بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 23 October 2003 No. 12907 Year 39

الخميس 27 شعبان 1424العدد 12907 السنة 39

  ثقافتنا الوطنية وقضايا العولمة 2/2

د. معجب الزهراني

ابتدأت التحولات التاريخية الأهم تفعل فعلها في حياة الإنسان وثقافته مع نشوء الدولة السعودية الأولى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي. فهذه الدولة مثلت في حينها مشروعاً نهضوياً يتجاوز بنية القبيلة ويحاول إعادة بناء نموذج الدولة الإسلامية الأولى وفق معطيات فكر سلفي لا يخلو من نزعة وطنية - قومية غذتها مشاعر العداء والنفور تجاه السلطة العثمانية التي لم تقدم شيئاً يذكر لأقاليمها النائية طوال قرون. ورغم الانهيار السريع للدولة الفتية اثر تحالف القوى الاقليمية والدولية ضدها ثم نشوء وانهيار الدولة السعودية الثانية للأسباب نفسها، إلا أن الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - تمكن من إعادة تفعيل المشروع الإصلاحي ذاته لينجح بعد معاناة قاسية اتصلت خلال ثلاثة عقود في تأسيس الدولة السعودية الثالثة التي أعلن عنها في  23سبتمبر 1932م كما نعلم. ولحسن حظنا جميعاً تزامن بناء الكيان الوطني مع تراجع ظاهرة الاستعمار ومع اكتشاف البترول الذي شكل لاحقاً الضمانة الأقوى لاستمرار الدولة ومشاريع التنمية والتحديث التي دشنتها في مختلف المجالات. فخلال عقود قليلة انتشر التعليم وتعددت الصحف والمجلات وانشئت الجامعات والمؤسسات الانتاجية والخدم
ية الحديثة في مناطق المملكة كافة. ومنذ السبعينيات تحولت عمليات التنمية إلى خطط خمسية متتالية نتج عنها ما يشبه الإنقلاب الجذري في وسائل عيش الإنسان وتواصله وتفكيره، ولعل هذا الانقلاب هو ما يفسر، جزئياً على الأقل، العودة القوية للخطاب التقليدي الذي ينطوي على معنى الحنين إلى ماض ولى ولايزال يبتعد عن ذاكرة الفرد وذاكرة الجماعة يوماً وراء آخر، فمظاهر الحداثة التي طالت جميع مجالات الحياة بسرعة شديدة عادة ما تبدو في المجتمعات المحافظة وكأنما هي خطر يتهدد الهوية الخاصة. ومما يزيد من حدة مشاعر كهذه ان كل حداثة تقنية أو فنية أو ادارية هي بالضرورة ذات مرجعية غربية غريبة عن تراث الذات وقد تكون نافية له. ثم إن الدور السلبي الواضح للقوى الغربية في مأساة فلسطين وفي كثير من المآسي الوطنية والقومية السابقة واللاحقة لابد أن يسهل رواج الخطابات الفكرية والأدبية والدينية المعادية لحضارة تبدو حداثتها عدوانية في مجتمعات تقليدية محافظة عندنا وفي مختلف الفضاءات التي "تحاول التنمية" كما يسميها بيربورديو بدقة أكبر.
وأياً ما كان عليه الأمر فإن مقولة العولمة اليوم تشبه مقولات "الحداثة" و"النهضة" من حيث انها تسمى ظاهرة تتصل بحضارة صناعية اكتسحت منتجاتها التقنية والمعرفية والفنية الكرة الأرضية كما تنبأ به خير الدين التونسي وهو يشبهها، منذ قرن ونصف، بذلك الطوفان الذي لا منجاة من خطره إلا بالسباحة في تياره. فالمملكة لم تتعرض للمثاقفة في سياق الاستعمار، ولم تتكرس فيها تيارات ايديولوجية مستعارة ذات صبغة جماهيرية، وعمليات التنمية التي تحققت فيها أفضت إلى انتشار التعليم وتطور الخدمات الصحية وتنوع أشكال الاتصال والتواصل الحديثة ونشوء مشروعات صناعية عملاقة تعتمد على وفرة البترول. ومع ذلك كله كان لابد من التوترات المعهودة بين قوى الإصلاح والتحديث وقوى المحافظة والتقليد.
في فترة ما بين الحربين ابتدأ التوتر محصوراً بين النخب الأدبية التي كانت تتغذى على ما ينتج في مصر وبلاد الشام، ولعل تشبع هذا الجيل بثقافة المدينة وتفتحه على الفكر الليبرالي القوي آنذاك في مصر مكنه من تدشين الريادات الأولى في مجال القصة والرواية والمسرحية والقصيدة الحديثة والدراسة النقدية واللغوية. ثم اشتد الصراع بين التيار القومي والتيار الإسلامي فيما بين الخمسينيات والسبعينيات متخذاً صبغة سياسية في مرحلة المد الناصري والاستقطابات الحادة والحروب الباردة تلك. وقد اتسمت ثقافة ذلك الجيل بالحفاظ على مكتسبات الجيل السابق وتطويرها في مستوى الأشكال والمضامين وان اتجهت مجمل الكتابات الأدبية والثقافية إلى التركيز على الواقع في بعديه الاجتماعي الوطني أو القومي العربي. أما في عقدي الثمانينيات والتسعينيات فقد برز التوتر الحاد بين تياري الحداثة والأصالة في الحقل الأدبي، وهو ظاهرة صحية كان من الممكن أن تمضي بكل الأطراف إلى انجازات أدبية وفكرية خصبة لولا أن بعض رموز التيار الديني المتشدد أقحم المقدس في صلب الجدل لتتحول الحداثة إلى تهمة خطيرة قد تهدد الإنسان في عقيدته وحياته. في العقد الأخير عاد التوتر أكثر شدة وحدة فيما بين
تيارات التشدد والتطرف من جهة وتيارات الاعتدال والتحديث من جهة أخرى، وكان من المفترض ان يظل هذا التوتر شأناً وطنياً داخلياً لولا أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت الكثير من المعطيات وخلطت مجمل الأوراق في الداخل والخارج كما نعلم. في هذا السياق الجديد تحولت مقولات "الإصلاح" إلى مطلب محلي/ عالمي في الوقت ذاته، وبالأخص حينما تشظى العنف والعنف المضاد في كل مكان وطالت آثاره المأساوية المجتمع الذي اتهم كله بالمسؤولية عن تلك الأحداث الكارثية الحمقاء. هنا تحديداً أصبح المسؤولون والأدباء والمفكرون والإعلاميون يطرحون قضية الإصلاح متفقين على الحاجة الماسة إليه وإن اختلفوا على أولوياته ودرجاته وصيغ تنفيذه. فإصلاح التعليم يعني تناسب مخرجاته مع حاجات سوق العمل في القطاع الرسمي والأهلي مثلما يعني ضرورة تغليب عمليات الفهم والنقد والابتكار على أساليب التلقين والحفظ والتقليد. وإصلاح الخطاب الديني يتطلب الابتعاد عن مقولات التشدد والغلو والتعصب المولدة أو المبررة للعنف والتركيز على مقولات التسامح والتعاون والجدل بالحكمة والكلمة الطيبة والتفتح على الآخرين.. وهي قيم لم تكن قط غريبة على تاريخنا وحضارتنا.. وإصلاح المؤسسات ا
لادارية والاقتصادية يفترض ان يحد من آثار التسيب والفساد كما يفترض أن ينمي أشكال المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات في مختلف المؤسسات، وإصلاح وضعيات المرأة يعني وضع حد لإهدار طاقات نصف المجتمع والقضاء على أشكال التحيز ضد المرأة وقد أصبحت مواطنة متعلمة واعية بذاتها وحقوقها فضلاً عن مشاركتها القوية في الانتاج المادي والثقافي. هذه القضايا التي تطرح يومياً في وسائل إعلامنا وفي المؤتمرات والندوات الصغرى والكبرى هي قضايا وطنية وإن تداخلت مع مطالب خارجية تعلنها من حين لآخر جهات دولية، اقتصادية أو سياسية أو مدنية، سواء بحسن نية أو بغيرها. ولا أدل على قوة البعد الوطني - الداخلي في طرح قضايا كهذه من الخطاب الملكي الموجه إلى مجلس الشورى في مستهل دورته الجديدة منذ أسابيع حيث تضمن الخطاب كل هذه المحاور وكأن مقولة "الإصلاح" هي العنوان الكبير لمرحلة تاريخية جديدة تعي النخب الفاعلة في المجتمع أنها تنطوي على تحديات مصيرية لابد من مجابهتها بالعمل والأمل لا بالشعارات والكسل. من هذا المنظور وفي هذا السياق المحلي/ الكوني لابد أن النخب الثقافية العارفة مطالبة بالمزيد من الجدية والفاعلية لأن وظيفة الخطاب الثقافي تتمثل أولاً وقبل كل
شيء في استثمار وتطوير المعلومات والأفكار والقيم الجمالية والأخلاقية التي تعقلن التصورات وتونسن العلاقات ليتجه الإنسان إلى المزيد من الإنجاز الخلاق في مختلف الميادين. ومما يزيد من ثقل المسؤولية على مثقفينا الوطنيين ان مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات انتقالية تبدو بناها الحديثة والتقليدية هشة تماماً وقابلة للإنهيار بسرعة إذا لم تتعاون جميع النخب الفاقدة على تعزيزها وتطويرها بعيداً عن نزعات العنف أياً كان مصدره.
@ @ @
العامل في مجال الحقل الثقافي هو الباحث في أي فرع من فروع العلوم الإنسانية، وبالتالي فإن منطق البحث ذاته يفرض عليه أن يعمق وعيه المعرفي ويطور أدوات بحثه ليتمكن من تحديد القضايا وتحليل الظواهر بما يساعد على تفهمها والتعاطي معها لتعزيز ايجابياتها والحد من سلبياتها. هذه الوضعية للمثقف الباحث المنتج تقتضي منه الابتعاد قدر الممكن عن نموذجين للمثقف أثبتت معطيات التاريخ الماضي ووقائعه الراهنة فشلهما في تحقيق الهدف العام المشار إليه آنفاً.
النموذج الأولي هو "المثقف الواعظ" الذي هيمن على ثقافاتنا التقليدية في مختلف مراحلها وساهم بنصيب وافر في تعويق سيرورات تطور العلم والفكر الفلسفي العقلاني وقد اعتبر ابن رشد هذا النمط من المثقفين "أهل الغربة عن الحق" بعد أن عانى هو وأمثاله منهم مرير المعاناة. فالمثقف هنا قد يكون ذا عقلية يقظة وثقافة شمولية واسعة وخطاب بلاغي آسر، لكنه في التحليل الأخير لا يساهم في تقديم المعرفة وتطوير الوعي العام لأن هدفه الأهم الترويج لدعوى بين الجماهير التي كلما زاد عددها كلما فرضت عليه خطابها الخاص بها وأصبح أسيراً لأهوائها ونزواتها الشعبوية الجامحة.
النموذج الثاني هو ذلك "المثقف العضوي" الذي بشرت به الخطابات اليسارية الحديثة وبلوره جرامشي كمفهوم شاع كثيراً في أدبيات الدول الشمولية وفي كثير من دول العالم الثالث ومنها الدول العربية "التقدمية" تحديداً، وظل إلى الثمانينات من القرن الماضي هو النموذج الأكثر جاذبية. فهذا النمط من المثقفين هو امتداد حديث للمثقف الواعظ في الماضي، وإن كان خطابه يدعي العلمية والحداثة، وذلك لأنه هو أيضاً صاحب ايديولوجيا فئوية تتوهم أنها تعرف الحقيقة المطلقة وأنها وحدها القادرة على رسم طرق الخلاص للفرد والمجتمع وللعالم.
أما النموذج الأليق بالمثقف - الباحث حسب اعتقادنا فهو ذلك "المثقف النقدي" الذي عرفته المجتمعات الحديثة في بدايات نهضتها وحداثتها، ولعل ايمانويل كانط أفضل من حدده كمفهوم ومثله كشخص. فمثقف من هذا النمط لا يدعي أنه يعرف أكثر وأفضل من غيره إلا في مجال محدد ضيق، وحقائقه التي يستعملها أو ينتجها هي حقائق نسبية ناقصة تستدعي الحوار وتقبل التغيير والتطوير باستمرار. ومع ان مثقفاً كهذا يتقبل شروط الحياة اليومية كأي إنسان عادي في مجتمعه، إلا أنه يحرص كل الحرص على حرية عقله ونزاهة ضميره في كل مرة يشتغل بالبحث ويحاول التعبير عن جهوده واجتهاداته. فهو يدرك قبل غيره ان الأغلبية العظمى من الناس تنحاز بحكم الفطرة والعادة إلى ما ألفته من أفكار ومعلومات وقيم وتصورات، وبالتالي فهو يتوقع ردود فعل سلبية تجاه شخصه وخطابه من جهة الجمهور العام أو من جهة المؤسسات الرسمية النافذة في المجتمع، لكنه يظل يعمل وينجز إلى أن تحدث ابدالات عميقة في الخطاب الثقافي العام تبرر أفكاره وأطروحاته وتمنحها المشروعية بما أنها جزء أصيل في عوامل الإبدال وسيرورات التقدم الفكري والمعرفي والجمالي. فالمثقف النقدي بهذا المعنى هو كالمبدع في المجال الفني وكالعالم في
المجال العلمي لأن كلاً منهم يظل يبحث ويجرب ويبتكر منجزاً المزيد من الأفكار والأشكال والنظريات التي لابد أن تمثل نقيضاً ثقافياً للثقافة السائدة في لحظة ما. وألح على هذا النموذج لأننا نفتقده أكثر من غيره في مجتمعاتنا العربية والإسلامية الراهنة من جهة ولأن مقام هذه المحاضرة قد يغري المثقف بالانخراط في خطاب المديح والهجاء الذي عادة ما يصاحب المناسبات الاحتفالية الرسمية أو الجماهيرية. فالحديث عن ثقافتنا الوطنية في "اليوم الوطني" كان يقتضي منا تنويع المنظورات وتبني الرؤية النقدية وتحويل قضية العولمة إلى قضية محلية كونية ينبغي إخضاع كل حديث فيها وكل كتابة عنها لمنطق المعرفة لا لمنطق الايديولوجيا الضيق والمبتسر. فهناك عناصر ومكونات ثقافية قابلة للحياة والتطوير وأخرى لابد من تجاوزها لأن الزمن المعرفي الراهن تجاوزها بكل بساطة. ومنطق الإصلاح الصارم والشامل هو منطق الحياة التي نعيشها اليوم فضلاً عن كونه السبيل الأضمن لمجابهة تحديات العولمة التي تنطوي على فرص كبرى للتقدم يفترض إدراكها والعمل على تحقيقها بعيداً عن "رهاب العولمة" الذي يشل الطاقات ويبدد الجهود ويعمق الأزمات التي تتغذى عليها مجمل خطابات التشدد والعنف سواء في
مجتمعاتنا أو في المجتمعات الغربية ذاتها.
وفي كل الأحوال فإن ما طرح في هذه المحاضرة هو اجتهادات سريعة تتطلب المزيد من التعميق وتحتاج إلى المزيد من الحوار المعرفي لأن الثقافات الإنسانية الراهنة أما أن تكون حوارية وأما فلن تجد لها مكاناً في عصر انهارت فيه الحدود التقليدية التي كانت تفصل بين الشعوب والثقافات بل وبين الجماعات الثقافية داخل المجتمع الواحد.




 

بقية المواضيع

اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية الاتجاه الساخر
إدوارد سعيد رحيل ملك الاستشراق
الفنان المستمع محمد المصري جمع ثروته من الأغاني والموسيقى خلال  45عاماً
ثقافتنا الوطنية وقضايا العولمة 2/2
علي الشوك في صحبة الموسيقى
قراءة أحادية لتجاذب الأنا والآخر في قصيدة "صمت الطريق" للشاعر أيمن عبدالحق
القاص والشاعر رسمي أبو علي: اعد نفسي كاتباً ذاتياً وفي الشعر ليس لي آباء!
اللغة ومشكلة المعنى
متابعات ثقافية الخطاب الأمريكي الديني والسياسي يشوه صورة العرب والمسلمين من أجل صهيون..
حقيقة الثقافة
بصيرة الصورة في شعرية (أين.. اتجاه الشجر؟)
شعر العقاد ..دراسة عروضية أسلوبية وصفية تحليلية
"الخائف والمخيف" لزهير الجزائري قصص العراق التي لم تكتمل
ذاكرة الراء بين الرماد والنهارات
نوف الحزامي توقظ النائمين تحت الرماد
كيف يدرس الغرب افريقيا
واقع القراءة الحرة لدى شباب الخليج
القاصة والروائية قماشة العليان : لاتكتمل قصصي دون وجود الرجل
بيت وصدى
قراءة في أوراق شاعرالمعمر الشهراني معاصر الجيلين
تحنان الغروب
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

الرياض "جايتكس"

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض