بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 26 June 2003 No. 12788 Year 39

الخميس 26 ربيع الثاني 1424العدد 12788 السنة 39

  ألوان المقالة عند حسين سرحان

د. عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري

المقالة التأملية
* تعرض المقالة التأملية لمشكلات الحياة والكون والنفس الإنسانية، "وتحاول أن تدرسها درسا لا يتقيد بمنهج الفلسفة ونظامها المنطقي الخاص، بل تكتفي بوجهة نظر الكاتب وتفسيره الخاص للظواهر التي تحيط به" (1).
وبالنظر إلى إسهام حسين سرحان في هذا اللون من المقالة نجد ان لديه ثماني عشرة مقالة، أولها "جواب رسالة" التي نشرها في عام 1365ه، وآخرها "تفاهات الحياة" التي نشرها في العام الذي توفي فيه، وهو عام 1413ه.
ومن خلالها يتضح تأثير الكتب الفلسفية في أدبه، وكذلك كتب المنطق والجدل، فنراه يعمد إلى تحليل الأشياء وتعليلها بشكل منطقي متسلسل، ثم يخلص إلى نتيجة تكون في الغالب مقنعة؛ لما تشتمل عليه من حجج وبراهين.
وتتكشف من خلال مقالات السرحان التأملية نزعته الواضحة نحو التفكر في شؤون الحياة، ومنطق الأشياء، وسنن الكون، وفي الحاضر والمستقبل.
ولقد عني عناية خاصة بتأمل حقيقة الموت، وأكثر من الحديث عنه، وحاول أن يتعمق فيه من منظور فلسفي هادىء بعيد عن الانفعال حتى وهو يكتب رثاء لابنه الوحيد "محمد"، بل يصف الموت في مستهل مقالته "الموت والتجارب" بأنه لذيذ جداً، وان المرء تمر عليه في حياته موتات كثيرة، وهي النوائب والأمراض المختلفة والأسقام.
ويتطلع إلى الرغبة في أن يستطعم الأكل والشراب؛ ليعرف "ماذا فيه من مقبلات وفلافل وحوامض وشهيق وزفير".
ويذهب إلى ان الموت نفسه يموت، وانه كلما أمات روحا أودى بعضو حي من أعضائه، ويرى انه ليس حركة ولا سكونا، بل بين بين.
ويعقد مقارنة بين الحياة والموت، فالحياة أضعف حيثما كانت من الموت؛ لأنها "تتخذ دائما إزاء الموت جانب السلب، ولكن ليس معنى ذلك دائما أن الموت أقوى منها في كل حالاته وألوانه؛ بل لأن الموت يعتمد بصفة الاستمرارية جانب "الحتمية" التي لا مناص عنها، والتي لابد منها مهما طالت الأعمار والأزمان".
ويفلسف كون الموت أمرا لازما بأن قافلة الحياة لابد لها من ماء إذا عطشت..، ومن راحة إلى جانب شجرة إذا نصبت".
ومن هنا فالسرحان يرى حلول الموت أمرا عاديا لا يتطلب الفزع؛ ولذلك نراه يقول: "ليس في الحياة، ولا في الموت ألغاز إلا فيما يخاله أولئك الهاربون العاجزون عن ملاحقة ركب الحياة الذائب..، وإلا فإن كل وقائع الموت والحياة بمرأى ومسمع أمامنا دون أن نحتاج إلى دليل" (2).
وفي مقالة له أخرى يذهب إلى أن "الإنسان يموت أبعاضا، ولا يموت كليا إلا في النهاية؛ ذلك لأنه كلما مات له قريب أو صديق أو جار ماتت تبعا له أجزاء عديدة من جسمه".
والموت - في نظر السرحان - ليس رهيب "الوقع في النفوس، ولكننا في غفلة الحياة وبأسائها ونعمائها ننسى اننا سوف نموت".
والنسيان "نعمة خالدة لا تقاس بها النعم، فلو اننا لا ننسى فجائعنا ومصائبنا.. لما هنأ لنا طعام، ولما ساغ لنا شراب" (3).
وقد يتحدث السرحان عن الموت والتفكير فيه من واقع تجربته الشخصية، فهو يخبرنا انه منذ أعوام طوال وهو دائم التفكير في الموت، ويتساءل عن الباعث على هذا التفكير المتواصل العجيب الذي أغرب ما فيه أنه يفكر فيه "على غير رهبة منه ولا برم به".
ويأسف لأن اليوم "الذي يموت فيه عظيم من العظماء النافعين، يولد عشرات من الأطفال البله الذين لا ينفعون".
ويتحول إلى واعظ في نهاية المقالة حين يقول: "ماذا يأخذ الانسان معه إلى عالمه الآخر؟ ياله من مسكين، أذرع محدودة من القماش... سبيل المالك والمملوك، والغني والصعلوك.. فآه عليك من دنيا!" (4).
وإذا كان السرحان يُطيل النظر والوقوف عند حقيقة الموت، فإنه ايضا لا يغفل التأمل عند متناقضات الحياة وهمومها وما تحفل به من صراع بين الحق والباطل، والخير والشر، وما تضطرب به النفوس من أحلام وأمان وتطلعات.
ومن ذلك مقالته "جواب رسالة" التي يتأمل فيها الفوارق الكبيرة بين الأجيال في التفكير والرغبات والاهتمامات، ويصف من لا يدرك هذه الفروق بأنه ظريف، ويروي قصته مع رجل تعرف إليه "يعتقد ان المسلمين في القرن الرابع عشر يمكن ان يكونوا كما كان المسلمون في صدر القرن الأول دينا كاملا وخلقا فاضلا".
وكان الرجل مقتنعا بصواب رأيه إلى ان علم عن ابنه الكبير شيئا مما يعبث به الشباب فقال له السرحان: انظر إنك لا تقارف هذا الشيء وقد قارفه ابنك وليس بينكما إلا فترة لا تزيد على عشرين عاما...، فطفق يحك قذاله قائلا: "لقد صدقت يا بني وانهار في نحيب متواصل" (5).
وفي مقالته "الثلاثة السعداء" يتأمل واقع السعادة ومن يملكها من الناس في هذه الحياة، فينطلق في تأمله من بيتي المتنبي:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل
عما مضى فيها، وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه
ويسومها طلب المحال فتطمع
محللا ومناقشا، فالجاهل - في نظره - سعيد؛ لأنه يسير في ركب الحياة وهو لا يدري اين مكانه في الركب.. ولن يجشم نفسه عناء التساؤل ولا لهفة الاستطلاع.
والسعيد الثاني الغافل؛ لأنه لا يملك مقياسا يقارن بين الماضي والآتي، واما الحاضر فهو في غنى عن تأمله، ولا يشغل ذهنه شيء أبدا؛ لأن ذهنه لا يفرغ إلا لاستمتاعه المؤقت الذي يناله بلا جهد ولا تفكير.
واما ثالث السعداء فهو الذي يحيا في الأحلام المجنحة ويغالط نفسه في الحقائق الجاثمة أمامه، والتي تكاد تفقأ عينيه، ولا يكلف نفسه البحث والتقصي.. "إنه يرى الفوضى في بيته فيقول: ياله من نظام!" (6).
وقد ينزع السرحان إلى تأمل عجائب الحياة ومتناقضاتها، فكل شيء فيها عجيب، وهو في الوقت نفسه ليس بعجيب.
وزوال العجب يأتي من ادامة النظر والتفكير، فالدنيا تصبح غير عجيبة؛ لأنها تضرب منا مواقع الألفة والعادة والامتزاج، ولو بطل مفعول هذ الأشياء فينا وارتفع تأثرنا بها لكان كل انسان منا  حقيقا ان يلتاث عقله "من فرط التحديق في هذه العجائب الجمة المتوالية التي لا تنقطع".
ويضرب لذلك مثلا، "فالذرة أعجوبة عندما ينظر إليها الطفل لأول مرة حتى إذا كبر وبلغ أشده، فلا السماء بأفلاكها، ولا الأرض بأثقالها بمسترعية نظره".
ومن عجائب الدنيا نزعة الانسان إلى الأنانية وحب الذات، فقد تعجب من إنسان يرميك بوصمة اشتهر بها ولكنك لو امعنت النظر في الأمر لبطل عجبك، وكان خليقا بك أن تعد القضية عادية، "فإن كل انسان تسوءه في نفسه خليقة مزرية تسره في الوقت نفسه ان تكون في غيره" (7).
وقد  يطيب للسرحان ان يجري حديثا على لسان نطفة تتأمل في واقعها وكيف تخلقت وبأي شيء تتأثر، فيقول على لسانها: "فانظر كم جد وجدة منحوني من ألوانهم وشياتهم وغرائزهم الشيء الكثير، ثم عادوا فاستردوا المتزايل الأوهى، وتركوا الثابت الأقوى، وليس لي في ذلك خيار، فإني كما تعلم نطفة بائسة تتقبل كل حكم ولا تستطيع أن تأخذ وتمنع بحرية تامة" (8).
وفي مقالته "ساعة صمت" يطلعنا على خواطره وانفعالاته في لحظات تأمل وتفكير، ففي ساعة الصمت هذه اضطربت نفسه بتيارات كثيرة من المشاعر والعواطف والأحاسيس، وفي مقدمتها: تفكره في واقع العرب والمسلمين، وتتابع النكبات عليهم، عندها تذكر وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان بأنهم كغثاء السيل (9).
اما في مقالته "الاستمتاع بالنفس" فيعدد محاسن الخلوة بالنفس والمكاسب التي يجنيها المرء من وراء ذلك، وبخاصة إذا كان تفكيره سليما، فالانسان عندما يخلو بنفسه، فإنه لا يخلو بنفس مفردة مجدبة، ولكنه يخلو بنفوس جمة خصبة ذوات مواهب ومناقب ومثالب ومساوىء، وتتيح له الخلوة أن يعادل ويوازن، ويرجح ويقارن، "فيستفيد من التجارب والمحن ما لا يستفيده أولئك الغافلون الذين يمر بهم الزمن فلا يحفلون".
وفي الخلوة لذة، وقد تسأم بعض السأم ولكنك لن تندم؛ لأنك مع نفسك كصاحب الكنز الذي يعثر عليه عفوا، فيذهب به في غير مذهب، ولكنه يحظى منه بخير مطلب" (10).
وقد يذهب السرحان إلى تأمل ضعف الإنسان وقلة حيلته رغم تقدمه الهائل في العلم، وفي الطب على وجه الخصوص، فالأمراض أسرى من الهواء حتى في أرقى دول الأرض، وإن "شللاً جزئياً في خنصر اليد أو القدم يخرج لسانه هازئاً بكل معامل الكيمياء ومعاهد التشريح" (11).
ويلتمس السرحان في مقالته "أجنحة بلا ريش" تفسيراً للاضداد والمتناقضات في الحياة، ويسعى إلى ايضاح حكمتها، فكيف يعرف الحسن لو لم يوجد القبيح؟، وكيف تعرف الصحة لو لم يخلق المرض؟ وكيف يتطعم الانسان طعم هذه الدنيا لو وجدت الدنيا على سواء واحد: عافية بلا مرض، وقبح بلا حسن؟ أين نعلم ان هناك طعما مرا وآخر ملحا لو كانت الدنيا حلوة طول آبادنا؟ (12).
وقد يقف السرحان متأملا دوافع السأم في حيان الإنسان، وما مصادره؟، وما أعلى درجاته؟ فيقول: "من يسأم من روحه؟ يسأم منها الذي لا يجد من (يواسيه أو يسليه أو يتوجع) - كما قال الشاعر -، ويسأم منها ويطيل سأمه من يجد نفسه فردا بكنوز نفسه بين من لا يبالي ولا يأبه بتلك الكنوز..، ويسأم من روحه من لم يجد الخلطاء الأصفياء".
أما أعلى درجات السأم في نظره فهي عندما يسأم المرء "من روحه بالذات ولو اجتمعت عليه كل الملذات" (13).
وقد يكون في توالي المصائب على الإنسان مدعاة للتأمل في تأثير ذلك في نظرته إلى الحياة وإلى الناس، فالإنسان عندما تتوالى عليه المصائب ينحرف مزاجه ويعوج تفكيره فلا تصح نظرته إلى المجتمع (14).
وإذا كان الإنسان يحلم في الليل أحلاما لا رابط بينها أحيانا يختلط فيها الجميل بالقبيح، فإن هناك من الناس من يحلم في النهار أحلاما أخرى شبيهة بتلك، فتراه يتصرف تصرفات عشوائية، أو يضيع الوقت في استعادة الماضي، أو يقنع بالأماني والأحلام اللذيذة دون العمل الجاد لتحقيقها.
ومن هنا نجد السرحان يتأمل واقع هؤلاء ويحاول ان يطرح عليهم بعض الأسئلة، فيقول مخاطبا من يحلم في النهار: "هل تحلم بالماضي؟فإن الماضي قد زال، وهل تحلم بالحاضر فإنه لا يلبث أن يكون في حكم الماضي؟، ثم هل تحلم بالآتي، فذاك ضرب من المحال".
ويعتذر عن تفسير هذه الأحلام قائلا: "فإذا حلمت في النهار يا سيدي فما نحن بتأويل الأحلام بعابرين!" (15).
وهكذا نجد ان السرحان معني بتأمل حياة الإنسان وأطواره وتفكيره وتصرفاته ضاربا المثل تلو المثل لبيان ضعفه وقصوره.

* رئيس قسم الإعداد بإذاعة الرياض
adab23 @ Hotmail. com
الهوامش:
(1) د. محمد يوسف نجم، فن المقالة، ص
94.(2) انظر: جريدة عكاظ، ع 603، 1386/7/6ه، ص
3.(3) المصدر نفسه، ع 644، 1386/8/24ه، ص
8.(4) انظر: جريدة البلاد السعودية، ع 802، 1368/5/16ه، ص
4.(5) المصدر نفسه، ع 616، 1365/9/15ه، ص
1.(6) انظر: جريدة البلاد السعودية، ع 644، 1366/4/10ه، ص
4.(7) انظر: جريدة البلاد السعودية، ع 667، 1366/9/24ه، ص
1.(8) المصدر نفسه، ع 745، 1367/10/17ه، ص
4.(9) المصدر نفسه، ع 783، 1368/3/6ه ، ص
4.(10) انظر: جريدة عكاظ، ع  7، 1380/1/22ه، ص
8.(11) انظر: جريدة البلاد، ع 1400، 1383/4/20ه، ص
5.(12) انظر: جريدة عكاظ، ع 423، 1385/11/24ه، ص
8.(13) المصدر نفسه، ع 457، 1386/13ه، ص
8.(14) المصدر نفسه، ع 662، 1386/9/16ه، ص
8.(15) انظر: جريدة عكاظ، ع 1541، 1389/9/25ه، ص  




 

بقية المواضيع

داعياً إلى كشف عوالمه الأخرى الصفراني لثقافة اليوم:"عمودية" القصيبي معاصرة في الرؤية والمعجم والصورة والروح
ذكرى لا يجب أن نجهلها أو نتجاهلها نصف قرن على ظهور الصحافة اليومية في المملكة
تحولات خارج  الزمن
موت طفيف
الحنطة تشق  خدرها
الجميل  والقبيح في الشعر الجاهلي
الاغتراب والحنين بين شعر المشارقة والأندلسيين
حول أدب المرأة
أولى سلاسل الحوار الإيرانية العربية
يوسف حبشي الأشقر محور  (الطريق)
دارين الثقافية والطلل عند المتنبي
البصيرة النقدية
مساءلات فكرية نزيف الكلمات
وسط حضور مميز في أدبي الرياض د. صمود يقرأ المبالغة العربية في البلاغة والثقافة
"الجاحظ الذي فُهِمَ خطأً..!"
ألوان المقالة عند حسين سرحان
صوتان عراقيان
رؤية ..  هكذا تقال: أنت غير محترمة..!
يفتتح اليوم ويمتد إلى عشرة ايام اتيليه جدة يختتم نشاطه بمعرض لفناني المدينة المنورة
نافياً اعتذاره عن مهرجان جدة..رابح صقر: تفاجأت  مثلكم والمتعهد أراد احراجي مع جمهوري..!
احدث تطورات (سارس ) على قناة ديسكفري
قصة وقصيدة
من أهازيج وعادة الزواج الخطوة  العرضة  القزوعي الدمة  الزامل رقصات يصاحبها قصائد مشهورة
بيت وصدى
شماليل
الرحمة
 
 

 

 

[ مركز النتائج | عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

مركز النتائج

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض