بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 26 June 2003 No. 12788 Year 39

الخميس 26 ربيع الثاني 1424العدد 12788 السنة 39

  مساءلات فكرية نزيف الكلمات

د. عبدالسلام المسدي

التاريخ يصنعه العقلاء جداً ويصنعه المغامرون جدا.
فالعقلاء من السياسيين يرجحون درء المفاسد على جلب المصالح والمغامرون يتهافتون على جلب المصالح  ويغمضون الاعين على درء المفاسد.
والسياسة تصنع التاريخ لأنها تؤثر في مجريات احداثه تأثيراً بناء او تأثيراً هداماً، لذلك يسجل التاريخ اسماء رجالها، بعضهم على الصحائف البيضاء وبعضهم على الصحائف الاخرى.
وبين التاريخ والسياسة منطقة اخرى مرسوم عليها سلم الاخطاء:
فمنها الصغرى، ومنها الكبرى، ومنها القاتلة، تلك التي إذا تم ارتكابها حكم التاريخ حكماً قاطعاً بمجازاة اصحابها ولو بعد امهال.
سننشط جميعا- بين سياسيين ومثقفين- في تقليب الأسئلة، وسنصوغ الف صياغة تتولد من جحيم واحد: كيف وصلنا إلى ما نحن فيه؟ وسيجتهد المجتهدون، هذا يقول: لماذا وصلنا؟ بدلاً من: كيف وصلنا؟ وذاك يستدرك متسائلاً: كيف السبيل إلى الخروج مما وصلنا إليه؟
وهل من سبيل إلى الا نعود إلى ما وصلنا إليه؟
وسنشهد زخما من ادبيات النكبة الكبرى ترافقها القوائم العديدة من العلل والأسباب والحيثيات، وسيكون مقياس النبض، ورائز الجدوى، ومسبار الأمانة- ضمن ما يخطه المحللون السياسيون ويحبره رجال الفكر المنخرطون ضمن جدل الوعي التاريخي- في مدى اتساع هامش المسكوت عنه او في مدى ضيقه.
بين هذا وذاك سيقوم سجال على اطراف الجدل يتراشق فيه خطباء الفكر اللائمون وخطباء السياسة الملامون. هؤلاء يقولون: لماذا لم ترصدوا الظواهر في أوان رصدها؟ ولماذا لم تجودوا ارهاصاتكم كما يفعل المثقفون في العوالم الاخرى؟ واولئك يردون: لم تتركوا لنا من الحرية ما به نؤدي امانتا على الوجه الذي نرتضيه نحن اكثر مما ترضون به عنا؟
من هذا الخط ينبثق الحوار الأول الأخاذ، ومن هذا الاخدود يطلع الفيض الملهم الفتان، وسيكون له سجل كحافظة للأوراق تجتمع فيها على شاكلة وعلى اخرى بحسب الأصابع التي تتحسس المداخل والقضايا، ثم بحسب طاقة الصبر على الوجع من فرط الم عند الوقوف على عتبات الذاكرة العربية الكليمة.
وأول ما يهجم عليك من عساكر الفكر الثائر على نفسه وعليك- قبل ان يقصفك بذخائره التأملية المتشظية- سؤال كالنبل تصيبك في المكمن القاتل: هل حان الأوان لمراجعة الذات للمرة الألف ام ان الأوان هو اوان التصدي للأعتاد الناسفة التي تتقصد الكيان و تقتنص الهوية؟ فإذا انت انخرطت في ميثاق التأجيل واذعنت لمنطق الأولويات وقعت ببصمة الإبهام الكريمة على اعظم اكذوبة روجها التاريخ عندنا، فسلب بها من العقل ريادته، وسرق منه سلطة الفعل والإنجاز: إنها خدعة الخلط بين نقد النفس وجلد الذات، هي تماما كالخدعة الاخرى حين راح البعض ينظرون لفلسفة المصلحة الجماعية فلم يكتفوا لها بالأولوية على المصلحة الفردية، بل تجنوا  على الأفراد فقتلوا مهجتهم، وداسو على حقوقهم، والحال ان الأفراد- لكثرة عددهم في الأمر الواحد ولعموم همومهم في العذاب الواحد -أصبحوا هم الجماعة، ثم تحولت الفلسفة إلى شعار اغرائي فاستبدلوا بعبارة (المصلحة العامة) عبارة (المصلحة العليا) امعانا في وصف ما عداها بأنه في خانة المصالح الدنيئة الوضعية.
ولفرط الارتجال الذي ينتاب القلم و يعصف بالكلمات يكاد الفكر ان يلوذ بنزوة الشعراء او يتوسل بمخيال الروائيين فيرى ركحا على المسرح العربي يؤدي فيه ممثلان مشهد الحوار الثائر الجريح: هذا ينطلق باسم الفكر والثقافة وذاك ينطق باسم السياسة والقرار.
يقول الأول: لو احتكمتم إلينا في امهات القضايا لما وصلتم بنا وبأنفسهم الى هذا الردى، لو تركتمونا احراراً فيما نفكر وفيما نعلن لكنا عوضنا غياب المؤسسات التي لايقدم اصحاب الأمر على شيء في البلاد الأخرى إلا بعد حصولهم على ضوئها الاخضر.
فيقول الثاني: افتراكم الصوت الواحد ام قلوبكم شتى، وعقولكم شتى، واوصياءكم اكثر من شتى؟ هل حكمتم الناس يوما فأسلموا اليكم امرهم؟ وهل وصلتم بمدينتكم الفاضلة الى سطح البسيطة ان كنتم فرغتم من ارساء قواعدها تحت الأرض؟
يرد الأول: إننا يتامى الوهم التاريخي الجلل، فلقد ظننا ان في حصول اقطارنا على استقلالها السياسي- بعد نضالات معارك التحرير من الاستعمار على مدى العقود- تحريراً مطلقاً لإرادة الفرد العربي داخل و طنه، فإذا بالتاريخ يضعفنا، وإذا بألسنتنا تتوق إلى انسام لم تعد تهب خفيفة، ومنا من امسى يحسد طه حسين وجيل طه حسين على ما كانوا ينعمون به طيلة النصف الأول من القرن العشرين من حرية التفكير وحرية التعبير وحرية الإعلان كتابة عما كانوا يفكرون ويعتقدون.
فينبري الثاني منتفضا صائحاً مغتاظاً: هل رأيتم كيف عرفتم شيئاً ولم تعرفوا اشياء؟ الم نقل لكم إن الشعوب لايدير امرها الحكماء من ابراج تأملاتهم الشاهقة؟ إن كنتم انتم يتامى الوهم التاريخي فإننا نحن ضحاياه: عندما اخرجنا المستعمر كنا ظننا اننا حررنا إراداتنا في السياسة، فما لبثت الصاعقة ان اناخت على كواهلنا، ووجدنا انفسنا ارقاء اكثر في الاقتصاد، فانحنينا بالرؤوس قليلاً قليلاً تحايلاً على قهر الحاجة ومظلمة الافتقاد، وإذا بالتاريخ يمعن في لي رقابنا إذ باغتنا بأن الإدرار بالمال مرهون بدفع ضريبة اعنف واعتى، وهي ان نفتح معابرنا إلى الثقافة الاخرى فنقيم لها من الجسور ما هو اقوى وامتن من الممرات الهشة  الى ذواتنا.
لقد صادنا التاريخ في لحظة قنصه المريعة، فكتمنا عنكم حقيقتنا التي هي حقيقتكم معنا، ومرت الأيام فتغيرت وجوه الثقافة واصبحت هي الاخرى لعبة بيد التقنية المتعاظمة وآلتها الجحيمية، ثم امتد جبروت ما اسموه بالتكنولوجيا فغزا الاقتصاد، وغزا السياسة، وارسى على رصيف الحرب يحكم كل الياتها حكما طاغوتيا.
فيرد الناطق باسم الثقافة قائلاً: هب ان ما أسررت به صحيح، ثم هب انه وجيه، الا تعلم انت وجماعتك بأن الأمة قد تخسر معركة فلا تخسر حربا، وبأنها قد تخسر حربا ولكنها لن تخسر اسباب الوجود. فتعالوا نجمع حصاد السنين، وتعالوا نر كيف كان يمكن الا يصل بنا التاريخ إلى مهاوية السحيقة، فعسى بعدئذ ان نعلنه ميثاقا بيننا وبينكم:
"الا يتكرر بعد اليوم ما حصل بالأمس" وسيكون الرهان عتيدا، وسيكون السجال بين المنتجين للأفكار والصانعين للقرار جموحا عنيدا، وسيتوسل كل شق بحجج يطهوها على نيران التاريخ وببراهين ينضجها على شموس الجغرافيا، وستكون الجولة الأولى على ركح المصارع الجدلية دائرة على السؤال الجارح الدفين:اي الاخطاء ارتكبنا فخنا بارتكابها امانة الاستقلال السياسي الذي اهدته لنا دماء الشهداء بعد سنوات من الكفاح هان فيها العزيز فداء لحرية الأوطان؟
`




 

بقية المواضيع

داعياً إلى كشف عوالمه الأخرى الصفراني لثقافة اليوم:"عمودية" القصيبي معاصرة في الرؤية والمعجم والصورة والروح
ذكرى لا يجب أن نجهلها أو نتجاهلها نصف قرن على ظهور الصحافة اليومية في المملكة
تحولات خارج  الزمن
موت طفيف
الحنطة تشق  خدرها
الجميل  والقبيح في الشعر الجاهلي
الاغتراب والحنين بين شعر المشارقة والأندلسيين
حول أدب المرأة
أولى سلاسل الحوار الإيرانية العربية
يوسف حبشي الأشقر محور  (الطريق)
دارين الثقافية والطلل عند المتنبي
البصيرة النقدية
مساءلات فكرية نزيف الكلمات
وسط حضور مميز في أدبي الرياض د. صمود يقرأ المبالغة العربية في البلاغة والثقافة
"الجاحظ الذي فُهِمَ خطأً..!"
ألوان المقالة عند حسين سرحان
صوتان عراقيان
رؤية ..  هكذا تقال: أنت غير محترمة..!
يفتتح اليوم ويمتد إلى عشرة ايام اتيليه جدة يختتم نشاطه بمعرض لفناني المدينة المنورة
نافياً اعتذاره عن مهرجان جدة..رابح صقر: تفاجأت  مثلكم والمتعهد أراد احراجي مع جمهوري..!
احدث تطورات (سارس ) على قناة ديسكفري
قصة وقصيدة
من أهازيج وعادة الزواج الخطوة  العرضة  القزوعي الدمة  الزامل رقصات يصاحبها قصائد مشهورة
بيت وصدى
شماليل
الرحمة
 
 

 

 

[ مركز النتائج | عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

مركز النتائج

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض