بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 22 May 2003 No. 12753 Year 39

الخميس 21 ربيع الأول 1424العدد 12753 السنة 39

  الشاعر والباحث السوري حسين درويش:أمل دنقل حاول تحريك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة!

القاهرة - القسم الثقافي - شريف الشافعي:

"لا تصالح .. ولو منحوك الذهب
إنها الحرب..، قد تثقل القلب، لكن خلفك عار العرب!
لا تصالح.. ولا تتوخ الهرب!
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح .. ولو قيل رأس برأس
أكلُّ الرؤوس سواء؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟! أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك
بيدٍ  سيفها أثكلك؟
سيقولون: جئناك كي تحقن الدم..
جئناك .. كن - يا أمير - الحكمء
سيقولون: ها نحن أبناء عم
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيف في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارساً، وأخاً، وأباً، وملك".
كلمات نارية أطلقها من فمه وضميره وقلبه الشاعر الراحل أمل دنقل بصدد توقيع اتفاقية السلام مع الإسرائيليين، فكأنما كان يتطلع إلى المستقبل من ثقب ضيق في جدار الواقع، وذلك شأن الشعراء الكبار في كل زمان ومكان!
عشرون عاماً تمر على رحيل الشاعر أمل دنقل الذي لقي ربه في مايو عام 1983م عن ثلاثة وأربعين عاماً فقط كانت كافية لكي يملأ الدنيا شعراً ويشغل الناس باعتباره أحد أبرز شعراء القصيدة الجديدة وأحد رموز المعارضة السياسية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
وبمناسبة الذكرى العشرين للشاعر الجنوبي أمل دنقل، وفي سياق مشروع ثقافي متعدد الحلقات لإحياء ذكرى الشعراء النابهين الراحلين كمحمود سامي البارودي وأحمد شوقي وإبراهيم ناجي وآخرين، تقرر أن يقيم المجلس الأعلى للثقافة (التابع لوزارة الثقافة المصرية) ندوة موسعة في النصف الثاني من شهر مايو الجاري للاحتفاء بالشاعر الراحل أمل دنقل وإعادة  قراءة نتاجه الشعري في ضوء مناهج ودراسات جديدة. وسيشهد مؤتمر أمل دنقل طرح أكثر من سبع وعشرين دراسة نقدية حول إبداع الشاعر الراحل، مع تقديم نخبة من الشعراء من أكثر من جيل لشهاداتهم حول علاقتهم المباشرة بالشاعر، كما يجري عرض فيلم تسجيلي عن الشاعر الراحل بعنوان (الجنوبي) وهو من إخراج عطيات الأبنودي، أما أبرز المحاور التي يدور المؤتمر حولها فهي: أمل دنقل شاعراً قومياً، والتراث في شعر أمل دنقل، وجماليات القصيدة في شعر أمل دنقل. وقد تم توجيه الدعوة باسم الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الدكتور جابر عصفور إلى كوكبة من الشعراء والنقاد العرب البارزين لحضور المؤتمر، وعلى رأسهم الشاعر العراقي سعدي يوسف، والشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر البحريني قاسم حداد، والشاعر والباحث السوري حسين درويش،
وغيرهم. ويُذكر أن الشاعر أمل دنقل ولد في عام 1940م بقرية القلعة بالقرب من مدينة قنا في صعيد مصر، وقد  أنهى دراسته الثانوية بمدينة قنا، والتحق بكلية الآداب في القاهرة لكنه انقطع عن متابعة الدراسة منذ العام الأول ليعمل موظفاً بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية، ثم موظفاً بمنظمة التضامن الآفروآسيوي، وكان دائم الفرار من الوظيفة لينصرف إلى الشعر! وقد عُرف أمل دنقل بالتزامه القومي وقصائده السياسية الرافضة، ولكن أهمية شعر أمل دنقل تكمن في خروجه على الميثولوجيا اليونانية والغربية السائدة في شعر الخمسينيات، وفي استيحاء رموز التراث العربي تأكيداً لهويته القومية وسعياً إلى تثوير القصيدة وتحديثها. وقد صدرت له مجموعات شعرية مهمة، منها: "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" (بيروت 1969م)، "تعليق على ما حدث" (بيروت 1971م)، "مقتل القمر" (بيروت 1974م)، "العهد الآتي" (بيروت 1975م)، "أقوال جديدة عن حرب البسوس" (القاهرة 1983م). وقد توفي أمل دنقل في مايو من عام 1983م في القاهرة بعد صراع مع مرض السرطان لم يمنعه من كتابة قصائد شعرية خالدة تضمنها ديوانه الأخير "أوراق الغرفة 8" الذي صدر في القاهرة في عام 1983م.

دنقل وتحريك الموجودات درامياً
وفي دراسة مهمة أعدها من أجل الندوة الشاعر والباحث السوري حسين درويش (المقيم في دبي) بعنوان "درامية المشهد المرئي في شعر أمل دنقل" يقول درويش: تمثل وظيفة الشاعر الاجتماعية طقساً متفرداً في عموم الشأن الكتابي ولا يقصد بتلك الوظيفة وضعه الاعتباري أو مهنته أو وظيفته، لكن تمثل رويته للعالم من حوله ومحاولة إعادة تصنيفه أو بنائه حسبما يراه مناسباً، وهذا لا يعني الإحالة المشهدية لما هو مرئي بقدر ما يعني جعل المشهد يحكي قصة  عبر قصيدة.
لقد حاول أمل دنقل أن يحرك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة عبر دور الواصف الراوي وهو شاهد يعبر المكان فجأة فتلتقط عينه بعضاً مما يقع عليه البصر، ويحاول عبر تناغم منسجم بناء عالم مشهدي منظور بالنسبة له، ومتخيل بالنسبة للقارئ..
ويقول درويش سكرتير تحرير صحيفة البيان الإماراتية:
هذا المشهد يتكرر كثيراً في قصائد دنقل عندما يبتعد عن أنا الفاعل، وليقترب من أنا الراوي المنفصل، كأن يقول:
في الفندق الذي نزلت فيه قبل عام.
شاركني الغرفة
فأغلق الشرفة
وعلق السترة فوق المشجب المقام
وعندما رأى كتاب "الحرب والسلام"
بين يدي . أربد وجهه
ورف جفنه رفة
فغالب الرجفة
وقص عن صبية طارحها الغرام
وكان عائداً من الحرب.. بلا وسام
فلم تطق .. ضعفه
ولم يجد - حين صحا -
إلا بقايا الطعام
ثم روى حكاية عن الدم الحرام
"الصحراء لم تطق رشفه
فظل فيها، يشتكي ربيعه صيفه،
وظل يروي القصص الحزينة الختام حتى تلاشى وجهه
في سحب الدخان والكلام
وعندما تحشرج الصوت به، وطالت الوقفة أدرت رأسي عنه
حتى لا أرى دمعته العفة
ومن خلال جسدي: تفصد الحزن وبلل المسام
وحين ظن أنني أنام
رأيته يخلع ساقه في الظلام
مصعداً تنهيدة...
خد أحرقت جوفه"
عندما يتأمل المرء هذه القصيدة يجد فيها صوراً لمشهد درامي محكم البناء، حيث الراوي في فندق يعرفه من قبل ولكن نزيلاً آخر يشاركه ذات الغرفة، لديه هو الآخر ذكريات عن حرب ما تركت في روحه وجسده ندباً لن تندمل، أبرزها ساقه الاصطناعية التي عليه أن يتنكر من خلالها كل ليلة وهو يخلعها قبل النوم، إن جزءاً حيوياً من جسده قد غيبته الحرب.
يرى دنقل ذلك ولا يقوله مباشرة، لأنه إن فعل سيفقد مشهده الدرامي روعته ويقع في مباشرة وصفية لا تناسب شفافية الشعر، الذي اختار تناغم رجفة الصوت ودمعة العين وتنهيدة حارقة ليدغمها جميعاً في مأساة رجل معوق جسدياً بسبب حرب دمرت حياته. ويضيف الشاعر والباحث حسين درويش:
تذهب مشاهد أمل دنقل بعيداً في وصفها الدرامي وكأنه يقص حكاية بذهن راو متقد ويصنع من خلال ذلك رسماً مكتملاً لحالة محددة في مكان محدد، فلا يستعرض لغة عقيمة ولا يستحضر عبارات هائلة المعنى، إنه يبسط القص الشعري إلى تلك الدرجة التي يقبلها القارئ العادي وليس القارئ المختص، فتراه يميل إلى كلمات وجمل من مفردات الواقع ويعطي الصورة عذوبة بصرية على القارئ أن يتخيلها، وكأنها حدث واقع أمامه وليس مجرد تصوير بعيد لما يفترض أن يحدث. يقول دنقل مثلاً:
ملك أم كتابة؟
صاح بي.. فانتبهت، ورفت ذبابة
حول عينين لامعتين!
فقلت "الكتابة"
فتح اليد مبتسماً، كان وجه المليك السعيد
باسماً في مهابة!
ملك أم كتابة؟
صحت فيه بدوري
فرفرفت في مقلتيه الصبا والنجابة
وأجاب "الملك"
دون أن يتلعثم أو يرتبك
وفتحت يدي
كان نقش الكتابة
بارزاٍ في صلابة!
ومثل جميع الذين يملكون عيناً مدربة على البرية باتساعها وتفاصيلها يلتقط أمل دنقل مشهده الوصفي التقاطاً نقياً حيث سرعان ما تعمل المخيلة على اصطفاء الموجودات وغربلة ما هو زائد عن حلقة المشهد فتخرجه خارج الإطار وتبقي على مستلزمات الوصف الدال على الحالة.
ومثل جميع أبناء الريف الذين يسخرون من الحياة  لمصادقتها أو للتحايل عليها يسخر دنقل من مشهده الشعري سخرية جادة وحزينة فيها روح الحياة المستقبلية التي لا تفصح عن نفسها بسهولة، شأنه في ذلك شأن المغني الحزين الذي يملك صوتاً شجياً وأداءً رائعاً ولحناً عذباً، لكنه ليس سعيداً.. لأن الحزن عندما يسيطر على الشاعر يحول قصيدته إلى عزاء ذاتي:
"أترك كل شيء في مكانه:
الكتاب، والقنبلة الموقوتة
وقدح القهوة ساخناً
وصيدلية المنزل
وأسطوانة الغناء
والباب مفغور الفم
الباب.. عين القطة الياقوتة
أترك كل شيء في مكانه
وأعبر الشوارع الضوضاء
مخلفاً خلفي: زحام السوق
والنافورة الحمراء
والهياكل الصخرية المنحوتة
أخرج للصحراء."
عبر هذا الصمت الذي يغلف محيطه يصف الشاعر العالم بجمل شديدة الاختزال فيها انتقاء لما هو ساكت حزين يراه دائماً، أو يمر به يومياً، وكأن هذه التفاصيل الصغيرة لا تعني شيئاً لأحد لكنها تعني الكثير للشاعر الذي يبعثر المكان مشهدياً ليعيد بناءه وفق ما تقتضيه عين لاقطة مدربة على بناء مشاهد مصورة ستدور فيها بعد قليل حياة جديدة.
ويضيف درويش قائلاً:
إن ما يريده أمل دنقل حينما يعمل على توظيف تفاصيل صغيرة في قصيدته هو أن يضع القارئ في حالة من الاستعداد لنلقي ما هو قادم وكأن التمهيد هو مدخل لإعلان خبر، حيث يبدأ وصف المكان بشكل سينمائي ثم يلقي ما لديه بطريقة لا تخلو من اكتشاف أو إعلان عن حدث مهم.
وحين يصور الشاعر مشهده البصري للقارئ لا ينسى أن يمد رأسه بين حين وآخر مؤكداً حضوره الفاعل في النص باعتباره شاهداً يرسم الحدث ويعطيه ما يستحق من أوصاف تليق به ساكناً أو متحركاً.. يقول دنقل:
"جلستنا الأولى وعيناك المليئتان بالفضول
تفتشان عن بداية الحديث
وابتسامة خجول
في شفتيك العذبتين، وارتباكنا يطول
في لحظات الصمت والظمأ
نقرت فوق مسند المقعد
قلت ما يقال عن رداءة الطقس
تسمرت عيناي في استدارة الياقة
في معطفك الجميل
وكان صوتك المغني يتحسس الطريق
في شراييني
ويمسح الصدأ
وكنت ألوي في رباط عنقي
أربت ظهر قلقي
أمسح خيط العرق الضئيل
أبصر: شرخاً في زجاج الباب
لون الزخرف المنقوش في مفارش الموائد
الوردة.. وهي تنحني في الكوب
شفها الذبول".
ويقول الشاعر والباحث السوري حسين درويش في دراسته: لقد رسم صورة بصرية للمكان والأشخاص والزمن بأسلوب ينأى فيه عن المباشرة حيث حدد الطقس والطاولة والمقعد والثياب والألوان والحالة الثقيلة لصمت يلف جلسة شخصين ربما لا يعرفان من أين سيبدأ حديثهما. ثقل الصمت أعمق تعبير عن حالة الحزن التي تلف المشهد، لذلك يهرب الواصف عن فحوى الحديث إلى تسمية الموجودات المحيطة بطريقة تناغمية، حيث لون غطاء الطاولة ووردة تفصل بين الجالسين، وحيث يرى - منشغلاً عن وجه مجالسه - شرخاً في زجاج الباب، واستدارة تلفت نظره في ياقة المعطف) ولعل ثقل الصمت لا شيء يقطعه سوى نقرات تحدثها يد الواصف فوق مسند المقعد.
ويتكرر اهتمام أمل دنقل بالمشاهد المرئية ويحولها درامياً إلى حد في معظم قصائده التي يترصدها الحزن، وكان ذلك الاهتمام سببه الأول هو المواساة التي تحمل له هدوءاً وسكينة، فلا يسمي الأشياء بأسمائها المباشرة، بل يعطيها أوصافاً تحيل القارئ إلى تخيلها بعيداً عن إطلاق تعابير محددة.


 

بقية المواضيع

د. عبدالملك مرتاض لثقافة اليوم:هناك غرب شرس وهناك حضارة إن لم نفهمها ونهضمها ونتعلمها توشك أن تبتلعنا إلى حد الانقراض
آداب الاختلاف وفكر الاختلاف
سميرة المانع وروايتها الجديدة "شوفوني.. شوفوني"أبحث عن العراق الضائع في مدن العالم
رهاب اللغة (3) الجهاد والارهاب: اللغة تصنع الفكر
بين الريحاني والجواهري هل كان الريحاني عميلاً أميركياً؟
دوريات
بين ثقافة الهوية وهوية الثقافة
سيناريو الأرجوان.. التناص والمثاقفة
قراءات في شعرية القصيدة الحديثة
ترحال الطائر النبيل
العولمة والإرهاب
ابداع
قصص بحجم راحة اليد
صنعاء مدينة مفتوحة
خوزيه سارماغو في رواية "العمى"مساءلة مريرة لحضارة وحشية عمياء!!
نحو تفكيك "العولمة"
كتاب جديد يثير ضجة في فرنساهل من المسموح انتقاد إسرائيل؟
د. سمير إبراهيم: الترجمة عن لغة وسيطة قد توقع المترجم بأخطاء
الشاعر والباحث السوري حسين درويش:أمل دنقل حاول تحريك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة!
قصة قصيرة .. ليلة أحلام وردية
أنت، لا تستطيع أن تتيه!
أساور
سأقول عن الأخبار الضائعة لـ"وردة المجنون": " صبا نجد متى هجت من.." محمد عبده..؟
فنون الجزيرة تتراجع عن رغبتها في توزيع شريط أحلام
الفنان حسن عبدالله يطرح جديده بتعاونات عدة مع أسماء جديدة
اليوم بإذاعة الرياض فوزية الجارالله في "منحنى الطريق"
وفد تشكيلي من عنيزة يزور الدوادمي
المخرجة اللبنانية سهام ناصر:متشائمة من وضع المسرح في العالم العربي
تبرئة فلة من تهمة الاحتيال
"على البال" يحلق مجدداً على أثير mbc-fm
الانفجار
في أمسية على قاعة نادي الدرع بالدوادمي اختلاف الشعراء زاد من تفاعل الحضور
نفديك يا دار السعد
حنا مع رجال الأمن صف وأنصار
لا ظل لقامة للشمس!
بيت وصدى
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض