بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 25 September 2003 No. 12879 Year 39

الخميس 28 رجب 1424العدد 12879 السنة 39

  سعدي يوسف وشعر الجواهري

بيروت - مكتب "الرياض":

يمهّد الشاعر العراقي سعدي يوسف لمختارته من شعر محمد مهدي الجواهري بمقدمة عنوانها "معجز الجواهري" والعبارة تذكر "بمعجز أحمد" وهي العبارة التي وصف بها المعري شعر المتنبي. وفي هذه المقدمة يعتبر "إن أية مقاربة، لأي نص شعري، تستدعي ضمناً، مساءلة النص عن اقترابه من الجوهر، أي اقترابه من أقانيم معينة كالحركة (مقابل السكون)، والفتح (مقابل الغلق)، والجمال في نسبيته (مقابل القبح في نسبيته)، والتجلي (مقابل العادية)".
ويرى أن رحيل الجواهري سيظل يستحثنا نحو مقاربات يفترض غناها واتساعها لسبب واحد واضح، هو غنى شعر الجواهري واتساعه إلى حد مذهل تندر مقارنته بأي شاعر على امتداد التاريخ المجيد للشعر العربي، حتى لكأن الجواهري فترة (أموية، عباسية..) لا شاعراً مفرداً، فقرة يصح تحديدها بالكم الشعري أيضا، أن اختّلفَ على جوانب معينة فيها.
والمقاربات المرجوة هذه، بغية ألا تفقد الهدف، عليها أن تستند إلى معطى أولي صلب، وأن تقف على أرضية راسخة. كما أن تطوّر المشهد الجواهري، وتتطور معه، منطلقة من تلك الأرضية، أرضية التغيير الشامل التي أرادها شعر الجواهري، والتي حققت مرادها طوال الفترة الجواهرية المستغرقة ثلاثة أرباع القرن ( 1920- 1995م)، وهي فترة الإبداع.
ويقول سعدي يوسف إننا لكي نمسك، أولياً، باستراتيجية التغيير الجواهري، يمكن لنا البدء بالانتقالة العظمى التي حققها الرجل: نقل الشعر العربي من محدودية الغرض وموروثيته، إلى غنى الموضوع وحريته. فمتى ما سُمّي شعر المناسبات، صار لدى الجواهري شعر موضوع حديث (مراثيه عن عبدالناصر والمالكي وأبي التمن)، "وبالإمكان أن نوضح الأمر أكثر: حين نضع "الشوقيات" إلى جانب ديوان الجواهري. استراتيجية كهذه سوف تؤدي، مثل ما أدّت بالفعل، إلى تغيير في المتن الجواهري: إلى قصائد مثل أنيتا، مرحباً أيها الأرق، أفوديت.. وسوف تجعل الجواهري، يتقبل في يوم بهيج، بدر شاكر السياب".
لنأخذ قصيدة (المقصورة) التي كُتبت قبل نصف قرن. إنها تصلح لأن تتقدم إلى الواجهة أنموذجاً للانتقال من الغرض إلى الموضوع. إنها في مائة وثلاثة وخمسين بيتاً، تتخذ الألف المقصورة رويّاً أو ما يشبه الرويّ في واقع الأمر. فالألف المقصورة ليست سوى فتح مشبع. هذا الرويّ يساعد في أن تنبسط القصيدة أمامنا، في بانوراما حرة. إنها نص مفتوح بامتياز. يتقبل الانتباهة والخلجة واللقطة، في حساسية مرهفة. كما أن الموارد والمقاطع تتمتع بحرية مدهشة، فلا تقنين ولا تحديد: مقطع ذو ثلاثة وعشرين بيتاً، يليه آخر ذو تسعة أبيات (سلام على هضبات العراق)، فثالث ذو خمسة أبيات (سلام على قمر فوقها)، فرابع ذو ستة أبيات (على الجسر ما انفكّ من جانبيه)، فخامس ذو ثلاثة عشر بيتاً (سلام على جاعلات النقيق)، وهكذا..
إن ما يتحكم في طول المقطع وقصره، هو العامل الفني المتمثل بالموضوع أو المشهد: النخل، القمر، الجسر، الضفدع، إلى آخره..
يقول سعدي يوسف في هذه المقدمة إنه قال مرة للجواهري: أنت يا أبا فرات أول من تغزل بالضفدع!
ابتسم الجواهري، عارفاً بأن المسألة هي أعمق من التغزل بالضفدع:

سلام على جاعلات النقيق
على الشاطئين بريد الهوى
يُعنتنّ من صبيةٍ لا تشيخُ
ومن شيخةٍ دهرها تُصطبى
تقافز كالجن بين الصخور
وتندس تحت مهيل النقا
حلفت بمن راءكن الحياة
سحاقة ابرع ما ترتأى
والبسكنّ جمال الغدير
من صافَ منكن أو من شتا
لانتنّ من واهبات البيان جمالاً
ومن محييات اللغى
على أنها لغةً ثرةً
عواطفكنّ بها تُمترى
لقد عابكنّ بما لا يُعابَ
فدمٌ بخلقٍ جميلٍ زرى
بسمحٍ ينادم ركب الخلود
ويُحسن للخابطين القِرى
يدلّ على الماء من ضَلَّه
ويرفع وحشة الليل طما
كأن بعينيك ياقوتتين صاغهما "جوهريٌ" جلا
ولو لم يخبّر بريق النبوغِ
بعينيك عن مثل سفع الذكا
لنمّ الجحوظ على "شاعرٍ"
بعيد الخيال، عنيف الرؤى
وعند سعدي يوسف أن القول بأن المقصودة نص مفتوح تؤيده أسلوبية المقطوعة غير المنتظمة، المقطوعة التي تكاد تستقلّ بذاتها، لتكوّن مع ذوات أخرى، البنية البانورامية للنص، التي تظل في تصاعد وتسخين دائبين لتسمح بدخول اللوحة الشاملة للعراق في قسم القصيدة الأخير.
الأبيات الثلاثة عشر التي تكوّن مقطع "الضفادع" تتمتع بالجهد المتأني للوصف (الأبيات الثلاثة الأولى)، الوصف المخالف، حيث الضفدع كائن جميل مرح، مهيأ للدعابة المشتركة. الأبيات الأربعة التي تلي، تُنطق الضفدع بلغة حية من "واهبات البيان". هكذا يقترب الضفدع من الشاعر في أدائه، ومن هنا أيضاً تأتي مدافعة الشاعر عن الضفدع إزاء الفدم العيّاب، لتتوالى المدائح التي تليق: منادمة ركب الخلود، كرم الاستقبال، إضاءة الليل البهيم، البصر الحديد..
وبغتةً، أو هكذا تتوهم، في البيت الأخير، تتم عملية التماهي المقصودة، حين ينم "الجحوظ عن شاعر بعيد الخيال عنيف الرؤى".
النقد الحديث قد يُدخل هذا النص في سياق "المعادل الموضوعي". سعدي يوسف يعتقد أن مقطع "الضفادع" من أكثر النصوص قابلية لتناول ضمن نظرية "المعادل الموضوعي". وهو يقترب في هذه القابلية من نص "الجبل" لابن خفاجة الاندلسي: "وارعن طمّاح الذؤابة باذخٍ..."
ويتحدث سعدي يوسف عن الجواهري على هذه الصورة: "الآن بعد رحيل الجواهري، ما عسى المرء يقول؟ عساه يذكر ويزخر؟
أيقول أن الجواهري فاتح طريق، فيكتفي؟
أم تراه يقول أن "معجز محمد" لأهمّ من "معجز أحمد"؟
أيختار الحديث عن الثائر، حين يصعب الحديث عن الشاعر؟
"وأنا الذي عرفت أبا فرات جيداً، ودخلت منزله كثيراً، وعرفت أبناءه وبناته، ونادمته، وناضلت معه في ظروف صعبة أيام كان رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين، وتغنيت بشعره، حافظاً ومستفيداً ومتعلماً.. مإذا بوسعي أن أقول؟
الذكرى ليست ما أريد.
ولا أريد أيضاً أن أضع الفرد العظيم في قالب النموذج.
الوتر الذي لم يشفع إلى الآن، لن يغدو فاتحة لنمط.
أنظر إلى الجواهري فأرى الشاعر يواجه المطلق.
الجوهري هو الشاعر مطلقاً. الشاعر الذي كان مع اللبنة الأولى لبلد اسمه العراق الحديث، بينما ظل الحكام المستوردون والانقلابيون يفصدون دم العراق قطرة قطرة حتى يومنا هذا.
"لكن ماذا بمقدور الشاعر أن يفعل في مواجهة دبابة الانقلابي؟ تقول: لا شيء؟ لكني أقول شيئاً آخر: اللعنة! ملعونون أولئك الذين ظلوا يطردون الشاعر، ويطاردونه، منذ بداية ما سمي حكماً وطنياً حتى اللحظة الأخيرة من عمر استغرق أجيالاً. ملعونون أولئك الطغاة الصغار الذين لم يجدوا تسليتهم الأثيرة إلا في المحاولة القميئة لوأد الشاعر، والعبث بدمه.
"لكن الجواهري العظيم سيظل حتفهم، يلج البيوت عليهم، صارخاً حتى تنهدّ بيوتهم، وينهدّوا تحت انقاضها..
يختار سعدي يوسف من شعر الجواهري ثماني وثلاثين قصيدة أكثرها ذائع الصيت مثل: أحمد شوقي، أفردويت، وادي العرائش، ناجيت قبرك، بنت بيروت، أبو العلاء المعري، دجلة في الخريف، أنيتا، يا أم عوف، ذكرى المالكي، الرصافي، رباعيات، يا دجلة الخير،
يا نديمي، أرح ركابك، ذكرى عبدالناصر، سلام على أرض الرصافة، في بغداد، جرّبيني، ولكن دون أي تدخل منه شرحاً أو تعليقاً، كما فعل مع "المقصورة"، تاركاً للقصيدة الجواهرية أن تقدّم نفسها بنفسها..





 

بقية المواضيع

اللغة ومشكلة المعنى
جمالية التّناص
دعوات مبكرة لإبادة السرد الأدبي
المواجهة الثقافية د. القرشي يناصر المرأة ثقافياً ويخذلها منبرياً: وجهوا اتهاماتكم لجمعية الثقافة والفنون
حلمه مستحيل، وحكايته محرمة!
هيئة الصحفيين والجاسر والقشعمي وجريدة "الرياض"
سعدي يوسف وشعر الجواهري
ثقافة المعلومة والنقد العربي
تسقط  كالغيم على مدني
التاريخ حياة تتحرك في يد ضياء
في كتاب كتب مقدمته تلميذه محمد سعيد طيب أضواء محمد عمر توفيق منيرة بعد موته
خطة جديدة لآسيا
سيرة نفخر بماضيها
الدميني ونداء السفر والنهر
البازعي يكتب عن الشعر والقمر
بين الفلسفة والشعر
اليوم الوطني ترنمت به قوافي الشعر
شاهدت لك دموع الشمس
"الشعراء.. وثنائية القاموس"
حتى.. انكسار الماء
معرض "وفاء الخيل" وتجسيد ذكرى الأمير الراحل أحمد بن سلمان بالإبداع
متفائل بجديده وهو يردد : (يا قلبي) حسن عبدالله: اختياري للأغاني لا يعتمد على الأسماء..!
تبدأ فعالياته اليوم النائب بهية الحريري تفتتح معرض "ملون السعودية السادس" في صيدا
حنين: لا أعتقد أن فريد الأطرش سينزعج لو سمعني أغني له!!
جهزها له الفنان سعد المدهش فايز المالكي يتقمص شخصية كوفي عنان ويغني عن الحرب!!
عاد ملك أجداده بحد الحسام
دار أبو تركيلك الحب ممنوح
في يوم الوطن نتذكر
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض