بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 23 October 2003 No. 12907 Year 39

الخميس 27 شعبان 1424العدد 12907 السنة 39

  "الخائف والمخيف" لزهير الجزائري قصص العراق التي لم تكتمل

فاطمة المحسن:

في رواية زهير الجزائري "الخائف والمخيف" الصادرة عن دار المدى، يدخل السارد في شراكة مع أبطاله، فهو يعيش وسطهم، ويبوح بأسرار صنعته، ويعلن عجزه عن متابعة الحدث او تشكيل شخصياته، بل ويتعرض الى المخاطر الكثيرة التي يتعرضون لها.وهي لعبة فنية تكسر عنصر المحاكاة الذي لابد ان يرد في رواية مثل هذه تعتمد التاريخ القريب والشخصيات الحقيقية.
يدرج هذا العمل ضمن أعمال كثيرة كتبها أدباء في الخارج عن تجربة الدكتاتور والدكتاتورية، ومن بينها رواية الجزائري نفسه (حافة القيامة) التي يعد عمله الجديد إستكمالا لها. ثم رواية (الأسلاف) لفاضل العزاوي، ورواية (عالم صدام حسين) لمؤلفها اللغز مهدي حيدر.
قصة صدام حسين والصّدامية في العراق، أقرب الى قصص الخيال منها الى الوقائع. من هنا تبرز خطورة إستسهال الخوض في غمارها، فهي تستدرج الكاتب الى الكليشات التي يتناقلها الناس عنها، مثلما تُغري بفعل أبطالها الذين كانوا يتبادلون لعبة السلطة وقناعها الاجتماعي. حقيقتها وما تتخيله عن نفسها، أي ظلها الروائي في النهاية. فقد كان لصدام وعائلته كل يوم حكاية، و هذه الحكايات تحمل ممكنات نسخها على نحو مشوق، لأنها توفر البعد البوليسي بما تضمره من خفايا الصراعات على السلطة.كما انها تحوي البعد التراجيدي، سواء في مصائر الناس أو مصائر القادة انفسهم.. إضافة الى ما تنطوي عليه من عنصر التهكم والسخرية، بسبب الوجه الاخر لكوميديا الوضع الذي لم يتركّب على منطق، قدر ماتركّب على غيابه. كل هذه الابعاد لاتمثل نوعا أدبيا، بل تصوغ طريقة تفكير في الكيفية التي يتشكل منها الخطاب الهجائي للرواية، وهو بيت القصيد الذي تعبت في تجديد تقاليده رواية أمريكا اللاتينية المعاصرة. ان ماتحتاجه الرواية في النهاية هو خيال موازٍ يخرج عن التقليد، تقليد نماذج ماسمي بالواقعية السحرية، وتقاليد المحاكاة الواقعية او تنميط الشخصيات.
لايستطيع قارئ رواية (الخائف والمخيف) الفكاك من فكرة ان هناك قصة رويت وتكررت روايتها في المجالس والصحافة ومنتديات اللقاءات السياسية والفكرية والادبية. هذه القصة هي التاريخ بوصفه مظهرا من مظاهر التخيل، مثلما هو الحقيقة التي على علم النفس التحليلي ان يملأ فجوات الالغاز في منطوياتها. وهذا ما حاول الجزائري تقديمه في روايته، مثلما راهن على ان يصنع من أبطاله مادة اختبار لتأملاته في الحالة العراقية.
في كل رواية هناك تغريب او خطاب مزدوج الصوت، ورواية الجزائري لم تكتب السيرة المتخيلة لصدام وحاشيته، بل هي حاولت كتابة السيرة المتخيلة للقمع ذاته، فكان أبطالها أدواته وضحاياه، وباقترابها منهم وجدت منفذا الى الخطاب المزدوج الذي يقوم على التحليل النفساني مثلما يناوش المبحث الاجتماعي. المؤلف حريص على ان ينظر الى المجتمع عبر شخصياته، فها هن النساء كما يتخيلهن، منخرطات في الكواليس مع السلطة ومعارضيها: أما مجنونات او سجينات او بنات هوى او يسايرن الزمن بكل مايملكنه من طاقة على التحايل. نماذج نكاد نعرفها عندما نصف حالة العراق في سيكتشات سريعة وملء وجوهنا الامتعاض.ولن يكون بمقدورنا تصوير الاسوياء او تلك الشخصيات التي تقف في الظل، لأننا لانستطيع في هذه الحالة وصف سيرة القمع، أو هكذا يخيل الينا ان كنا فنانيين او روائيين. طبعا هناك رجال مثل النساء، نماذج من أجلها صنعت الرواية: الطاغية وهاب الذي يكتب السارد جزءا من سيرته في روايته الاولى، ثم أبن عمه وشبيهه مجيد، ويقترب كثيرا من صورة علي كيمياوي، وأولاد عم الرئيس السابق. ثم الغفاري الشبيه بأبن لادن وجماعته الذين جنّوا بطهرانية الاجرام. ثم ياسمين المستهدفة من قبلهم، وهي العائ
دة من الخارج كي تستقر على حلم الصالونات والمقاهي الفارهة للطبقة المثقفة العراقية. ثم يعقوب الذي يقود مديرية الامن العامة، وأبو طُبر(أبو الفأس) الذي روّع بغداد في السبعينات بذبح العوائل في بيوتها، واكتشف الناس لاحقا اللعبة السياسية التي تقف خلف ظاهرته. هناك حشد من الشخصيات بينها الشاعر البائس الذي يموت على جبهة الحرب، و الشاعر الاخر الذي يتحول روائيا ليقص علينا الحكاية. ثم صاحبة بيت الهوى الذي يقصده السياسيون والضباط الاكابر.بين هؤلاء ليس هناك من شخصية لاتصلح نموذجا لفكرة او لشريحة إجتماعية وصلت الى مفترق الطرق في موقعها من التاريخ القريب، تاريخ العراق الذاهب الى الهاوية.
الرواية تبدو تورية او استعارة موسعة لمقولات التواريخ القريبة، ولكن كل تفصيل فيها مشغول بفكرة تقابله، بتحليل استبق ولادتها. فالسارد يبدأ سرده بصرخة امرأة تتكرر في كل الفصول، تبدو هذه الصرخة وكأنها وسيلة الايضاح الاولى لفزع يجدد الترقب والاثارة. ومع ان السرد لايدلنا على مصدر تلك الصرخة، غير ان المعادل الواقعي لها يتوضح في تكرار عمليات الانفجار، سواء تلك التي تدبّرها المليشيات المتدينة المعارضة للنظام او تلك التي يختلقها النظام ذاته، او الاخرى التي تجري على جبهة الحرب. الصرخة أشبه بنذير الموت الذي يحافظ على إيقاع التوتر كي يوحد بين النقل الحرفي وما ينطوي عليه من تورية.
تزدحم الرواية بالشخصيات كي توحي بعالم متشعب، ولفرط تشعبه يكاد يشتت الرواية ويمنعها من التركيز على بؤرة محددة. من هنا يحاول المؤلف ان يتجه بانتباه القارئ الى لازمة تتكرر، وهي فعل الانفجار، غير ان الرواية تبقى تفتقد الى بنية متماسكة، وكأنها كتبت في أزمنة متباعدة.
تتراجع الاحداث في الرواية امام فعل الشخصية، فليس هناك بؤرة مركزية للدراما، لان العناية بالشخصيات تتقدم على الفعل، وعناية المؤلف نابعة من دافعين: قدرة تلك الشخصيات على تقديم وجهة نظر، أي تمثيل وعي المؤلف والكيفية التي يفكر بها، والدافع الثاني درجة اقترابها او تمثلها لنماذج حقيقية تنعكس في سلوكها صورة القمع في العراق. هذه الحمولة التي تنوء بها الرواية، تشكل العائق الابرز امام تنشيط فاعلية التخييل. وفي عمل مثل هذا، نستطيع ان نجد في البعد البوليسي القدرة على اضافة الجانب المركّب للشخصيات الجاهزة. فقاتل العوائل يستطيع ان يتحول في النهاية الى شبيه الرئيس وقناعه، وهو الذي تبدأ الاحداث بمشهد رأسه حين يجز بيد القائد المنتظر، مثلما نراه في الخاتمة متوجا عهد الدماء التي لاتنقطع. الحبكات البوليسية التي يصنعها القص، تفسح المجال أمام الكاتب كي يمضي الى تفعيل الجو القصصي الذي يكاد يتأرجح بين تقديم عرض حال بالوقائع المعروفة المتداولة، وبين سبر دواخل النماذج التي تمثلها ومعرفة مقاصدها، وهي في النهاية تبعث على الملل. إدراك الكاتب أهمية التشويق في مادته دفعه الى إضافات معلقة، مثل شخصية المجنونة في بيت رجل الدين الحائري وعلاقتها
بالجان. فهي لاتؤدي غرضا في السياق الدرامي قدر ماتؤدي وظيفة فنية مكتفية بإطارها المحدد، فصورتها مشغولة بأمر التنافذ بين الخيال والحقيقة: الأبالسة الذين يزورونها، والعالم الخارجي الذي تفزع منه. هذه الشخصية أظهرت قدرة المؤلف على المضي أبعد من مهمته المقتصرة على تصوير الشخصيات الاخرى النموذجية، وهي أوحت ببداية قوية للرواية، ولكن عجز المؤلف عن ربطها بسياق العمل، بعثر جهده، مثلما بعثرته مادة المساجين الذين يحفرون نفقا للهروب من السجن. فهو يصف سجنا عاديا يجد فيه السجناء الامكانية على حفر نفق للهرب، في حين ينشغل في موقع آخر بسجن هو أقرب الى المسلخ. لعل هذه الامثلة تشير الى سياق التشتت في الرواية.
نحن والحالة هذه لن نجد شخصيات تنمو أمامنا، أي تكشف عن حقيقتها على نحو تدريجي، بل سنجدها في مشاهد صنعت مصائرها. مشاهد حاسمة ، تجعل منها جوهرا ثابتا. غير انها في كل الاحوال، بقيت تتمتع بالحيوية والقدرة على جذب انتباه القارئ الذي يعرفها. لعل ما عجزت الرواية عن تكوينه، أي البنية المتماسكة، جرى التعويض عنه بتفصيلات العمل، بالرابط الذي تستظل تحت خيمته كل الشخصيات، ونقصد كابوس الموت المحّوم في سماء العراق. t




 

بقية المواضيع

اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية الاتجاه الساخر
إدوارد سعيد رحيل ملك الاستشراق
الفنان المستمع محمد المصري جمع ثروته من الأغاني والموسيقى خلال  45عاماً
ثقافتنا الوطنية وقضايا العولمة 2/2
علي الشوك في صحبة الموسيقى
قراءة أحادية لتجاذب الأنا والآخر في قصيدة "صمت الطريق" للشاعر أيمن عبدالحق
القاص والشاعر رسمي أبو علي: اعد نفسي كاتباً ذاتياً وفي الشعر ليس لي آباء!
اللغة ومشكلة المعنى
متابعات ثقافية الخطاب الأمريكي الديني والسياسي يشوه صورة العرب والمسلمين من أجل صهيون..
حقيقة الثقافة
بصيرة الصورة في شعرية (أين.. اتجاه الشجر؟)
شعر العقاد ..دراسة عروضية أسلوبية وصفية تحليلية
"الخائف والمخيف" لزهير الجزائري قصص العراق التي لم تكتمل
ذاكرة الراء بين الرماد والنهارات
نوف الحزامي توقظ النائمين تحت الرماد
كيف يدرس الغرب افريقيا
واقع القراءة الحرة لدى شباب الخليج
القاصة والروائية قماشة العليان : لاتكتمل قصصي دون وجود الرجل
بيت وصدى
قراءة في أوراق شاعرالمعمر الشهراني معاصر الجيلين
تحنان الغروب
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

الرياض "جايتكس"

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض