عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 24 October 2002 No. 12543 Year 38

الخميس 18 شعبان 1423العدد 12543 السنة 38

  الحداثة في الشعر السعودي

حسين بافقيه

لا يقتصر دور سعد الحميدين على الريادة التاريخية في إصداره أول ديوان يشتمل بكامله على شعر جديد في المملكة العربية السعودية، فحسب، ولكنه يتعداه إلى مواصلة الحميدين الحثيثة والحميمة إلى صياغة قصيدة متطورة، تمثل انتقاله من البوح التعبيري، كما في قصائده الأولى، إلى الأصداء الملحمية، والتشكيل اللغوي، كما تمثله قصائده المتأخرة.
ولعل إصدار سعد الحميدين ديوانه الأول( رسوم على الحائط) -1976م- يمثل، فضلاً عن ريادته التاريخية، ولادة جيل شعري جديد، أعلن انتماءه إلى المد العام للشعرية العربية الحديثة، بأدبياتها ومفرداتها وفضاءاتها الفكرية والفنية، وهو الجيل الذي تألفت ملامحه في ثمانينيات القرن الهجري الماضي- الستينيات الميلادية من القرن الميلادي العشرين- جيل النشوة القومية، والهزائم القومية، كذلك، حيث تألفت في وعيهم الفني والفكري مفردات الخلاص، ثم ما لبثت تلك الغاية أن تهاوت أمام أعينهم (1387ه/1967م)، ليدخل ذلك الجيل مرحلة اختلاط المفاهيم، وغياب الوعي ، وتشظي المؤثرات الفكرية ، من الايمان الكامل بالهوية والقومية ، الى حالة من الهباء والذواء الفكري، الذي بات فاعلاً في محاولة البحث عن هوية إديولوجية، ومخرج سياسي، وانتقلت حالة التردد والبحث عن مخرج على الأبنية ا لأدبية، إلى أن أطل على الأمة بصيص من أمل( 1393ه/1973م) لتدخل المنطقة والعالم كله، بعد ذلك مرحلة جديدة، في حساب التوازنات السياسية والاستراتيجية.
غير أن الجيل الشعري الجديد في المملكة، وإن تعالق مع المد للشعر العربي المعاصر،  فإنه، كذلك، وليد  مسيرة من التحولات الأدبية التي طرأت على الخارطة الثقافية المحلية التي استجابت، ومنذ السنوات الأولى لولادة الدولة الوطنية في الجزيرة العربية، إلى نداء التجديد والحداثة ، وكأنه، كان طبيعياً أن يوازي حركة تأسيس كيان وحدوي جديد ربط الحجاز ونجد وعسير والأحساء برابطة سياسية، ومن ثم وطنية- أن يوازي الانبعاث السياسي الجديد، انبعاث أدبي جديد تمثله بواكير المؤلفات الأدبية المتزامنة مع الخطوات الأولى للمملكة الوليدة، كمجموعة (أدب الحجاز:  1344ه) لمحمد سرور الصبان، و(خواطر مصرحة: 1345ه) لمحمد حسن عواد، ومجموعة (وحي الصحراء: 1355ه) لمحمد سعيد عبد المقصود وعبدالله بلخير، لتؤكد هذه الإصدارات انتماء الأجيال الجديدة لحركة التجديد والحداثة، وليستمر خطاب التجديد ويصبح سمة عامة لصحافة تلك المرحلة، والإنتاج الفكري والأدبي لها، كما لدى حمزة شحاته، وعزيز ضياء، ومحمد عمر توفيق ومحمد سعيد العامودي، وسيف الدين عاشور، ومحمد عالم الأفغاني، وأحمدرضا حوحو، وعبدالله عبد الجبار، وعبدالله الطريقي، وحمد الجاسر، وعبدالكريم الجهيمان، وعبدالله  بن خ
ميس، ثم عبدالله عبدالوهاب في محاولاته الشعرية والنقدية الواقعية، وسعد البواردي، وعبدالله الجفري، وعبدالله مناع، وغازي القصيبي، ومحمد العلي، الذي عمق الوعي الحداثي، شعرياً ونقدياً، ومنذ مرحلة مبكرة.
وأحدثت تلك التغيرات تحولا في مناطق المملكة عامة، وعلى نحو جذري، لعل من أظهر دلائله تلك التحولات الفكرية والأدبية العنيفة التي طرأت على منطقة نجد في قلب الجزيرة العربية، ليعلن عدد من أبنائها خروجهم على عباءة المحاكاة والتقليد، وانتماءهم إلى النهر الشعري والفكري الذي كان قد تألفت ملامحه في السبعينات الهجرية/ الخمسينيات الميلادية، من القرنين الهجري والميلادي المنصرمين، وكان من رموزها عبدالله بن إدريس، وعبدالرحمن المنصور، وناصر أبو حميد، وعبدالله العثيمين، والتبشير النقدي والأدبي الذي قام به عبدالله بن إدريس في كتابه(شعراء نجد المعاصرون: 1380ه/1960م).
ولم تكن حركة التجديد الأدبي منفصلة عن مجموعة تغيرات طرأت على الدولة والمجتمع، فثمة عوامل عميقة أسهمت في نمو الإحساس الوطني والهوية المشتركة، لعل من أظهرملامحها، انبثاق النفط، وبكميات وفيرة، ونشوء طبقة عمالية جديدة، ساعدت في نمو الهوية الوطنية الجديدة، وبخاصة في اتصالهم، ولأول مرة، بفئات أجنبية(غربية) كان الاحتكاك بها باعثاً لهموم وطنية وقومية بصورة عامة، ليتداخل في وعي النخب الثقافية ومن أبرزهم الشعراء الهم الوطني بالهم القومي الذي ساعدت في تكوينه القضية الفلسطينية، وما رافقها من حركة التحرر الوطني في معظم البلدان العربية المستعمرة.
وكان سعد الحميدين وأحمد الصالح(مسافر) أبرز ممثلي التيار الشعري الجديد في المملكة، وذلك بسبب أسبقيتهما إلى نشر إنتاجهما الشعري في ديوانين مستقلين، في حين تأخر عدد من مجايليها إلى السنوات الأولى من بدايات القرن الهجري الخامس عشر( ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم)، وكأنهما ممثلان لتحولات، صار من اليسير قراءتها الآن، لعل من أبرزها نمو الإقليمية في الوطن العربي، بعد نكسة 1387ه/1967م، وتدفق العائدات النفطية الضخمة على المملكة بعد حرب 1393ه/ 1973م،  وولادة ما يسمى في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية المحلية بظاهرة (الطفرة) التي لم تدرس حتى وقتنا هذا دراسة علمية متأنية، لكننا نستطيع أن نرصد بعض ملامحها فيما كتبه أسامة عبدالرحمن وحمد المرزوقي وتركي الحمد ومتروك الفالح في عدد من الدراسات، وكذلك شاكر النابلسي في كتابه المهم( نبت الصمت)، لتسهم هذه الطفرة، فيما يعنينا من الجوانب الثقافية والأدبية في ولادة شريحة جديدة في المجتمع المحلي هي شريحة أساتذة الجامعات المبتعثين إلى الجامعات الغربية، حيث اتصلوا بمفاهيم جديدة، لعل من أظهرها الأطروحات النقدية الجديدة التي وجدت في محاولة تبيئتها وغرسها في البيئة الأدبية المحلية جدلاً أ
دبياً وإيدولوجيا واسعاً، وكان من نتائجها أن قدمت( حداثة) متهمة، قامت في سجالها النقدي على الرفض والتعالي وافتعال الخصومة بين القديم والجديد، دون أن تبرح لنفسها عن طريق جدل علمي خلاق، بل عن طريق افتعال الخصومة والإيحاء بالحزبية الثقافية، التي كانت سمة من سمات عدد من المقولات (النقدية) ونظرة بعض أقطاب تلك المرحلة إلى أنفسهم في صورة( المخلصين)- بتضعيف اللام- وضحايا الهزائم والإحباطات، وليس ثمة هزائم  ولا احباطات، وعبر مدونة( نقدية) تصلح لإجراء قراءة تحليلية لها لبيان هشاشتها وتناقضها.
واللافت للنظر أن شعر سعد الحميدين ظل طوال تلك المراحل محافظاً على هدوئه ورضا الفرقاء عنه، من نقاد الحداثة وخصوصها، ويعود لك إلى عدم ولوج شعره في تلك المرحلة إلى ساحة المراهنة والتحدي النقدي، كما حدث بالنسبة إلى محمد الثبيتي وعبدالله الصيخان ومحمد جبر الحربي وعلي الدميني، حيث وجد عبدالله الغذامي وسعيد السريحي للعديد من مقولاتهما النقدية سندها فيما يبدع أولئك من شعر، خاصة أن الندوات الأدبية والأماسي الشعرية المصحوبة بقراءات نقدية، كان يمثله هؤلاء الشعراء، في حين نأى سعد الحميدين- ومازال- عن هذه الندوات والأماسي، ما غيب شعره عن الحضور النقدي، إلا ما كان من تناول سعد البازعي له، ضمن سياق شعري عام، وبلغة قدية نأت بنفسها، كذلك، عن الإثارة والتهويش، وافتعال الخصومات، كما هو حال لغة الغذامي والسريحي، وإلا  ما كان من دراسة عبدالله الغذامي لديوان( وتنتحر النقوش.... أحياناً) في مجلة فصول-1993- بعد خمود تلك الضجة، وتلاشي غبارها.
من هنا تأتي الأهمية المفترضة لكتاب الناقد السوري عبدالله أبو هيف( الحداثة في الشعر السعودي، قصيدة سعد الحميدين نموذجاً) الصادر عن المركز ا لثقافي العربي، بيروت  الدار البيضاء،2002م، والدور الذي يمكن أن يقوم به هذا الكتاب في رصد معالم القصيدة الحديثة( الحداثية) في المملكة العربية السعودية، بعد أن توارى غبار تلك المرحلة الذي كان يغشي العيون، ويمنعها من الرؤية العميقة للأشياء، ويعطي للأحكام النقدية مشروعيتها، وبعدها عن الأدلجة والخصومة اللتين توجبهما المعاصرة التي تحجب الرؤية النافذة إلى الأشياء.
ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث؟
حمل العنوان الرئيس للكتاب جملة مراوغة ليس لها مضمون مباشر في الكتاب( الحداثة في الشعر السعودي) أما كان من السائغ لناقد قومي أن يقول: الشعر في السعودية، بدلاً من الشعر السعودي؟) لتبرح إلى عنوان فرعي- ولكنه رئيس ضمنيا- (قصيدة سعد الحميدين نموذجاً)،  ما يعطي إيحاء أن الكتاب سوف يعني برصد معالم شعر سعد الحميدين، ضمن النسق الشعري العام في المملكة، وبخاصة ماله صلة بحركة (الحداثة) التي يعد سعد الحميدين من أظهر رموزها الشعرية. ولكن الكتاب لم يفعل ذلك إذ لم ينل العنوان العريض( الحداثة في الشعر السعودي) سوى بعض الإلماحات العاجلة التي ساقها الناقد، في سياق حديثه عن الحركة الشعرية في الخليج العربي: في البحرين والكويت وعمان وقطر والإمارات، ومن خلال رجوعه إلى مرجع واحد فقط، هو (دراسات في الشعر العربي المعاصر) الصادر عن معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين- 1995م وبعض الإلماحات إلى عدد من المجلات التي خصت الأدب في المملكة بأعداد خاصة، ليعرج، بعدها، إلى المكونات الخاصة بسعد الحميدين، ومصادر ثقافته واهتمام النقاد والدارسين بشعره، ثم ينسى الناقد العنوان الرئيس لكتابه، ولا يعود إليه بالمرة، على  الرغم من أنه هو العتبة الأولى ا
لتي تقع عليها عينا القارئ علماً بأن الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان( ممهدات البحث) لم يشغل سوى 28صفحة، ضاع معظمها في الحديث عن الشعر في دول الخليج المختلفة، ومن ثم تكوين الشاعر ومصادر ثقافته.
ويلفت النظر  أن الناقد لا يعرف مصادر بحثه كما ينبغي، مع أنه يشير في مقدمته، إلى أن كتابه استغرق ثلاث سنوات من التأليف، وهي مدة كافية لكي يعرف أي باحث مصادر بحثه والمحيط العام الذي يشتغل فيه، خاصة أن كتابه تحت عنوان واسع( الحداثة في الشعر السعودي) ما يعني أنه يغني عن غيره، وهذا ما لا يخرج به قارئ كتابه ولكنه بزعم الإحاطة والتوفر على المصادر يتفوه بعدد من الأحكام النقدية التي تشي بمعرفته بمصادر بحثه، كقوله" إن البحوث والدراسات النقدية، ولا سيما الكتب، اقتصرت أو كادت، على العناية بالاتجاهات الشعرية التقليدية، مثل كتاب محمد بن حمود بن محمدي حبيي" الاتجاه الابتداعي في الشعر السعودي الحديث  إلى بداية التسعينات الهجرية" (ص17) ما يعطي انطباعاً بتأصيله لمصادره، ومراجعه، ومعرفته التاريخية بها، وأظن أن كتاب حبيبي لو لم يكن من إصدارات مهرجان الجنادية التي توزع على ضيوف المهرجان، لما وصل إلى يد أبي هيف الذي كان ضيفاً من ضيوف المهرجان، ومن ثم بنى حكمه( النقدي) ولم يكلف نفسه- وقد استغرق في تأليف كتابه ثلاث سنوات الرجوع إلى مصادر أخري  في متناول يده، رصدت حركة الأدب- الشعر خاصة- في المملكة، وهي ليست بالعزيزة، وكلها في متناول
اليد ولا أدري كيف لناقد يرصد حركة الشعر الحديث في المملكة لا يرجع إلى( ثقافة الصحراء: دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصر) ، (وإحالات القصيدة: قراءات في الشعر المعاصر) لسعد البازعي، و(الكتابة خارج الأقواس) لسعيد السريحي،( وتشريح النص) لعبدالله الغذامي،و (في ذاكرة الصحراء: دراسات في نصوص شعرية سعودية معاصرة)،  لمحمد الدبيسي، و(قصيدتنا النثرية)، و(حداثة مؤجلة) لمحمد العباس، فضلاً عن جهود محمد الشنطي المتتالية والتي خص الشعر بجانب كبير منها. ولك أن تعجب من كتاب يتوفر على الشعر في المملكة،  لم يرجع إلى بيت شعري واحد لشاعر سوى سعد الحميدين.
ولا يكتفي عبدالله أبو هيف بذلك، بل يصدر أحكاماً تشي بالإحاطة والشمول، كقوله" وربما ظهرت عبارة" الشعر الحديث" لأول(مرة) في دراسة من منظور تقليدي في كتاب عبدالله الحامد "الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية خلال نصف قرن : 1345-1395ه" (1993-ظهرت طبعته الأولى عام 1990) ولو كلف أبو هيف نفسه قراءة ما جاء في كتاب الحامد لبان أثر ذلك في كتابه (غير التقليدي) ولعرف أن مصطلح (الشعر الحديث) ورد قبل ذلك دون أن أقطع بالأقدمية، فلست في سبيل الإحصاء: الشعر الحديث في الحجاز، لعبد الرحيم أبو بكر-  1397ه/1977م) و(المذاهب الأدبية في العشر الحديث بجنوب المملكة العربية السعودية) للباحث المصري على علي مصطفى صبح- 1404ه وقبلها كان كتاب عبدالله عبدالجبار المهم في بابه لأي دارس لحركة الأدب والثقافة في المملكة( التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربي) معهد الدراسات العربية- القاهرة- 1959م- وهو خاص بدراسة الشعر في المملكة.
ولكن .. لابأس، لنر مقاربته لشعر سعد الحميدي.
يخرج القارئ من كتاب( الحداثة في الشعر السعودي: قصيدة سعد الحميدين نموذجاً) بأن الباحث قد استنزف جهده في مقدمات نظرية طويلة عن قضايا نقدية، باتت، في الراهن، من المسلمات النقدية والنظرية المتداولة في الأدبيات النقدية، سواء لدى الناقد أو القارئ خاصة أن هذه القضايا النقدية التي اشتغل عليها أبو هيف في مطلع كل فصل من فصول كتابه لا تعزز الالتحام بقصيدة الحميدين، بصفتها مفصلاً ظاهراً في شعره، دون غيره من شعراء القصيدة الجديدة، لكونها غدت سمة عامة من سمات العشر الشعبي الحديث المعاصر. ففي الدراما والمونولوغ يحشد أبو هيف كل طاقته في تلخيص المقولات النقدية عن هذا المصطلح منذ أرسطو وحتى المدرسة الإنكلوسكسونية، ويقف عند تعريف مجدي وهبة في (معجم مصطلحات الأدب)، والاتجاه الرومنتيكي في الشعر العربي الحديث، والغنائية وخلافها، ليستغرق ذلك كله نحو  10صفحات ليدخل، بعدها، إلى الدرامية والمونولوغ في شعر سعد الحميدين، ليمثل على ذلك بمقطع من شعره، وما يلبث أن يبرح لمصطلح اخر هو (المونولوغ) بمقدمة نقدية تعريفية، يلخص بها ما تناثره النقاد والدارسون عن المصطلح، وينسى شاعره الحميدين، ليجول في شعر أدونيس وبدر شاكر السياب ونزار قباني ومحمد
بنيس، دون أن يكون ثمة تناص أو إلماح إلى نسقية شعرية بعينها، كان من الممكن أن تكون سائغة- إلى حد ما- لو أن الشواهد الشعرية كانت لشعراء سعوديين مجايلين للحميدين، حتى نستطيع تسويغ العنوان المضلل للكتاب، ليستمر ولع الناقد بحصر كل شاردة أو واردة في النقد الأدبي( الحداثي) ليحشدها، عبر مقدمات طويلة، بدءاً من الدراما والمونولغ، ومروراً بالتناص، حيث لخص كل المقولات النقدية حوله، ومحاولة تبيئته في التراث النقدي العربي لدى عبدالقاهر الجرجاني، وظاهرة السرقات الشعرية في النقد العربي القديم، حتى يصل إلى كريستيفا وجيرار جينيت (ص ص 87-99) فاللغة والصورة، وفي متابعة لاهثة للمقولات النقدية التي يحشدها في كتابه، في صورة تقشع قناع الحداثة النقدية التي حشد لها مصطلحاتها وقضاياها، لتعيدنا إلى البلاغة (المدرسية) التي تعني بإيراد الشواهد الشعرية والنثرية على المصطلحات، حيث يستبدل الناقد( الحداثوي) المصطلحات الحديثة بالمصطلحات القديمة، ولكي أدلل على ثنائية المصطلح والشاهد، أورد هذه الأمثلة:
- تناصية الاسم:"في قصيدة"  7هوامش على كراسة (من ديوانه: رسوم) يستحضر الحميدين اسم لنكولن المرتبط بالحرية، ويربطه بمعنى الحرية الوجودي والإنساني خلال استحضار اسم " سيزيف" الذي جالد نفسه، مجاوزاً فعل العبث إلى جدوى النضال المستمر من  أجل الحرية في الذات أولاً(ص101)
- "ويستخدم الحميدين اسم أيوب النبي دلالة الصبر على المنغصات والفراق في وجه الشدائد ولوعة الحياة والحب في قصيدة" رسوم على الحائط" (ص105)
وكأن مهمة الناقد، وقد اتصل بعدد من المقولات النقدية الحديثة، إثباتها في شعر سعد الحميدين، من خلال ما يمكن تسميته (رد الفرع إلى الأصل) ، فقصيدة " أين ليلى" تتناص مع قصيدة لإيليا أبي ماضي( ص109) وقصيدة "ورقة مهملة من دباس إلى أبيه" تتناص مع الشاعر الشعبي أبي دباس والمتنبي( ص111).
ومن البين أن الناقد، وقد حرص على أن لا يترك مصطلحاً نقدياً دون أن يزج به في دراسته، وأن يدلل عليه بعدد من الشواهد الشعرية، لم يخلص لشاعره الذي أراد دراسته، وذلك لكونه اتخذ منه مطية للتدليل على قضايا نقدية ومصطلحية عامة، هي من الشيوع والذيوع، بحيث يحول ذلك دون جعلها سمة من سمات شاعر بعينه. بل لعلها غدت من سمات اللغة الإنسانية المستخدمة في الحياة اليومية ولكن الناقد، وهو في سبيل اقتناص المقولات النقدية، حداثية وما بعد حداثية، سطح مثل تلك المقولات ولم يدلل من خلال شاعره إلا على سمات عامة في الكلام اليومي المعتاد، والذي تقوم دروس الألسنية بالإشارة إليه، للتدقيق في الاستخدام اللغوي، كظاهرة (الانزياح) التي أتعب أبو هيف نفسه لكي يدلل من خلالها أن سعد الحميدين أنسن الشجرة (174) أو استخدامه للمجاز العقلي الذي غدا من السمات الطبيعية للغة اليومية، كحواجز الأوهام، والداء الدفين (ص175) وكإسناده الفعل(محا) إلى  كلمة( صورة) في قولة:" فقد محتها صورة" ليقول أبو هيف بعدها، "فقد أسند الفعل إلى"  "صورة" وجعل للصورة "ظهر" وأطرها "غول" وهو كائن خرافي، وأضاف الغول إلى "الفناء" (ص177) وهي طريقة تعيد إلى ذاكرتنا أنماط البلاغة المدرسي
ة التي نحشو بها عقول طلابنا، للتدليل على الاستعارة المكنية التي حذف منها المشبه به، وجيء بشيء من لوازمه ولكن إذا جاز ذلك في الكتب المدرسية التعليمية، فهل يجوز لناقد( حداثي) أن يجعل كتابه صورة أخري لتلك الكتب، التي لا يختلف عنها إلا بالمصطلحات الموهمة بالتحديث والتجديد.
ومن الواضح أن الناقد أرهق نفسه وهو يحث الخطى لكي لا تفوته مقولة نقدية، هنا أو هناك، فغدا كتابه، على غير ما أراده معجما للمصطلحات النقدية، التي ترد، في غالبها، دون أن يكون لها علاقة بشعر سعد الحميدين، حتى غدا كتابه تقاطعات تناصية مع المقولات النقدية التي يوردها شواهد متناثرة، هنا وههناك، لتوازي الشواهد النقدية التي يوردها، بمناسبة وبغير مناسبة، الشواهد الشعرية التي يقتنصها من شعر الحميدين، ودون أن يقف عليها- في الغالب- هنيهة حتى يسرع الخطى إلى مقولة نقدية أخرى، وكأنه لم يستطع أن يترك مصطلحاً نقدياً حداثياً دون أن يفيد منه، وأن يجد من شعر الحميدين ما يسنده، فغابت، بذلك، اللحظات الشعرية العميقة التي يكتنزها شعر الحمدين، وتطور قصيدته من التعبيرية إلى التشكيل الملحمي، بسبب هذا اللهاث النقدي، الذي غيب تلك اللحظات ووأدها.  




 

بقية المواضيع

افتتاح مؤتمر وزراء الثقافة العرب في عمّان
مثقفون على رقعة الشطرنج الأمريكية
فكتور هوجو والجماليات الشرقية   1- 2
مفاتن الصحراء ومخاتلها في رواية اوعلى مرمى  صحراء ..  من  الخلف
هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي
وشيء من التاريخ!
الصعود بأغنية واحدة إلى المدينة العالية الاحتمالات والتفاسير
الحداثة في الشعر السعودي
ماري آنج بوكاسا ابنة الإمبراطور الأفريقي .. تعيش في لبنان ترسم وتكتب وتحلم بزيارة بلدها الأم
بعد القمة الفرنكفونية في العاصمة اللبنانية متى تنعقد القمة "العربفونية"؟
الاستشراق الروسي
الباحث الدكتور شعبان عبدالعزيز خليفة يكشف أسراراً وحقائق تاريخية مهمة حول مكتبة الإسكندرية
المحيميد: روائياً
العلوم والتكنولوجيا
مدارات الذاكرة
كبريت التغني
بين الجغرافيا والتاريخ
في الفكر والأدب
البشعة إحدى وسائل التحقيق والضغط النفسي على المتهم
الوفا يا بو فهد طبعك
جمعية العروة الوثقى
قصص قصيرة جدا
مداخلات .. عن المنجز الشعري النسائي
ما تيسَّر من كتابها
العذراء الحبلى
من يطفىء النار؟
رؤية .. الدراما السعودية  وانتفاضة رمضان
"حديث الصباح والمساء" وشكل جديد للدراما التلفزيونية
معرض فناني الدوادمي.. من قلب الصحراء إلى روما
ART خيمة ومسابقات وبرامج متنوعة ومسلسلات في رمضان
بعيد المدى
أليفي الصوت
الناصرية بمنظور نقدي
ياسمينة: الصمت
دير القمر
عندما كانت الأرض صلبة
قصيدة بلا نهاية
بريد الخزامى
زنكة: والسفر
من سيمسح نظارتي ..؟
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض