بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 25 September 2003 No. 12879 Year 39

الخميس 28 رجب 1424العدد 12879 السنة 39

  دعوات مبكرة لإبادة السرد الأدبي

د. عبدالله إبراهيم

استند الموقف العام الذي اتخذته الثقافة الرسمية من الرواية العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى التمييز القديم والشائع في تاريخ الأدب العربي بين قصص الخاصة وقصص العامة، فقد أنيطت بالأولى مهمة اعتبارية وعظية وأخلاقية، فيما خصّت الثانية بالتسلية والسمر، ومثالها المرويات السردية الشعبية والخرافية، لأنها موجهة إلى العامة التي تظهر ميلاً واضحاً للتعلق بالخرافات، كما يقول البيروني، واعتبر الليث بن سعد أن "قصص العامة مكروه لمن فعله ولمن استمع إليه" وهذا يلزم إبادته، وحماية الناس منه، كما ذهب أوصياء الثقافة.
وجدير بالذكر ان هذا الموقف المتأصل في الثقافة العربية القديمة ظل يتصلب ويتنامى على الرغم من شيوع هذا النمط من القصص، وبخاصة في القرن التاسع عشر إذ طبعت كتب السير والخرافات والحكايات العجيبة، وعُرّبت مئات النصوص الروائية التي يمكن بسهولة ادراجها، حسب منظور الثقافة الرسمية، في إطار القصص الشعبي العامي فكتاب "ألف ليلة وليلة" الذي ما زال إلى الآن مثار سخط الأوساط الثقافية الرسمية، لم يتغير الموقف منه خلال أكثر عشرة قرون منذ أن وصفه ابن النديم، بأنه "كتاب غث بارد الحديث" إلى قسطاكي الحمصي، الذي قال ان "في الكتاب من الفحش والاقدام على الرذيلة ما يجب أن يمحى خياله من كل بيت يحصنه أهله بأدب النفس".
والخوف من الحب، وتصوير أوضاعه المتنوعة والمثيرة، هو الذي دفع ب "يعقوب صروف" إلى التحذير من ضرر الروايات، في مقالة نشرها في عام  1882بعنوان "ضرر الروايات والأشعار الحبية".. وفيه أكد ضرر الروايات، بشكل عام، وعاد بعد مرور نحو عشر سنوات ونشر في عدد نوفمبر من المقتطف لعام  1891جواباً متشدداً عن سؤال بخصوص الحكايات الخرافية، فكان جوابه "في قراءتها شيء من التسلية، ولكن فيها مضار كثيرة، لأنها مشحونة بالأوهام والخرافات وحوادث الحب والغرام" ومضى في بيان مضار قراءة الروايات ومنافعها "من الروايات ما قراءته مفيدة جداً، وهو القليل، ومنها ما قراءته كثيرة الضرر، وهو الغالب، وأكثر الروايات التي ترجمت إلى العربية من النوع الثاني، ولذلك كان الضرر من قراءة الروايات أكثر النفع، وهذا لا ينحصر في الروايات العربية، سواء كانت موضوعة أو مترجمة، بل يتناول الروايات الافرنجية على أنواعها، فلا تجد رواية تفيد قراءتها حتى تجد عشر روايات تضر قراءتها".. ومن الواضح أن المنظور الاصلاحي - الأخلاقي هو المتحكم في تقويم الرواية، بدليل انه يكرر الحديث عن "الضرر" و"النفع" من القراءة، واستأنف يبيّن طبيعة ذلك الضرر، ومن ذلك "أن تكون الرواية نفسها منحطة
، أو تكون مما يهيج العواطف، ويقوّي، الميل إلى الشهوات، وذكر أن ذلك يكثر في الروايات الفرنسية".. وهذه الروايات يجب الامتناع عن قراءتها مطلقاً، ولا يليق بوالد أو والدة أن يدعا أولادهما يقرأون رواية من غير أن يكونا قد قرآها، وعرفا ألا ضرر من قراءتها".
وأضاف وجهاً آخر للضرر "إذا كانت الرواية خالية من كل ما تضر قراءته يبقى ضرر آخر إذا قرئت بسرعة من غير تدقيق في معانيها، لأن القراءة لمجرد التسلية يضيع بها الوقت سدى، وتضعف بها الذاكرة أو قوة الحفظ".. وعرّج أخيرا على الروايات النافعة، وهي عنده الحسنة الإنشاء، والمتضمنة المعاني الجليلة، والتي كتبها مؤلف مشهور، وتتصف بالسبك، وهذه ينبغي أن تُقرأ بامعان وأكثر من مرة.. ولا شبهة في أن قراءة واحدة من هذا القبيل قد تؤثر في تهذيب الأخلاق أكثر من كثير من الكتب الأدبية، وكثيراً ما يحصل الإنسان على ملكة الإنشاء الصحيح من قراءة رواية أدبية حسنة السبك، وتكريرها بالقراءة حتى يصير أسلوبها ملكة فيه".
مخاطر قراءة الروايات كثيرة، كما يتجلى في الخطاب الرسمي، فهي مملوءة بالأوهام والخرافات، وحوادثها مشحونة بالحب والغرام، وهي منحطة، تهيّج العواطف، وتقوي الميل إلى الشهوات بعرضها للجسد عرضاً مثيراً، وأخيراً فهي تضيع الوقت، ولا تنشّط الذاكرة.
وهي أسباب كافية للتحذير منها، والعزوف عنها.. وبالمقابل لابد من الانصراف إلى ما هو مفيد مثمر، وتلك هي الروايات الاعتبارية المفيدة المسبوكة بجودة واتقان.
وكان "محمد عمر" قد رسم في كتابه "حاضر المصريين أو سر تأخرهم" الذي صدر في عام  1902صورة قاتمة للكتب الشائعة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في مصر، فقد ذهب إلى أن اصحاب المطابع تعلّقوا بطبع "الضار والمفسد من الكتب" حتى اصبح ديدنهم "الميل إلى طبع كتب السخافة والأوهام" وعلى هذا فقد "أكثروا من طبع القصص والحكايات الغرامية والفكاهية والأشعار غير المستظرفة (كذا) وكتب النوادر والمجون المفسدة للأخلاق والطباع والخيال".. وقد استاء من انحطاط الكتاب المصري حينما قارنه بالكتب الصادرة في الشام، فرجّح الكتب الشامية، لأنها مفيدة ومنظّمة ومطبوعة بصورة جيدة، فيما الكتب المصرية سيئة موضوعات وطباعة، فجلها كتب السخافة والهذيان التي أفسدت علينا أخلاقنا، وغيّرت محاسننا، حتى أصبحنا نخاف أن يكثر أولادنا من قراءتها وأقاربنا وجيراننا أيضاً، فتؤثر في عقولهم وأخلاقهم التأثير السيىء الذي ينغص الهيئة الاجتماعية (= المجتمع) والعائلة".. ومن أجل دعم وجهة نظره قدم مسرداً طويلاً بالكتب التي صدرت خلال السنوات الخمس قبل صدور كتابه، ويمكن استخلاص نتائج اساسية من ذلك المسرد، فالكتب التي اوردها تتوزع إلى كتب تخيلية ضارة تمثلها القصص وا
لروايات وكتب المجون وهي الكتب الطاغية، وبلغ عددها اربعة وثمانين كتاباً، وكتب في المعارف التاريخية والأدبية والسياسية والتربوية وفروع معرفية أخرى يزيد عددها على خمسة عشر فرعاً، وبلغت في كل تلك المعارف والعلوم ثلاثة وثمانين كتاباً، وبحسب تصوّره فلا يعد ذلك إلا من قبيل المفاسد، فقد استأثرت الكتب الضارة والمفسدة باهتمام الجميع، فيما كل المعارف الأخرى لم تحظ إلا باهتمام أقل منها، مع كثرة تلك المعارف والحاجة إليها، وللتدليل على الخطر الكامن وراء هذا الولع بالمتخيلات السردية المفسدة للقيم العامة، يورد تكالب الناشرين على طبع كتاب "الف ليلة وليلة" وسيرة "سيف بن ذي يزن" وكتاب "عودة الشيخ إلى صباه" ويشير إلى أن عدد طبعات الليالي العربية بلغ عشرين طبعة في وقت قصير "وهذا يدل على انحطاط كبير فينا وخذلان ليس له مثيل، والعياذ بالله".
ولا يكتفي مؤلف "حاضر المصريين أو سر تأخرهم" - الذي يريد بكتابه محاكاة تحريضية لكتاب "سر تقدم الانكليز السكسونيين" ل "ريمون ديمولان" الذي ترجمه "أحمد فتحي زغلول" - بكل ما أوردناه، إنما يعقد فصلاً خاصاً بعنوان "الكتب والمؤلفون في مصر" يعيد فيه هذه المرة تصنيف الكتب الشائعة آنذاك بحسب مؤلفيها، إلى نوعين: نوع من المؤلفين الذين يريدون نشر أفكارهم العلمية خدمة للعلم والوطن والدين والآداب ولا يفكرون بالشهرة والمال إلا اذا جاءا عرضا كتقدير لتلك الخدمة الجليلة، وهذا نوع نادر الوجود، لا يحس به، وهم متوارون عن الأنظار، لأنه "لا يوجد في القوم من يقدر كتابتهم حق قدرها" ونوع آخر غايتهم الشهرة والمال، وهؤلاء هم المستأثرون بالجاه والمال، والذين يصوغون وعي العامة صوغا سيئا مخالفا للقيم الكبرى.. وينتهي إلى أن أغلب ما تدفع به المطابع "عبارة عن ترجمة بعض روايات افرنكية قد لا تنطبق على المطلوب في هذه البلاد، خصوصاً وان الترجمة تفقدها في الغالب قوة اللهجة، ولذة العبرة، وربما كان لمترجميها بعض الفوز اذ هم لا غاية لهم منها غير مجرد الفائدة المادية، حيث ينظرون إلى هذه البلاد كسوق رائجة، تروّج فيها بضائعهم، والغاية الأدبية من الروايات
بوجه العموم تمثيل عوائد البلاد، ونقائص أحكامها ونظامها واستبداد حكامها، استنهاضاً لهمة الأمة، وتقويم المعوج، فالتي يكتب منها لبلاد معلومة قد لا يكون له كل المعنى المطلوب في هذه البلاد، فما عدا القليل جداً لم يظهر عندنا شيء مفيد من هذا القبيل".
ويلاحظ غياب كتب التاريخ والآداب والفلسفة، وهي كتب لا محل لها، لخلو البلاد من عناية صحيحة بها، وعلة ذلك عنده "ما هو سائد في أذهان العوام من أن كل بحث عقلي يناقض الاعتقاد الديني" والتفت بعد كل هذا إلى ما يصطلح عليه ب "كتب الفقراء" فيصفها بعمومها بأنها بذيئة يتعلمون منها السفاهة، ويعلمون منها ما طرأ على قلة الأدب والرذيلة من الطوارئ، وهذه الكتب يؤلفها السفهاء والحشاشون، وهي مملوءة بصور هزيلة قبيحة يقطر  منها القبح، وقلة الحياء، وهي المفسدة للأخلاق فيهم على فسادها المتضمنة للهذر والمجون مع كثرته بين الفقراء، ويصدر منها كل يوم شيء جديد كثير، حشوه قلة الأدب والسفاهة والبعد عن المبادئ القويمة.. ومن تلك الكتب الرائجة التي يحرص "محمد عمر" على ذكرها "رجوع الشيخ إلى صباه" و"الايضاح في علم النكاح" وكتاب "منغظ العنين ومغني عن المعاجين" وقصة "الفلاح مع الثلاث نساء" و"عفريت الشام" و"نوادر جحا" و"القاضي والحرامي" و"بدع بطة" و"رأس الغول" و"خضرة الشريفة" و"بئر ذات العلم" و"علي الزيبق" و"المرأة التي حبلت زوجها" و"قمر الزمان بن الملك شهرمان" و"العمدة اللي اتجوز ستة" و"بدع خرج من الحمام" و"تسالي رمضان القبيحة" وهذه كتب رائجة تتكر
ر طباعتها بين شهر وآخر، حتى ان كتاب "بدع بطة" طبع في شهر واحد ست مرات، وتعليل ذلك عند "عمر محمد" هو أن "نفوس الفقراء متربية على حب التوغل في الرذيلة والقبح من الصغر".
النتيجة التي يخلص إليها تنص على ما يأتي "حق على العاقل المطالبة بابادة هذه الكتب لما تحتويه من الغش والخداع خدمة للفضائل والآداب الإنسانية، وحق للحكومة أن تعاقب اصحابها وطابعيها، ولا يعز عليها ذلك ما دام اصحابها، والذين يطبعونها يكتبون اسماءهم عليها، وهي لو اهتمت بالأمر لوقفت على ما هنالك، وعلمت أنها محشوة بالأكاذيب في الدين، والخداع في الآداب، والاختلاق مما يودع في رؤوس العوام رذيلة السفه، ويولد بينهم مكروه الفساد، وليس اقدر من الحكومة على استئصال ذلك، كما ليس احد مسؤولاً أكثر منها عما يحفظ أدب الأمة وجدها وفخارها" ويذكر أخيراً "محمد عمر" بقانون العقوبات المصري الذي يقرر في المادتين (156) و(161) عقوبات واضحة لكل من "انتهك حرمة الآداب، وحسن الأخلاق، با شهار رسم أو نقش أو تصوير أو رمز وتمثيل".
التمييز الأخلاقي الصارم في وظائف الأدب، دون مراعاة الوظائف الأخرى، هو الفيصل في قيمة الآداب السردية، ومع ان بقايا من هذا التمييز ما زال كامناً، وربما فاعلاً، في الثقافة العربية، وفي بعض الأوساط الاجتماعية، لكن الرواية العربية، تخطت كثيراً من الصعاب  والمخاطر التي كانت تحيط بها قبل قرن من الزمان
abdullah.ibrahim.name




 

بقية المواضيع

اللغة ومشكلة المعنى
جمالية التّناص
دعوات مبكرة لإبادة السرد الأدبي
المواجهة الثقافية د. القرشي يناصر المرأة ثقافياً ويخذلها منبرياً: وجهوا اتهاماتكم لجمعية الثقافة والفنون
حلمه مستحيل، وحكايته محرمة!
هيئة الصحفيين والجاسر والقشعمي وجريدة "الرياض"
سعدي يوسف وشعر الجواهري
ثقافة المعلومة والنقد العربي
تسقط  كالغيم على مدني
التاريخ حياة تتحرك في يد ضياء
في كتاب كتب مقدمته تلميذه محمد سعيد طيب أضواء محمد عمر توفيق منيرة بعد موته
خطة جديدة لآسيا
سيرة نفخر بماضيها
الدميني ونداء السفر والنهر
البازعي يكتب عن الشعر والقمر
بين الفلسفة والشعر
اليوم الوطني ترنمت به قوافي الشعر
شاهدت لك دموع الشمس
"الشعراء.. وثنائية القاموس"
حتى.. انكسار الماء
معرض "وفاء الخيل" وتجسيد ذكرى الأمير الراحل أحمد بن سلمان بالإبداع
متفائل بجديده وهو يردد : (يا قلبي) حسن عبدالله: اختياري للأغاني لا يعتمد على الأسماء..!
تبدأ فعالياته اليوم النائب بهية الحريري تفتتح معرض "ملون السعودية السادس" في صيدا
حنين: لا أعتقد أن فريد الأطرش سينزعج لو سمعني أغني له!!
جهزها له الفنان سعد المدهش فايز المالكي يتقمص شخصية كوفي عنان ويغني عن الحرب!!
عاد ملك أجداده بحد الحسام
دار أبو تركيلك الحب ممنوح
في يوم الوطن نتذكر
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض