|
انفجار الفساد الأمريكى 1- 2: فضائح الشركات الأمريكية فساد أم خلل فى بنية النظام الرأسمالى ؟
محمد السيد محمد *
يعد انفجار الفساد على نطاق واسع فى الشركات الأمريكية بعد إحداث 11سبتمبر أهم ظاهرة أفرزتها هذه الأحداث. ولم يكن الفساد نتيجة مباشرة لهذه الأحداث لأنه سابق عليها، ولكن تراجع أداء الشركات بعد أحداث 11سبتمبر 2001، وضعها في مأزق وساعد على إبراز الفضائح المالية لعدد من أهم الشركات الكبرى، بعد أن وصلت خسائرها إلى مستوى من الصعب إخفاؤه. والأسوأ في فضائح فساد الشركات الأمريكية هو أنها شملت عددا من شركات المحاسبة التى تعد عصب أسواق المال التي من المفروض أن تكون بمثابة الرقيب الذي يعمل لصالح المستثمرين وحاملي الأسهم، من أجل مراقبة أداء هذه الشركات ومديريها التنفيذيين. وقد سهل فساد شركات المحاسبة وتواطؤهم مع كبار المديرين التنفيذيين فى الشركات الكبرى، من استشراء الفساد، وزاد الطين بلة، أن هؤلاء المديرين قاموا باستخدام المعلومات الداخلية لتحقيق أرباح شخصية غير مشروعة، بالإضافة إلى قيام الشركات بتزوير ميزانيتها وتضليل المستثمرين." إنرون " تبدأ الفضائح بدأت فضائح الفساد فى الشركات الأمريكية الكبرى عقب أحداث 11سبتمبر مباشرة في العام الماضي بعد إعلان شركة الطاقة الأمريكية العملاقة " إنرون " عن إفلاسها وهو الإفلاس الأكبر فى
تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية عند وقوعه، قبل إفلاس شركة وورلد كوم التي تجاوزت أصولها، أصول "إنرون"، كثيرا. وقد تسبب إفلاس "إنرون" التي كانت القيمة السوقية لأسهمها قبل الإفلاس قد بلغت 60مليار دولار، فى خسائر مباشرة للمستثمرين في أسهمها بقيمة تقترب من القيمة السوقية لأسهمها والتي انحدرت إلى الصفر عند ظهور بيانات تدهورها وسقوطها. وللعلم فإن شركة "إنرون"، كانت أهم ممول للحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن!! وفى منتصف العام الحالى أعلنت شركة الاتصالات الأمريكية "جلوبال كروسنج" عن التقدم بطلب إشهار إفلاس وخلفت وراءها ديوناً تقدر بحوالى 27مليار دولار. وخلال شهر يونيو الماضى أعلنت شركة "إدلفيا كومنيكيشن" سادس أكبر شركة أمريكية فى مجال الاتصالات عن إفلاسها بعد تحقيقها عجز فى ميزانيتها قدر بحوالى , 31مليار دولار .وتسارع إيقاع فضائح الفساد المالى فى الشركات الأمريكية بعد أن تبين قيام شركة "وورلد كوم" عملاق الاتصالات الأمريكى بتضخيم السيولة لديها بمقدار , 38مليار دولار خلال العام الماضى والثلاثة أشهر الأولى من العام الحالى. ثم تقدمت شركة "ديليانيت ديسورسز" ببيانات تفيد قيامها بتضخيم عائداتها ورفع
قيمتها عن الواقع بحوالى , 79مليار دولار عن عام 2001خلال شهر يوليو الماضى، وخلال نفس الشهر دخلت شركة "ميرك إندكو" عملاق الدواء الأمريكى دائرة الفساد بعد تسجيلها عوائد غير حقيقية قدرت بحوالي , 124مليار دولار ودخلت شركة " إيه تى آند تى" إلى قائمة الفساد بأعلانها انخفاض أرباحها 30% عما أعلنته سابقاً .استخدام المعلومات الداخلية لم تقتصر دائرة الفساد على نشر ميزانيات وإرباح وعوائد غير حقيقية بل تعداها إلى قيام كبار المديرين باستخدام المعلومات التى يعرفونها عن أداء الشركات قبل المستثمرين للتربح منها وذلك بشراء أسهم إذا ارتفعت أرباح هذه الشركات أو بيع أسهمهم إذا كانت ستحقق خسائر وهو ما يعرف بظاهرة استخدام المعلومات الداخلية .وطالت فضائح استخدام المعلومات الداخلية الإدارة الأمريكية نفسها وعلى رأسها الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه ديك تشينى، واتهم الرئيس الأمريكى بالاستفادة من المعلومات الداخلية وبيع أسهمه فى شركة " هاركين" للطاقة التى كان يشغل منصب مديرها التنفيذي في عام 1990أثناء تولي والده منصب الرئاسة، قبل أسابيع من الإعلان عن تعرض الشركة لخسارة كبيرة مما أدى إلى انخفاض أسعار أسهمها بشدة. وقد نفى الرئيس الأمريكى
ذلك، وأعلنت منظمة "جوديشال ووتش" أنها ستلاحق قضائياً اثنين من المسئولين فى الإدارة الأمريكية هما ديك تشينى نائب الرئيس الأمريكى ولارى تومبسون نائب المدعى العام ورئيس مجموعة العمل المكلفة بتقصى جرائم شركات المحاسبة المتهمة بالتورط فى الاحتيال المالى .اتهمت المنظمة ديك تشينى بالقيام بإعداد شريط دعائى لصالح شركة "آرثر أندرسون" للمحاسبة التى كانت قاسماً مشتركاً فى معظم الفضائح المالية. كما اتهمت المجموعة لارى تومبسون بالتورط فى الاحتيال المالى أثناء توليه منصب مدير لشركة "برفيديان فاينانشيال كوربورشن" وهى شركة لإصدار البطاقات الائتمانية وأخفاء مخالفات محاسبية ومالية في العام الماضى عن المستثمرين قبل توليه المنصب الجديد .كما تم اتهام 140مديراً فى شركة أنرون للطاقة بالحصول على مكافآت ضخمة وصلت إلى 681مليون دولار منها , 675مليون دولار لرئيسها التنفيذي "كينيث لان" رغم الوضع المالى السيئ للشركة. شركات المحاسبة ولعبة الفسادعلى الرغم من أن شركات المحاسبة دورها الأساسي هو الرقابة على أداء الشركات، وتصحيح الميزانيات وحجم الأرباح والعوائد وقيمة الأصول لتتفق مع المحقق فى الواقع، وكذلك اكتشاف أى تضليل فى البيانات تحاول هذه
الشركات القيام به، أى أنها بمثابة عين المستثمرين على أداء الشركات المدرجة فى سوق المال، إلا أنه على العكس من ذلك، قامت شركات المحاسبة الأمريكية الكبرى بدور أساسي فى عمليات الفساد وفى مقدمتها شركة "آرثرآندرسون" أحدى أكبر الشركات العاملة فى مجال المحاسبة فى الولايات المتحدة الأمريكية. ولعبت شركة آثر أندرسون دوراً رئيسيا فى الفضيحة المالية لشركة إنرون للطاقة بإخفائها ديوناً متراكمة على الشركة لمدة خمسة أعوام متتالية أدت فى النهاية إلى إفلاس الشركة. كما اشتركت نفس الشركة فى فضيحة شركة "وورلدكوم" عملاق الاتصالات الأمريكي وإخفاء ديونها. ولا شك أن تورط شركات المحاسبة في الفساد وفي التحايل على المستثمرين من حملة الأسهم، قد ساهم فى ضرب مصداقية هذه الشركات وسوق المال الأمريكى فى مقتل، وأدى إلى ضرب الثقة فى البورصة الأمريكية وخروج عدد كبير من المستثمرين منها.دخلت شركات الأوراق المالية دائرة الفساد بقوة وفى مقدمتها "ميريل لينش" و"مورجان إستانلى" ومجموعة "سالمون سميت بارنى"، واتهم ألبرت سيترز المدعى العام لمدينة نيويورك، العديد من الشركات والمؤسسات المالية الكبرى فى "وول ستريت"، بتقديم تقارير مضللة للمستثمرين، مما يعرضها
لتوجيه اتهامات جنائية ضدها. وتم تغريم مجموعة "ميريل لينش" حوالى 100مليون دولار أمريكى بعد اتهامها بسوء استغلال وخداع المستثمرين، كما تم اتهام كل من مجموعة "مورجان إستانلى" و"سالمون سميث بارنى" بتقديم توصيات مبالغ فيها ومضللة للمستثمرين أدت إلى تعرضهم لخسائر هائلة ،نتيجة للتوصيات بشراء أسم شركات خاسرة ومحملة بالديون وأعباء مالية ضخمة دون التحقق من أداء هذه الشركات.وأدى انتشار الفساد والتواطؤ بين شركات المحاسبة وشركات الأوراق المالية والشركات المدرجة فى البورصة الأمريكية، إلى ضرب مصداقية سوق المال الأمريكية، بعد أن تلاعبت الأطراف الرئيسية فى السوق بالمستثمرين، وهى إدارات الشركات وشركات الأوراق المالية وشركات المحاسبة. وتسببت هذه المخالفات والفساد المالى فى فقدان المستثمرين لثقتهم فى البورصة وبدأت عمليات خروج جماعى وعمليات بيع كبيرة لأسهم هذه الشركات، مما أدى إلى هبوط حاد وجماعى لمؤشرات البورصة الأمريكية، والتى قادت بدورها بورصات العالم للانخفاض بوصفها البورصة القائدة عالمياً. وهبط مؤشر داو جونز بعد بدء التحقيقات فى قضية "وورلد كوم" فى بداية أغسطس من العام الحالى حوالى 230نقطة بنسبة , 26% كما هبط مؤشر ناسداك ,
483نقطة بنسبة , 36%.ظاهرة عامةلا شك أن موجة الفساد التى ضربت الاقتصاد الأمريكى تجاوزت الحالات الفردية لتصبح ظاهرة تعبر عن وجود خلل فى النظام الرأسمالى نفسه يرتبط بالرقابة على مستوياتها المختلفة، وكذلك الأسس التشريعية والتنظيمية لعمل الشركات الكبرى بمختلف تصنيفاتها. ويحتاج هذا الخلل إلى محاولات جادة للإصلاح. وتحاول الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن اتخاذ الخطوات الأولى لإعادة الثقة المفقودة بين المستثمرين وأسواق المال. وفي محاولة منه، للتأكيد على أنه بعيد عن أي شبهات قديمة أو جديدة للفساد، وقع الرئيس الأمريكى جورج بوش على قانون جديد لزيادة الرقابة على الشركات الأمريكية وأسواق المال. وبموجب هذا القانون سيتم تشكيل مجلس رقابى لشركات المحاسبة الذى يعمل حالياً وفق معايير يضعها بنفسه. ويضاعف القانون الحد الأقصى لعقوبة سجن المديرين التنفيذيين بالشركات والذين يرتكبون جرائم التحايل إلى 20عاماً، ويضيف جناية جديدة وهى التحايل فى عمليات الأوراق المالية. كما تعهدت السلطات الأمريكية بإجراء إصلاحات واسعة وشاملة فى نظام المراقبة والمراجعة الحسابية الأمريكية. وأكدت هيئة سوق المال الأمريكية أنها بصدد وضع خطة جديدة لإن
شاء هيئة جديدة للمراجعة المحاسبية باسم "مجلس المحاسبية العامة" لفرض المزيد من القيود على العمليات الاستشارية التى تقدمها مكاتب المراجعة والمحاسبة للشركات المساهمة والمدرجة فى أسواق المال. وعلى الرغم من المحاولات الجادة لإصلاح الأوضاع المتدهورة فى سوق المال الأمريكى إلا أن عمليات الفساد التى زادت حدتها بعد أحداث 11سبتمبر ستحتاج فى الغالب إلى وقت طويل لإصلاحها واستعادة ثقة المستثمرين الذين خسروا مئات المليارات من الدولارات لتتفاقم خسائرهم بعد الضربات الموجعة التى وجهتها أحداث 11سبتمبر لاستثماراتهم فى أسواق الأسهم. ومن المتوقع أن يقل تدفق الاستثمارات الأجنبية على سوق المال الأمريكى الذى عده المستثمرون لمدة طويلة الأكثر أمناً واستقراراً وشفافية ورقابة إلا أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح بعد أن استشرى الفساد ليطال كبرى الشركات والمؤسسات المالية ويحتاج الأمر إلى تطوير نظم الرقابة وزيادة فعاليتها خصوصاً بالنسبة لشركات المحاسبة التى تعد عصب أسواق المال كونها "عين" المستثمرين على أداء الشركات وتدقيقها لإبراز السلبيات والإيجابيات التى تحاول بعض مجالس الإدارات فى هذه الشركات إخفائها. ويزيد كل ذلك من احتمالات استمرار المعان
اة وغياب الثقة فى سوق المال الأمريكي حتى بالنسبة للمستثمرين الأمريكيين.ومما لا شك فيه أن الدول العربية مطالبة بوضع ضوابط صارمة على أسواقها المالية وشركاتها للاستفادة من الخبرات والتجارب التى حدثت فى السوق الأمريكية، وأهمها أن شركات المحاسبة ليست "منزهة" دائماً وليست بعيدة عن الخطأ وتحتاج أيضا إلى من يراقبها لأنها بالفعل عصب أسواق المال نتيجة للدور الذى تلعبه والذي يمكن أن يساهم في تطوير السوق وتحسين أدائها في حالة قيامها به بشكل أمين ونزيه وكفؤ، ويمكنها أيضا أن تقود السوق للانهيار لو تورطت في تغطية الفساد أو المشاركة فيه على حساب صغار ومتوسطي المستثمرين.ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة *كاتب اقتصادي مصري وخبير في أسواق المال
|
|
|