بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 23 October 2003 No. 12907 Year 39

الخميس 27 شعبان 1424العدد 12907 السنة 39

  اللغة ومشكلة المعنى

د. محمد ربيع الغامدي

ثانياً: معوقان المعنى من اللغة ذاتها:
1- طبيعة العلامة اللغوية:
إذا نظرنا إلى اللغة في صورة المفردات وجب أن نعرض هنا بايجاز طبيعة الدال والمدلول والعلاقة بينهما؛ لأن هذا الأمر يعين على تقريب كيف تصور اللغة الواقع المشاهد وغير المشاهد، المحسوس والمجرد، باختلاف درجات الحس والتجريد.. وقد عني علماؤنا العرب القدماء عناية لا تخفى بقضية تمثيل العلامة اللغوية ما  يقع في الخارج، أو ما سماه الدكتور عبدالحكيم راضي ب "اللغة والعالم". (راضي: نظرية النقد العربي ص 363)، إذ تتبع راضي هذه المسألة في التراث العربي، بدءاً بتأملات أوائل الأقدمين، ومروراً بما يرى أنه من أثر الثقافة اليونانية في الدراسات الفلسفية العربية، وانتهاءً بما أثير في العصور الحديثة عن طبيعة العلاقة بين الكلمات والأشياء. وانتهى إلى أن المفكرين العرب لم يغفلوا عن الطبيعة الملتبسة بين اللغة وما تشير اليه.
ويرى الدكتور عز الدين إسماعيل أن ما عُرف في التراث العربي قديماً بقضية "الاسم والمسمى" التي دار حولها الجدل طويلاً، قد (انقسم الفكر العربي القديم إزاء هذه المعضلة التي تبلغ حدّ الاشكالية قسمين متعارضين. ففريق يرى أن الاسم شيء والمسمى شيء آخر. وقد تفرع عن هذه المعضلة وارتبط بها مشكل "التوقيف والاصطلاح" في اللغة، كما تفرع عنها كذلك مشكل "الحقيقة والمجاز"). (إسماعيل: مقدمة قراءة جديدة لتراثنا النقدي). وهو هنا يشير فيما يشبه المداخلة إلى بحث صنعة الدكتور لطفي عبدالبديع بعنوان "الاسم والمسمى"، درس فيه مذاهب الفرق وأصحاب الكلام وأدلتهم من المعقول. (عبدالبديع: الاسم والمسمى، ضمن كتاب قراءة جديدة لتراثنا النقدي  203/1- 218). فأوجز إسماعيل نتائج البحث المذكور في أن القائلين بالتوقيف هم الذين تعاملوا مع اللغة (بوصفها حقيقة، والذين قالوا بالاصطلاح.. هم الذين تعاملوا معها بوصفها مجازاً. الفريق الاول أكد ثقته في اللغة بما هي حقيقة وجودية فاعلة بذاتها، في حين انطوى موقف الفريق الثاني على قطيعة بين اللغة والوجود). وعندي أن التشكك وعدم الاطمئنان الكامل إلى القول بمطابقة اللغة للواقع، وتمثيل العالم الخارجي، والوعي بهذه المعضل
ة وما يترتب عليها، كان أحد أبرز الأسباب التي جعلت عدداً من نابهي الدارسين العرب القدماء يتنبهون إلى أنه لا يتأتى التسليم بأن المعنى هو ما في الأعيان، بل لابد أن يكون ما في الاذهان عن الأشياء. ولذا ظهر في دراساتهم البحث بصورة حيوية في مسألة: المعنى الذي وضع له اللفظ أخارجي هو أم ذهني أم أعم منهما؟..
من بين العلماء العرب الذين تنبهوا إلى أن الدال يحيل على صورة ذهنية غير الشيء الموجود في الخارج والمدرك بالحواس، الإمام الغزالي. إذ قرر أن الشيء له في الوجود أربع مراتب، الاولى: حقيقته في نفسه. الثانية: ثبوت مثال حقيقته في الذهن. الثالثة: تأليف صوت بحروف تدل عليه. الرابعة: تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهو الكتابة. (الغزالي: المستصفى ص  18- 19، ومعيار العلم ص 75). وسار الرازي بهذه القضية من حيث حصر المدلول في الصورة الذهنية واستبعاد الجزء الحسي منها، خطوة إلى الأمام، فجعل البحث الثالث من محصوله في أن الألفاظ لم توضع للدلالة على الموجودات الخارجية، بل وضعت للدلالة على المعاني الذهنية. (الرازي: المحصول  269/1فما بعدها).
أما حازم القرطاجني فيرتب الدوال والمدلولات، ويصف السلسلة التي يتحول فيها كل مدلول بدوره إلى دال له مدلول، بحيث يكون الرمز الكتابي دالا والصورة الذهنية للاشياء دوال ومدلولها الأعيان المدركة المحسوسة. (القرطاجني: منهاج البلغاء ص  18- 19، وينظر: اشكاليات القراءة ص 80).
إن مقولات القدماء هذه وشبهها تدل من جهة على تأمل الأقدمين في الطبيعة المتلبسة بين الدوال اللغوية اللفظية وما تشير إليه في الواقع المدرك، ومن جهة اخرى رأى فيها بعض الدارسين المحدثين جذوراً للنظر في اشكالات المعنى ومعضلاته التي عني بها المفكرون المعاصرون. حيث يرى الدكتور عبدالله الغذامي أن أمر اعتبار الكلمات لا تدل إلا على متصورات هي مظاهر ذهنية وليست حقائق عينية، وهو الشيء نفسه الذي قدمه فرديناند دي سوسير في أوائل القرن العشرين والسيميولوجيين الفرنسيين، كان المقدمة لتحرير الكلمة من التصورات التقليدية القديمة لتكون فيما بعد ما سمي ب "الاشارة الحرة". (وهي تمثل حالة (حضور) لأن الكلمة توجد أمامنا، ولكن المدلول يمثل حالة (غياب) لأنه يعتمد على ذهن المتلقي لاحضاره إلى دنيا الاشارة. وهذه العلاقة لا تنشأ إلا بفعل المتلقي الذي يؤسس هذه العلاقة بين الدال والمدلول، وهو ما يسمى بالدلالة. ولأن الصلة الآن تقوم بين حاضر هو الدال (الكلمة) وبين غائب هو المدلول (الصورة الذهنية) فإن المدلول يصبح عالة على الدال، ووجوده يعتمد كلياً على وجود الدال). (الغذامي: الخطيئة والتكفير ص  43- 44).
إذا كان الأمر على هذه الصورة فيما يخص العلامات التي لها في الخارج ما تشير اليه مما هو مدرك حسوس (أي: مرجع) بحيث يصبح ما هو مدرك حين التعبير عنه باللغة في غاية التجريد، حتى لا يمكن للغة نقل صورة العالم، كما يحس، فضلاً عن أن تستطيع بحال ما من الأحوال نقله، كما هو على حقيقته، فإن أمر المفاهيم المجردة في الذهن تجريداً عالياً أصلاً أشد تعقيداً وأكثر التباساً. ويمكن في هذه الحال أن نستعيد قول سويفت السابق ذكره مع بعض التحريف المناسب للمقام هنا، فنقول: "انه لا يوجد شيء نحمله على ظهورنا لنتحدث فيه أو لنعبر عنه".
من السهل أن يتصدى أحدنا للحديث مطولا عن مفردة "الحوار" التي كثر تداولها هذه الايام، ولا سيما في مناسبة تدشين ما سمى بمرحلة "الحوار الوطني". كما يمكن لآخر أن يتفاصح متكلماً في "الخلاف"، ويمكن لآخرين أن يطيلوا في تفصيل القول في "الغلو" أو "الوسطية".. الخ، غير أن المهم جداً في هذه المسألة هو: ما المفهوم المتبلور في أذهان كل واحد من المتحاورين لكل مفردة مما ذكر؟ وما مدى التطابق أو عدمه بين الصور الذهنية للكلمة في أذهان كل من المتكلمين والسامعين؟..
وإذا كان الأمر كذلك فيما يخص الكلمة في حال افرادها فإن من نافلة القول إن تركيب الألفاظ ونظمها في تراكيب يوصل إلى مراحل متقدمة جداً في الإلباس؛ إذ ليست الدلالة التركيبية فقط مجموع الدلالات الافرادية كما قد يُظن، بل يضاف إلى اشكالات العلامات في حال الافراد اشكالات خاصة بالتركيب. وهذا ينقلنا إلى الكلام في مواطن اخرى من اللغة في صورتها التركيبية، توضح بمعنى ما صورة من صور شدة تعقيد الدلالة اللغوية.
2- اللغة متطرفة الدلالة:
لو نظرنا نظرة سريعة على أقسام الكلام العربي كما يحددها التقسيم الثلاثي المعروف: الاسم والفعل والحرف، لوجدنا من الوجهة الدلالية الصرفة أن الاسم يفترض فيه أنه يحيل على (الأشياء) في صورتها المحسوسة والمجردة، والفعل على حركات هذه الأشياء (أفعالها)، أما الحرف فرابط بين الكلمات، وتشبه الأدوات في مجملها وظيفة الحرف في الربط، وتنوب عن بعض الكلمات وتحل محلها غير أن هناك قسماً مهما من الألفاظ يقع بين الاسم والفعل هو "الصفة"، يجمع بين خصائص في الاسم وخصائص اخرى في الفعل. ولهذا نصت مناهج اخرى في تقسيم الكلام العربي على هذا القسم. وقسم آخر يأخذ من القسمين خصائص أيضاً هو المصدر (وسنغفل ذكر أقسام اخرى نصت عليها مناهج تقسيم الكلام العربي المختلفة؛ لعدم الحاجة اليها في هذا المقام). ويلحظ عند التأمل في اقسام الكلام من حيث الدلالة أولا: تفاوت الألفاظ المندرجة في قسم بعينه تفاوتاً واضحاً في الابانة عن ملامح صورة ما تحيل عليه. وثانياً: أن بعض الكلمات في قسم مشتق من بعضها الآخر في قسم آخر، في الأقل في الصورة الظاهرية للكلمات (يختلف اللغويون كثيراً بشأن الاشتقاق) أو هو متداخل في الدلالة مع غيره؛ إذ الوصف ب "قائم" مشتق من القيام، وب
معنى أنه يقوم، وقد قام.
إذا نظرنا إلى المصدر مثلا فسنجده غالباً يدل على الحدث، أي: على واحد من مدلولي الفعل (الحدث والزمان). ويكون الحدث اما الحسي المدرك الملاحظ، وإما الفكرة المجردة المعنوية. والصفة تكون في الغالب هذا الفعل ملقى على صاحبه، فاعلاً ومفعولا. لكننا سنلحظ هنا أن المصدر والصفة تأخذ في الغالب الأعم من كلامنا أحد جانبين متقابلين متضادين من حيث الدلالة. وهو ما عرف عند البنيويين ب "الثنائيات المتقابلة" (Binary Opossitions) إذ الجمال يقابله القبح، والخير يقابله الشر، والبياض يقابله السواد، وكذلك النور والظلام، والصحة والمرض، وهما على طرفي نقيض، كما هو واضح. ويفترض أن يكون بين الجميل والقبيح مقياس متدرج مقسم إلى ما لا  يعد من الدرجات التي يمكن - بل لابد - أن يكون عليها الشيء. وحتى إذا وصف الشيء بأنه متوسط بين الطرفين فهو بلاشك منظور اليه في هذا التوصيف في ضوء النظر إلى الطرفين، ومقيس بهما. ومثل ذلك أيضاً التقابل الثنائي بالسلب والايجاب، كإثبات الصفة ايجاباً ونفيها سلباً.
إذا وصف الشيء أو الشخص بأمر ايجابي اقتضى ذلك فوراً انتفاء الأمور السلبية المضادة في المعنى عنه. واقتضى الأمر أيضاً أن يلتصق بما عداه ما انتفى عنه. إذا وصف الرجل بأنه عالم انتفى عنه الجهل، وتضمن ذلك وصوله إلى مرتبة بلغ بها آخر الطرف بين متباعدين هما العلم والجهل، ولم يعرف من دلالة هذه الصفة إلا تلك الدرجة المبالغ فيها إلى أقصى حد. هذا مع أنه لا يمكن لأحد أن يبلغ في الواقع هذا الطرف الاقصى من الصفة. ويسري هذا الأمر على وصف الشخص بالملتزم أو المثقف أو الذكي.. ونحو ذلك. فاذا عرف عن جماعة انهم الملتزمون مثلا اقتضى ذلك نفي الالتزام عن الآخرين ممن لا يدخل في هذه الجماعة.
إذا علقت الصفة على موصوف، ساغ في الصفة ما لم يكن سائغاً فيها وهي على هيئة الفعل، أي: في حال كونها معلقة على صاحب لها موصوف بها. فالفعل "علم" لابد أن يعدّى إلى مفعول، فيقال: علم الخير، أو علم النحو واللغة، أو علم بكذا.. الخ ولهذا نبه اللغويون والبلاغيون على علة حذف المفعول البلاغية في نحو قول الله تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. أما العالم صفة للرجل فلا مدخل للكلام في الحذف مطلقاً، بل الصفة تحل كما يقرر النحاة محل الموصوف وتأخذ أحكامها.
لا مفر لمتكلم اللغة في أحوال كثيرة من أن يصنف الظواهر والأشخاص إلى دوائر متقابلة، إما في الشيء وضده، واما في جانب ايجابي وجانب سلبي، من غير أن يعي بشكل واضح أنه يقوم بهذا التصنيف، ودون أن يعي أن اللغة التي بها ينطق وعبرها يفكر ليس فيها في غالب الأحوال إلا دوائر الثنائيات المتضادة دلالياً أو المتقابلة ايجاباً وسلباً. وهذا هو السر المتخفي وراء مزج الناس أموراً مستقلة متمايزة وجعلها كالشيء الواحد عند الحديث عنها، فكثيراً ما يستقر في الأذهان أن الحديث الذي يدور هذه الايام مثلا عن مراجعة الخطاب الديني السائد في ساحتنا المحلية، بمناسبة الدعوة إلى الحوار الوطني، هو نفسه حديث عن مراجعة الدين الإسلامي وثوابته، مع أن الخطاب الديني - عند التأمل - هو شيء آخر غير الدين الإسلامي القويم الذي لا تجوز مراجعته والمساس بثوابته. فكيف مزجت الأشياء الثلاثة المتمايزة (الدين، والخطاب الديني، والممارسون من أصحاب الخطاب) واعتبرت كالشيء الواحد؟ أعتقد أن السبب في ذلك انما هو لغوي صرف؛ إذ إن الثلاثة يجمعها في الاذهان دائرة (الخير)، وأن من يعتقد الخطأ في أي منها يدخل لا محالة في دائرة (الشر) المقابلة المضادة للخير؛ فينظر تبعاً لذلك إلى ال
داعين لمراجعة الخطاب الديني من هذا المنظور. وأزعم أيضاً أن هذا هو السر المتخفي أيضاً وراء التصنيفات الكثيرة التي لم يعد أحد يستطيع ملاحقتها من كثرتها، فهي تكاد تكون بعدد الداعين إلى تجديد ما. إذ هذه الاسماء والتصنيفات ترمي إلى حشر المصنفين جميعاً في دائرة واحدة ثم الحكم عليها.
لو استعدنا ما حصل من مواجهة كلامية بين ابن لادن وأعوانه من جهة وأمريكا ورئيسها "جورج بوش" من الجهة الاخرى عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والموقف بين الطرفين برمته، وتذكرنا الشبه اللغوي بين تقسيم ابن لادن العالم إلى قسطاطين: مجاهدين ومشركين ومقولة بوش: "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا"، ووصف كثير من الناس ذلك بأنه تطرف يقاوم تطرفاً مثله، لرأينا بشيء من التأمل والمراجعة أنها حال حتمية، تفضي إليها اللغة. إذ لا مفر من أن تظهر أولا مثل هذه اللغة كما تبين، وثانياً لا مفر من أن تتجذر هذه اللغة بدلالاتها في أذهان فئتين: فئة مسلمة تدخل ابن لادن ومن سمو بالمجاهدين معه في دائرة الخير؛ لأنهم يقاومون أمريكا التي هي في دائرة الشر في نظر أغلب المسلمين، وفئة غربية وأمريكية ترى عكس الصورة تماماً. وسأعود إلى نموذج ابن لادن هذا بعد قليل.
3- اللغة ناقصة الدلالة:
ذكر اللغويون قديماً وحديثاً قضية النقص الدلالي تلميحاً وتصريحاً. والمحدثون ولا سيما الفلاسفة هم من نص اصطلاحياً على النقص (Incompleteness) أما القدماء فلعل كلام ابن جني في مجازية المثال النحوي المعروف: ضرب زيدُ عمراً، مع ما يتبادر إلى الذهن من أنه من أكثر الجمل حقيقية، ما يشي بوعيه بعدم التقابل التام بين اللفظ ومدلوله، بل لا مفر من اختلاف القدر زيادة ونقصاً. فضرب لا تفي بالغرض لأن زيداً لم يصل منه إلى عمرو إلا بعض أطراف يده، فلامست بعض أجزاء جسم عمرو، وهكذا. على أن هذا الفهم لكلام ابن جني السالف قد يرد عليه - وذلك حق - سياق كلامه في انبناء الكلام كله على المجاز لا على الحقيقة. وقد يضاف إلى ذلك الربط بين هذا القول وبين معتقده الاعتزالي. غير أن هذا كله يدل دلالة واضحة على مقولة النقص نفسها. وأضاف عبدالقاهر الجرجاني في الدلائل أن مكملات الجملة في: ضرب زيد عمراً، من مثل: يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له.. الخ، انما هي جملة من الاضافات تزيد كل واحدة منها الضرب بياناً وجلاءً، وهذا  معناه أن دلالة الضرب ناقصة تحتاج إلى زيادات يستطيع المتكلم زيادة ما شاء منها، وقد لا تنتهي عند حد. هذا فضلاً عن أن "يوم الجمعة" مثلا
لا يمكن أن يستغرقه الضرب، بل انما يقع في جزء منه. (ينظر: نحلة: الاتجاه التداولي في البحث اللغوي المعاصر، ضمن كتاب في اللغة والأدب ص 176). وكذلك "التأديب" لا يمكن أن يكون خالصاً تاماً، وهكذا.
أما الفلاسفة المحدثون فقد قال صاحب مصطلحي النقص والتركيب المفتوح "فايزمان" في منتصف القرن العشرين في تفسير النقص: هو "عدم قدرتنا على وصف تام شامل لأي شيء مادي. فإذا أردت أن أصف يدي اليمني التي أرفعها الآن فقد أقول شيئاً عن شكلها أو حجمها أو لونها أو التركيب الكيماوي لعظامها وخلاياها، لكن مهما زادت عناصر وصفي فلن أصل إلى نقطة أقول عندها اني وصلت إلى وصف تام شامل لها". (زيدان: في فلسفة اللغة ص  134- 144). أما التركيب المفتوح فيمت بأقوى الصلات إلى المعنى السالف؛ إذ معناه عنده القضايا الجزئية التالية لكل قضية متكلم عنها، حتى لو كانت تجربة طبيعية معملية قد يرى ظاهرياً أنها محسومة، وليست كذلك.
قد يأتي المتكلم بالكلمة للدلالة على معنى، فيشعر أنها لم تف بالغرض كما يريد، فيتبعها بالمرادف ليعضد الدلالة الناقصة. وقد سمعنا جميعاً جورج بوش في كلماته المتلاحقة أمام الشعب الأمريكي قبل حرب العراق، ولم ننس ذلك بعد، يؤكد أن الامريكيين سيقاتلون في العراق (for liberty and freedom) ويكررها خمس أو ست مرات في الخطاب الواحد. والعجيب أني وجدت لستيفن أولمان هذه الحكاية في كتابه دور الكلمة في اللغة: "يروى أن أحد الوزراء قد ذكر لسامعيه في خطاب له في أثناء الحرب أنهم كانوا يقاتلون (for liberty and freedom) وكرر هذه العبارة في أثناء كلامه ست مرات على الأقل؛ كما لو كان المعنى الذي تحمله الكلمتان معاً.. أوسع بكثير، وأشد وقعاً من المعنى الذي تحمله أية واحدة منهما منفردة". "أولمان: دور الكلمة ص 124". وهذا الأمر يشبه من وجوه ورود ما يسمى في العربية ب "الاتباع والمزاوجة"، كقولهم: هنيئاً مريئاً، وهو عفريت نفريت، وعطشان نطشان.. "روي أن بعض العرب سئل عن هذا الاتباع فقال: هو شيء نَتدُ به كلامنا" (ابن فارس: الاتباع والمزاوجة ص 43).
أما قول العرب المشهور: "وليس راء كمن سمعاً" فأظنه يوافق دعوة سويفت إلى أن يحمل الإنسان على ظهره ما يريد الحديث عنه، بوصف ذلك أحسن وسيلة والأقرب إلى مطابقة الواقع  في التعبير عن الحوادث والأشياء. وذلك كله يلتقى مع قول الموصلي المشهور: إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تدركها الصفة.
mrabeea@hotmail.com





 

بقية المواضيع

اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية الاتجاه الساخر
إدوارد سعيد رحيل ملك الاستشراق
الفنان المستمع محمد المصري جمع ثروته من الأغاني والموسيقى خلال  45عاماً
ثقافتنا الوطنية وقضايا العولمة 2/2
علي الشوك في صحبة الموسيقى
قراءة أحادية لتجاذب الأنا والآخر في قصيدة "صمت الطريق" للشاعر أيمن عبدالحق
القاص والشاعر رسمي أبو علي: اعد نفسي كاتباً ذاتياً وفي الشعر ليس لي آباء!
اللغة ومشكلة المعنى
متابعات ثقافية الخطاب الأمريكي الديني والسياسي يشوه صورة العرب والمسلمين من أجل صهيون..
حقيقة الثقافة
بصيرة الصورة في شعرية (أين.. اتجاه الشجر؟)
شعر العقاد ..دراسة عروضية أسلوبية وصفية تحليلية
"الخائف والمخيف" لزهير الجزائري قصص العراق التي لم تكتمل
ذاكرة الراء بين الرماد والنهارات
نوف الحزامي توقظ النائمين تحت الرماد
كيف يدرس الغرب افريقيا
واقع القراءة الحرة لدى شباب الخليج
القاصة والروائية قماشة العليان : لاتكتمل قصصي دون وجود الرجل
بيت وصدى
قراءة في أوراق شاعرالمعمر الشهراني معاصر الجيلين
تحنان الغروب
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

الرياض "جايتكس"

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض