عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 24 October 2002 No. 12543 Year 38

الخميس 18 شعبان 1423العدد 12543 السنة 38

  مثقفون على رقعة الشطرنج الأمريكية

رؤية - محمد عبدالله الهويمل

قال عنه إدوارد سعيد إنه عمل مهم من أعمال البحث التاريخي.. وقال عنه د. عاصم الدسوقي: إنه جدير بالقراءة لأنه يكتشف ستر مواقف وتحولات في عالم الثقافة كان مثقف الستينات الملتزم في مصر يرقبها فاغراً فاه دون أن يدري أسبابها.
كان ذلك هو كتاب (الحرب الباردة الثقافية) لفرانسيس ستونر سوندرز الذي وصفته مؤلفته بأنه رحلة تشرد طويلة ولسبب ما غيرت سوندرز عنوان كتابها من (من يدفع للزمار) إلى هذا العنوان الجديد ويبدو جلياً أنها انتهجت الرصد المخابراتي في تتبع تفاصيل المرحلة المأزومة التي مثلت أوج الصراع الجدلي بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي بعد انتهاء الحرب الساخنة والشروع في الباردة والذي عرف كتعبير تاريخي بهذا الاسم.
انصرفت سوندرز في مبحثها الاستقصائي إلى تتبع إرهاصات قيام المؤسسات والأجهزة ذات الطابع المخابراتي وذات البعد التثقيفي ونشوئها التتابعي المتكيف من ضرورة فظروف المرحلة الصدامية مع المعسكر الشيوعي فتناولت أولاً (مكتب الخدمات الاستراتيجية) ثم (وكالة المخابرات الأمريكية) ثم (اللجنة القومية من أجل أوروبا الحرة) إلى (الاتحاد الدولي للحرية الثقافية) ومروراً بالمجلات الناطقة سرياً عن السي. آي. إيه كمجلة كومنتري وثيوليدر وبارتيزان ريفيو والعالم والحرية وانكاونتر.. ولا أدل على المشقة التي بلغت بالباحثة إلا استهلالها بالشكر الثقيل والعرفان إلى من شملها بالعناية لانجاز هذا البحث لاسيما العملاء السابقين في المخابرات الأمريكية.
لن انبسط في الحديث انبساطاً عرضياً حتى لا اتهم نفسي بالمراجعة أو  أحرمها من محاولة تفجير محاور اختلاف واتفاق.
الباحثة سوندرز البريطانية القاصة والمخرجة قرأت مقالاً يزعم أن وكالة المخابرات الأمريكية كانت وراء نجاح (مدرسة نيويورك) في الفن ثم قضت عاماً في بحث وتتبع القصة وأثمر تتبعها برنامجاً تلفزيونياً بعنوان (الأيدي الخفية).
الفن والمخابرات المركزية وواصلت استقصاءها ثلاث سنوات حتى بلغت مباحثها مادة ارشيفية ثرية كانت هذا الكتاب حيث كان له صدى واسع في الأوساط الثقافية الغربية والعربية لاسيما  أن مسحة التحري الجنائي المتمثلة في سرد طابور من الأسماء الفاعلة في إدارة الحرب الثقافية الباردة أو في النفخ في المزمار والنقاش التفصيلي الرتيب غير المخل فيما كان يدور في الدهاليز المظلمة كان ذا جاذبية مفرطة لدى المتلقي.
إن شهادة إدوارد سعيد الآنفة وغيره من المثقفين هي حكم عادل مُجءز على جهد عملاق لا ينجزه إلا مؤسسة أو جهاز أو فريق عمل مدرب على التحقيق الأمني الأشد حساسية وحرجاً، غير أن السؤال الذي يعترض طريقنا ساعة نتحدث عن الكتاب كظاهرة أو جزء من ظاهرة هو.. هل هذا المنجز الثري سيقدم للقارئ العالمي اضافة تدفع به إلى دهشة استثنائية سيما أن الباحثة تتحدث عن مناشط مخابراتية ساهمت بقوة في إدارة دفة الصراع الثقافي وتوجيه قواته الصدامية أثناء الحرب الباردة في أوج فورتها..
هذه الخفايا لم يبحث عنها القارئ ولن يبحث عنها في عصر السينما التي تعرض الخيال حقيقة والحقيقة خيالاً على خارطة الذهن الإنساني، فالطرح السينمائي في هذا الكتاب ولمخرجة سينمائية أولاً وجمعها للحقيقة لا يعدو كونه إبداع  فصول واقعية تتجه إلى العرض السينمائي محفوفة بكل المثيرات الجانبية التي اعتادها جمهور هوليود فتفاصيل الكتاب لدى قراء عصر السينما لن تحدث أية دهشة فقد درجوا على هذا اللون من البوليسية ودعني أبتسر لك أحد فصول الكتاب ولعله أولها (جثة هامدة)  يتناول باكورة الأعمال الثقافية على حد تعبير د. عاصم الدسوقي وكان هذا العمل هو تنظيم مؤتمر قام بإعداده الكومينفورم السوفييتي في ( 25مارس 1949) وهو مؤتمر فندق والدورف أستوريا بنيويورك بجهود الشيوعيين الأمريكيين بهدف التلاعب بالرأي العام الأمريكي واقتنصت المخابرات الأمريكية الفرصة وتغلغلت في المؤتمر ولعبت المخابرات بمشاركة الشيوعيين التائبين كما رصدت الشيوعيين الأمريكيين وكان بعضهم ذوي شهرة رائعة.. والكاتبة هنا تتناول المؤتمر بكل حيثياته وتسلط على مشهده هالة درامية جذابة لا يقع في عمق القارئ منها غير الفعل السينمائي لا الحدثي فعرض الأسماء لن يُعير المشهد أي بعد جانبي
مختلف خصوصاً ان في العرض السينمائي يمكن استعارة الأسماء.. وفي النهاية ينجح التائبون في العبث بالمؤتمر وتوجيه دفته لمصلحتهم وهذا ناتج حاسم يبلغ حد المجانية التي لا تعوزها هذه الوفرة من الاحاطة المباحثية في كشف أسرار المؤتمر.
ثم تتجه التهمة إلى الممثل شارلي شابلن بالعمالة للمعسكر الشيوعي إذ هو أحد حضور المؤتمر في الوقت الذي تكال التهم الاعتباطية لأسماء مثقفة بالضلوع في السلك المخابراتي الأمريكي ولم تدرك الكاتبة أن الولاء الايديولوجي المفرط لا يعني بالضرورة الجاسوسية وان دخل الطرفان في خندق واحد ف (تي. اس. إليوت) الذي بلغته أصابع الاتهام للذنب ذاته.. قد كتب قصيدة (الأرض اليباب) تكهن من خلالها بزوال الحضارة الأمريكية وسقوط نموذجها.. وأرنست همنجواي يدعوه الرئيس كيندي إلى الاحتفال الرئاسي كأبرز الأسماء الفاعلة في العقل الغربي يموت منتحراً.
يذكرد. الدسوقي في مقدمة الكتاب أن الروائى همنجواي كان يخضع لمتابعة إدارة التحقيقات الأمريكية لدرجة أنه أصيب بالاكتئاب وعندما ذهب لعيادة نفسية في مينوستا قبيل انتحاره طلب أن يسجل نفسه تحت اسم آخر لكن الطبيب اتصل بإدارة التحقيقات ليأخذ بذلك تصريحاً ثم يحيل د. الدسوقي قارئه إلى كتاب (أصول اليسار الأمريكي) لتيودور دريبر.. والحديث لا ينقطع عن همنجواي فهو مادة بحثية مناسبة لدراسة طبيعية تعاطي المثقف مع توجهات المؤسسة المخابراتية إذ تبدو الصعوبة أكثر في الضدية التي قد تؤول على أنها تمويه وتضليل للرأي العام فكيف إذاً يمكن الجمع بين حضور الاحتفال الرئاسي وانتحاره بسبب المطاردة الأمريكية وفوزه بجائزة نوبل للأدب وما طالعتنا الصحف مؤخراً عن أن (السلطات الكوبية كشفت النقاب عن الوثائق المهمة التي كانت في بيته حيث منع الكوبيون الأمريكان من الاطلاع عليها طيلة أربعين سنة وقد رضخ الكوبيون أخيراً للطلبات الأمريكية بعد تلقيهم ضماناً بعدم نقلها والاكتفاء بتصويرها والاطلاع عليها) (1) ثم عرض الكاتب خالد العوض أربعة شواهد تؤكد هذه التهمة ويمكن العودة للمقالة والاطلاع على الشواهد.. أما فوزه بجائزة نوبل فتدخل لتكثف الضبابية حوله وحول
الجائزة نفسها.
يقول الكاتب سامح كريم في مقالة (نوبل.. التاريخ المشبوه لأكبر جائزة عالمية): (لا نستبعد أن تحرّك لجنة المحكمين لجائزة نوبل الأدبية اعتبارات وميولاً سياسية وعنصرياً في اختيارها الأديب الأمريكي سنكلير لويس فقد تغلبت جنسيته الأمريكية على مقدرته الأدبية) (2).. ولم يخجل سكرتير الأكاديمية السويدية وقتئذ (ايزل كارفلرت) من أن يعلن على العالم أن (سنكلير يمثل في وضوح وجلاء الاتجاهات الأمريكية واصفاً فوزه أنه سقطة فاضحة من اللجنة) (2).. وللتوفيق بين هذا الحشد من التناقضات نؤول إلى كتاب الباحثة وكيف تناولت شخصية الكاتب الفرنسي جان بول سارتر وعدائيته المزدوجة للمعسكرين حيث رفض هيمنة النموذج الأمريكي على أوروبا بعد أن كان ثم انقلب على السوفييتية واصفاً إياها بأنها (اثنا عشر عاماً من الرعب والحماقة) حيث طبعت المنظمة آلاف النسخ من بيان سارتر وقامت بتوزيعه وهذا يعد فرصة لقوات الصدام الثقافي ومفاجأة بالنسبة لها.. ونشر البيان بهذه السرعة والكثافة مؤشر ودليل على المفاجأة والمفاجأة دليل التحول الوقور غير التبعي الذي يؤكد استقلالية سارتر وابقاءه على وجوديته التي لا تقر بمبادئ القطبين المتناحرين وهذه الاستقلالية تمتد لتصبغ أكثر شخصي
ات المثقفين المتهمين بالجاسوسية فالتحول إذاً تحول قناعات لا اغراءات والعمل كان دفاعاً عن الثابت لا تسويقاً للبضاعة الأمريكية.
أعود إلى كتاب الباحثة حيث أعده امتداداً لظاهرة كتابية تكرس للمواجهة المعاكسة وهي (الكتابة ضد أمريكا) وأعني هنا كتابة الغربيين فقط.. وهذه الظاهرة تحقق للمشتغل عليها مقابلاً جماهيرياً ومادياً لا توفره شتى أنواع الكتابة ابتداءً ب (بول فيندلي) في كتابه (من يجرؤ على الكلام) ومروراً بكتاب الباحثة هنا وانتهاءً بكتاب (الخديعة الكبرى) ل (تيري ميسان) حيث كان الأخير يمتهن البحث والاستنتاج المخالف للمعطيات العينية ويستغل الهامش الزمني الضيق لتسويقه سريعاً وليجد الحشود المتابعة لاسيما في البلاد العربية والإسلامية التي تتبناه ثقافياً وايديولوجياً كاعتذار مبطن عن هزيمتها.
كتب مصطفى نبيل عن كتاب الباحثة في مقاله (في المسألة الثقافية): (ويدهشك أن كل ما كان يقال على أنه شائعات أو هواجس، قدمته الكاتبة على أنه حقائق موثوقة) (3).. إذاً بالوعي السهل قادر على تحرير المبطن وكشفه فضلاً عن أن الشائعة في التصور الحديث هي الوجه السري للحقيقة بل هي قناعات العامة والخاصة لاسيما إذا كان لها مؤشرات ناصعة تفسرها العدائية للثقافة الأمريكية وأنا هنا لا أختلف مع أي ناقد لهذه الثقافة بقدر ما اختلف حول مادة هذا النقد.. فانفعال الباحثة ضد وطنها الرأسمالي الديمقراطية لابد أن يُعرّف التعريف نفسه لدينا وأن تكون طبيعة الانفعال واحدة فهي تنتقد أمريكا لأن فعلت الخطأ ونحن ننتقد الخطأ لأنه فعل أمريكي وحسب.
أسلط الضوء أخيراً وبشكل أكبر على المقالة الآنفة لأن مصطفى نبيل من أبرز من عرض لهذا الكتاب.. يقول تحت عنوان (الوسيلة هي الرسالة): (وهنا يظهر مغزى وجود عدو فهو لا يتعلق بامكانية حشد الرأي العام وراء السلطة القائمة ولا بالانفاق على العتاد العسكري وإنما هي فرصة للكثيرين من أجل العمل والكسب كما لم يكن الهدف هو  مواجهة الشيوعية فحسب بل تدمير كل أنواع الفكر النمطي المذهبي) (3).. وينتهي هذا إلى قَدَر العولمة واقصاء الآخر والتفرد القطبي، ولكن بعد زوال المعسكر الضد الذي حُشدت لأجله هذه الخطط والمشاريع الجبارة على مدى عقود طويلة كيف ستعمل هذه المؤسسات والأجهزة ومن الذي سيستهدف لتوجيه الدعاية الجديدة وهل سنقرأ كتاباً آخر يكشف لنا أسماء ودوائر وفعاليات ومهرجانات شرقية وعربية تنخرط طواعية أو قسراً لتسهيل ترويج النموذج الأمريكي بعد أن ظهر الآخر الشرقي بحدة باترة تصرح بأحقيتها بالقطبية والإرث الضدي.. كل هذه المعطيات ستفرز لنا وسيلة جديدة للتميط ومبدعاً عربياً يأخذ من جديد دور الدكتور زيفاجو.
@ قراءة في كتاب (الحرب الباردة الثقافية) للباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندز وترجمة طلعت الشايب. واصدار المشروع القومي للترجمة في الكويت.
(1) مقال ( همنجواي جاسوساً).. مجلة الجزيرة 123/7/24ه
(2) مجلة العربي - عدد
525.(3) مجلة الهلال - عدد
110البريد الالكتروني: alhuwamel@hotmail.com
`




 

بقية المواضيع

افتتاح مؤتمر وزراء الثقافة العرب في عمّان
مثقفون على رقعة الشطرنج الأمريكية
فكتور هوجو والجماليات الشرقية   1- 2
مفاتن الصحراء ومخاتلها في رواية اوعلى مرمى  صحراء ..  من  الخلف
هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي
وشيء من التاريخ!
الصعود بأغنية واحدة إلى المدينة العالية الاحتمالات والتفاسير
الحداثة في الشعر السعودي
ماري آنج بوكاسا ابنة الإمبراطور الأفريقي .. تعيش في لبنان ترسم وتكتب وتحلم بزيارة بلدها الأم
بعد القمة الفرنكفونية في العاصمة اللبنانية متى تنعقد القمة "العربفونية"؟
الاستشراق الروسي
الباحث الدكتور شعبان عبدالعزيز خليفة يكشف أسراراً وحقائق تاريخية مهمة حول مكتبة الإسكندرية
المحيميد: روائياً
العلوم والتكنولوجيا
مدارات الذاكرة
كبريت التغني
بين الجغرافيا والتاريخ
في الفكر والأدب
البشعة إحدى وسائل التحقيق والضغط النفسي على المتهم
الوفا يا بو فهد طبعك
جمعية العروة الوثقى
قصص قصيرة جدا
مداخلات .. عن المنجز الشعري النسائي
ما تيسَّر من كتابها
العذراء الحبلى
من يطفىء النار؟
رؤية .. الدراما السعودية  وانتفاضة رمضان
"حديث الصباح والمساء" وشكل جديد للدراما التلفزيونية
معرض فناني الدوادمي.. من قلب الصحراء إلى روما
ART خيمة ومسابقات وبرامج متنوعة ومسلسلات في رمضان
بعيد المدى
أليفي الصوت
الناصرية بمنظور نقدي
ياسمينة: الصمت
دير القمر
عندما كانت الأرض صلبة
قصيدة بلا نهاية
بريد الخزامى
زنكة: والسفر
من سيمسح نظارتي ..؟
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض