عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 24 October 2002 No. 12543 Year 38

الخميس 18 شعبان 1423العدد 12543 السنة 38

  هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي



هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي، ذلك إقرار واعتراف أضعه منذ البدء بين يدي القارئ، لكي لا يذهب به الظن إلى ان منصور الحازمي هو كاتب هذه القصة.
غير أن هذا النفي لا يعني نفياً قاطعاً إذ يظل احتمال أن يكون منصور الحازمي هو كاتب هذه القصة قائماً ما دام النفي يحتمل وجهاً من وجوه التأويل حين يكون مبنياً على تصور ما يذهب إليه هؤلاء الحداثيون الذين يعتقدون ان الكاتب مجرد معبر للكتابة، مجرد جسر تعبره الكلمات، وأن الكتابة تكتب نفسها، وأن الفضل الذي يمكن أن ينسب إلى الكاتب لا يزيد عن الفضل الذي يمكن أن ينسب إلى من يصيبه مسُ فيتحدث على لسانه جنّي يتلبّسه أو من يتم تنويمه تنويماً مغناطيسياً فيهذي بما لا يدري وبناءً عليه يكون الحازمي هو كاتب هذه القصة غير أنه نفاها عن نفسه انطلاقاً من هذا التصور الحداثي..
غير أنه لا ينبغي لنا أن نطمئن إلى هذا التأويل الذي ينفي النفي الذي بدأت به القصة ويخرجه على غير وجهه وينتهي به إلى ما يشبه أن يكون نفياً مجازياً، ذلك ان احتمال ان يكون النفي نفياً حقيقياً وأن الحازمي  لم يكتب هذه القصة وإنما كتبها رجل آخر وأن الايحاء بنسبتها إلى الحازمي يدخل في باب الوضع والانتحال على النحو الذي كان يفعله الرواة القدامى حين كانوا يضعون الأشعار وينسبونها إلى شعراء الجاهلية. ومع ذلك فهناك عدة فروق بين الأمرين، أولها أن هذه قصة وليست شعراً، وثانيها أن الحازمي ليس من شعراء الجاهلية، وثالثها ان كاتب هذه القصة ليس من الرواة القدامى، أما أهم الفروق وأخطرها فهو أن أولئك الرواة لم يكونوا يعترفون بأنهم يضعون الأشعار وينحلونها للشعراء كما هو حادث في أمر هذه القصة التي يعلن صاحبها منذ السطر الأول فيها ان الحازمي ليس هو كاتبها، بل ان فكرة الوضع والانتحال تسقط من أساسها ذلك ان كاتب هذه القصة لم ينسبها إلى  الحازمي وإذا ما تبادر إلى ذهن أحد أنها للحازمي فإن كاتبها لا يمكن أن يؤخذ بجريرة من يتهيأ له ذلك.
المهم ان مقتضى ان لا يكون الحازمي هو كاتب هذه القصة هو أن يكون لها كاتب آخر غير الحازمي، وتلك مسلّمة لا نحتاج إلى التنويه عنها، غير أن هذا النفي المنصبّ على الحازمي من مقتضياته أن يثير في أنفسنا تساؤلاً عن سر نفيها عن الحازمي بالذات وليس عن أي كاتب آخر وكأنما من المفترض ان يتبادر إلى ذهن القارئ أن الحازمي هو كاتبها أو أن عبارة (لم يكتبها الحازمي) جاءت تصحيحاً أو إزاحة لعبارة (كتبها الحازمي..) هذا التساؤل الذي يبلغ حد الريبة يجيء من أن الحازمي لم يعرف باعتباره كاتب قصة، ولو أنه كذلك فليس هو كاتب القصة الوحيد الذي يمكن أن تنسب أي قصة تكتب إليه، ولو نشرت أي قصة دون اسم لما تبادر إلى ذهن أحد ان كاتبها هو منصور الحازمي، لذلك كله يحق، لمن أراد أن يعتقد، أن هذا النفي يؤكد أنها للحازمي نفسه، وأن توجّسه من أن تنسب إليه هو الذي دفعه إلى نفيها عنه، يحق للقارئ أن يعتقد ذلك مثله مثل أي محقق جنايات يدخل عليه أحد الأشخاص ليخبره انه ليس هو قاتل صاحب الجثة التي تم العثور عليها في احدى البيوت المهجورة..
غير أن الحازمي رجل ذكي وليس لمثله أن يضع نفسه في مثل هذه الورطة أو أن يقع في مثل هذا المأزق، وليس بالامكان ان ينسب ما عمله إلى الغفلة التي يمكن لها أن تنتاب أكثر الناس فطنة وذكاء ما دامت مسألة النفي قد انتهت به عند تدقيقها إلى اكتشاف انها قد تؤدي إلى عكس ما يريده منها وعندها، لو كان هو كاتب القصة، لسارع إلى حذف اسمه عنها ونسبها إلى سواه، أو على نحو أدق لجعل نفي نسبتها ينصب على سواه وبقي محايداً أو بقيت القصة محايدة بالنسبة له ففهي ليست له وليست (ليست) له، ومع ذلك كله فإن المسألة لاتزال ملتبسة والنفي لا يبلغ حد اليقين ذلك أنه يجوز لمن يشاء ان يعتقد أن الحازمي الذي يفضح كل خطوط اللعبة هذه لكي يتبرأ من القصة هو فعلاً الحازمي كاتب القصة، وأنه بما يقيمه من احترازات إنما يحاول ان ينقض كل امكانات التفكير لدى القارئ ولذلك يظل من المحتمل أن يكون الحازمي هو كاتب القصة وأنه من خلال مناورته تلك إنما يحاول إخراج قارئه من متاهة ليوقعه  في متاهة أخرى.
كل ذلك لا يهم والمهم هو أن الحازمي لم يكتب هذه القصة وربما كان الزج باسمه من باب الصدفة البحتة، وفي حقيقة الأمر ان اسمه لم يزج به في هذه القصة فهو الوحيد الذي تعلن القصة منذ بدايتها براءته من كتابتها. ان استحضاره هنا تأكيد لنفيه وفي نفس الوقت فإن تغييب الآخرين يفتح بوابة احتمال استحضارهم واسعة، ولو كانت هذه القصة جريمة على سبيل المثال فإن الوحيد الذي لن يتم التحقيق معه فيها هو منصور الحازمي بينما سيطال التحقيق كل الذين من المحتمل أن يكونوا قد أقدموا على كتابتها، غير أننا رغم ذلك كله لا ننفك نضع على رأس الاحتمالات احتمال ان يكون الحازمي هو كاتب القصة على نحو لا تبلغه الاحتمالات الأخرى.
يبدو أن اللغة تعبث بنا، تنفي ما نثبت وتثبت ما ننفي، تغرينا بشيء، ثم تصدنا عنه، تعد ولا تفي، توهم ولا تحقق، وعلى أي  حال فكل ذلك لا يهتم وما أردت أن أقوله قد قلته وهو أن الحازمي لم يكتب هذه القصة، وقد بدت لي تلك مسألة مسلّمة لولا أنها تكشفت لي عن أن الحازمي قد أصبح متورّطاً بشكل أو آخر، وقد هممتُ، حين تبين لي ذلك، أن أجعل النفي منصباً على غير الحازمي لولا أنني أدرك ان الحال سوف يبقى على ما هو عليه وستظل المشكلة عالقة مع أي كاتب أنفيها عنه دون أن يسلم الحازمي نفسه إذ لو سلّم القارئ، أن هذه القصة لم يكتبها زيد أو عبيد لصحّ له أن يعتقد أن الحازمي قد يكون هو كاتبها وبالتالي يدخله في دائرة الذين قد يتوهمهم متوهم أنهم كتبوها.
ولما تبين لي أن نفيها عنه يفتح الباب للظن به ونفيها عن سواه لا ينجيه كذلك، هممت أن اكتب هذه القصة باسم (منصور الحازمي الثاني) وبذلك لا يصبح بمقدور أحد أن ينسبها إلى (منصور الحازمي) أو يفكّر في نسبتها إلى شخص آخر معروف وبهذا يتم سدّ باب الذرائع ما دامت القصة قد نسبت إلى شخص محدّد هو (منصور الحازمي الثاني) حتى وإن لم يكن هناك أحد يعرف صاحب هذا الاسم، غير أني بعد قليل من التفكير اكتشفت أنني إن أقدمت على ذلك أكون قد أقدمت على عمل شديد الخطورة لا يتوقف عند حدود أنني نسبتُ القصة لغيري أو لشخص لا وجود له، وذلك فيه ما فيه من تزوير أنا شديد الحرص على ألا أقع فيه، وإنما لأن مقتضى أن يكون هناك من يدعى (منصور الحازمي الثاني) أن يكون هناك (منصور الحازمي الأول) وذلك ليس صحيحاً كذلك، فالذي يعرفه الناس جميعاً هو (منصور الحازمي) دون أي اضافة أو وصف، والخطورة لا تكمن في أن ذلك ليس صحيحاً فالحياة إنما تستمر بمثل هذه الأشياء غير الصحيحة للأسف، الخطورة هي أن ظهور (منصور الحازمي الثاني) سوف يؤدي قطعاً إلى ظهور (منصور الحازمي الأول) أو، إن أردنا الدقة، إلى تحويل (منصور الحازمي) المعروف طيلة عمره بمنصور الحازمي  ليصبح (منصور الحازمي
الأول) وفي هذه الاضافة إمساس بالهوية وتغيير لها بل ووضعها على محك المقارنة واستكناه العلاقة بينها وبين ما جاء تالياً لها والتساؤل عما إذا كان فرعاً ناشئاً منها أو استنساخاً لها أو تعديلاً وإضافة إليها، وقد كان منصور الحازمي بمنجاة من ذلك كله لولا فتح هذا الباب عليه، وربما كان نفي القصة أقل إضراراً به حتى وإن توهم متوهم أن النفي يشي بالإثبات.
المسألة لا تتوقف خطورتها عند هذا الحد بل انها تمتد لتؤدي إلى اضطراب في المنطق وتشكيك فيما يمكن أن يعد من البديهيات، وإذا كان لا يجوز لعاقل أن يشكك فيما إذا كان الأول سابقاً على الثاني فإن من حقي، وللقارئ أن يعتقد اني لست عاقلاً، أن أضع هذه البدهية موضع التساؤل والشك حين أزعم ان ظهور الثاني شرط لظهور الأول، فليس بوسعنا أن نصف أحداً أو شيئاً بأنه (الأول) قبل أن يكون أمامنا أحد أو شيء يمكن لنا أن ندعوه (الثاني) فبعد، اؤكد على كلمة (بعد)، ظهور الثاني نكرّ راجعين لكي نصف أحداً أو شيئاً بأنه الأول، وهذا يعني ان ظهور الثاني سابق على ظهور الأول على عكس ما يمكن أن تجعلنا البديهيات نطمئن إليه.
وإذا ما نظرنا إلى المسألة من باب السبب والنتيجة أو العلة والمعلول وزعمنا أن الأول ينزل منزلة السبب في ظهور الثاني كنتيجة له فإن المنطق سوف يتعرض لهزة أخرى لا تقل خطورة فالذي سوف نكتشفه بشيء من التدقيق في النظر هو أن النتيجة سابقة على السبب فنحن حين نجد أنفسنا أمام النتيجة (الثاني) نفكر في السبب (الأول) ولا يمكن أن يكون (الأول) سبباً قبل ظهور نتيجته التي هي (الثاني) وكأنما يحدث الشيء ثم يحدث سببه،
وربما نقع فيما يسميه المناطقة الدور حين نجعل (الأول) هو نتيجة لظهور الثاني بحيث يكون الثاني هو السبب والأول هو النتيجة وحسبنا عندئذ أن نتأمل العبارة بدقة (الأول النتيجة والثاني السبب) لكي ندرك مدى ما انتهينا إليه من اضطراب وكيفما قلبنا الأمر فإننا سننتهي إلى أن النتيجة في كلتا الحالين سابقة على السبب وإذا كان ثمة شك فيما وصلنا إليه فإننا قد أصبحنا في شك فيما كنا نركن إليه ونطمئن له وانتهى بنا الأمر إلى ضرب من الحيرة التي لا تحمد عواقبها فاهتزاز المنطق وقلق البديهيات باب إذا تم فتحه لم ينغلق أبد الدهر ولا يتكهن أحد أي رياح عاتية سوف تلج منه وما الذي سوف تعصف به تلك الرياح.
لذلك حسمت أمري ونأيت عن أن أنسب هذه القصة لمنصور الحازمي الثاني واكتفيت بنفي أن يكون منصور الحازمي هو كاتبها، مدركاً أن ذلك يحمل كل ما تعرضت إليه آنفاً وما يمكن أن أعرض له لاحقاً..




 

بقية المواضيع

افتتاح مؤتمر وزراء الثقافة العرب في عمّان
مثقفون على رقعة الشطرنج الأمريكية
فكتور هوجو والجماليات الشرقية   1- 2
مفاتن الصحراء ومخاتلها في رواية اوعلى مرمى  صحراء ..  من  الخلف
هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي
وشيء من التاريخ!
الصعود بأغنية واحدة إلى المدينة العالية الاحتمالات والتفاسير
الحداثة في الشعر السعودي
ماري آنج بوكاسا ابنة الإمبراطور الأفريقي .. تعيش في لبنان ترسم وتكتب وتحلم بزيارة بلدها الأم
بعد القمة الفرنكفونية في العاصمة اللبنانية متى تنعقد القمة "العربفونية"؟
الاستشراق الروسي
الباحث الدكتور شعبان عبدالعزيز خليفة يكشف أسراراً وحقائق تاريخية مهمة حول مكتبة الإسكندرية
المحيميد: روائياً
العلوم والتكنولوجيا
مدارات الذاكرة
كبريت التغني
بين الجغرافيا والتاريخ
في الفكر والأدب
البشعة إحدى وسائل التحقيق والضغط النفسي على المتهم
الوفا يا بو فهد طبعك
جمعية العروة الوثقى
قصص قصيرة جدا
مداخلات .. عن المنجز الشعري النسائي
ما تيسَّر من كتابها
العذراء الحبلى
من يطفىء النار؟
رؤية .. الدراما السعودية  وانتفاضة رمضان
"حديث الصباح والمساء" وشكل جديد للدراما التلفزيونية
معرض فناني الدوادمي.. من قلب الصحراء إلى روما
ART خيمة ومسابقات وبرامج متنوعة ومسلسلات في رمضان
بعيد المدى
أليفي الصوت
الناصرية بمنظور نقدي
ياسمينة: الصمت
دير القمر
عندما كانت الأرض صلبة
قصيدة بلا نهاية
بريد الخزامى
زنكة: والسفر
من سيمسح نظارتي ..؟
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض