بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 22 May 2003 No. 12753 Year 39

الخميس 21 ربيع الأول 1424العدد 12753 السنة 39

  د. عبدالملك مرتاض لثقافة اليوم:هناك غرب شرس وهناك حضارة إن لم نفهمها ونهضمها ونتعلمها توشك أن تبتلعنا إلى حد الانقراض

بيروت - مكتب (الرياض) من جهاد فاضل

الدكتور عبدالملك مرتاض استاذ الادب والنقد في جامعة وهران بالجزائر ليس مجرد استاذ أكاديمي، فهو ناقد وباحث وروائي ومفكر أيضاً. وقد صدر له مؤخراً في سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية كتاب في نظرية الرواية "بحث في تقنيات السرد" تجلت فيه موسوعيته وثقافته الاجنبية والعربية الواسعة. وهو رغم انفتاجه على ثقافة الغربيين وعلومهم، يمثل في الجزائر قيم الثقافة العربية الاصيلة وتطلعات نخبها إلى قيام علاقات متينة وثابتة مع المشرق العربي.
ومع ان جهود عبدالملك مرتاض تنصب على التعليم الجامعي والنقد والبحث، إلا أن له عناية خاصة بالرواية وقد كتب عدة روايات جمعت بين الهم العام والهم الخاص، وقد التقته (الرياض) في حوار متعدد المحاور بدأ بكيفية تعامله في رواياته مع العامية والفصحى، لينقل إلى عرض وجهة نظره زميل جزائري هو كاتب ياسين الذي رفض الكتابة بالعربية وآثر عليها الكتابة العامية الجزائرية حيناً، وبالفرنسية حيناً آخر. كيف ينظر عبدالملك مرتاض إلى تجربة كاتب ياسين؟ إلى ظاهرة الادب الجزائري باللغة الفرنسية؟ وانتهى الحوار بالملاحظة التالية وهي ان المشارقة تميزوا بالشعر في حين تميز أهل الغرب الإسلامي (ومن الجزائر) بالنقد فكيف نفسر هذا الأمر؟..
- في الواقع ارقتني هذه المشكلة كثيراً، وأنا ضد الذين كانوا يكتبون بالعامية وخصوصاً يوسف السباعي واحسان عبدالقدوس، اذكر انني وأنا مراهق كنت أقرأ لهؤلاء، فأقرأ السرد وعندما اجيء إلى الحوار اقفز عليه. قبل ان تشيع هذه المسلسلات المصرية في العالم العربي، لم نكن نفهم الحوار العامي المصري، فكنت لا اضيع وقتي فيه، فأقفز عن الحوار، وهو مهم جداً وأهم في الحقيقة عن السرد، واذهب إلى السرد مرة اخرى، هكذا.
جانب آخر هو ان الكتابة فن، والفن عليه ان يرقى عن الحياة اليومية، الشعر إذا اغترف من العامية، وكذلك الرواية، كيف نصنف هذا الابداع؟ أنعده تراثاً شعبياً؟ انه لا يرقى إلى التراث الشعبي لان التراث الشعبي اعظم واضخم وافخم، على اساس ان هناك ذاكرة جماعية، وان هناك خيالا عجيباً.. هل نصنفه في الادب العربي؟ هذا ليس ادباً عربياً ان نصفه عامي ونصفه فصيح.
انها مشكلة حتى بالقياس إلى الذي يريد ان يؤرخ لهذه الرواية انه وضع يجعل المرء يفكر في ان تكون الرواية ذات لغة بسيطة وضرورة وحتى إذا استعمل الروائي كلمات عامية فانه يكتبها كتابة فصيحة لان هناك كثيراً من الالفاظ في عامياتنا العربية، وهي فصيحة في الحقيقة، لكن كتابتها ينبغي ان تتم بالفصحى، آخذ اللفظ العامي واكتبه بالفصحى، بمعنى ان يكون مهموزاً فأهمزه. إذا كان هناك عيب منطقي في الضاد لا أكتب الضاد ذيناً وهكذا..
اذن بعملية تحديد وبشيء من الذكاء، لا تعود المشكلة مطروحة، وذلك ما حاولت فعله في النصوص الاخيرة. كان الحوار في العملين الاولين "نار ونور" و"دماء ودموع" عالياً جداً، عالياً جداً على الاقل في مستواي حسب ما اقول. قد لا يراه الآخرون كذلك عن الحوار كان في لغة فصيحة متماسكة، وكأن اعرابيين يتحدثان في القرن الاول أو الثاني الهجري.
لقد تخلصت من هذه المشكلة اللغوية، وكدت اتخلص من الحوار نهائياً، خصوصاً في "صوت الكهف" وفي "حيزية"، هناك حوار قليل جداً، وهذا يرد كثيراً الآن في الرواية الجديدة لانها لعب بالألفاظ، والشخصيات ليس لها دور اساس أو جوهري في العمل الروائي وانما اللغة هي التي تحل على الشخصيات.
اذن مسألة اللغة في اعتقادي لم تعد مشكلة كبيرة في الكتابة الروائية وخصوصاً مع تطور التعليم واسهام وسائل الاعلام في تفصيح كثير من الشعب. تبقى فقط هذه المسلسلات العربية، المصرية والسورية، انها مع الأسف افسدت الشعب العربي أو الأمة العربية أكثر مما احسنت. هناك مسلسلات لبنانية افضل. كان هناك مسلسل مبكر لا اذكره في بداية استغلال الجزائر. وكان هناك شيخ امي تاجر يسكن بجواري. كان التلفزيون الجزائري يقدم هذا المسلسل في الساعة السابعة مساءً، شيخ أمي وعاش وعاش أكثر من ثلاثين سنة في فرنسا، كان عاملا بها، وحتى عاميته فمشكوك في امرها، فهو ضعيف حتى في العامية. ذات يوم كنت عنده في الدكان فقال لي: اريد ان اغلق الآن. فقلت له لماذا تغلق مبكراً. قال لي: "والله لقد اعجبني هذا المسلسل اللبناني وأنا أتابع احداثه".. انت تعرف ان الكثير من المسلسلات اللبنانية الاولى كانت باللغة الفصحى. أنا لم اناقشه، ولكني احتفظت بهذه المسألة ورأيت ان استعمال العامية في المسلسلات لا يعود إلى قصور لدى عامة الناس، وانما يعود إلى قصور في الممثلين انفسهم، وفي المخرجين، وفي كتاب السيناريو. لو ان الأمر يتعلق بخطبة لقلنا نعم، وانما هو يتعلق بالاحداث، أنا اشاهد
الآن الافلام الانجليزية وافهمها، افهم المضمون العام ولو اني لا اعرف الانجليزية.
ثم إن اللغة العربية ليست بعيدة من العاميات العربية، فلماذا يصرّ اخواننا المصريون على استعمال هذه العامية، كأنهم يريدون أن "يحصرونا" بعاميتهم. وهذا مرفوض قومياً، ثم إن مسلسلاتهم لم تقدم شيئاً للامة العربية ماعدا افساد اخلاق الشباب بهذا الحب الخليع، وبهذه التفاهات التي تعرفها، وبالطبع ليست كل المسلسلات المصرية على هذه الصورة، فهناك مسلسلات رائعة انني لا اتحدث عن الجانب المضموني، اني اتحدث عن الجانب الشكلي، ولا الشكلي لاني لا ادخل في مسائل الاخراج والديكور وما إلى ذلك، لكن اتحدث عن المسألة اللغوية التي تعنيني، إن اخواننا لو بذلوا شيئاً عن الجهد وحاولوا ان يرقوا في هذه المسلسلات بالحوار إلى اللغة الفصحى، لقدموا خدمة مزدوجة للعالم العربي..
والله هذه مسألة أنا لا اوافق عليها. لقد عشت هذه التجربة. كل هذه الاسئلة كتبت عنها كتاباً في اول عهدي بالحياة الثقافية والعلمية، وهو كتاب لم ينشر.
كيف تتخلق الرواية في نفسي؟ ما العوالم عندي؟ هذه لعوالم غير واقعية، انها بازاء الواقع، هي تحاذي الواقع، ولكنها ليست من الواقع في شيء، اذن حين اتحدث أنا في هذه الرواية عن شيء، فهذا الشيء ليس حقيقياً، لماذا تقفز الواقعية فقط حين يتعلق الأمر بالحوار؟
انها مسألة تحتاج إلى كثير من النقاش، وهي كلمة حق يراد بها باطل، قلت لا نصطنع الحوار الفصيح، العالي الفصاحة، وأننا حين نتكلم يمكن ان لا نعرب بشكل ما. لكن في الكتابة نعرب عندما نكتب الحوار نعربه، وفي الحوار يمكن ان نتساهل ونتحدث هذه اللغة بشيء من البساطة، ونتخلى مؤقتاً عن الاعراب.
ثم كيف نخدم لغتنا؟ كيف نخدم لغتنا إذا ظللنا هكذا؟ إذا اصر المغربي على عاميته، واللبناني على عاميته، والمصري على عاميته، فيكون المثقفون يدمرون الوحدة العربية اكثر من الساسة، الساسة يدمرونها بالسلاح والمثقفون من جانبهم يدمرون هذه الوحدة وحينئذ لا داعي لان نتحدث عن القومية العربية.
إذا كان كل واحد منا باسم الواقعية، وباسم الاجتماعية، وباسم التاريخ، يكتب بعاميته، واكتب أنا بعاميتي، وانت تكتب بعاميتك ونلتقي على بعض الكتب هكذا، فالى أين نصل؟ ان كل واحد منا عندما يجرّ بلده إلى هوة بعيدة من هوة الآخر.
انني انزلق هنا إلى القول بوظيفة الادب، بفائدة الأدب ولماذا لا؟ حتى تودوروف يتحدث عن الاخلاق في الادب ويتحدث عن وظيفة الادب تودروف، وما ادراك، اذن إذا كان الغربيون انفسهم إلى يومنا وكثير منهم من الرضاء، لا يجردون الادب من الفائدة ومن الوظيفة، فهناك اذن نوع من التوجيه، لكن هذا التوجيه لا يكون كالتوجيه بشكل مباشر، ولكن يكون توجيها ذكيا ولبقاً وفي شكل فني، وهذا هو الذي نريد.
ولذلك فانني اعتقد اننا بشيء من الجهد يمكن ان نوفق بين الواقعية وبين الفن في اللغة..
لديكم كاتب جزائري هو كاتب ياسين رفض العربية أصلاً وكتب إما بالفرنسية وإما بالعامية الجزائرية، كيف تنظر إلى نهجه هذا؟
- هذا الرجل ظللت معه في خلاف إلى ان توفي - رحمه الله - وقد ذكرت ذلك مراراً، انها اشكالية في الحقيقة مطروحة عندنا في الجزائر وانتم، اخواننا في المشرق، من حقكم ان تسألوننا عنها في كل لقاء وفي كل مناسبة، وهذا نوع من الشعور الكريم والشعور الصادق الذي يربط بين العرب جميعاً.
هذا الرجل تعلم بالفرنسية، وهو بربري الأصل وعاش في فرنسا، ومن غريب المفارقات، وليس هناك غرابة، ان فرنسا قتلت احمد رضا حوحو سنة 1956م بقسنطينة، وهو اول روائي جزائري كان اول جزائري حاول ان يكتب في الرواية الحديثة، حيث كتب رواية بعنوان "غادة ام القرى" وهي تتحدث عن مشكلة المرأة العربية.
في تلك السنة اذن قتلت فرنسا أحمد رضا حوحو، وفي تلك السنة منحت فرنسا جائزة لكاتب ياسين على روايته "نجمة"، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها. وهذه مفارقة عجيبة، ودائماً اقولها أنا في الجزائر، ولطلبتي في الجامعة، أنا شخصياً ولحد الآن استغرب، وهو موقف خبيث بالتأكيد للفرنسيين وكاتب ياسين لو كانت له روح وطنية لكان رفض تلك الجائزة. لكن لا اعتقد انه حتى يعرف احمد رضا حوحو هو اصلا لا يعترف بالادب العربي، وهو اصلا يدعو إلى العامية والحقيقة انه لا يدعو إلى العامية، بل يدعو إلى الفرنسية عن طريق الدعوة إلى العامية، وقد ناقشته في مقالة كنت نشرتها بالجزائر منذ اربع أو خمس سنوات، قلت له، إذا كانت هذه العربية وعمرها سبعة عشر قرنا، وهي لغة القرآن وهي لغة الفارابي ولغة ابن رشد ولغة ابن الهيثم وهلم جرا، واستكشف الناس بها كثيراً من العلوم والمعارف في الطب والهندسة والبصريات وهلم جرا، وبفضلها انتقلت الحضارة الإنسانية إلى الغرب، وهي لغة بالقياس إلى الانجليزية هي لغة ضعيفة جداً، هذه اللغة لا تستطيع الآن ان تعبر عن كل الدقائق التفصيلية للتكنولوجيا العالمية، للتكنولوجيا الامريكية واليابانية والألمانية طيب، انت تعود بي إلى العامية، ويعود
بي اخوان آخرون إلى الامازيغية، معنى ذلك ان لا العامية ولا الامازيغية في الجزائر بقادرة على ان تنقل الحضارة وان تتكيف معها. اذن سنضطر إلى استخدام لغة الفرنسيين.
هذا هو الشيء الذي كان يريده كاتب ياسين وبطبيعة الحال لم يفلح ولن يفلح أتباعه ممن لا يزالون أحياءً.
وبأية لغة كان يكتب مسرحياته!
- كتب بعض مسرحياته بالفرنسية، له مسرحية بعنوان: MOHAMMED, PRENS TA VALIST أي: "محمد خذ حقيبتك".. وهذه قبيحة أيضا، حتى هذا العنوان مغرض في رأيي.. أي: "محمد" بالذات، وخذ حقيبتك.. أي أترك الجزائر، معنى ذلك أن الإسلام لا يكون في الجزائر، والعروبة كذلك.. لأن الرسول صلى الله  عليه  وسلم هو رمز للعروبة وللإسلام جميعاً.. وأنا أتمنى أن أكون مخطئاً في تحليلي هذا.. لكني أرى أن العنوان مغرض مهما يكن المضمون. ومع ذلك يجب أن ننصف، فنقول إنه كان لكاتب ياسين بعض المواقف التحررية مثل موقفه من القضية الفلسطينية وقد كتب مسرحية واحدة عن فلسطين، وهو جانب نحمده له.
لكن في الجانب اللغوي، نحن بالتأكيد نختلف معه..
لم يكن كاتب ياسين وحده في مثل هذه النزعات الشاذة. في مصر هناك على سبيل المثال الدكتور لويس عوض، وعندنا في المشرق يوسف الخال وسعيد عقل وادونيس..
- انا دعيت مرة إلى الولايات المتحدة الأميركية للمشاركة في ندوة دولية عقدتها جامعة ريدجرز في سنة 1985، في شهر أغسطس. وبالمصادفة كنت في طائرة فرنسية من نيويورك إلى باريس، فتحت جريدة لوموند التي وزعت علينا، فوجدت صورة كبيرة جدا لكاتب ياسين، وهذا ليس من شأن لوموند كما تعلم. جريدة لوموند لا تكاد تنشر الصور اطلاقا، وإذا نشرت هذه الصور فهي صغيرة، كانت صورة بنصف حجم صفحة الجريدة تقريبا. وقالت لوموند ان الرئيس ميتران قد استقبله أو أنه سيستقبله، أو  شيء من ذلك.
رئيس فرنسي يستقبل كاتباً جزائرياً، هذه من المستحيلات، هذه لا تكون لله أبداً، ولا تكون للفن، ولا تكون للأدب، فمثل هذه المعاول التي تدمّر العروبة وتدمّر الصف العربي يشجعها الغربيون، وقد شجع الفرنسيون أيضاً الطاهر بن جلون في المغرب الأقصى، ويشجعون الآن رشيد ميمونة في الجزائر، فهو لا يكاد يطبّل تطبيلة أو يزمّر تزميرة حتى تتجند وسائل الإعلام الفرنسية لخدمته إعلاميا، وقد أعطيت له جائزة ضخمة من أجل رواية بالفرنسية يسبّ فيها الشعب الجزائري. إن روايته شرف القبيلة، اعتبر انها سبّ للشعب الجزائري وللتاريخ الجزائري وان قبيلة ما لم تتطور لأن فرنسا لم تستطع أن تصل إليها بهذا المعنى..
هناك في الحقيقة غربيون لا يشجعون الأقليات فقط، ولكن يشجعون الذين يكتبون بلغتهم، وهذا شيء طبيعي.. نحن لو كتب ياباني بلغة عربية لشجعناه وأعطيناه جوائز.. وبالتأكيد هناك مئات الروايات الفرنسية أفضل من روايات رشيد ميمونة والطاهر بن جلون، ولكن الفرنسيين لا يلتفتون إليها، بل يلتفتون إلى روايات ميمونة وبن جلون لأسباب سياسية تدميرية، حتى يتشجع الآخرون كي يكتبوا بلغتهم، وذلك ما يحدث الآن. هناك كثير من الشباب في أقطار المغرب يحاولون الكتابة باللغة الفرنسية..
أنا أعرف أن المغرب يشهد الآن ازدهاراً جديداً للأدب المكتوب بالفرنسية.. هل هناك في الجزائر ظاهرة مماثلة؟
- نحن نعتز بأن كتّابنا الجزائريين بالفرنسية يظلون أكثر وطنية ربما من سواهم، هؤلاء الكتّاب عندنا هم في تصوري المتفائل بصدد الانقراض: أي الطاهر جاووت ورشيد ميمونة ومجموعة قليلة جداً بعد موت الرعيل الأول: كاتب ياسين ومولود معمري ومولود فرعون، ومالك حداد وهلم جرا من أولئك الفطاحل، بقيت الآن آسيا جبار (وتوفي محمد ديب).. تقريباً لم يبق أحد من شيوخ الأدب الفرنسي في الجزائر. هناك مجموعة من الشباب يحاول الفرنسيون الآن تشجيعها بكل الوسائل: النثر في فرنسا أولا، تشجيع معظم الأعمال برصد جوائز ضخمة لها، لكن هل هذا ينجح لأن معظم الكتاب باللغة العربية. وبطبيعة الحال، أنا لا أريد أن أتحدث عن الحركة الأدبية في المغرب الأقصى الشقيق، فله رجاله وله أدباؤه. لكني أعتقد ايضاً ان في المغرب، الحركة الأدبية بالعربية هي الأقوى وهي الأكثر. لكن هذا النشاذ ربما يوجد الآن في المغرب الأقصى لظروف تختلف عن ظروف الجزائر، باعتبار أنه كان هناك "واحدية" في الجزائر، كانت الحرية أقل، وكان الحزب الواحد يبسط نفوذه على الناس، فكان هناك شيء من التخوف. وبطبيعة الحال، هذا أفضى الى تضئيل النفوذ الفرنسي في الجزائر، نحن سبقنا اخواننا في التلفزة إلى تعريب الر
ياضة وإلى تعريب المذيعات مقدمات البرامج في التلفزيون، ثم إلى تعريب نشرات الأخبار، فلا توجد أي نشرة بالتلفزة الجزائرية باللغة الفرنسية من ثلاث أو أربع سنوات، وهذا شيء سبقنا إليه، بينما اخواننا في المغرب وفي تونس لا يزالون ربما يمارسونه. وفي التعليم ايضاً: فحركة التعريب الآن تشهد على الرغم من كل هذه المشاكل امتداداً حقيقياً، فالتعليم الثانوي عرّب تعريباً نهائياً بما في ذلك الأقسام التقنية والأقسام الرياضية، وأقسام العلوم وهلم جرا. وهذا مكسب لا يوجد في دول المغرب العربي المجاورة.
بناء على كل هذا التأسيس يمكن أن نزعم أن المدرسة الجزائرية لعبت دوراً رائداً في التقليل من تأثير النفوذ الفرنسي، والفرنسيون الآن يعرفون هذا ويقلقون منه ولذلك تراهم لا يكادون يتركون أي فرصة للخوض في الماء الأخير.
لاحظ بعض الباحثين أن المغرب العربي (ومعه الأندلس) لم ينتج شعراءً فحولاً كشعراء المشرق، في حين نبه منه نقاد كبار كابن رشيق وحازم القرطاجني، فلماذا كان شعر المغاربة ضعيفا وكان نقدهم متميزا؟
- ليست هذه النظرية صحيحة كل الصحة، ولكنها تحمل نسبة كبيرة من الصحة. فعلا أنا أوافقك على طرح هذه الاشكالية. قلت مرة لشاعر تونسي صديق: ليس عندنا شعراء في المغرب العربي.. قال لي: "لا. أنا لا أوافقك".. قد يكون قال هذا لأنه شاعر.. فقلت له: وكيف تفسّر غيابكم عن الساحة العربية؟ فقال: المسألة إعلامية..
أنا لا أعتقد أن المسألة مسألة إعلامية، أعتقد ان المستشرقة الألمانية سيفريد هونكة في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" تصف العرب بأنهم شعب من الشعراء، وصحيح ان افريقيا الشمالية سابقا والمغرب العربي حاليا (التسمية ليست مهمة كثيرا) صحيح بأن قبائل بني هلال وبني سليم ومجموعة أخرى من القبائل هاجرت من اليمن ومن أطراف الحجاز ومن أقطار شرقية أخرى وجاءت إلى مصر ثم عبرت إلى نحو ليبيا تونس الجزائر واستقرت خصوصاً في الجنوب الليبي التونسي الجزائري. كل هذا يدل على أن شعوب المغرب العربي هي بالتأكيد شعوب عربية ليس باللغة فقط وانما بالعرق أيضا. كذلك نجد كثيراً من المؤرخين يتحدثون عن مئات الآلاف من الجنود في الفترات المبكرة من تاريخ الإسلام، وهؤلاء الجنود بالتأكيد لم يعودوا جميعا إلى المشرق العربي، كما لم يعد كثير من الصحابة والتابعين الذين ذهبوا إلى الفتوح هنالك، وبطبيعة الحال التاريخ يسكت فلا يتحدث إلا عن الفاتحين، لكننا نحن نفترض بأن هناك كثيرا من التجار وكثيرا من رجال الأعمال وكثيراً من المغامرين كانوا ايضاً من العرب يذهبون ووقع التزاوج ووقع الاستقرار.
إذن نحن لا نعد المغرب العربي عربيا من باب المجاز، وانما هو عربي بالعرق أيضاً، ليس باللسان فقط وانما بالعرق، وبطبيعة الحال نحن لا نريد أن ننفي أن هناك سكاناً اصليين هم الأمازيغ، لكن معظم هؤلاء ذابوا في العرب باعتبار أن العرب كانوا أكثر وباعتبار أنهم كانوا يحملون حضارة ويحملون اشراقا. والمعروف ان الضعيف يذوب في القوي.
ولكن يبقى تعليل الظاهرة التي أشرت إليها في سؤالك عجيباً. عندما تقرأ مثلاً مقدمة ابن خلدون وهو يتحدث مع ابن الخطيب يقول له: لماذا أستطيع أن أكتب وأستطيع أن أؤرخ وأن أفلسف الأشياء، لكنني حين أقول الشعر لا يكون شعري جيداً..
يقول ابن خلدون ما معناه: تأمل ابن الخطيب كثيرا كلامه ولم يجب بشيء مقنع، قال له: إنني أعلل ذلك بأنني قرأت كثيراً من النظريات الفقهية والأصولية والعلمية وحفظتها واستوعبتها، ولعل هذا هو الشيء الذي حال بيني وبين أن أقول شعرا في مستوى الشعر الحقيقي..
هذا شيء ليس له علاقة كبيرة بما تفضلت بطرحه من اشكالية، لكن نعود الآن الى العصر الحديث لأوافقك وأقول لك بأن الشعر في الجزائر، على سبيل المثال، سيئ جداً، وأنه في المغرب العربي ليس أقل منه سوءا. لقد كنا نتصفح الآن ديوانين لا داعي لذكر عنوانيهما، وما قرأناه يدل على ضحالة شعرية. هل يعود ذلك إلى الطبيعة؟ هل يعود ذلك إلى الجوار مع العالم الغربي؟ هل يعود ذلك إلى أسباب أخرى؟ هذه مسألة تحتاج الى دراسة مفصلة معمقة، دراسة سوسيوتاريخية وسوسيوثقافية وسوسيو ربما جغرافية ايضا، من أجل الاهتداء الى الحكم، فربما يكون علمياً وحقيقياً. لكن الذي يحدث فعلاً هو أن فطاحل الشعراء ابدا في هذا القرن بالذات (ولا داعي لأن نتحدث عن القرون الماضية) هم مشارقة: ابتداءً من شوقي وحافظ وعلي محمود طه والآن السياب والبياتي ومحمود درويش وسواهم كلهم مشارقة. مجموعة من الشعراء يملأون كل الأذان العربية. لا نتحدث عن الشاعر الذي يُعرف في مدينته أو في وطنه أو في وطنين أو ثلاثة أوطان، بل نتحدث عن الأسماء الطائرة في العالم العربي. لا تجد بين هذه الأسماء اسماً مغربياً واحداً يطير في العالم العربي، وهذه حقيقة مع الأسف..
ربما نستثني أبا القاسم الشابي من المغاربة، فهذا الشاعر له اسم طائر في كل الأقطار العربية ولدى كل المثقفين.
منذ سنتين سألني ناقد صديق عما أفعل الآن فقلت له أنا بصدد تحليل سيميائي لقصيدة أين ليلاي لمحمد العيد آل خليفة قال لي من هو محمد العيد آل خليفة؟ قلت له: هو شاعر جزائري معروف جداً وله ديوان وظل يقول الشعر مدة طويلة إلى آخره..
لكن في الحقيقة هناك سؤال: هل يعود ذلك إلى أن هذا الشاعر هو من التفاهة ومن خمول الذكر والفكر إلى أنه لا يُعرف على بعد ألف أو ألفي كيلومتر بين الحدود الجزائرية والحدود المصرية؟ أم أن الأمر يعود الى أن اخواننا في المشرق العربي لا يكادون يعنون ببعض الأسماء في المغرب العربي؟
أعتقد ان الشيء الثاني هو الأصح وقد لا ينفي هذا ما كنا فيه. أنا لا أزعم أن محمد العيد آل خليفة يرقى الى مستوى أحمد شوقي في الشاعرية. هذا لا يقول به عاقل، لكن مما يزيد الطين بلة ان اخواننا في المشرق من نقاد ومثقفين لا يكادون يعنون بالمغاربة، وهذا مما يزيد خمولهم خمولاً..
لكن انتهي الى الشق الأخير المتعلق بالنقد، النقد شيء آخر. النقد على الرغم من أن الدكتور عز الدين اسماعيل كان صرّح بأن مجلة (فصول) هي التي أشاعت الحداثة بين العرب وبطبيعة الحال نحن لا نوافق على هذا الرأي، فهذه مسألة لا يمكن البت فيها بهذه السهولة. فالحداثة هي شيء مشاع بين الناس جميعا وقد أسهم فيه المشارقة بالتأكيد، ولكن المغاربة بالذات أسهموا في هذه المرة بقوة، ان لم يكونوا هم الذين نبّهوا إلى هذه المسألة. والحداثة في المغرب العربي الآن أصبحت نظاماً وأصبحت مذهباً مألوفاً ومن يخرج عن هذا المذهب يعدّ متخلفا، بينما تعدّ الحداثة في بعض أقطار المشرق العربي انحرافاً. فنحن على الأقل في المغرب العربي لا نعد الحداثي منحرفا، وانما نعدّه مستطلعا ومستشرفا المستقبل. وكثيرا ما رددنا وقلنا ونردد الآن ونقول إن التراث وان المناهج التقليدية هي شيء مشاع بين الناس جميعاً واننا في مدارسنا تعلمنا الأدب العربي القديم وتعلمنا هذه المناهج، لكن الوقوف عند هذه المناهج يعدّ عجزاً بالمنطق وبالتاريخ. دعونا من المناهج نضرب مثلاً بمعمل لانتاج منتوج ما: كالسيارة أو الفيديو أو التلفزة. هل ظل على ذلك المنهج الذي أنتجه أول مبدع أو مخترع، أو أنه ي
طوّر باستمرار.
اخواننا لا يفكرون بالمنطق، ويفكرون بعواطفهم وهم كالنعامة حين يصيبها الفزع في الصحراء فإنها تطأطئ رأسها وهذا لا يحل المشكلة.هناك غرب شرس وهناك حضارة ان لم نفهمها وان لم نهضمها وان لم نتعلمها توشك أن تبتلعنا الى حد الانقراض، أنا أتنبأ بانقراض كثير من الشعوب الافريقية الآن بالمجاعة. لك أن تحتل بلداً افريقياً، مَنء سيقول لك ألا تحتل؟ هل أميركا ستقول لك لا تحتل هذا البلد؟ ابدا. أميركا يهمها أن تظل مصالحها مصانة.
إذن الحداثة في الأدب تشبه في تقديري الحداثة في العلم. كيف نحن مثلا نتطلع الآن في مدارسنا نتطلع إلى أن يتعلم أبناؤنا كيف يحللون المسائل العلمية، كيف يستكشفون ويصبحون مهندسين ومخترعين، لكننا في الأدب وفي الفكر، في العلوم الإنسانية، نجد أن علينا أن نتشبث بالتراث الماضي، ونتحدث عن "المنهج الغربي" وما إلى ذلك. هل هناك شيء  غير غربي الآن؟ هل هناك في العالم العربي الآن شيء غير غربي؟ نحن الغرب الى درجة أن الغرب تغلغل فينا. تغلغل الغرب في أنفسنا حتى أولئك الذين ينافقون ويتظاهرون بشيء من "الشرقانية" فإنهم في حقيقة أنفسهم غربيون بداخلهم. هم يركبون الطائرة ولا يركبون الجمل، وهم يستعملون المكيف في الداخل، ولم يعودوا كأجدادهم، وهلّم جرّا..إذن الغرب في أنفسنا الآن. عندما أدخل الى الحمام أجدني غربيا. عندما آكل في المطعم فأنا غربي. هذه مصيبة. انني لست غربياً بالمفهوم الروحي، لكن بالمفهوم الفعلي والعملي.
إذن كيف يستكثر علينا الآن أن لا نكون حداثيين، وان النزعة النقدية عندما تكون حداثية.. فهذا أبسط ما يجب أن نفعله..




 

بقية المواضيع

د. عبدالملك مرتاض لثقافة اليوم:هناك غرب شرس وهناك حضارة إن لم نفهمها ونهضمها ونتعلمها توشك أن تبتلعنا إلى حد الانقراض
آداب الاختلاف وفكر الاختلاف
سميرة المانع وروايتها الجديدة "شوفوني.. شوفوني"أبحث عن العراق الضائع في مدن العالم
رهاب اللغة (3) الجهاد والارهاب: اللغة تصنع الفكر
بين الريحاني والجواهري هل كان الريحاني عميلاً أميركياً؟
دوريات
بين ثقافة الهوية وهوية الثقافة
سيناريو الأرجوان.. التناص والمثاقفة
قراءات في شعرية القصيدة الحديثة
ترحال الطائر النبيل
العولمة والإرهاب
ابداع
قصص بحجم راحة اليد
صنعاء مدينة مفتوحة
خوزيه سارماغو في رواية "العمى"مساءلة مريرة لحضارة وحشية عمياء!!
نحو تفكيك "العولمة"
كتاب جديد يثير ضجة في فرنساهل من المسموح انتقاد إسرائيل؟
د. سمير إبراهيم: الترجمة عن لغة وسيطة قد توقع المترجم بأخطاء
الشاعر والباحث السوري حسين درويش:أمل دنقل حاول تحريك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة!
قصة قصيرة .. ليلة أحلام وردية
أنت، لا تستطيع أن تتيه!
أساور
سأقول عن الأخبار الضائعة لـ"وردة المجنون": " صبا نجد متى هجت من.." محمد عبده..؟
فنون الجزيرة تتراجع عن رغبتها في توزيع شريط أحلام
الفنان حسن عبدالله يطرح جديده بتعاونات عدة مع أسماء جديدة
اليوم بإذاعة الرياض فوزية الجارالله في "منحنى الطريق"
وفد تشكيلي من عنيزة يزور الدوادمي
المخرجة اللبنانية سهام ناصر:متشائمة من وضع المسرح في العالم العربي
تبرئة فلة من تهمة الاحتيال
"على البال" يحلق مجدداً على أثير mbc-fm
الانفجار
في أمسية على قاعة نادي الدرع بالدوادمي اختلاف الشعراء زاد من تفاعل الحضور
نفديك يا دار السعد
حنا مع رجال الأمن صف وأنصار
لا ظل لقامة للشمس!
بيت وصدى
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض