بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 25 March 2004 No. 13061 Year 39

الخميس 04 صفر 1425العدد 13061 السنة 39

  الشيخ ابن سعدي وميتافيزيقيا اللغة " 2-  2"

د. محمد ربيع الغامدي

عرضنا في الحلقة الماضية كتاب "الايضاحات السلفية لبعض المنكرات والخرافات الوثنية المنتشرة في قضاء الظفير" من خلال تتبع مؤلفه "ابن سعدي" زلات لسان قومه، وإيضاح ما يقعون فيه من شرك، وما يخشى عليهم أن يحيط بهم بسببه من بلاء عظيم. وذكرنا ما حصل بسبب مواجهتهم بذلك من ثورة عليه وعلى رفقائه الذين سموهم "المطاوعة"، ونظءم الأشعار التي تهجوهم وتسخر منهم، حتى اشتكى من أذاهم الشيخ بمرارة، لكنه صبر على ذلك محتسباً عند الله عز وجل الأجر والثواب. وختم كتابه بإنزال معاني الآيات التي تصف أذى المشركين والكفار للمؤمنين الصالحين، على حاله مع قومه الذين ثاروا عليه وآذوه. وسنعرض في هذه الحلقة المعضلة التي اشتملت عليها فكرة الكتاب وأطروحته المركزية، والتي بسببها حصلت الفجوة بينه وبين هؤلاء، ويبدو أنه لم يلحظ في عصيانهم وثورتهم عليه إلا نموذجاً لصراع الخير والشر. ويبدو أنه لم يتنبه إلى حقيقة الصراع وأسبابه، بسبب أنه وقع معهم في مأزق لغوي وفكري لم يكن واعياً به بقدر كاف كما ينبغي.
من المهم جداً أن نعي الفرق بين معاني الألفاظ ودلالة التراكيب. ويبدو أن كثيرين لا يلحظون المأزق الذي يقعون فيه حين لا يستقر في أذهانهم الوعي الكافي بأهمية الفصل بين مستويات المعنى والدلالة. يمكن بسهولة أن تتحقق معاني الألفاظ، لكن دلالات التراكيب لا يمكن أن تتحقق إلا بأمر لازم ضرورة، هو: العقد بين طرفين (مرسل ومستقبل) وهو ما يسمى بالعرف. ويبدو أن المأزق الذي وقع فيه ابن سعدي في كتابه المتحدث عنه في الحلقة الماضية أنه تجاهل العقد الذي لابد من حصوله لتحصل الدلالة. والمشكلة الكبرى التي وقعت فيها أطروحة الكتاب المركزية أن المؤلف حاكم دلالات اللغة وثار عليها بموجب عقد آخر ليس هو الذي انعقدت بناء عليه التراكيب عند متكلميها وأنتجت بناء عليه النماذج المستشهد بها.
كان على الشيخ أن يدرك أن المجتمع يمكن أن يرث قوالب لغوية جاهزة، نثرية وشعرية ومسجوعة، تكون لها في أذهان وارثيها دلالة مختلفة عن المعنى الذي تنتجه ألفاظها، ولا تحيل على المعنى الحرفي للكلمات، وفي الوقت نفسه لا يمكن الاستبدال ببعض ألفاظها ألفاظاً أخرى مرادفة لها في المعنى. هذا بقطع النظر عن قصة نشوء هذه القوالب اللغوية ودلالتها في أذهان مورثيها. لا يجوز أن نحكم مثلا على "يا هلال يا سعيد" التي استشهد بها الشيخ على شرك قائليها بحجة نداء القمر والاستغاثة به، ما لم يكن في ذهن قائليها النية التي تحل القمر هذه المنزلة في أي وقت، بحيث يدعونه بأي لفظ متى رأوا الحاجة إلى ذلك قائمة. وتحل النية هنا بمنزلة العقد بين القائل والمتلقي، ويمكن أن نسميها في هذا السياق (المرجعية الواحدة) التي يجتمع حولها المتكلم والسامع في العلاقة بين الدوال ومدلولاتها. وفي تجاوز هذه النقطة بلاشك تجاوز لمراحل الخطاب ومستوياته، والخلط في النظر بمعايير واحدة ثابتة لمراحل من الخطاب أو الخطابات مختلفة ومتباينة، ومحاكمة خطاب بعقد خطاب آخر.
ربما لم يكن الشيخ ابن سعدي وهو يؤلف كتابه يدور بخلده أنه ربما أخطأ طريق الإصلاح؛ لأنه انما كان يرمي ابتداءً إلى زرع عقيدة التوحيد ونزع ما ينافيها، فكيف يأبى الناس الهداية؟ وقد فوجئ  حقاً بردة الفعل غير المتوقعة من قومه، وبلغ به العجب أشدّه،  كما يبدو من شكواه المتكررة وتعجبه من عصيان القوم. ولم يجد تفسيراً لهذا إلا أن ذلك سنة من سنن الحياة التي تقضي بأنه لابد أن يستبد الشيطان بعقول الناس ويزين لهم الضلال ويجرئهم على مقاومة المصلحين الدعاة. وكان الشيخ يرى انهم جاهليون عصاة ورسالته معهم تتطابق في جوهرها مع رسالات الأنبياء، ويعزي نفسه بأن طريق الدعوة شاق ولابد فيه من تحمل الاذى وكفى. لم يدرك الشيخ أنه ركب في طريق الاصلاح مركباً صعباً كان له عن ركوبه مندوحة، بل ربما كان السبب الرئيس في عدم نجاح مهمته، وهو لجوؤه إلى ازاحة الخطاب السابق ازاحة تامة للاستبدال به خطاباً جديداً واحلال قيم جديدة محل أخرى؛ لاعتقاده بأنهما متنافيان، وليسا كذلك كما اتضح فيما سبق. ولو وعى الشيخ هذه الحقيقة ما تعجب من ردة الفعل الثائرة. وكان ينبغي أن يضع الشيخ في حسبانه أن قومه مسلمون موحدون غير مشركين ولا أتباع ملة أخرى.
وتجدر الاشارة هنا إلى أمر حصل فيما بعد يبدو أنه لم يكن في حسبان الشيخ حينئذ، ولكنه أثمر في عقول الأجيال التالية التي تتلمذت عليه وسارت على وفق منهجه. وهو سن الاعتقاد بتناقض الخطابات المختلفة وتعارضها، حتى لو اختلف العقد الذي تحصل به الدلالة في كل منها، كما مر، وسن اقامة الواحد منها على أنقاض الآخر، وعدم مراجعة أسباب الصدام الذي لابد أن يحصل نتيجة طبيعية كما حدث مع الشيخ، والاحالة بدلا من ذلك إلى حتمية صراع الخير والشر. انه تكريس لميتافيزيقيا اللغة بدلا من اللغة. وبهذا نكون أمام جذور أحد مناهج التفكير والتأمل في الظواهر والرؤى، نمت وترعرعت في بقعة من بقاع البلاد، لم يكن كتاب "الايضاحات" وصاحبه إلا نموذجاً لها فحسب.
ولابد من التنبيه هنا أيضاً على قضية مهمة تتعلق بخطورة تشكل خطاب ما على صورة ما، كجملة الخطابات التي انبنت على اقصاء ما لا يتعارض معها، وجعله كالمتعارض معها تماماً، ومنها هذا الخطاب باعتباره نموذجاً فقط يصدق على غيره في أحيان كثيرة ما يصدق عليه. هي أن الخطاب يتكون في مجموعه من مجموع دلالات النصوص الواردة فيه والمكونة بمجموعها لهيئته الكاملة لا بدلالة كل نص منها منفرداً، ويكتسب الخطاب سلطته من هذا المجموع ومن المؤسسة التي تنتج المجموع أو ترعاه، ومن ثم يصل الأمر إلى أن تصبح هذه السلطة قادرة على إنتاج تعريفات لجميع المفاهيم المتعلقة به ذات قوة وصلابة، بحيث لا تقبل تعريفات المفاهيم إلا من خلال سلطته. وهذا ما ينطبق على الخطاب الذي أسهم في بنائه هذا الكتاب ونحوه، ثم أسهم في تكوين مؤسسته ذات السلطة الصلبة من تتلمذ على هذا المنهج من الجيل اللاحق. ولا يجوز الادعاء بطبيعة الحال أن دلالة نصوص هذا الكتاب وحدها هي المؤسسة لذلك كله، لكنه بلاشك أسهم في تأسيس وجهات التعاطي مع غيره كما اتضح من العرض السابق.
وخطورة تشكّل مثل هذا النوع من الخطابات في مجتمع ما تكمن في أنها يمكن أن تقول غيرها من الخطابات المجاورة ما لم تقله؛ تمهيداً لازاحتها، مع أنها يمكن ان تتعايش دون إضرار أحدها بالآخر، بل لابد في تجاوزها من أن تنتفع ببعضها فضلاً عن عدم التضار والتناقض.
وأعتقد جازماً أننا في هذه المرحلة الحاسمة التي نعيشها الآن  في أشد الحاجة إلى مراجعة الخطابات المحلية المتعددة التي أسهم في تكوين بناها الصلبة في مجتمعنا تبني وجهة محددة في التعاطي مع ما يجاورها أو يتقاطع معها من الخطابات المتنوعة الأخرى في بيئتنا المحلية،  وتعمد ازاحة ما لا يتعارض في الحقيقة معها بتوهم التعارض أو الايهام به، والتي نرى اليوم كثيراً من نتائجها ماثلة للعيان ونحصد اليوم ما زرعناه أمس. وهذا ما يستدعي منا المراجعة والتأمل أكثر من أي وقت مضى.
Mrabeea@ hotmail.com ط




 

بقية المواضيع

ورشة عمل للفن النقي  في مركز الملك فهد الثقافي
د. الغذامي في أشمل حوار معه بعد صدور "حكاية الحداثة": كل الردود التي ظهرت تدل على أن النسق مازال يكرر نفسه
فيما وافق أمير مكة المكرمة على تنفيذ المشروع أبناء مكة يثمنون الموافقة ويتحدثون عن مكتبة الحرم المكي
الحداثة في ميزان أحد ممثليها ( 2)
الشيخ ابن سعدي وميتافيزيقيا اللغة " 2-  2"
حدود حرية المرأة في مقالات نازك الملائكة ومحاضراتها
مراجعات ثقافية
الذكرى الأولى للحرب على العراق.. كاريكاتورياً!
رؤية لم يتفوق أحد!!
"فجر الموتى" يزيح آلام المسيح عن القمة
تصوير عروض مسرحية (الملك لير)
النحّات فهد الدبيان: تعلقي بالعمل النحتي بدأ من طلعات البر
شماليل
صور الحياة الاجتماعية بين الوفاء ونبل المشاعر
شعرية الإيقاع.. قصيدة النثروسؤال الوجود والمعنى
همزة وصل  هل تجوع "الحرة" فعلاً؟
ليلة شهرزادية ما بعد حداثية ( 1- 2)
قراءة في أوراق شاعر الهذال.. شاعر المفردة الجزلة والقوافي المتميزة
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض