بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 23 October 2003 No. 12907 Year 39

الخميس 27 شعبان 1424العدد 12907 السنة 39

  علي الشوك في صحبة الموسيقى

فاطمة المحسن

إذا كان لنا ان نختار نموذجا عراقيا من جيل مؤسسي نزعة التثاقف مع الغرب، فسنجد علي الشوك من أبرزهم. ومع ان جيله لم يكن الأول الذي يقرأ اللغات الأخرى، غير انه تمايز عمن سبقهه بآصرة قوية تشد تفكيره ونتاجاته واساليب حياته إلى الغرب. وكان اهتمامه بالموسيقى الكلاسيكية الغربية المظهر الأكثر تعبيراً عن هذا الانتماء.
علي الشوك يكتب في مجالات منوعة، فمن رغبة في الاطلالة على الرياضيات والعلوم المختلفة، إلى البحث في اللغات ومقارنتها، إلى شغف بالأدب الروائي العالمي، إلى قراءات ومقاربات فكرية وفلسفية. وبين كل الأوقات تصاحب الموسيقى شيوخته وتوحده.
أصدر الشوك كتابين عن هذا الفن: "الموسيقى الالكترونية" و"الموسيقى بين الشرق والغرب". وآخر اصداراته عن دار المدى "أسرار الموسيقى"، وهو مجموعة مقالات في غاية الامتاع حتى الذين على معرفة شحيحة بهذا الحقل.
من خلال اسلوبه الطلي، يستدرجك المؤلف إلى مناطق خفية من هذا العالم الشائع، فهو يروي قصصا مسلية عن حياة الموسيقيين الكبار، ويورد مقارنات ذوقية بين مستويات مختلفة من المؤلفات، ويرصد الكيفية التي ارتفعت عبرها آلات العزف، ويؤرخ للألحان والايقاعات، ويبحث عن مغزى الموسيقى ومعانيها. ولا يقتصر جهده على الموسيقى الكلاسيكية الغربية، بل يمتد إلى الحديث عن موسيقى الشرق، وموسيقى الحداثة وما بعدها، وعصور الجاز والروك.
يقدم المؤلف خلاصة يوميات عاشها قراءة وسماعا، على نحو يبعد جهده عن المنحى التعليمي، ويقربه من الشخصي والحميمي. فهو لا يستخدم ضمائر الإنابة في نصه، بل ضمير المتكلم موحيا بالاجواء القصصية، مضيفا انفعالاته وسوانح افكاره وخواطره.
يبدأ الشوك كتابة بلحظات تذكر تنبثق من زمن مضى، يوم كان يقصد مكتبة للموسيقى في شارع الرشيد ببغداد، ليقتني اسطوانه يعرفها جيدا في الحلم وينساها في اليقظة: "كنت معجبا بسوناتا على الفيولا، كانت تستحيل في أحلامي إلى موسيقى أخرى، فيولا من طراز، ميتا - فيولي.. لعلها ل ... آه.. انه على طرف لساني ويفلت من ذاكراتي دائما  في اليقظة" هذه اللحظة الشاردة هي التي حاول ان يجد لها تفسيرا عبر القراءة والمران: البحث عن سر الموسيقى وسحرها.
ما الذي جعل الحيوانات والصخور والاشجار تصغي إلى أورفيوس؟ وهي اسطورة تتكرر على هيئات مختلفة، كما تدل المكتشفات في اطلال سومر وغيرها من الحضارات القديمة. سيكون بمقدور المؤلف البحث في تنافذ وانتقال الاسماء التي تعود إلى الموسيقى من زمن ومكان، إلى ازمنة واماكن أخرى. فليس هناك من حضارة تستغني عنها حتى تلك التي حرمت من العجلة أو الكتابة أو الرسم، كما يقول الكتاب.
الموسيقى هي أول الفنون التي ألفت الاساطير حول سحرها، وحفلت الكتب بقصص عن الطرب الذي يدفع إلى افعال الوله والجنون، كما ورد في الرسالة البغدادية لابي حيان التوحيدي عن المرزباني وهو اديب ومؤرخ تمرغ بالتراب، واستعر، وعض بنانه، وهو يستمع إلى غناء أطربه. وهكذا يتعين على المؤلف ان يورد الكثير من الأمثلة التي تدل على العلاقة بين الموسيقى والكآبة في إطارها الايجابي كما يقول، أو بعدها الميتافيزيقي، أو الفلسفي. فقد اثنى فردريك نيتشة كما يقول، على فاغنر بصفته "اعظم مالنخولي في الموسيقى.. وسيد الانغام المالنخولية والسعادة النشوي". الفلسفة كما يورد الكتاب، فكرا مالنخوليا في جوهره، فهناك تقليد قديم حول العلاقة بين الكآبة "المالنخوليا" والثقافة والمثقف.
ارسطو وضع المانخوليا في مصاف الأشياء البطولية التي تقترن بالعباقرة، فإذا كانت الفلسفة فكرا مانخوليا فمن باب أولى ان تكون الموسيقى الرفيعة كذلك، او هي كما يسميها نيتشة "آلام السعادة الحقة". هذا الباب يدفع المؤلف إلى محاولة البحث عن فلسفة الموسيقى، فهو يقول: ان الموسيقى الكلاسيكية في لادلاليتها، وفي تعبيريتها العجماء، تتفوق على اللغة فيما توصله إلى المتلقي. من هنا يمكن لها ان تتسامى أكثر من اللغة. الموسيقى لها دور في عبادة البشر، ويستشهد بالغزالي في الحديث عن الأوجه السبعة للتأثير في التصرف، وما تحريم الغناء والموسيقى عند المتشددين في الأديان سوى اعتراف ضمني بتأثيراتها على البشر.
غير ان الموسيقى تحمل بعدا جماليا يتعدى الانفعاليات العاطفية، فهناك مهمة اكتشاف الشكل والنظام للموسيقى الرفيعة، الذي يقتضي الانفصال الوجداني عن العمل. بعض المهتمين بهذا الشأن يقولون ان التذوق الموسيقى الحقيقي هو الاستمتاع بالاشكال الاستيطيقية المجردة الكامنة في الموسيقى، فكلما نأت الموسيقى عن الحياة والتجربة البشرية، كانت جماليتها الشكلية أكبر. الموسيقى لا تسلس قيادتها لجميع الناس لأنها تعتمد على القدرة والموهبة، كما يقول الشوك، وهذا يعني ان الاستجابة الموسيقية ليست مبرمجة في الدماغ جينيا كما هو الحال في اللغة، لأن القدرة الموسيقية هي حصيلة تكيف تطوري أساسي، بل لعلها حصيلة القدرات العقلية التي تطورت لأغراض أخري.
يفتح الكتاب نقاشا حول مفهوم الموسيقى الرفيعة التي لا يتفق عليه كل الباحثين، فلكل واحد معاييره الخاصة، فهي عند شوبنهاور مصدرا للمعرفة الميتافيزيقية، في حين يأتي هذا المفهوم من منطلق تقني عند معظم الباحثين، وهذا يدفع إلى معرفة الكيفية التي تعمل فيها الموسيقى كلغة. يورد علي الشوك تفصيلات لآراء مختلفة وبينها الاشارة إلى "ان الأعمال الموسيقية تبنى على اساس التوترات بين النوطات، وهذه تنشأ في ثلاثة أبعاد: طبقة الصوت، والزمن، والحجم الصوتي.. وان الربط بين هذه التوترات وتلوينها بواسطة العناصر المميزة للتلوين النغمي والنسيج الموسيقي، يشكل العدة الكاملة للتعبير الموسيقي. وهذا كله ينبني في الاساس على النظام التونالي، أي المقامي، باستعمال السلمين الصغير والكبير في الموسيقى الغربية".
يتابع الكتاب البحث عن مراحل الموسيقى الغربية التي يلخصها في ثلاث:
"موسيقى ما قبل الحداثة، وهي الموسيقى المقامية التي تستجيب إلى حواسنا وتستعذبها آذاننا، ابتداء من موسيقى بالاسترينا، ومرورا بفيفالدي، وباخ، وموتسارت، وبيتهوفن، وفيردي، وحتى فاغنر والرومانسيين المتأخرين. وموسيقى الحداثة، التي تغطي المئة سنة الأخيرة في إطارها الطليعي، أو موسيقى ديبوسي، وسترافنسكي، وشونبرغ، وميسيان، وبوليز، وشتوكتهاوزن. 1، وتطغى عليها النزعة اللامقامية، والايقاعية المعقدة، وارتياد آفاق جديدة فيما يتعلق بالمسافات الصوتية، والجرس الموسيقي، والآلات الموسيقية، بما في ذلك ابتكار موسيقى مختبرية أو الكترونية، وأخيرا ما يسمى بموسيقى ما بعد الحداثة، وهو في حدود علمي لا يزال اصطلاحا رجراجا".
ويفرد فصلا لفيلسوف الحداثة ثيودور ادورنو الذي درس الجماليات باعتبارها سيدا ليوتيبيا الذات الثقافي في المجتمع المعاصر، فالفن لديه وثيقة نقدية، تدعو إلى تغيير الواقع من خلال خلقه لعالم تخيلي مضاد له. ادرنو من المدافعين عن الموسيقى الحديثة، التي يقرنها بالراديكالية. ويرى ان مدرسة فينا الثانية خير نموذج لها بلا  مقاميتها وتجاوزها مرحلة الحنية "الميلودية". فالموسيقى اللامقامية، بتصوره تقابل الفن التشكيلي الحديث في انقلابه على التصوير الكلاسيكي، الذي كان ينقل الاشياء كما هي. كلما كان المركب الصوتي أكثر تنافرا، اصبح في رأيه أكثر "بوليفونية" أي اكثر تعددا في الاصوات. غلبة التنافر تبدو كأنها تقضي على العلاقات العقلانية "المنطقية"، فالموسيقى القبيحة هي التي تعبر عن روح عصرنا، كما يقول، فهي تلقي ضوءا على عالم اللامعنى، فتضحي بنفسها لهذه الغاية. لقد أخذت على عاتقها كل آلام وخطيئة العالم. ويكمن حظها في ادراك سوء حظها، وكل جمالها يكمن في حرمان نفسها من وهم الجمال. هذا ما يقوله ادرنو.
يعرض الشوك الآراء التي تدحض فلسفته عن الموسيقى، وبينها استعماله لمصطلح "الموسيقى الحديثة" على نحو انتقائي، منطلقا من وجهة نظر ريوية وتشامية. وهو كشاهد على الازمة الاجتماعية في أوائل القرن العشرين، يسحب هذه الازمة على موسيقاه.
وفي باب آخر يتطرق الشوك إلى الموسيقى في وادي الرافدين، التي كانت لها قدسية خاصة في معابد سومر لأنها نشأت من عامل الخوف من الآلهة لئلا تصب غضبها على الفانين. وهذا يتضح من تكرار بعض اللازمات الحزينة التي تفيد معنى كهذا "متى يستريح فؤادك" وهو ابتهال لإله انليل. في بابل فترتيل المزامير يقترت بالاهة إنيني أو إنانا التي كان السومريون يعتبرونها آلاماً التي تنو من أجل احزان البشرية. كان المغنون ذكورا واناثا، يغنون مناحات على تموز. وكان يطلق على النائحة باللغة الاكدية "قاليتو" مؤنث "قالو". اما سيدة العويل فهي بالسومرية "ميلوديجا"، ويمضي في بحثه عن المرادفات اللغوية ليصل إلى ان لفظة "ملا" السومرية، تقابلا "ملا" الإيرانية، ونزيد "ملا" بالعامية العراقية التي تنو على الحسين.
سنكتشف الكثير من المباحث الممتعة والمفيدة في هذا الكتاب، الذي يرفد المكتبة العربية بجهد باحث ومتذوق للموسيقى، مثلما يذكرنا بما تبقى من ثقافة الخمسينيات العراقية التي تجاوزت الأدب إلى علوم وفنون ولغويات وبلدانيات، فكان المثقف مشروع تنوير من طراز خاص.




 

بقية المواضيع

اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية الاتجاه الساخر
إدوارد سعيد رحيل ملك الاستشراق
الفنان المستمع محمد المصري جمع ثروته من الأغاني والموسيقى خلال  45عاماً
ثقافتنا الوطنية وقضايا العولمة 2/2
علي الشوك في صحبة الموسيقى
قراءة أحادية لتجاذب الأنا والآخر في قصيدة "صمت الطريق" للشاعر أيمن عبدالحق
القاص والشاعر رسمي أبو علي: اعد نفسي كاتباً ذاتياً وفي الشعر ليس لي آباء!
اللغة ومشكلة المعنى
متابعات ثقافية الخطاب الأمريكي الديني والسياسي يشوه صورة العرب والمسلمين من أجل صهيون..
حقيقة الثقافة
بصيرة الصورة في شعرية (أين.. اتجاه الشجر؟)
شعر العقاد ..دراسة عروضية أسلوبية وصفية تحليلية
"الخائف والمخيف" لزهير الجزائري قصص العراق التي لم تكتمل
ذاكرة الراء بين الرماد والنهارات
نوف الحزامي توقظ النائمين تحت الرماد
كيف يدرس الغرب افريقيا
واقع القراءة الحرة لدى شباب الخليج
القاصة والروائية قماشة العليان : لاتكتمل قصصي دون وجود الرجل
بيت وصدى
قراءة في أوراق شاعرالمعمر الشهراني معاصر الجيلين
تحنان الغروب
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

الرياض "جايتكس"

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض