عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 23 January 2003 No. 12634 Year 38

الخميس 20 ذو القعدة 1423العدد 12634 السنة 38

  مساءلات فكريةالمثقف والقَسَمُ الثقافي

د.عبدالسلام المسدّي

المثقف هو الأديب الذي إذا تحدث إلى جمهور الناس عن الأدب جعلهم يتخيلون أنهم أدباء، وهو الفيلسوف الذي إذا أثار أمام عامة المتلقين بعضاً من قضايا الفلسفة فقلّبها أمامهم جعلهم يخالون أنهم ليسوا غرباء عن عالم الفلسفة، وهو الطبيب إذا تحدث عن علاقة الطب بشؤون المجتمع، وعن علاقة الصحة بمعايير السلامة الفردية والأسرية، وعن اختيارات الناس في أولوياتهم بين المعالجة والتأمين والكسب والمعاش، وهو الذي قد يتحدث إلى الجمهور ليفتح بصائرهم على كل جديد في عوالم البحث والاستكشاف، والمثقف هو عالم الاقتصاد وعالم الفلك، وعالم الذرة، إذا تحدثوا إلى جمهور الناس وإلى أقرانهم ممن تخصصوا في غير علومهم، والمثقف هو كل من رأى أن "الشأن العام" في حياة الجماعة التي إليها ينتمي هو "شأن خاص" بالنسبة إليه، يعنيه على حد ما تعنيه سلامته وسلامة أهله وذويه.
المثقف هو الذي يفكر ويخاطب،  وإذا نطق وأفضى حوّل كل قرائه - بين خاصتهم وعامتهم وخاصة خاصتهم - إلى سامعين شغوفين ومنصتين مستفيدين، وهو الذي بطبعه يستطيع أن يخاطب كل الناس فيجعلهم يظنون أنه في ذلك الموقع بالتحديد هو المثقف قبلهم، وأنهم هم المحتاجون إلى رسالته في تلك الومضة. والمثقف هو الذي يتهيأ بفضل تركيبته النفسية إلى أن يتحول في كل أوان إلى طرف يتلقى الخطاب ويتمثله ثم يصيّره مادة طيعة لوعي إضافي، فهو - بعبارة وجيزة - متهيئ إلى أن يجلس مصغياً لرسالة الآخرين دونما علو ودونما استكبار. ولكن هل صفة "المثقف" وظيفية؟ وهل بمجرد أن يتم تكريسها يكتسب الذي خُلعتء عليه وضعاً وظيفياً كما لو أنه احتراف بتقديم الجهد أو باستدعاء الخدمات بصرف النظر عن مكافآت الجهد أو تعويض الخدمات؟
سيبدو غريباً أن نقول إن "المثقف" وظيفة، وسيبدو أغرب أن نقول إنه ليس وظيفة، لذا احتاج الأمر إلى شيء من حصر المقاصد من وراء الألفاظ. لقد قضت الأعراف بأن الوظائف - حتى السامية منها، والسامية جداً - تُسءنَد إلى أصحابها بقرار، ولكن المثقف لا يحصل على صفته تلك بواسطة قرار. ولو تصورنا أن جهة من الجهات زعمت لنفسها صلاحية تسمية المرء مثقفاً أو نفيها عنه لآل الأمر في أغلب الأحيان إما إلى ارتباك في معايير الجماعة وإما إلى دفع الناس إلى حمل القرار محمل النقيض، فالذي يَصءدر في شأنه القرار بأنه مثقف يُعرضون عنه ليلتفتوا إلى الذي نسيه القرار.
في عالم الوظائف - في المال والاقتصاد والخدمات وفي الإدارة وفي السياسة - ينشأ القرار ثم تمارس الوظيفة، وفي عالم الثقافة تمارس "الوظيفة" ثم تُسند الصفة.
في عالم المسؤوليات يتم قرار الإسناد وفي عالم الثقافة يتم الإقرار بالامتلاك، وبين القرار والإقرار فضاءٌ رحب وجدل فسيح: فالقرار تصوغه المؤسسة والإقرار يثبته العرف، والقرار ينزل من قمة الهرم إلى قاعدته بينما يتصاعد الإقرار من قاعدة الهرم نحو قممه. لهذه الأسباب تلطف الناس فاحتالوا على اللغة ليقولوا: إن الثقافة رسالة بدل أن يقولوا: إنها وظيفة.
ولكن الإبحار في كشف المستور سيأخذنا بعيداً ويكفي أن نسأل كي تتشقق المعاني أمام بصائرنا: أيهما أدعى إلى الراحة: أهو القرار أم هو الإقرار؟ غير أن الجواب يتطلب تمحيصاً قبل أن ينجلي: فالراحة أصناف منها المادي ومنها النفسي ومنها الفكري، وسنترك الأول جانباً ونعتني بالإثنين الآخرين لنقول إنهما متضاربان متدافعان، فكلما كانت الأشياء أدعى إلى الراحة الفكرية كانت أضنى على النفس، وكلما كانت أقرب إلى الدّعة كانت أشقى على الذهن المتيقظ. فما يحصل بقرار تظل علة جوده في قراره وتظل علة بقائه في اطراد استحقاقه.
فكيف السبيل - بالنسبة إلى المثقف بعد أن أقرت له الجماعة بصفته تلك - إلى أن يستحق البقاء بعد أن استحق الصفة؟ وما هي أوجه الضّنَى التي عليه أن يكابدها وهو بين طرفي المعادلة الصعبة: المتعة النفسية القصوى مقابل الإجهاد الفكري المكدّ؟ وهل كل الأمر بيده أيشاء أن يبقى أم يجنح إلى الاستقالة؟ وما عسى أن يقع لو أن بعض الأمر بيده وكثير منه ليس بيده، فإذا هو "مثقف" بفضل إقرار الجماعة ولكنه مدين بفضائل البقاء إلى استرضائه المتجدد للمؤسسة الكافلة لشؤون الجماعة؟ فإن يكن المثقف مؤتمناً على رسالة أفيكون بمقتضى ذلك الائتمان وصياً على الأمانة ذاتها؟
على أبواب قلعة الأسئلة لا مهرب من قرعات ثلاث نستدعي ظلها من مخزون ذاكرتين: طرقات البداية على خشبة المسرح وطرقات قاضي القضاة في قاعة المحكمة، هنا وهناك - على مسرح المجتمع وفي ساحة أثينا الأبدية حيث تحاسب الجماعة ابنها المثقف بعد أن نَصَّبته أميناً عاماً على ضميرها الثقافي - ينبري صاحبنا معلنا جهاراً عن ميثاقه كما لو أنه يؤدي القسم: باسم ضمير الجماعة أقول الحق، وباسم ضمير الجماعة أقول كل الحق، وباسم ضمير الجماعة لن أقول إلا الحق.
كلُّ الكون محصور في تلك الثلاثية، ولا يحيد المثقف عن ضلع من أضلاعها إلا ارتكبت شهادته وانخرمت رسالته، ولم يأت البلاء بين صفوف المثقفين، ولا البلاء بين المثقف وأفراد الجماعة، ولا حتى البلاء بين المثقف والمؤسسة الكافلة إلا جرّاء الغفلة عن ثلاثية الميثاق وعن الدقائق الرقيقة في مستوياتها، أو جراء تعمّد الخلط بإحداث اللبس بين واجهاتها وبالإيهام الماكر بأن بعضها يغني عن بعض، فأنت قد تُقسم على قول الحق، ولكنك تقول معه غير الحق، وتسكت معه عن بعض الحق، فيكون قَسَمك - من حيث الشكل والصورة - سليماً معافى. لذلك قلنا إن رسالة المثقف في اكتمالها الأمثل تتأسس على الارتباط الثلاثي المتين.
وهنا تأتي سلطة الأعراف الضاغطة وتقف المؤسسة معتمدة بقوامها، فكثيراً ما يجد المثقف نفسه بين الفكّين: فك يضغط من الأسفل تحركه قاعدة الهرم باسم أعراف الجماعة، وفك يضغط من الأعلى تدفعه قمة الهرم باسم الحفاظ على سلامة الجماعة. ومَرءبض الوجَع تحت أسراج الجواد هو في الغالب ضلع واحدة من الأضلع الثلاث. ذلك أن العادة قد قضت بأن يَقءبل الطرفان - المجتمعُ والسلطة - من المثقف أن يقول الحق، ويقبلا منه ألا يقول إلا الحق، ولكنهما كثيراً ما لا يقبلان منه بنفس البداهة أن يقول كل الحق.
هو ذاك الدمل القابع تحت سرج الجواد: المثقف واقع في منتصف المسافة بين طرفين يتجاذبانه، كل طرف هو منازع للآخر، يلتقيان على أشراط متدافعة، وفي لحظة يتحول كلاهما إلى مناور يتوسل بنفس القناع: هذا يريد من المثقف أن يسكت عن بعض الحقيقة حتى لا يُمدَّ في سلطان الآخر، وذاك يريد منه أن يسكت عن بعض من الحقيقة حتى يُعينه على مخاتلة الآخر.
وإذا بنا أمام مشهد استثنائي، هو مشهد السكوت عن جزء من الحقيقة، بل إذا بالمتوازي يتكشف فينجلي، وهو أن الصمت- في حيثيات محددة - أغلى ألف مرة من الكلام: هو أغلى على من أراد أن يشتريه فيدفع ثمنه، وهو أغلى لمن رام أن يبيعه ويقبض أجره، وهو أعلى كلفة وأبهظ جباية على من رفض البيع ورفض الشراء.
- تونس




 

بقية المواضيع

لوحة "كم نفس قتلت" تثير زوار الجنادرية
محمد حسن علوان: لا أجد أي اشكالية في أن يتعامل النقاد مع عمري الصغير بهذه الحساسية
المجلات الثقافية المحلية.. واقعها وسُبل تطوّرها
حقيبة الثقافة
أحمد زكي ونجاح كبير في (معالي الوزير)
"إشكالات علاقة" للتشكيلية نجوى العدوي .. عين جديدة لمشكلات الإنسان
سلوم حداد يتجسد بـ"ابو زيد الهلالي" في مسلسل جديد
كتب جرأة البوح وعاطفة لاينتهي حنانها
فيروز تغني الليلة في دبي
أمسية شعرية وفنية حول كتاب "المستحيل الأزرق" لصالح العزاز وقاسم حدّاد في لندن
العودة إلى فتنة الكلمات
شماليل
رماد السيرة..نحو تأنيث مرحلة صعبة فيتاريخ المغرب المعاصر
حوار مع القاص والروائي المصري إبراهيم أصلاناحترام القارئ من طبيعة تكوين الكاتب
أمّا وقد.. لابد أن..!!
هدى حسين طفلة الشعر المناكدة
عام يرحل وآخر يأتي الثقافة العربية في مضطرب التوترات اليومية
محمد الماغوط شاعراً!
علي بن محمد: الفن أرهقني وأصابني بالملل
1000نون
الهلال آخر صفحة للجواري في مصر
نزوى من غادة السمان حتى أ.مستغانمي
المستقبل العربي مقابلة مع الطيب تيزيني
دوريات عالم الفكر دراسات في السياسة والاقتصاد
بيزنطة والفتوحات الاسلامية المبكرة
قصائد
طلاب وطالبات التربية الفنية بجامعة الملك سعود ينتزعون الاعجاب في معرضهم الخامس والعشرين
لسان جديإلى أبي
مساءلات فكريةالمثقف والقَسَمُ الثقافي
تجدد أزمة السينما المصرية دور العرض تطالب بزيادة نسخ الأفلام الأجنبية
نقوش واجمة في بوابة الشعر الشعبي!!
بيت وصدى
خيمة الجنادرية تستضيف منتدى الأحساء الشعبي
موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث (1/1)الشعر
ملاحظات وآراء ومقترحات حول أمسيات الجنادرية
ياذعاذيع النسائم كفى لوع وعذاب
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | الجنادرية 18 | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

الجنادرية 18

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض