بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 26 June 2003 No. 12788 Year 39

الخميس 26 ربيع الثاني 1424العدد 12788 السنة 39

  البصيرة النقدية

حسين بافقيه

كان لدى طه حسين، وهو يقدم للجزء الاول من كتاب "المرشد الى فهم أشعار العرب وصناعتها" احساس عميق بأن عبدالله الطيب المجذوب ( 1339- 1424ه /  1921- 2003م) قد وضع بكتابه ذلك أسساً لقراءة تستبطن الشعر العربي وتؤرخ لتطور صناعته منذ الجاهلية وحتى العصر الحديث. ولم يكن أمام طه حسين من طريق سوى ان يطنب في سرد وقائع المتعة التي شعر بها، وهو يجوس في كتاب ذلك الشاب السوداني الذي تخرج في لندن، وكان على دراية عميقة ومدهشة بأسرار الشعر العربي، قديمه وحديثه، وعلى صلة وثيقة بما يلهج به نقدة الأدب الانكليزي عن شعرهم، بصنوفه وأضر به المختلفة.
رأى طه حسين في "المرشد الى فهم أشعار العرب وصناعتها" سبقاً أدبياً وبحثياً جديداً في الأدب العربي المعاصر. ومن وكد طه حسين وعادته، وقد تبوأ في الثقافة العربية مكان الأستاذ الموجه والأب الراعي، أن يوارب القول، ويقلبه على أوجهه من الكناية والرمز فيما بين يديه من كتب، رغب إليه مريدوه من الأدباء والمثقفين العرب، أن يقدمهم الى القراء بكلمة منه، تكون سبباً في ذيوع ما ينشرونه على الناس.
ولكنه لم يكن مع كتاب عبدالله الطيب المجذوب كعادته مع غير قليل من الأدباء العرب، فمن البين أنه وجد في ذلك الكتاب ما لم يجده في غيره، من الاحاطة والشمول، والاهم البصر بالشعر، وبلغ به الامر ان عد هذا الكتاب علامة جديدة في تاريخ الادب العربي المعاصر:
هذا كتاب ممتع الى أبعد غايات الامتاع، لا اعرف انه مثله اتيح لنا في هذ العصر الحديث.
ولست أقول هذا متكثراً او غالياً، او مؤثراً ارضاء صاحبه، وانما اقوله عن ثقة وعن بينة، ويكفي اني لم اكن أعرف الأستاذ المؤلف قبل ان يزورني ذات يوم، ويتحدث الي في كتابه هذا، ويترك لي اياماً لأظهر على بعض ما فيه. ثم لم أكد أقرأ منه فصولاً، حتى رأيت الرضى عنه، والاعجاب به، يفرضان علي فرضا، وحتى رأيتني ألح على الأستاذ المؤلف ان ينشر كتابه، وان يكون نشره في مصر، وآخذ نفسي بتيسير العسير من أمر هذا النشر. وأشهد لقد كان الأستاذ المؤلف متحفظاً متحرجاً، يتردد في نشر كتابه، حتى اقنعته بذلك بعد إلحاح مني شديد. وقد يسر الله هذا النشر، بفضل ما لقيت من حسن الاستعداد، وكرم الاستجابة، من شركة الطبع والنشر لاسرة الحلبي..
وأرجع طه حسين قيمة هذا الكتاب الذي عده "طرفة أدبية نادرة" لا تنقضي عجائبها، الى مكانته من التجديد في الدراسة الادبية، وملاءمته بين المنهج العلمي الخالص في البحث والتقصي، والروح الادبية التي يلمسها القارئ انى قلب صفحات هذا الكتاب، وكان جماعاً للروح التي طالما لهج بها طه حسين في كتاباته، وهي المزج بين العلم والادب - وموقع المؤلف من كل ذلك، قارئاً للشعر وناقداً له، محكماً ذوقه الخاص، "فيرضيك غالباً، ويغيظك احياناً، ويثير في نفسك الشك احياناً اخرى. وهو كذلك يملك عليك أمرك كله، منذ تأخذ في قراءة الكتاب، الى ان تفرغ من هذه القراءة، فأنت متنبه لما تقرأ تنبها لا يعرض له الفتور، في أي لحظة من لحظات القراءة. وحسبك بهذا تفوقاً واتقاناً"!
ولعل مقدمة طه حسين ورأيه في الكتاب خلاصة للشعور الذي ظل ملازماً لي منذ قرأت الكتاب، قبل ردح من الزمن، ولم استطع ان أنفك من تأثيره وسطوته عليّ، مع ما في الكتاب من معلومات ثرة، وقضايا متعددة وصلت به ان بلغ، خمسة مجلدات ضخمة تنوف صفحاتها على الألفي صفحة! ولكنني خرجت من قراءتي له، وقد هالني بصره العميق بالشعر، ووعيه النافذ لمنازع القول، وكأنه في قراءته الموسعة للشعر العربي، قديمه وحديثه، يأخذ بيد قارئه الى أس الثقافة العربية، او العقل العربي، اذا ما اردت ان استعمل مصطلحات اكثر حداثة، دون ان يرفع، في وجهك، ما ابتلى به النقد الادبي الحديث، من دعاوى المنهج والنظرية، التي اثخنت الشعر واللغة بندوب كثيرة، وصارت في كثير من الاحيان، وجاء دون البصر بالشعر واللغة وفصيح الكلام.
و"المرشد الى فهم أشعار العرب وصناعتها" يقوم، كما ذكر المؤلف، على فكرة بسيطة، وهي ان الشعر العربي من حيث الصناعة، يقوم على الأركان الآتية: النظم، والجرس اللفظي، والصياغة، ثم إلقاء الكلام على صور خاصة من الاداء، وفي اساليب ومناهج تمليها عوامل التقاليد والبيئة على مر الازمان واختلاف الامكنة، وتؤثر فيها الافكار المستحدثة، وما يجري مجراها من دواعي التغيير، وقد أوسع هذه الاركان جساً ولمساً، على نحو جعل قضايا العروض والقافية والاوزان سياحة ماتعة في القرآن الكريم والشعر العربي وفصيح الكلام، يرفده بذلك ثقافته العربية الواسعة، وتضلعه من الأدب الانكليزي، والنقد بصورة خاصة، ما جعل كتابه هذا مرجعاً بالغ الاهمية في التطور الداخلي للشعر العربي، وبخاصة القديم منه، دون ان يفقدك متعة القراءة لأسلوب عربي رفيع، وبروح بدوية عذبة لخريج أعرق الجامعات الانكليزية.
وينبني نقد عبدالله الطيب على الذائقة الشعرية والبصر بمداخل القول ومخارجه، تلك الذائقة المشفوعة بشواهد ثرية من الشعر العربي والاجنبي، وهو معني في تتبع أعاريض الشعر العربي واوزانه بالبحث عن العلاقة المشدودة بين البحر الشعري والغرض الذي تسير عليه كلمات الشعر وقوافيه، وكأنه يريد الوصول الى لجج اعماقه، متتبعاً التاريخ الفني للأوزان العربية: بداءتها وتطورها وموتها، حتى ليعد كتابه هذا تاريخاً للبحور الشعرية، من ذلك بحر "المديد" الذي وصفه ابو عبيد البكري، في شرح امالي القالي، ب "النمط الصعب"، ومنه قصيدة تأبط شراً الذائعة:
إن بالشعب الذي دون سلع
لقتيلاً دمه ما يطل
وهو بحر فيه، فيما يقول عبدالله الطيب، "صلابة ووحشية وعنف... ولا يستبعد ان تكون تفعيلاته قد اقتبست في الاصل من قرع الطبول التي كانت تدق في الحرب.."، ويؤرخ لآخر استعمال له في العصر الاسلامي، لأن الشعراء المحدثين لم يستعملوه في الاعصر العباسية، وان كان، كما يذكر، يستعمل في الشعر السوداني الدارج.
وتتدرج البحور الشعرية الاخرى في صخبها وعنفها مدارج مختلفة، تجعل بعضاً منها بحوراً "شهوانية"، وبعضها لا يصلح النظم فيها إلا على سبيل "الدندنة والترويح عن النفس بجرس الألفاظ"، وبعضها هو أقرب الأوزان رحماً إلى السجع ك "السريع"، الى آخر تلك الاحكام التي يوردها، وقد شفعها بشواهد كثيرة من شعر العرب، متتبعاً، وبدقة عجيبة، تنقل الأوزان الشعرية من زمن الى زمن، ومن مكان الى مكان، مع ما يشوب ذلك من ضروب من التحضر والتبدي.
وعبدالله الطيب المجذوب مسكون بجلجلة الشعر العربي، لا يميل، كثيراً، الى اللغة اللينة، التي يشعر ان فيها عوجاً او مجوناً، ويطرب للشعرب الممتلئ حكمة، وهو حينما يملأ عليه الشعر سمعه وبصره وفؤاده، لا يملك إلا ان يصف البيت او القصيدة بأوصاف طريفة ك "حر الشعر"، او "قصيدة فخمة ضخمة"، او كقوله عن أبيات لشوقي:
سكينه ويمينه وحزامه
والصولجان جميعها آثام
عيسى سبيلك رحمة ومحبة
في العالمين وعصمة وسلام
ما كنت سفاك الدماء ولا امرءاً
هان الضعاف عليه والايتام
يا حامل الآلام عن هذا الورى
كثرت عليه باسمك الآلام
هذا كلام شريف جداً يزين لفظه معناه، وتشيع فيه غضبة حرة، من ذلك الغضب الذي يعده الغزالي ضرورياً لمن يريد ان يعبد الله بحق، ويعرفه حق معرفته.
ولا ينفصل الوعي بالشعر عن "الزمان" و"المكان" في ذائقة عبدالله الطيب، فكما تتطور كلمات اللغة، جيلاً بعد جيل، وتختلف دلالاتها من مكان الى مكان، فإن للزمن فعله، كذلك، في اختلاف النظر الى الاخلاق، كقضية الفحش (بالمعنى الجنسي) التي تختلف من ثقافة الى اخرى، فبينما يرى المسلمون في الفتيات العاريات الافخاذ في البلاجات الحديثة فحشاً وخروجاً على الاخلاق، فإن الاوروبيين يتأذون، كثيراً، من صراحة المسلمين في بعض الامور الجنسية، بل ان عامة المسلمين، وبخاصة في العصر العباسي، يرون في بعض شعر جرير والفرزدق اقذاعاً، ويرى ان ذلك ناشئ في زماننا هذا، عن "النفاق الاجتماعي"، الذي استمد من القيم البرجوازية الاوروبية، ويضرب على ذلك مثالاً بالفقهاء المعاصرين الذين يجدون حرجاً كبيراً في ذكر ألفاظ الجماع، وقد كانوا في الماضي، من أجرأ الناس على ذكرهما، وقد كانت مجالس الفقه في الزمان الماضي هي المكان "المحترم"، الذي يمكن ان ينفس المرء فيه عن الكبت الاخلاقي المتعلق بالألفاظ، ان لم يكن هذا المرء من شعراء المجون والسخف او هواتهما. وقد تغيرت الأحوال الآن، فأصاب الفقهاء لفح من تزمت البرجواية الأوروبية، عن طريق طبقة المثقفين من الافندية، فجعلوا
يتزمتون كما تقتضي روح العصر. واوصدت الابواب امام الاشعار الخليعة، فانزوت الى اركان يلحظها منها الذوق العصري شزراً. وأصبح المجال "المحترم" الوحيد الذي يمكن ان ينفس فيه المرء عن رغبته في التعبير الفاحش، هو مجال علوم النظر الحديثة، وبخاصة علوم الاجتماع كالانتربولوجيا وللبروفسور مالينوسكي في وصف القبائل الهمجية، مثل سكان مالزيا وجنوب الباسفيك، شطحات شبيهة بشطحات ابي حامد الاسفرائيني في معرض تعيين مواقيت الامساك عن العلاقات الجنسية في رمضان.
ومن المسائل التي تؤثر في الشعر - والأدب عامة - الصراع الطبقي بين الطبقات العليا في المجتمع وطبقات الحرفيين وأصحاب المهن، وكان الحس الطبقي ذا أثر بالغ في مسيرة لغة الأدب ورؤيته، كانتقال الاشتغال بالأدب من طبقة العلماء وعلية القوم في القرن التاسع عشر، إلى الطبقة المتوسطة في القرن العشرين، ما يعني ان كل طبقة تملي ذوقها الخاص على من يقرؤها، وتنظر الى غيرها، وبخاصة الطبقات الدنيا، بغير قليل من الاحتقار، ويصبح هناك حاجز بين كلمات هذه الطبقة وكلمات الطبقة التي هي دونها، وما ان يستعمل ابناء الطبقة الدنيا كلمات الطبقة العليا حتى تصاب تلك الكلمات بالابتذال، وتموت، وتوصف ب "السوقية"!
ولل "موضة" أثرها في شيوع عدد من الكلمات وموتها، فالادباء من اكثر الناس ولعاً ب "موضة" الكلمات، على الرغم من انهم، فيما يقول، من اكثر الناس حرصاً على "الخلود" والتعالي على "القيود المادية التي تمثلها عناصر البيئة المختلفة"، وما الالفاظ التي ذاعت في الشعر الرومنسي إلا شاهد على ولع الادباء ب "الموضة"، كألفاظ: القيثارة، والازاهر، والاحلام، والظلال، والاشباح، والاحاسيس، والمشاعر، والبلبلة، والرفش، والمعول، والآهات، والاشعاع، والهدهدة، ويناغي، وينغم.. الخ، ثم انتشار كلمات معينة، حينما فرضت "موضة" الأدب السياسي - واليساري منه - مفرداتها، وأزرت بالمفردات السابقة التي تبعث على الخدر والنوم! فشاعت في مرحلة سياسية بعينها مفردات: الكفاح، والاستغلال، والتمييع. ولنا ان نضيف اليها ما يشيع في زماننا هذا من ولع المثقفين والأدباء بمفردات: خطاب، وبنية، ونسق، ونظام، وعلامة.. حتى لدى خصوم الحداثة ومناوئيها!
ويعيد عبدالله الطيب الدواعي التي تشيع "الموضات" الأدبية إلى الفراغ والنفاق والضعف البشري والزهو وطلب التبجح.. وفي دولة الادب بخاصة يكفي ان نشير هنا الى ان تطور المذاهب الادبية، والآراء السياسية والاجتماعية، له أكبر اثر في بعث "المودات" الادبية. مثلاً المذهب الوراء الواقعي في الفنون الجميلة، ادى الى اختراع ألفاظ، او استعمال الفاظ، خاصة بين الفنانين، سرعان ما تلقفتها جمهرة الأدباء، وصارت "مودة" بينهم الى حين. والادباء مبتلون بادعاء المعرفة لما لا يحسنونه منذ ان وضع ابن قتيبة كتاب "أدب الكاتب"، وقبل ذلك بدهور. والمذهب المادي الجدلي في السياسة أدى الى اختراع ألفاظ خاصة، سرعان ما التقطها الادباء، ولهجوا بها في نثرهم وشعرهم. والأدباء في الشرق أسرع تهافتاً على "المودات" من اخوانهم الغربيين، لفقدان الأصالة الفكرية بينهم في الكثير الغالب، فهم يعوضون عن هذا الضعف باستحداث "المودات"، إذ "المودة" أبداً تلبس لوناً براقاً، يجعلها للناقد السطحي أشبه شيء بالأصالة.
ي




 

بقية المواضيع

داعياً إلى كشف عوالمه الأخرى الصفراني لثقافة اليوم:"عمودية" القصيبي معاصرة في الرؤية والمعجم والصورة والروح
ذكرى لا يجب أن نجهلها أو نتجاهلها نصف قرن على ظهور الصحافة اليومية في المملكة
تحولات خارج  الزمن
موت طفيف
الحنطة تشق  خدرها
الجميل  والقبيح في الشعر الجاهلي
الاغتراب والحنين بين شعر المشارقة والأندلسيين
حول أدب المرأة
أولى سلاسل الحوار الإيرانية العربية
يوسف حبشي الأشقر محور  (الطريق)
دارين الثقافية والطلل عند المتنبي
البصيرة النقدية
مساءلات فكرية نزيف الكلمات
وسط حضور مميز في أدبي الرياض د. صمود يقرأ المبالغة العربية في البلاغة والثقافة
"الجاحظ الذي فُهِمَ خطأً..!"
ألوان المقالة عند حسين سرحان
صوتان عراقيان
رؤية ..  هكذا تقال: أنت غير محترمة..!
يفتتح اليوم ويمتد إلى عشرة ايام اتيليه جدة يختتم نشاطه بمعرض لفناني المدينة المنورة
نافياً اعتذاره عن مهرجان جدة..رابح صقر: تفاجأت  مثلكم والمتعهد أراد احراجي مع جمهوري..!
احدث تطورات (سارس ) على قناة ديسكفري
قصة وقصيدة
من أهازيج وعادة الزواج الخطوة  العرضة  القزوعي الدمة  الزامل رقصات يصاحبها قصائد مشهورة
بيت وصدى
شماليل
الرحمة
 
 

 

 

[ مركز النتائج | عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

مركز النتائج

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض