بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 25 September 2003 No. 12879 Year 39

الخميس 28 رجب 1424العدد 12879 السنة 39

  جمالية التّناص

د. عبدالملك مرتاض

التناص الذي تولدت عنه النزعة التناصية مفهوم جديد لم يتبلور في أذهان السيمائيين والنقاد الجدد بوعي منهجي إلا في الثلاثين سنة الأخيرة. ولقد بلورت هذا المفهوم الناقدة الفرنسية جوليا كريستيفا؛ وذلك في بحث مطول كتبته عام  1966- 1967، ثم نشرته تحت عنوان: "النص المغلق" ضمن فصول كتابها الشهير: "بحوث من أجل تأسيس السيمائية" (ونعتذر عما قد يكون في ترجمة هذا العنوان من تقصير لصعوبة مفهوم Semanalyse الذي تحامته المعاجم الفرنسية فلم تعرض له بحلوة ولا مرة، وعرض له جان ديبوا في "معجم اللسانيات"، ولكن عرضا، وليس في مدخل خاص)...
وقد عالج عامة النقاد العرب، في المشرق والمغرب، مفهوم التناص في كتاباتهم فأسهبوا من حوله واطنبوا. والحق ان النقاد العرب تلقفوا هذا المفهوم الجديد من حيث الشكل، والقديم من حيث الممارسة، عن النقد الفرنسي الجديد، فهم لا يزالون يتناولونه من قريب ومن بعيد. ولم نكن نحن بدعا منهم في كتاباتنا الجديدة. وقد كنا نشرنا بحثا في العدد الأول من مجلة "علامات" (جدة) تحت عنوان: "فكرة السرقات الأدبية ونظرية التناص" حاولنا ربط الصلة بين التراث العربي الإسلامي، والحداثة الغربية. كما عقدنا فصلا خاصا له في كتابنا (الكتابة من موقع العدم) الصادر في سلسلة "كتاب الرياض"، بالرياض.
غير ان أحداً من هؤلاء النقاد، في حدود ما بلغناه من العلم، على الأقل، لم يتناول الجانب الجمالي في ممارسة التناص الذي يكرس في أصله مبدأ حرية أخذ الكتاب بعضهم عن بعض؛ ما لم يقع منهم سطو صريح على نص غيرهم. كما لا نكد نجد أحداً يتحدث عن الأهداف الرامية إلى استعمال التناص في الكتابة؛ سواء بوعي، أو بلا وعي.
وقد كان النقاد العرب الأقدمون يعالجون هذا المفهوم تحت مصطلح: "السرقة الأدبية" ويستريحون. ولعل أحسن من تحدث عن هذه السرقة الادبية من قدماء النقاد العرب علي بن عبدالعزيز الجرجاني في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" الذي أنكر فيه، كما أنكر بعض البلاغيين العرب الآخرون في كتاباتهم المتفرقة، أن يكون مجرد توارد الخواطر، أو تشابه الأفكار، سرقة تستهجن وتدان...
لكن لابد من ان نتساءل ما الغاية من التناص، كما سلفت الإشارة إلى ذلك، قبل المساءلة عن جماليته في الاستعمال؟ وهل هو مجرد استكمال الكاتب لنصه بفكرة غيره أو لفظه، لضعف في قريحته، ونضوب في خياله؟أي هل نجتزىء بالنظر إلى مفهوم التناص نظرة إدانة، أو هو يأتي في الكلام لأغراض جمالية وثقافية أخرى؟.
وقبل ان نحاول بلورة هذه الفكرة التي تمتزج فيها الجمالية مع الغاية، نود ان نذكر بأن هناك ثلاثة مفاهيم متقاربة المعاني لدى التعامل مع النص الأدبي حين ينصرف الوهم إلى هذه الاشكالية: أولها الاقتباس، وقد كان البلاغيون العرب يشترطون أن يظل موقوفاً على الأخذ إما من القرآن الكريم، واما من الحديث النبوي؛ فما كان يؤخذ، في الاستعمال الاسلوبي، من هذين الأثرين الشريفين لم يكونوا يعدونه سرقة، ولكنهم كانوا يعدونه اقتباسا. وثاني المفاهيم، السرقة الأدبية التي أومأنا إليها منذ قليل، وقد كانت محنة كبيرة في النقد العربي بحيث لم يكن من هم الناقد إلا متابعة أفكار الشاعر وألفاظه أيضا، ومحاولة العثور على تشابه بينه وبين من سبقه من الشعراء لإثبات الإدانة، وللقضاء بالتنقيص مع شعره على الأقل. وكانوا يرون في الغالب ان الآخر دون الأول في معالجة فكرة ما، بلغة شعرية ما... ولذلك كان كل تشابه بين شاعرين، ولو من بعيد، يعد لديهم سرقة ادبية غالبا ما كانوا يدينونها، لولا تفطن علي بن عبدالعزيز الجرجاني الذي رفض مستهجنا أن يكون توارد الخواطر سرقة ادبية، وقرر ان الأفكار كثيرا ما تتشابه فلا مدعاة للادعاء والتهويل... ونضيف نحن اليوم: ان الألفاظ مطروح
ة في المعاجم، وهي مشتركة كالهواء والماء والحطب يأخذون منها جميعا على النحو الذي يشاءون.... وآخر المفاهيم الثلاثة المتداولة في هذا الصدد بتقارب: الأدب المقارن الذي ظهرت ملامحه منذ قرون، ولكن مفهومه واجراءاته تبلورت بوعي منهجي في فرنسا والولايات المتحدة في القرن العشرين؛ وهو الذي أثار من حوله ضجة كبرى لم تنته إلى أية نتيجة علمية تذكر إلى اليوم، وهو الذي يبحث في تاريخ الأفكار وتلاقيها وتشابهها في أدبين مختلفي اللغتين - وجوباً - أو أكثر، وذلك بافتراض، في حال تشابه الأفكار، أخذ المتأخر عن المتقدم، والبحث في إمكان اطلاع هذا المتأخر على ما كتب ذلك المتقدم كالشاعر دانتي حين كتب "الكوميديا الإلهية" فقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنه يجوز أن يكون قد اطلع على "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري.. ولكن البحث في مثل هذه الأمور ينهض غالباً على الافتراضات والادعاءات، وارتكاب الطوائل، مما قد لا يفيد البحث في مظهريه الأدبي والتاريخي كثيراً..
ولذلك جاءت نظرية التناص، في نهاية القرن العشرين، في صورة اجراء منقذ من تخبط المفاهيم الثلاثة التي ذكرنا فزعمت أن كل أديب ليس مبدعاً إلا بالتجاوز والتسامح، لأنه لا يعدو، في حقيقة الأمر، كونه يكرر ويردد، دون وعي غالباً، ما كان حفظه، أو سمعه، ثم نسيه..
وكان ابن خلدون ذكر في المقدمة انه كان ينصح لشباب الشعراء العرب أن يحفظوا عشرة آلاف بيت ثم ينسوها.. فهم حين يكتبون الشعر من بعد ذلك يكونون قد تمكنوا من اللغة الشعرية التي تنثال عليهم انثيالاً دون أن يكون ذلك وقفاً على شاعر، في شعرهم، دون شاعر آخر..
والحق أن الأديب كثيراً ما يعمد إلى التناص مع نص آخر ليس في كل الأطوار من باب النقص فيه، أو النضوب في خياله، أو الضحالة في لغته، كما سلفت الإشارة، ولكن لأغراض أخرى جمالية وثقافية من أهمها في رأينا:
1- اظهار الاطلاع على كتابات غيره (ولم يعد التناص وقفاً على الشعر وحده، كما كان شأن السرقات الأدبية، ولكنه أمسى عاماً يشمل الثقافة، والأدب، وكل مظاهر الحضارة كالصناعة والموضة...)، كأن يعتمد الشاعر تضمين بيت أو مصراع بيت من شعر شاعر معاصر له، أو أسبق منه زماناً، ولكنه يكون أشهر منه بالضرورة، فهو بالإضافة إلى تأليق شعره به وتأنيقه، ومحاولة نسج كلامه على منواله: يثبت انه حافظ مطلع على الكتابات الكبيرة التي سبقته أو عاصرته. وينسحب هذا الشأن على الشعراء المبتدئين قديماً وحديثاً، خصوصاً.
2- التمذهب والتأدلج كثيراً ما يعمد شاعر من الشعراء إلى التناص مع بيت شاعر آخر، معاصر أو أسبق منه زماناً، إذا كان يتمذهب بمذهبه، أو ينتمي إلى طائفته، وهذا أمر معروف لا يحتاج إلا إلى المتابعة والملاحظة لكي يثبت للذين يريدون البرهنة والإثبات.
3- الإعجاب، ويشمل الشقين: التعبير والمضمون معاً، فرب شاعر وهب توفيقاً عظيماً في تدبيج بيت فيعجب به من يأتي بعده من الشعراء فلا يستطيع الإفلات من تأثير ذلك الإعجاب فينسج على منواله، عن قصد أو عن غير قصد. وتمتزج هنا سلطة التأثير بانسياق المتأثر تحت هذه السلطة الجمالية، وهي المسألة التي كثيراً ما أصبحت تدرس تحت نظرية التلقي.
4- تحريك اللغة وبعثها من مرقدها الكامن في النصوص المهجورة والمطمورة فضلاً عن الفزع في ذلك إلى النصوص المعروفة المشهورة، فإن ذلك كثيراً ما يبعث أريحية وتوثباً، ونشاطاً وتيقظاً، في وهم المتلقي، ويجعله يعيش مع فكرة من نص كان قد قرأه من قبل، فيندمج في النص الجديد، ويقبل عليه.
5- ربط الثقافة الأدبية الجديدة مع القديمة واشاعتها بين من لم يكن قد ألم ببعضها، أو ألم، ولكنه كان يعتقد أن تلك الأفكار ربما ماتت، وأن تلك التعابير درست وبادت. فيرتبط القديم الجديد، فينشأ عن ذلك وعي بوحدة الثقافة وامتدادها في الزمن ماضياً وحاضراً.
6- القيمة الجمالية هي الأصل في استعمال التناص غالباً، لأن الذي يرتضي أن يحلي كلامه بكلام غيره، لا ينبغي له أن يأتي ذلك إلا إذا كان معترفاً بقيمته الفنية، ومكانته الجمالية، ليجعل من كتابته كتابة أدبية ذات أدبية عالية. ولذلك ندعو لي الاشتغال بهذا المنحى من التناص الذي وقع التغاضي عنه.
وبعد، فلعل بعض هذه الأفكار الجديدة التي طرحناها في هذه المقالة أن تفضي إلى توسعة حقل التناص وجعله ليس مجرد استعارة ألفاظ من ألفاظ، أو الاستعانة بأفكار من أفكار، ولكنه جهاز ثقافي يسعى إلى ترسيخ الماضي في الحاضر، ونقل القديم إلى الجديد.
ے




 

بقية المواضيع

اللغة ومشكلة المعنى
جمالية التّناص
دعوات مبكرة لإبادة السرد الأدبي
المواجهة الثقافية د. القرشي يناصر المرأة ثقافياً ويخذلها منبرياً: وجهوا اتهاماتكم لجمعية الثقافة والفنون
حلمه مستحيل، وحكايته محرمة!
هيئة الصحفيين والجاسر والقشعمي وجريدة "الرياض"
سعدي يوسف وشعر الجواهري
ثقافة المعلومة والنقد العربي
تسقط  كالغيم على مدني
التاريخ حياة تتحرك في يد ضياء
في كتاب كتب مقدمته تلميذه محمد سعيد طيب أضواء محمد عمر توفيق منيرة بعد موته
خطة جديدة لآسيا
سيرة نفخر بماضيها
الدميني ونداء السفر والنهر
البازعي يكتب عن الشعر والقمر
بين الفلسفة والشعر
اليوم الوطني ترنمت به قوافي الشعر
شاهدت لك دموع الشمس
"الشعراء.. وثنائية القاموس"
حتى.. انكسار الماء
معرض "وفاء الخيل" وتجسيد ذكرى الأمير الراحل أحمد بن سلمان بالإبداع
متفائل بجديده وهو يردد : (يا قلبي) حسن عبدالله: اختياري للأغاني لا يعتمد على الأسماء..!
تبدأ فعالياته اليوم النائب بهية الحريري تفتتح معرض "ملون السعودية السادس" في صيدا
حنين: لا أعتقد أن فريد الأطرش سينزعج لو سمعني أغني له!!
جهزها له الفنان سعد المدهش فايز المالكي يتقمص شخصية كوفي عنان ويغني عن الحرب!!
عاد ملك أجداده بحد الحسام
دار أبو تركيلك الحب ممنوح
في يوم الوطن نتذكر
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض