بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 25 November 2004 No. 13306 Year 40

الخميس 13 شوال 1425العدد 13306 السنة 40

  "عودة إلى الأيام الأولى" للروائي السعودي ابراهيم الخضير الرواية اليتيمة حقاً

بيروت - مكتب "الرياض" ، سيمون نصَّار

يبني الروائي السعودي ابراهيم الخضير بهندسة فنية "قليلة التركيز"، روايته الجميلة - الأولى - عودة إلى الأيام الأولى - الصادرة عن منشورات دار الانتشار العربي في بيروت. وبعد الحكم بأن هذا العمل الروائي كان لناحية هندسة السرد البنائية "قليل التركيز" إلا ان هذه الرواية تسجل لنفسها حضوراً سباقاً وملفتاً بين الكم الكبير من الروايات السعودية التي مرت على حدث حرب الخليج الثانية مرور الكرام، إذ انها تتناول اليوميات ما قبل الأولى على بدء هذه الحرب التي غيرت خارطة المنطقة، وماتزال لغاية اليوم تحدث تغيرات ليس في الجغرافيا السياسية التي تعيش ضمنها مجتمعات راكدة وآمنة. بل تتناول إلى ذلك التغيرات النفسية والشعبية - الجماهيرية - التي حصلت منذ تلك اللحظة المصيرية كما في السياسة كذلك في كل ما يتصل بها.
الرواية إذاً، تسرد هذه اليوميات على شكل مروِّيات متداخلة بين عدد حافل من الشخصيات، منها ما هو كومبارس - بلغة السينما - ومنها الذي يحتل دور الخبر والاخبار فيؤثر ويتأثر بما يجري من حوله. أما الذي يميز هذه الشخصيات فهو انها جميعاً غير منتم outsider إلى المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية، فهي، أي روايات الحرب التي هي حرب - الآخرين - في قلب المكان. وهي على هذا نوع جديد في تسجيل الحدث الذي هو الحرب التي دارت رحاها في قلب المكان دون أن تنتج تغييرات سريعة، ودون أن يكون تأثيرها السلبي مباشراً وقوياً بالمعنى الذي فهمت فيه هذ التغييرات سياسياً.
إذ ان الحدث هنا يخرج بفضل حنكة الروائي من الحاوية السياسية ويصب في المعنى النفسي الاجتماعي الذي هو الموضوع الأساسي. وإن أراد الراوي في كثير من الأوقات الاتجاه نحو فكرة المؤامرة التي يتقنها العرب إتقاناً فريداً يضاهي في بعض الأحيان اتقان صانعها نفسه. اضافة إلى ملاحظة، وهي ان الاتجاهات المتعددة في الرواية، بين الاجتماعي النفسي والسياسي الجغرافي والنوستالجي الايديولوجية، كل هذه الأشياء تجعل من صناعة المروَّيات للشخصيات. مروَّيات غير متآلفة فيما بينها على شكل واحد من اشكال الحياة. التي تبدو وكأنها في الجزئيات الرومانسية تنم خارج سياق الرواية والأخبار. أما الباقي من الحياة المروية فإنه يجري كفرع نهر صغير تقطع فيه مياه السرد بين الحين والآخر، بأسلوب جريء جداً في تحديد التقنيات الكلامية داخل النص.
أما الجانب الآخر. من هذه الرواية. وهو المهم، بل الفذ الأهمية انتماؤها إلى مدرسة الواقعية السيكولوجية في الكتابة الروائية التي كان رائدها ومؤسسها الأول الفرنسي غوستان فلوبير. وقد تجلت هذه التقنية أكثر ما تجلت في رائعته الكلاسيكية "مدام بوفاري".
وفي حين أن واقعية هذه الرواية تأخذنا إلى الانجرار نحو انها مسيرة ذاتية لكاتبها. فإنها حتى لو كانت على هذا النحو لا تقل قيمتها الفنية أو المعنوية. وحتى لا نتهمها بذلك منذ البداية، يحسن القول أن هذه الرواية هي سيرة ذاتية يشوبها الكثير من عدم الصدق (Alying Autobiography) ويمكن القول هنا، ان الرواية هي في هدفها الأساسي الذي رسمه لها الخضير هي سيرة ذاتية للمدينة والناس. والنماذج التي لا تتألف داخلها، قبل ان تكون سيرة الراوي نفسه الذي كتب رواية طويلة 520صفحة دون أن يُشعر القارئ بأنه بذل جهداً كبيراً في كتابتها. وهذا الاحساس يتأتى من ان القارئ لا يشعر بعظيم جهد في القراءة. وفي الأولى هو ما يوحيه النص فيما الثاني توصيه التجربة في القراءة.
هذا الاستنتاج ناتج عن تأخر الرواية نحو عقد ونصف على حدثها الرئيسي، حرب الخليج الثانية 1990.ولأنها تستند في كتابتها على دفتر اليوميات الذي كان - على الأرجح - ممتلئاً بأحداث يومية تفصيلية دون حضور طاغ للأنا فيها. كذلك تبدو حالات السرد فيها ممتلئة بأحداث يومية تفصيلية تعبىء السرد كما لو أنها المياه التي تحصرها السدود الهائلة التي لا نجد لها مثيلاً قائماً في بلادنا "العربية" برمتها بسبب خلو هذه البلاد بغالبيتها من عنصر المياه. وهي على مثال بسيكولوجي أدلري "من أدلر" يوحي دوماً بأن التحليل فيها سبق الحدث رغم انه ليس كذلك، بل هو في الحق تحليل لاحق لوقوع الحدث. إذ يعمل الخضير في هذا التحليل على رصد دقيق ليس للتواريخ وحسب وإنما الأسماء والشخوص التي كانت مؤثرة في الحدث. اضافة إلى امتلائها حتى آخرها بجيوش كثيرة لا تتسع لها الصحراء في حين تتسع لها هذه الرواية ويتسع لها خيال الراوي بشكل دقيق جداً لا تشوبه شائبة. إذ اننا هنا نصطدم براوٍ لديه قدرة وجلد على صياغة - من صائغ - التفاصيل حدثت قبل عقد ونصف كما لو أنها تحدث اليوم. أو حدثت منذ قليل. وترمي حملها في كافة الاتجاهات السياسية والاجتماعية.
عامل آخر يميز الطاقة السردية في هذه الرواية قبل الشروع في النقاش حول تفاصيلها - المدينية - وهو أن الراوي الخضير قد كتب روايته بهدوء مطبق وقاتل. وهذا الأمر جديد في الرواية السعودية الحديثة يتوازى فيه الخضير مع زملاؤه من الروائيين المحليين مثل يوسف المحيميد وعبده خال ونورة الغامدي وإلى حد بعيد محمد حسن علوان في روايته صوفيا.
روت لي صديقة عاشت فترة دخول الجيوش الأجنبية إلى منطقة الخليج إبان التحضر للانقضاض على الجيش العراقي المرابض في الأماكن التي احتلها وأنشب فيها أهوالاً في الكويت. انها كانت ذاهبة وصديقة لها في سيارتها إلى بيت أقرباء لها في الطرف الغربي من مدينة الرياض حين دوت في الأرجاء صفارات الانذار الأقرب إلى صوت الموت. وقالت، ساعتها لم يتمالك السائق الغريب عن "البلد" أعصابه، فقام بزيادة سرعة السيارة ووقف تحت أقرب جسر على الطريق السريع الذي يشطر الرياض إلى شطرين. وما أن أوقف السيارة حتى بدأ يهذي بصلاة - مسيحية - ليتقي شر الصواريخ التي كانت الرياض مهددة بها من قبل الجنون الصدامي يومذاك. في أثناء ذلك الجو المحموم كانت صديقتها تحدثها عن كيفية تحضير أحد أصناف الحلويات فيما هي تحاول تهدئة روع سائقها القادم من بنغلاديش وهي بلد خبرت عدة أنواع من الحروب الأهلية المحلية والنزاعات القاتلة التي تتراوح بين قصف الصواريخ وقصف الفقر والمجاعات التي أهلكت سكان البلد الآسيوي. وعاشت هذه الصديقة مع صديقتها وسائقها لحظات من التوتر والجمود هي أقرب إلى الموت الإرادي منها إلى الاحساس بنشوة الحياة. وبعد أن سكتت الصفارات عن الصريخ في أرجاء الرياض الت
ي تعرضت حينذاك إلى أول قصف صاروخي في تاريخها. بدرت تنهيدة وهمهمات متفرقة بسبب تذوق طعمة الأمان بعد لحظات مريرة من الفزع. وما كان من صديقتي - الخائفة - التي طلبت الاستمرار في الرحلة غير ابداء الصمت المطبق أمام هول اللحظات التي عاشتها في حين بدأ السائق يتحدث بلغة انكليزية متكسرة آسيوية عن الحرب والسياسة والرياض وقوة الجيش الأميركي وجبروته وعن قدرة الولايات المتحدة التي كانت في ذلك الحين قد تربعت على عرش العالم اثر تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار جدار برلين قبل ذلك بعام "في التاسع من نوفمبر ألف وتسعمائة وتسع وثمانون" وكان يبادر في مسعى نبيل ليواسي ركاب السيارة في الخلف من أجل التخفيف عنهم، بأن الحرب واقعة وأن الناس لا تقدر على فعل شيء. وبينما هو مسترسل صرخت المرأة الجالسة بجانب صديقتي قائلة - آه تذكرت، لقد نسيت مكونا أساسيا في صنع هذه الحلوى - وما كان ساعتها من رفاق الرحلة سوى الاستغراق في نوبات متفاوتة من الضحك.
لم تحضر بذهني هذه الحكاية عن هذه الصديقة التي سأعود إليها لاحقاً بوصفها واحدة من النساء اللواتي قدن السيارات يومذاك. لم تحضر، سوى لأن المفارقة فيها قامت على تناقض بين خطابين وتعبيرين يقيمان علاقات مختلفة بالحرب التي تتحدث عنها هذه الرواية. وتتجلى هذه المفارقة في شخصية الراوي الدكتور منصور الغافري وباقي الشخصيات الأساسية مثل الدكتورة الأميركية جوان كوك فيشر والسيد فاضل بن جعفر والسيد رديني السالم وحتى ابنته عروبة.
فالسائق تفوه عند كلامه بمفردات عامة عن الحرب والسياسة والقهر والموت، وهو كلام ترجيع لصدى الحرب وعناوينها العمومية نظراً إلى انه يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من الرأي العام "المسيس" وهو إلى ذلك يعبر عن رأيه بالسوية التي درج عليها في التعبير من على منابر الصحف والمنشورات في تأييد الحرب. وما لم يذكره الخضير في رائعته هو التفوق الإعلامي الأميركي وقتها. هنا يلتقي خطاب السائق "الخائف" مع خطاب جعفر بن منصور الذي يعرف ما تسببه الحرب ولكنه واثق "بالأصدقاء" الذين جاءوا من بعد الاف الأميال لتحقيق النصر. وخطاب الأميركية التي كانت تعرف جيداً طبيعة المجتمع القادمة إليه ولكنها في نهاية الأمر العالمة بالحرب ولعبتها وأدواتها.
أما الخطاب الثاني الذي عبرت عنه المرأة - صانعة الحلويات - فإنه قام على الصورة والحس وتخليد الذكرى. وأدار ظهره للشعار والانذار والتحريض والتبشير والتحليل. وخالف أسلوباً كان الناس يومذاك قد استخرجوه وركنوا إليه في سياق استلابهم المطلق بالحرب ووقائعها وظنونها وشائعاتها. فحل خطاب الخصوصية هنا محل خطاب العوام الذي كان مفتوناً بالديموقراطية والسلطة وخيارات الدولة على لسان خطيب الجمعة - المعبر عن رأي العامة - الذي أقام خطبة وحيدة في الرواية وفي مسجد ليس يشبه المساجد في شيء حتى يخال القارئ ان الخطيب وكذلك المسجد وفاضل بن جعفر ونساءه وقصره هي شخصيات وأماكن تذوب بمجرد انتهاء خبر الحرب والقتال والصفقات التي تتحدث عنها الرواية كثيراً.
الخصوصية الأخرى، القائمة في الرواية. هي خطاب الانكفاء نحو الذات وتأليه العزلة وهذه مذهب من مذاهب الكائنات المدينية وسكانها. ورغم انها العزلة المصطنعة بسبب ما تشيعه المدينة من قدرة على الثرثرة والعلاقات. إلا انها العزلة القاتلة والمتريفة على حد قول باشلاء، والغوص في المكانية الضيقة التي تعبر عنها شخصية الدكتور منصور الفارق في ذاتية رومانسية عارمة ان في مكتبه المتواضع في المشفى أو في البيت الصغير والبارد كغرف الموت.
على هذا، لا تتشكل الرواية في قلب مجتمع مدني، يخلق بقدرة عجيبة روايات كثيرة ويتناسل حكايات هي بالضرورة نتاج فائق للحيوية البشرية التي تصنع التمرد، بل انها المدينة المتريفة، التي تداخلت مع الريف حتى تم التأثير عليها وقتل الخصوصية فيها مع انها أي الخصوصية تصير على هذا المنوال ميزة فردية. إذ في هكذا مجتمع تذوب الخصوصيات وتتلاشى لتكشف الفرد وتحدد نتفاً من سيرته الذاتية. وهو ما فعله الخضير في هذه الرواية.
ذهب الراوي في "عودة إلى الأيام الأولى" إلى أكثر في وصف التمدن الذي عاشه بطله مع مجمل الشخصيات التي تقاطعت معه. وأكثر دخل في ماهيتهم النفسية. وبعيداً عن شخصيات الرواية، تحديداً الدكتور البرجوجي وعروبة ومواضيع الازدهار الاقتصادي الذي تم بسبب نشوب الحرب. والتفاصيل التي أعادت عناوين صحف تلك الأيام. وإلى قصة قيادة مجموعة النساء المتمردات للسيارة في وسط الرياض التي كانت صديقتي واحدة منهن، اضافة إلى قضية اليمنيين والتدخلات السياسية وتجار الحروب وكل ما هو موجود في الرواية.
يبقى القول بأن هذه الرواية تحتاج وجدياً إلى قراءة ثانية وثالثة وإلى مطالعات شتى باعتبارها وثيقة هامة وموضوعية من مرحلة لم تدرس لغاية اليوم بمثل هذه الخلفية.



 

بقية المواضيع

ألا يتوجب علينا التفكير جدياً بإستراتيجية إعلامية جديدة من أجل مستقبل أطفالنا؟!!
شماليل
منطلقات التفكير الثقافي المثاقفة
الاغنية الشعبية وثقافة النخبة
الأديبة الكويتية بثينة العيسى: لا أملك أي إصدار.. ولن أخوض تجربة المسابقات ثانية لأن القمة تتسع للجميع
صوت آخر
بكاء العصافير .. قصة قصيرة
أحمد عبدالحق ومنصور العساف في ديوان صوتي مشترك
بن حيدان شاعر جزل العبارة.. وجميل الوصف
هاني سلامة يجسد سفاح المهندسين في فيلم سينمائي
غوبلز، بوش.. والإعلام المُضلِّل!
تجمهر فني كبير في مهرجان دمشق المسرحي
عفروتو للمرة الاولى على mbc
بيت وصدى
شاعر وقصيدة
قراءة في كتاب "المرصاد" للفلالي .. منطق الشعر ومنطق الحياة (2/1)
"عودة إلى الأيام الأولى" للروائي السعودي ابراهيم الخضير الرواية اليتيمة حقاً
مساءلات فكرية العرب ولغتهم
مراجعات ثقافية
نجوم "بوليوود" يختتمون جولتهم العالمية أمام جمهور دبي
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم



إنضم إلى قوائم
الرياض