامدي

يرى المتأمل في التراث انه ليس اكثر من كتلة سردية، نتعامل معها احياناً على انها حقائق صلبة لا انها حكايات فقط. خرج في تراثنا شخصيات سردية وسردية فقط، لكننا ربما بشيء من التعامي (أو العمى الحقيقي) نأخذها على انها تاريخ حقيقي نجعله جزءاً من مفاخر الماضي، ويصل الأمر الى ان نبني على ذلك احكاماً قطعية ثابتة، لا يداخلها الشك. لدينا من الماضي مثلا شخصية اسمها "حاتم الطائي". ويتصل بهذه الشخصية في التراث من الحكايات ما تجعله لا يجارى في "صفة معينة" اسست الحكاية لها، وأسست هي للحكاية، اسمها (الكرم). عمدت الحكايات الى الوصول بحاتم هذا الى حدود "اللامعقول" في الكرم، وكان لابد من ذلك، وإلا فإنه سيكون عاديا كغيره. جعلته في مرة ينحر فرسه لضيوفه، بل جعلته الحكاية يقري الضيوف وهو ميت في قبره؛ لأنهم نزلوا عليه ضيوفاً عند القبر. اللافت للنظر في المسألة ان حاتماً هذا اصبح في التراث فصلا عنوانه "الكرم" من كتاب "الثقافة" الذي مايزال تحت التأليف، يضاف الى هذا الفصل تحديداً كل حكاية عن الكرم تخطر على البال في زمان ما من الأزمنة المتعاقبة. ولدينا على غرار ذلك شخصية في كل قيمة، بحيث أطرت - في علاقة جدلية لا تخفى - حكايات الأشخاص تلك ا
لقيم، كما أطرت القيم حكايات الأشخاص. لدينا في الشجاعة عنترة، وفي الحلم الأحنف، وفي الوفاء السموءل، وفي الذكاء إياس، وفي الفصاحة سحبان، وفي الحكمة لقمان.. الخ.
لو تناولنا من التراث عشوائياً من بين اعداد الحكايات الضخم جداً بعض الحكايات الرائجة لوجدنا ان بنية القص فيها تخضع بصورة مباشرة لشروط الإنتاج الثقافي لها، وتعود الى الخطاب المنتج لها، وليس الى احداثها المفترضة في زمنها الذي تفترضه "وتفرضه"؛ فهي بالضرورة لا تنتمي من قريب او بعيد الى الخطاب الذي تحدثنا هي عنه. لننظر مثلا الى حكاية الكاهنين "شق وسطيح" الشخصيتين الغرائبيتين (شق: نصف آدمي، وسطيح: يطوى كالبساط). رأى ربيعة بن نصر اللخمي (احد ملوك اليمن القدامى) في المنام رؤيا أخافته، فبعث يستدعي الأول فأول له رؤياه، ثم بعث الى الثاني فأولها، فتطابق التأويلان؛ اذ انتهيا دون ان يعلم كل منهما عن الآخر الى سرد الوقائع التي حصلت منذ ذلك اليوم الى زمن ظهور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأخبراه ايضاً بالبعثة، مع اختصاص كل واحد منهما بسجع خاص به. لا اعلم انا كيف يستشهد باحث مختص بالسردية العربية بهذه القصة على ما سماه بإكراهات السرد؛ إذ يقول:" الشؤون الجاهلية في معظمها اعيد تشكيلها في ضوء معايير الرؤية الدينية، وإكراهات عصر التدوين بملابساته الثقافية والسياسية والاجتماعية، وبمنظوره المغاير لما كانت عليه الطبيعة التأريخية
الحقبة الجاهلية".
ويذهب الى ان مرويات جاهلية كانت تروى "أُسقطت وأُبطلت بوصفها حوامل لتصورات مخالفة للإسلام، بعث بعضها في القرون اللاحقة... وقد كُيفت طبقاً لرؤية لا تتعارض مع الرسالة الدينية، الأمر الذي يكشف قدرة المرويات على التكيف وإعادة انتاج ذاتها تبعاً لتغير البنى الثقافية التي تحتضنها". (عبدالله ابراهيم: التلقي والسياقات الثقافية ص138).
لا يمكن لي ان ارى بحال من الأحوال في حكاية شق وسطيح انها حكيت في الجاهلية. بل هي حتماً مخترعة ومحكية بعد زمن البعثة بزمن يطول او يقصر. وقد حملت رسالة في ذهن حاكيها مفادها اثبات الرسالة ونفي الشك عنها؛ بما انها امر غيبي يحتاج الى حكاية ما لإثباته وتثبيته. توسل الحاكي الى ذلك بجملة من الأمور، من اهمها: الكهانة وإمكان تصور قدرة الكهنة على التنبؤ.. كهنة من نوع خاص خارق للعادة، يتمثل في "اختلاف" الشكل (احدهما على هيئة نصف آدمي، والآخر يطوى كالبساط).. القدرات البلاغية المتمثلة في السجع بصورة اخاذة. ويشبه "اختلاف" النموذج الكلامي البليغ الخارق "اختلاف" الخلقة الخارق ايضاً.. رؤيا الملك المنامية وضرورة تأويلها بتغير الأحوال وزوال الملك عن مملكته فيما بعد، ثم البعثة.. توسل الحاكي بذلك كله لإيصال الفكرة التي تضمنتها الحكاية؛ فهي اذا الحكاية التي ولدت بعد ان انتهت جميع احداثها، هي وجميع الحكايات التي تتضمن الالتقاء بكهنة وعلماء يهود او نصارى تنبؤوا بقرب ظهور النبي العربي، وهي كثيرة.
لننظر الآن الى حكاية اخرى متأخرة عن زمن هذه الحكاية الافتراضي: اجتمع الشعراء بباب الخليفة المنصور، وأرسل اليهم الخليفة قبل ان يدخلوا عليه يشترط على من يريد ان يمدحه ألا يشبهه بالأسد، ولا بالبحر، ولا بالجبل، ولا بالحية. اما الأسد فلأنه كلب من الكلاب، والجبل لأنه حجر اصم، والحية لأنها دويبة منتنة تأكل التراب، والبحر لأنه غطامط لجب، ومن ليس في شعره هذا فليدخل. فانصرف الشعراء كلهم الا ابراهيم بن هرمة، فإنه اتى بما ليس شيء من ذلك فيه،. ووأضح ان الحكاية تحمل فكرة هي الباعثة على تخيلها وروايتها، هي ان الشعراء في مدحهم لا يكادون يخرجون عن التشبيه بهذه الأشياء. وكذلك فكرة فرادة ابن هرمة، ذلك الشاعر الذي تتضافر مع هذه الحكاية حكايات اخرى في ان الشعر ختم به، وهو امر شائع لا يخفى. وتغض الحكاية بداهة الطرف عن الحقائق التي لا تؤيد الفكرة الباعثة على روايتها، وعن الأمور التي لا تنسجم مع شروط حكيها. فالحكاية هنا تتغافل عن ان التشبيه يستخلص من الأسد الشجاعة دون الحيوانية، ومن البحر السعة دون المكون المائي، ونحو ذلك.
لقد اطر السرد كثيراً من المفاهيم التراثية بالطريقة نفسها التي اسس بها للقيم، ولنشأة العلوم، ولمنزلة الأشخاص.. الخ، فنشأ المفهوم مؤسساً له بحكاية. غير ان المعضلة ان الحكاية في احيان كثيرة شكلت قيداً يحول دون تصور المفاهيم على طبيعتها التي يقتضيها منطقها الطبيعي. والمعضلة الأخرى المقابلة لذلك هي تواري التصور الطبيعي لحقيقة السرد وراء مضامينه، بحيث غدا في اذهان متلقيه تأريخاً لا سرداً تخييلياً لنا. وغدا السرد اجابات نهائية لأسئلة التراث بدلا من ان يكون بداية لأسئلة كثيرة عنه. ونسي - ربما في غمرة "اليقين" و"عدم السؤال" - ان الآخرين عندهم حكايات كان يمكن ان تكون مؤسسة ايضاً على غرار ما عندنا. لكن يبدو ان لنا "نحن" دون العالمين طريقتنا "الخاصة" في التلقي والفهم.
الحكاية التراثية حين انتزعت الاعتراف بها في الأوساط العلمية والأكاديمية - ليس بوصفها حكاية بل بوصفها في كثير من الأحيان سنداً تأريخيا ومرجعية علمية - يمكن ان تكون من اخطر وسائل تزييف الوعي والتلبيس على المعرفة؛ لأن تلقي المفاهيم التراثية بصيغة تبدو في ظاهرها معرفية من خلال الإطار الذي تضعه الحكاية المؤسسة بالصورة الموصوفة فيما مضى، والاتكاء على الحكاية لا بوصفها حكاية بل بوصفها اجابة تحدد المفاهيم وتبلورها، يلقي على المفاهيم إلباساً وتلبيساً، فتصبح الحكاية حينئذ قيداً على المعرفة مثلما يصير الاتكاء على المصادر غير المعرفية وسيلة زائفة لتحصيل المعرفة.




 

بقية المواضيع

محمد القفاص مخرج (هدوء وعواصف):لا أريد أن أسمع أصداء حول مسلسلي
بيت وصدى
و.. حطمتني امرأة!!!
بطولة منى زكي(أبو علي) فيلم مصري يثأر لضحايا قطار الصعيد
جنان مرهج وعودة قوية من خلال "يوم من عمري"
باسكال مشعلاني: أنا مشهورة ولم اعد بحاجة إلى الحفلات
(كويتي في الفلوجة) ابرز المسرحيات الكويتية في العيد
قراءة في أوراق شاعر العضيلة: شكر النظم والرد
"الثقافة التلفزيونية: سقوط النخبة، وبروز الشعبي" للغذامي: توصيف نقدي شامل لثقافة الصورة بوصفها العنوان الأبرز للعصر
رمضانيات شاعر
كائن مؤجل "رواية؟!" فهد العتيق الأخيرة:الراوي يقف على أطلال المكان والقارئ على أطلال الرواية
الحكاية المؤسِّسة (2/2)
المراجل بالعزوم
"الملك عبدالعزيز.. رؤية عالمية" باللغة الانجليزية للدكتور ساعد العرابي الحارثي
قراءة نقدية في رواية "القارورة" للروائي يوسف المحيميد
د.محمد الشنطي لثقافة اليوم:الثقافة في المملكة.. ساهمت في حركة الإبداع والتميز الأدبي والثقافي العربي
أخبار ثقافية
الحكمة مقلوبة  2- 2
أغنية إلى طفلي عن الوطن الجديد
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | أيام رمضان | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

أيام رمضان

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم



إنضم إلى قوائم
الرياض