عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Wednesday 28 August 2002 No. 12486 Year 38

الاربعاء 19 جمادى الثانية 1423العدد 12486 السنة 38

  عبدالفتاح كيليطو ومتاهات القول عند أبي العلاء المعري

بيروت - مكتب "الرياض" من جهاد فاضل:

رغم الكثير الذي قيل في أبي العلاء المعري قديماً وحديثاً، يبدو ان هناك الكثير الذي يمكن ان يقوله باحثون معاصرون مثل الباحث المغربي الدكتور عبدالفتاح كيليطو الذي صدر له كتاب حديث عن المعري (ضمن سلسلة المعرفة الأدبية وعن دار توبقال المغربية) بعنوان "أبو العلاء المعري او متاهات القول".في هذا الكتاب يستعيد عبدالفتاح كيليطو اخباراً اوردها القدماء عن المعري، ويلجأ الى تفسيرها وتأويلها تفسيراً وتأويلاً حديثاً، محاولاً استخراج ما قد يكون خفياً على القدماء وعلى المحدثين في آن. وقد فعل ذلك، على سبيل المثال عندما روى خبر هدية المعري فستقاً من انتاج بلدته المعرة الى احد اصدقائه. اهدى المعري هذا الصديق فستقاً كان يعرف مسبقاً انه فستق فارغ، فستق لا للاكل بل للعب، للتسلية، لإلهاء خدم وصبيان عند هذا الصديق لا عقل لهم ولا تمييز. المعري في رسالته التي صحبت هذا الفستق الى صديقه ذكر له ان الفستق الذي ارسله له فارغ.. كيليطو يستنتج ان ما يود المعري ابلاغه، عبر هذه الهدية، هو ان مخاطبه لن يستدين بتسلمه للفستق، اي لن يكون ملزماً بأن يهب له شيئاً مقابل ما توصل به. يقرر المعري ان هديته تتضمن عيباً يجعلها ملغية، ولا قيمة لها، وبالتالي لا تستدعي تعويضاً من الجانب الآخر. انها هدية فرغة جوفاء، القصد منها حفظ الاتصال وتثبيته لا غير "فكأن المعري يسعى الى تقويض مبدأ الهبة الذي يسود العلاقة بين الناس، الهبة التي لابد ان تقابلها هبة مماثلة او مشابهة"..على ان هذه الهبة الفارغة التي بعث بها المعري الى صديقه تظل أفضل، في نظر كيليطو، من الهبة المسمومة التي وهبها والد المعري له، وبنظر المعري بالطبع. فللمعري كما هو معروف بيت ذائع الصيت هو:هذا جناه أبي عليّوما جنيت على أحديقول كيليطو: "لقد اهدى اليه والده الحياة، هدية لم يطلبها ولم يسع الى نيلها، هدية مسمومة لا يرضى عنها وليس بإمكانه ردها. وفي الواقع اهدى له الموت، لأن الموت مآل الحياة. ولهذا اوصى ان يكتب البيت السابق على قبره، ويظل شاهداً على الجناية النكراء التي يدل عليها ايضاً هذا البيت:ابوك جنى شرا عليك وانماهو الضب اذ يسدى العقوق الى الحسلومع ان المعري قال، كما يروي عنه ياقوت في معجم الادباء "لم أهج احدا قط"، فإن الباحث يلاحظ "نبرة هجائية في لزومياته"، فإن كان لم يهج احدا على الخصوص، فإنه هجا الناس على العموم بمختلف اصنافهم وفئاتهم. فلزومياته تتضمن علاوة على الوعظ. قسطاً وافراً من الهجاء: "إن الوعظ اجمالاً يقتضي قدراً ولو قليلاً من الهجاء لأنه ينزع الى التوبيخ والتعنيف، بل قد يشتمل على شيء من السخرية والاستهزاء. بل انه يصعب علينا عند الاطلاع على ما في اللزوم من فكاهة مرة ودابة لاذعة، ان نعرف بصفة اكيدة هل يود المعري ارغام قارئه على الضحك ام ارغامه على البكاء:ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةوحق لسكان البسيطة ان يبكواويرى الباحث ان المعري كان يخفي جزءاً مما يعلم، وانه كان لديه سراً لا يودّ او لا يستطيع افشاءه:ولدي سر ليس يمكن ذكرهيخفى على البصراء وهو نهاروايضاً:بني زمني هل تعرفون سرائراعلمت ولكني بها غير بائحاي انه الى جانب ما يصح به ويعلنه، هناك ما يسكت عنه ويكتمه. فلزومياته تشتمل على مكونين اثنين لا انفصام لهما: من جهة ما دوّنه، اي ما يمكن قراءته، ومن جهة اخرى ما لم يدوّنه وما لا يمكن الاطلاع عليه. فالكتابة بالنسبة للمعري تعني في آن الامساك عن الكتابة، او على الاقل التضحية بقسم منها لا يظهر على صفحات الكتاب، وان ظل مسطرا في ذهن المؤلف. وبالمقابل فان قراءة المعري تعني عدم قراءته، اي اغفال جانب من حكمته ليس ماثلاً للعيان.هل كان للمعري وصية اخيرة؟ نحن نعرف انه اوصى بأن يكتب على قبره: هذا جناه ابي عليّ/ و ما جنيت على احد.. ولكن وصيته هذه صدرت منه على الارجح وهو صحيح معافى لا يتوقع موتاً وشيكاً، فلا يمكن اعتبارها والحالة هذه قولاً نهائياً فاصلاً.ولكن الباحث يورد ما يفيد ان كلمة المعري الأخيرة سلبت منه سلباً. ذلك ان قبل ان يسلم الروح مباشرة، املى كتابا لم يبلغنا، بسبب رقابة الأقرباء. ذلك ما نستشفه من خبر اورده القفطي:"وكان مرضه ثلاثة ايام ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث.. اكتبوا.. فتناولوا الدوي فأملى عليهم غير الصواب. فقال القاضي ابو محمد: احسن الله عزاءكم في الشيخ، فانه ميت. فمات في غداة غده".املى ابو العلاء وهو طريح الفراش كتاباً لا نعرف عنه شيئاً سوى ان ما جاء فيه مناف للصواب، فرأى بنو عمه ان من واجبهم اتلافه اصلاً. اي انه في الوقت الذي استرخى فيه وحل عقدة الرقابة الشديدة التي مارسها طيلة حياته على هواجسه ووساوسه، حيث كانت الكتابة عنده صراعاً عنيفاً مع ما لا تجوز كتابته وما لا ينبغي قوله، اذا بذويه يقومون بكبت اقواله الاخيرة وطمسها، معتبرين اياها هذيانا لا يجوز بحال من الاحوال صيانته ونشره بين الناس. ولكن ترى لو املى المعري كتابه لغير الاقرباء، لو املاه للتبريزي او لأبي الفتح، أكانا اقدما على اتلافه؟! مهما يكن فإنه كتابه الاخير رغم بعده عن الصواب كما ارتأى اقرباؤه. ويقول كيليطو: "ولا يسعنا الا ان نستغرب كيف ان من ترجموا له لا يذكرون هذا الكتاب في قائمة مؤلفاته. ومن يدري، لعله باح فيه بسرّه الدفين. ولعل هذا الكتاب الغريق هو المفتاح الذي نفتقده للخروج من متاهات ابي العلاء".يجد كيليطو قرابة روحية، ان لم يكن انتحالاً، بين بيت عمر الخيام المشهور:فامش الهوينا ان هذا الثرىمن اعين ساحرة الاحوراروبين بيت المعري:خفف الوطأ ما اظن اديم الارضالا من هذه الاجسادفعنده ان الخيام نظم بيته هذا ودوّنه ثم شخص ببصره بعيداً جهة الشام، وبالضبط جهة معرة النعمان، بلدة لم يكن لينتبه الى وجودها لا هو ولا غيره لو لم ينبغ فيها ابو العلاء. ادخل الخيام تعديلاً طفيفاً على بيت المعري: عوض اجساماً هامدة استحضر أعينا ساحرة الاحورار.الخيام نظر الى العالم وانشأ شعره بعيني ابي العلاء. حذا حذوه ومشى على اثره ووطئ بلطف جسده المسجي، مع الايماء الى العينين الغائبتين. طريقة خفية وطريفة لتحيته والثناء عليه: بفاصل قرن من الزمن، وفي ما وراء المعنى الحرفي المباشر، يؤكد بيت الخيام على الدين والامتنان وعرفان الجميل.ولكن هل يعني هذا ان الخيام ابن روحي للمعري؟! هو يشاطره على كل حال مرارته وشكه وتشاؤمه. لكن لو قدّر للمعري ان يعاصره، لما اعتبره متمماً له، ولما اعترف بأبوته له. فلقد كان الخيام، حسب الأشعار المنسوبة اليه، نصير مذهب المتعة، يتغنى بالكأس واللذة الجنسية. اما المعري فكان متقشفاً عفيفاً يرى في الخمر ام الرذائل، ولا يبيح لنفسه الا متعة اللعب بالكلام. الا ان هناك سبباً اعمق لرفضه المحتمل لهذه الأبوة، فإذا كان المعري يكره شيئاً، فهو ان يكون دائناً او مديناً، والابوة لا محالة تخلق ديناً في عنق الابن.ومع ان كثيرين من الباحثين يعقدون مقارنة بين المعري ودانتي الايطالي فيرون ان الاول بكتابه رسالة الغفران ألهم الثاني كتابه الكوميديا الإلهية، الا ان هذه المقارنة، كما يقول كيليطو، لا جدوى منها لأن دانتي لم يكن بوسعه الاطلاع على رسالة الغفران التي لم تترجم الى أية لغة، بل لم تحدث حتى في الاوساط الادبية العربية نقاشاً من شأنه اثارة فضول الايطاليين او غيرهم من الأوروبيين". الا ان عملية التقريب بين العملين كان لها مفعول سحري مباشر، اذ خرجت رسالة الغفران من عزلتها الطويلة ورفعت من ثمنها لدى فئة واسعة من المتأدبين العرب وغير العرب الى حد انه يمكن القول بدون مبالغة ان دانتي اثر في المعري. اجل كتب دانتي الكوميديا الالهية ثلاثة قرون بعد رسالة الغفران، ومع ذلك فإن تأثيره واضح في نظرتنا لمؤلف المعري وطريقة تناولنا له. اننا نقرأه باحثين في صفحاته ومنقبين في ارجائه عن دانتي! لم يعد بإمكاننا تناوله كما تناوله القدماء، وبالاحرى كما نظر اليه المعري. في رسالة الغفران لا يلتقي ابن القارح بالشعراء العرب فقط، وانما ايضاً بالشاعر الايطالي. ان دانتي حاضر في كل مشهد منها، والحوار بينه وبين المعري لا يتوقف لحظة. لم نعد قادرين على قراءة رسالة الغفران بدون الكوميديا.نظرات نقدية وملاحظات بحثية كثيرة يتضنها كتاب الدكتور عبدالفتاح كيليطو عن ابي العلاء. نظرات وملاحظات لم يسبقه باحث آخر اليها. ولاشك ان الذي اعانه عليها طول تأمله في فيلسوف المعرة، ومصادر العربية والأجنبية بصدده.


 

بقية المواضيع

الأمير سلطان بن فهد يفتتح معرض مختارات من الفن التشكيلي السعودي بباريس
المذيع حمد ناصر: الصدفة قادتني لإذاعة mbc-fm والانتقال لدبي نقلة متميزة
الشاعر شوقي عبد الأمير في  حديث  لـ"ثقافة اليوم":  نعيش مرحلة بركان شعري والرواد تركوا الدنيا ومضوا
بعد ركود الصيف سوق الكاسيت بدأ يتنفس!
المريخي يجهز ديوانه الصوتي الرابع
عبدالفتاح كيليطو ومتاهات القول عند أبي العلاء المعري
زوجة لورنس داريل تهدي مجموعة من كتبه إلى مكتبة الاسكندرية
مجلة الفيصل تقدم ملفاً خاصاً  عن ندوة العلاقات السعودية البولندية
أسطورة الخليج وصاحب غطروشة الجلاهمة وصفحات من حياته وشعره
سلامات لوالد الدبيخي
1000نون
إصدارات
إصدار جديد
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض