بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Tuesday 23 September 2003 No. 12877 Year 39

الثلاثاء 26 رجب 1424العدد 12877 السنة 39

  عبدالعزيز قادنا نحو حاضر غني بالإمكانيات والقدرات.. والمستقبل يدعونا نحو إيجابيات مواجهة مشاكل العصر

بقلم - تركي عبدالله السديري

لم يكن الملك عبدالعزيز رحمه الله طالب حكم في بادية وحصل عليه في غفلة من زمن القوة ولم يكن رجلاً ساحراً ما أن يقبل على قرية حتى تفتح أبوابها مذهولة وهي تبايع على السير في مسيرته دون أن يكون لها رأي فيما تفعل..
إن استذكار عبدالعزيز وظروف عصره في هذا العصر مناسبة هامة وحيوية لاستبيان ما إذا كان هناك اتصال بين الماضي والحاضر وما إذا كان هناك ضرورات سلوك وطنية يجب أن تتصف بالحاضر كي تنتمي إلى الماضي وما إذا كان الانتماء أيضاً إلى ذلك الماضي لا يعني التراجع بهذا الحاضر عن متطلبات المستقبل..
إذا كان أن الجزيرة العربية في أكثريتها السكانية كانت تعاني انعزالاً تاماً في بدايات ظهوره عن كل مؤثرات وصخب السياسة الدولية وصراعاتها فإن كثيراً من المواقع الجغرافية الاستراتيجية آنذاك موجودة وصارخة الأهمية في عيون من كانوا يديرون تلك الصراعات الدولية في زمن الحربين العالميتين.. حيث كان التنافس البريطاني والفرنسي والايطالي والألماني يكاد يملأ العالم في موجات اجتياح استعمارية تفوق عنف الحاضر الذي أدى فيه تطور السلاح ووسائل الاتصال والنقل إلى التخفيف من أهمية المواقع الاستراتيجية لتحل بديلاً عنها المواقع الاقتصادية.
وفيما يخص الجزيرة العربية ربما كان النفوذ العثماني المتهالك والذي لم يسدل على مساحاتها الواسعة إلا الركود وبدع الكرامات واحتفاءات الحج وطقوس ما يشبه "نبوة" الأولياء.. الأمر الذي جعل ثورة التصحيح التي قادها الإمام محمد بن سعود تسمى بالوهابية وهي ليست إلا عودة نحو المنابع بكثير من التجريد وببساطة طرح لأنها لم تدع نشر مسلك ديني جديد وإنما دعت بالعودة إلى حقائق الصلة المجردة بين الرب والإنسان.. أن يأتي بعد ذلك ركود يتخلف عن العصر العلمي فتلك لم تكن خطيئة الشيخ ابن عبدالوهاب..
وفي بدايات عصر عبدالعزيز كانت الامبراطورية العثمانية تنهار والانجليز والايطاليون في سباق رهيب نحو موانئ الخليج والموانئ الشرقية لقارة افريقيا..
دعونا نتوقف أمام حقيقة مذهلة يرويها دبلوماسي ايطالي سبق أن عمل مفوضاً ايطالياً في جدة آنذاك أوردها في مذكراته ويقول فيها: ان الملك عبدالعزيز بإمكانياته المتواضعة جداً كان دائماً يحاول تفادي الاصطدام مع الدولتين الكبيرتين آنذاك وفي نفس الوقت يحاول أيضاً الابتعاد بالجغرافية الوطنية من أن تكون جزءاً من الصراع بينهما.. يذكر أن الايطاليين احتاجوا إلى عشرة آلاف جمل يستطيعون بواسطتها نقل قوتهم وجنودهم نحو الحبشة وقد أعد لهم هذه الصفقة من البادية مقابل شحنة سلاح بعث بها إلى المقاومين الفلسطينيين قبل قيام دولة إسرائيل..
في بداية تكون الحكم لم تكن البادية تتحصن بعيب واحد عام هو الأمية المطلقة ولكنها أيضاً كانت تتحصن بخصوصية عشائرية تجعل من القبائل حكومات برية تقاتل بعضها ومن الفروع ولايات تنازع بعضها ولم تكن هناك حدود ولا أعراف سيادة وإنما كان المطر والربيع وحدهما يشعلان الصراع كلما طاب مرعى مكان يريد أن يستأثر به آخر وتجاوز من يصب القهوة لشخص نابه نحو آخر كان كفيلاً بإشعال حرب..
هذه النمطية البدائية في السلوك كأنما قد تركت عمداً لتبقى مرعى للبداوة البدائية منذ بداية العصر الأموي وحتى سقوط العصر العباسي حيث كان الخلفاء يختارون عواصمهم قريباً من السواحل أو المرتفعات الخصبة خارج الجزيرة العربية فكان انطلاق الإمام محمد بن سعود بالدولة الموحدة هو أول حضور للبداوة والقرى المتناثرة في ميادين التعايش تحت توجيه سلطة الحكم الواحد وبموجبات فقه الشرع الواحد..
وعبدالعزيز الذي أتى إلى الناس في عصر الخوف من أنفسهم أولاً وجد الترحيب والاستجابة في العودة نحو أفياء تلك السلطة الواحدة.. كان الناس، وإن وجدت العشائرية في نفوسهم، يتوقون إلى أمن الطرق وأمن كل سبل الحياة.. ويغفل من يدرسون تطور المجتمعات أنه بعد توحيد الجزيرة العربية على يده وفي وقت لم تكن توجد فيه مدرسة ابتدائية واحدة كان عدد من العواصم العربية قد عرف نظام التعليم الجامعي وعرف الطرق المسفلتة بل جسور الخرسانات ما بين ضفتي النهر.. ثم إذا بجامعة الملك سعود تصبح أكثر الجامعات العربية رصانة في مكانتها العلمية وقدرتها الاستيعابية.. وإذا بمستشفى الملك فيصل التخصصي - قبل ان يصبح إداريوه أكثر من أطبائه - يكون مطلباً للمريض في أي بلد عربي.. ويتوافد على مستشفى العيون مرضى من اسبانيا بلد التخصص الأول في هذا الطب.. وإذا بنموذجية الخطوط الدائرية في المدن الكبرى تصبح نمطاً أمريكياً لا ترقى إلى مثلها أي طرق في دول العالم الثالث وإذا بحركة السوق الاقتصادية في ميدان القطاع الخاص تفوق كل المتداول في جميع الأسواق العربية.
إنه التواجد الحضاري الحقيقي بالشواهد والأرقام لبداوة وقرى الأمس التي لا يجب أن تنسى ماضيها حتى لا تستخف بحاضرها وبالتالي تغفو عن متطلبات مستقبلها..
عبدالعزيز لم يتنقل على حصان سحري تلتئم على وقع حوافره خطوط المسافات في حدود نفوذ القبائل ولكنه أتى عبر احتياج وطني في زمن كانت فيه أوروبا تريد أن تبتلع العالم في مأدبة عشاء واحدة.. نفس ما يحدث اليوم مع أمريكا.. لكن في ذلك الماضي لم يكن العالم مكشوف التصرفات والنوايا مثلما هو عالم اليوم بدليل أن أمريكا لم تجد واحداً يصدقها بأنها قد انتصرت في العراق..
ولم تعرف حياة عبدالعزيز صراعات النفوذ مع متنافسين بعد أن وحد الدولة ولكنها عرفت صراعات التصدي لكل من أراد أن يجعل من الدولة مواقع نفوذ توجهها رغبات أفراد أو أفكار أفراد حتى لو تعارضت مع الجميع..
إذا كان التعريف المعاصر غربياً وفي الماضي عثمانياً يسمي وجود الدولة السعودية بأنه قائم على انغلاق وهابي فإننا أمام هذا التعريف كيف نستطيع أن نقرأ مسألة اختلاف الملك عبدالعزيز مع من أرادوا تكفير كل ممارسة حضارية كما حدث بالنسبة للبرقية والسيارة وكرسه فيما بعد فيصل رحمه الله بالنسبة للتلفزيون..
وقد خاض الملك عبدالعزيز حرباً قاسية كي تأخذ التجربة الحضارية مكانها وسط التصحر الثقافي والعلمي في حياة البادية ليبدأ بعد ذلك عصر المدرسة والمختبر..
عبدالعزيز في اتصاله بالعالم ودراسته لتطوير أوضاع الداخل لم يكن يحيط نفسه بمتزمتين دينيين تتكرر بهم صورة طالبان فينعزل عن العالم بلاهوت خاص وإنما تواجد حوله مثقفون من مصر وسوريا والعراق وليبيا ولبنان هم الذين يتدارس معهم ظروف العصر وصراعاته ولو كان الرجل قصير النظر لما أمكنه أن يعطي الاختيارات الصحيحة في مختلف ما يطرح أمامه من آراء.. ولو كان الرجل التاريخي الفذ منغلقاً لما عرف هؤلاء طريقهم إليه.. بل إن سؤالاً بالغ الأهمية يقول: لماذا اختار هؤلاء بادية جائعة وظروفاً معيشية صعبة كي تتجمع هوياتهم المختلفة فيها ويصبحوا سعوديين؟.. أليس صفاء الدعوة الوحدوية والنقاء الديني المتسامح آنذاك هو الذي جعل هؤلاء يتطلعون غير حالمين ولكن واقعيين إلى ميلاد دولة فسيحة وقوية وغنية تملأ آفاق المستقبل العربي القادم.. وهو ما حدث..؟
نحن الآن نمر بظروف معاصرة صعبة.. لسنا وحدنا بل كل دول المنطقة ولعلنا الأقل حرجاً في موقفنا لتعدد فرص المعالجة في أيدينا بل ان البعض من دول المنطقة قد تم الفراغ من تهميشه..
في هذه الظروف.. هل يجوز أن نلتقي كجماعات مختلفة المواقع والأفكار والنوايا والمصالح لكي تلقي كل مجموعة على طاولة النقاش ما يشاء لها تشاؤمها من ناحية أو طموح مكاسبها الخاصة من ناحية أخرى أو تغليب توجهاتها الخاصة من ناحية ثالثة.. تلتقي عشرات التسميات الموغلة بالمخاوف لما يعترضنا من مشاكل..
يختلف الأمر ما إذا كنا نفكر لكي نحل مشاكلنا أو كنا نفكر كي نفعل تلك المشاكل فنجعل منها قنابل معنوية بين كل فئاتنا..
إذا كان الاحتمال الأخير هو الوارد فإن سموم المخاوف من العدو الأجنبي لن تختلف كثيراً عن سموم المتربص لأي وهن يريد أن يبرز منه نحو الواجهة.. أما إذا كنا نفكر لكي نحل مشاكلنا فيجب أولاً الاعتراف مع أنفسنا أننا لسنا أسوأ الآخرين من حولنا..
أما مسألة ألا يكون لدينا مشاكل فأمر مستحيل للغاية وأعترف أن لدينا الكثير مما يجب أن نسارع لكي نعالجه قبل أن يصبح عقبات نصنعها بأيدينا ضد سلامة مستقبلنا.. وقياس موضوع المسافات بينك وبين الآخرين من حولك لن تقرره نصيحة مسجد أو مقالة جريدة أو روشتة طبيب.. القياس هنا يجب أن يأتي عبر المقارنات والأرقام..
ألسنا نملك أكبر سوق تداول لعشرات البلايين في مالنا العام الذي يتداوله القطاع الخاص ويشترك فيه أي مواطن؟.. ابحث عن أي دولة بل مجموعة دول عربية تستطيع أن تحقق نصف كمية التداول في أسواقنا..
كم بنكاً لدينا متعثراً؟.. لا يوجد..
كم هم رجال الأعمال المطاردون بتهمة سرقة البنوك والشركات..؟ ولا واحد..
متى توقفت معونات الدولة في الإعمار والتصنيع وتوسع القطاع التعليمي الصناعي؟.. لم يحدث ذلك..
كم عدد القياديين العلميين والماليين والإداريين بكفاءات عالية في مؤسساتنا؟.. أليست بشكل يفوق أي دولة أوسطية أخرى..؟
ماذا يعني أن ينجح أي اكتتاب جديد لشركة بالبلايين.. ومثله توسع الاعمار الأهلي في كل الامتدادات الصحراوية..؟
الإيجابيات كبيرة وخطورة السلبيات تتضاءل عن حجم الإيجابيات وهذه مفارقة نختلف بها أيضاً عن أي بلد عربي آخر.. لكن السلبيات سوف تتضاعف خطورتها لو جعلناها مجرد تداول لفظي أو تحريض على الإعاقة الاجتماعية أو تباطأت الدولة في فرض نهج التدرج لمعالجة المشاكل القائمة.. والتدرج هنا لا يعني البطء ومنح الفرص للتشكيك في جدية مواجهة المشاكل القائمة وإنما في مباشرة التنفيذ وفق رصانة تحفظ للمجتمع وحدته وتعطيه الاطمئنان على أنه مشارك في البناء مهما كان هناك اختلاف مع رؤيته حيث لا يوجد هناك ماهو ضده..
نحن مدعوون نحو ممارسة جادة في إنقاذ تطلعاتنا نحو ذلك المستقبل الأفضل من موقعنا في هذا الحاضر المليء بالإمكانيات والقدرات والذي ما كان بمقدورنا أن نصل إليه لو لم يصنع عبدالعزيز بعبقرية فذة وحدة أهداف الأمة إلى جانب وحدة مساحات الأرض.


 

بقية المواضيع

يومنا الوطني:  73عاماً على طريق المجد والرفعة.. والوحدة الوطنية
أصدقاء وذكريات : انطباعات وذكريات أمريكية عن الحياة والعمل في المملكة
مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.. إنجاز جديد لحماية الوطن من الفكر المتطرف
عبدالعزيز قادنا نحو حاضر غني بالإمكانيات والقدرات.. والمستقبل يدعونا نحو إيجابيات مواجهة مشاكل العصر
في الذكرى السنوية لليوم الوطني.. المثقفون يجمعون: الوحدة الوطنية خيار راسخ وطريق لمستقبل آمن
المملكة تشهد حالياً ازدهاراً اقتصـادياً لـم يسبق لـه مثيل فـي تاريخها
القطاع الأمني في عهد الملك عبدالعزيز يشهد تطوراً مرحلياً لحفظ الأمن
عهد جديد للوطن والمسئوليات الوطنية
الأمير تركي بن سلطان لـ "الرياض": اليوم الوطني يعيد للاذهان السيرة العطرة للمؤسس الملك عبدالعزيز
المملكة واجهة حضارية وإنسانية وضعها المغرضون في بؤرة العاصفة
أكثر من مائة برنامج تلفزيوني واذاعي خاصة باليوم الوطني
خلال (7) خطط تنموية : المملكة تشهد إنجازات عملاقة في مختلف القطاعات على امتداد الوطن
معـنـى الـوطــن
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | اليوم الوطني | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

اليوم الوطني

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض