بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 22 May 2003 No. 12753 Year 39

الخميس 21 ربيع الأول 1424العدد 12753 السنة 39

  د. سمير إبراهيم: الترجمة عن لغة وسيطة قد توقع المترجم بأخطاء

تحقيق: سامي حسون

إذا كانت الترجمة أداة معرفية هامة للوعي بالآخر والتعرف على فكره وثقافته وامكاناته، فإنها بالنسبة لنا كعرب تكاد تكون بوصلة ومؤشراً لحركة ازدهار الأمة أو انكسارها.. ومن نافلة القول ان الانفتاح على الآخر والترجمة عنه شهد نهضة غير مسبوقة إبان صعود الحضارة العربية وازدهارها، ووصل الأمر في عهد الدولة العباسية إلى مكافأة المترجمين العرب بمثقال من الذهب الخالص يساوي مثقال كل كتاب يترجمونه من الثقافات الأخرى.. هذا ما كان يحدث قديماً في عصور التأخر والانحطاط، ومع ذلك شهدت الترجمة ازدهاراً جديداً مع بزوغ فجر التنوير العربي عندما قاد حركتها رفاعة الطهطاوي في دولة محمد علي باشا في مصر.. إلا ان نسبة الكتب المترجمة في العالم العربي الآن ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بأوروبا أو اليابان.
وإذا كانت الترجمة حقلا معرفيا له مشكلاته الخاصة.. ليس فقط المشكلات الفنية المرتبطة بعملية الترجمة ذاتها ولكن يضاف إليه انه حقل مثقل بندرة المترجمين الأكفاء ومثقل بمجمعات تضع الثقافة بشكل عام في آخر سلم.
و"ثقافة اليوم" بجريدة "الرياض".. تعرض هذه القضية الثقافية.. على المختصين في دائرة الترجمة من خلال هذه الأسئلة:
* هل الترجمة هي مجرد نقل لنصوص الآخرين؟
* هل هي مطابقة بين النص المترجم والنص المترجم عنه أم أنها إعادة للتعبير عن المعنى بصياغة ورؤية أخرى؟
* متى يتعرض النص متأرجحاً بين الوفاء للنص وخيانته؟
ففي البدء يتحدث سمير عبدالحميد ابراهيم أستاذ اللغات الشرقية وأدبها - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قائلاً: ترتبط ترجمة الابداع سواء كانت نثرية أو شعرية بعدة قضايا يصعب تناولها جملة ولهذا يكتفي الباحث بقضية واحدة.. وهي الترجمة عن الترجمة.. أي الترجمة عن لغة وسيطة، مقارنة بالترجمة المباشرة، وما ينتج ذلك من تكرار ترجمة العمل الابداعي الواحد.
كما لا أرى ضرورة للاعتراض.. من حيث المبدأ.. على الترجمة عن طريق لغة وسيطة، فهذا أمر جائز خلافاً لما يراه بعض المستغلين بالترجمة. وقد أشرت إلى هذا من قبل، والباحث يرى جواز هذا الأمر إذا ما حاول المترجم أن يتعرف على البيئة والسياق الثقافي والتاريخي الذي يرتبط بها النص الأصلي، وكذلك التعامل مع فكر كاتب النص لتمثله وادراكه، وذلك عن طريق قراءة أعماله الأخرى المترجمة إلى اللغة الوسيطة التي ترجم عنها، والاطلاع على سيرته وعلى عصره، وهذا بالطبع يحتاج إلى جهد.
ويضيف قائلاً: ولابد للمترجم عن لغة وسيطة أن يقرأ التاريخ والأدب ويتعرف على العادات والتقاليد وكل ما له علاقة بصاحب النص الابداعي التي يترجمه، ما يساعده أحياناً في وضع هوامش أو شروحات تستلزمها الترجمة.
ووضع مثل هذه الشروط يجعل المترجم عن لغة وسيطة لا يقع في أخطاء يكون أفدحها كتابة اسم صاحب العمل الابداعي خطأ، ففي العدد الرابع من مجلة نادي جدة الأدبي نوافد "صفر 1409ه - يونيو 1998م" ترجم الأستاذ صالح بدرة قصيدة شعرية أردية عن الانجليزية، وجعل عنوانه "لا تسألين عن ذلك الحب ثانية" ثم ذكر أن المؤلف هو "فايز أحمد فايز" من باكستان، مع ان هذا الاسم لا وجود له.. وقد حدث هذا الخطأ نتيجة الترجمة عن لغة وسيطة هي الانجليزية والصحيح ان هذه الأشعار للشاعر المعروف "فيض احمد فيض" والضاد تنطق الأردية وحرف A في اللغة الانجليزية جعل المترجم يظن ان الاسم فيض هو فايز.
وحول حرفية الترجمة تتحدث حياة الياقوت قائلة: لماذا لا ننظر إلى الجانب الممتلىء من الكأس؟ أنا أرى الترجمة على أنها أمانة لا خيانة.. كيف؟ ليس لدي أي أوهام حول أن من أكثر الناس ثقافة هو المترجم، بسبب الطبيعة التنوعية لما يترجم وهو عامل يفرض نفسه، وأيضاً بسبب حاجته للاطلاع في كل مجال، وهذا أمر نسبي يختلف بين المترجم المجد والمترجم المتجمد.. المترجم انسان موسوعي للثقافة مرن التفكير، مما ينتج عنه - في أغلب الأحوال وليس دوماً - أن يميل إلى تقبل الأفكار بموضوعية وانصاف دون أن يخلع عليها قيمة الشعورية أو اللاشعورية، وإذا فعل ذلك - أي تعمد التلاعب بما يترجم لصالح اعتقاداته - هنا يكون المترجم خائنا.
أما القول الايطالي (Traduttore, traditore) أو (أن تكون مترجماً هو أن تكون خائناً) ليس صائباً تماماً، وان كان الجذر اللاتيني لكلمتي الخيانة والترجمة متقاربا، ببساطة لأن المترجم ازاء ثلاث حالات: اما ان ينقل الأفكار واما ان ينقل اللغة - بجماليتها وصورها - وأما الاثنان معاً.
فإذا نقل الأفكار بحيادية واخلاص وبشكل مفهوم فهنا هي الأمانة، رغم انه وفي بعض الحالات تبرز الحاجة إلى إعادة التأليف وايضاً إلى localization مثل التعريب والفرنسة.. الخ، أو اضافة تعليقات في الهوامش حين يرى المترجم ان النص المترجم يحمل مضموناً ثقافياً قد لا يكون مفهوماً - وليس عندما يرى أنه غير مقبول أو مخالف لثقافة أو آراء القارئ -، إلا أن الأمانة موجودة طالما ان المترجم يشير إلى ذلك.
أما الحالة الثانية وهي نقل جماليات اللغة وهذا الأمر يظهر في النصوص الأدبية، فالأمر نسبي ويعتمد على مهارة، ابداع، وخبرة المترجم ثم ان الأمانة موجودة طالما ان نقل الفكرة صحيح ودقيق ومفهوم، اضف إلى ذلك إلى أن هنالك اتفاقا ضمنيا بين القارئ والمترجم، بأن ما يتم قراءته مترجم إلى أفضل درجة ممكنة، ومن لا يحبذ ذلك فبامكانه أن يتعلم لغة النص ويقرأه بها، المشكلة انه لا يمكنك تعلم كل لغات العالم لتقرأ كل ما يثير اهتمامك، إذاً عليك القبول بهذه الصفقة.. الترجمة هنا حل وسط ومبادرة توفيقية تستحق العناء.
قد يكون خيار إعادة التأليف هنا مطروحاً، وهذا يمارس في إطار محدود، فمثلاً يقوم المترجم بترجمة قصيدة إلى لغة أخرى من خلال إعادة كتابتها واخضاعها لقوانين الشعر واللغويات في اللغة التي ينقلها اليها، وهذا يتطلب أن يكون المترجم أديباً في هذه الحالة، وأن يراعى تعقيدات الملكية الفكرية.. أمر لا يتيسر في كل الأحوال.
وعلى أي حال لا أعتقد ان أهمية الأدب وتميزه يكمن في أفكاره بالدرجة الأولى، والأدب العالمي خلد بسبب أفكاره ولا جمال لغته وحسب.. ف "القطيعة الأدبية" الجديدة تفرض نفسها بأي لغة كتبت أو ترجمت، ثم يأتي جمال اللغة في مرتبة - وإن كانت مهمة - إلى أنها أقل مرتبة على الأقل من وجهة نظري الشخصية.
غياب المرونة والترجمة الحرفية هو الخيانة، هذا جزء من اخلاقيات الترجمة.. فما قولك بمترجم يترجم عبارة sunny side up  eggs والتي تعني "بيض عيون"، على أنها "الشمس مشرقة"! أو عبارة apiece of cake وهي كناية عن سهولة الأمر، على أنها "قطعة كعك" ماذا كان سيحدث لو استعمل المرادف العامي - المقبول - وهو "أسهل من شربة ماء؟" في بعض الأحيان استعمال العبارات العامية التي لا تتعارض بفجاجة مع العربية الفصحى مخرج للثنائية والانقسام الذي نعانيه.. فنحن نترجم بالفصحى التي لا تتطور بمقدار العامية الأكثر استخداماً، وقد يكون الحل في بعض الأحيان أن نستعير من العامية أن نطوعها.. الترجمة الحَرءفية خيانة خيانة بلا حِرَفيّة.
أعتقد اذا كان علينا أن نترك النقاش الفلسفي جانباً، وأن نلتفت إلى قضايا الترجمة الالكترونية، وكيف يمكن ضم الجهد البشري إلى الجهد الالكتروني في سبيل ترجمة دقيقة وأمينة ويسيرة الفهم والأكلاف.
الترجمة من لغات تتشابه في الأصل والشكل كاللغات ذات المحارف الرومانية بين بعضها البعض تختلف عن الترجمة من لغة لاتينية أو رومانية الأصل إلى لغة شرقية وجهود المترجمين والتقنيين واصحاب الأعمال ومبادرات التشجيع الحكومية مطلوبة في ذلك.
أعتقد ان فكرة وجود مجامع ترجمة - وتعريب - الكترونية غير حكومية ستحل العديد من مشاكل عدم الاتفاق على التعريبات، وستحل أيضاً مشكلة المصطلحات الناشئة والتي لا تجد لا ترجمة أو تعريباً موحدين، دقيقين، أو مرضيين.. خذ مثلاً بعض المصطلحات في مجال الأعمال.. كلا من manager و director تلقى ذات الترجمة: مدير رغم ان الفرق كبير.. كذلك الأمر مع administration و management كلاهما ترجمان على أنهما إدارة، والفرق قائم بين الكلمتين.. وفي مجالات أخرى تبرز مشاكل مثل ترجمة society و community على أنهما مجتمع وorder و system على أنهما نظام، والكثير الكثير..
التحدي الآخر هو أن الترجمة تعكس قوانين الحضارة.. بمعنى اننا ترجمنا العديد من الأمور، ولكننا لا نزال نستخدم الكلمة الأجنبية للكلمة.. السؤال لماذا؟ لماذا نترجم computer على انه حاسوب لكن نقول في حياتنا اليومية كمبيوتر؟ وكذلك هو الأمر مع التليفون و التلفزيون ومع الفاكس والماوس؟ هل هي عقدة الخواجة؟ لا أعتقد.. أجدادنا في عصور الازدهار ايضاً استعاروا اسماء ما لم ينتجوا ابتداء بالديوان أو انتهاء بالباذنجان.. قوانين اللغة التاريخية تقول ان من ينتج يسمي، ومن يتلقى لا يتلقى المنتوج فقط بل يتلقى القيم الثقافية محملة معه ايضاً.. وسنظل نقول كمبيوتر إلى أن نصنع واحداً.. هذا ينطبق أيضاً على موضوع ترجمة administration و management لماذا لن نجد ترجمة مرضية لكلتيهما؟ ربما لأننا في التاريخ الحديث لم نساهم في نشأتهما وتطورهما، بل استوردناهما، وبالتالي لم تكن التسمية نابعة من طبيعة المصطلح المترجم "بفتح الجيم"، بل من جهود المترجم "بكسر الجيم".. وسنظل نستعمل كلمة ادارة لكلتا الكلمتين إلى أن نساهم فكرياً وحضارياً في "الأوديسية"  الانسانية.
الترجمة مؤشر حضاري.. كم من الوثائق (أقصد بها كتب، مقالات، صفحات الكترونية.. الخ) تترجم من الانجليزية إلى العربية وكم من الوثائق تترجم من العربية إلى الانجليزية.. الفرق واضح، نحن أمة متلقية.. يفترض بالترجمة ان تبنى على أساس المساواة: ان نترجم بمقدار يتناسب مع ما يُترجم (بضم الياء) عنا، وإلا سقطنا في خانة المتلقين غير مأسوف علينا.
اما الدكتورة عفت جميل خوقير، استاذة الادب الإنجليزي بجامعة ام القرئ.
فتجيب عن سؤال هل الترجمة هي مجرد نقل لنصوص الآخرين؟ قائلة:
قد تكون الترجمة نقلاً لنصوص الآخرين ولكن ليس دائماً. فهي كذلك لدى ترجمة نصوص المواد العلمية المعرفية البحتة. فتأتي الترجمة حرفية مطابقة للنص الأصلي فكراً وكلمة اما في ترجمة النصوص السياسية او القومية او الدينية او بالأحرى في ترجمة كل نص يهتم بالعقيدة والمبادئ، فإنها نادراً ماتلتزم بالنص الأصلي وخاصة إذا تعارض هذا النص مع المبادئ العقدية في لغة النص المنقول إليه.
كما انه لايمكن في ترجمة النصوص الادبية ان تكون مجرد نقل إذ لابد للمترجم من مراعاة العوامل التي يقوم عليها النص الأدبي من بلاغة الكلمات والصور البيانية والتشبيهات والعاطفة والخيال إضافة الى الأوزان الشعرية بما يختص في ترجمة الاشعار وقد يخرج عن روح النص الأصلي لباً وايجاباً.
وحول المطابقة بين النص المترجم والمترجم عنه، ام انها اعادة للتعبير عن المعنى بصياغة ورؤية اخرى؟ تقول:
لايمكن اعتبار الترجمة صادقة وامينة مالم يطابق النص المترجم النص الأصلي وهذا- كما اشرنا انفاً- يمكن ان يتم في ترجمة المعارف العلمية البحتة ويمكن ان تتم اعادة التعبير عن المعنى بصياغة اخرى في النصوص الأدبية، على ألا تخرج هذه الصيغة عن المعنى الأصلي، والا يكون فيها رؤية اخرى لأن ذلك يبعد النص المترجم عن روح النص الأصلي وفكره وتضيف.
يتعرض النص المترجم بين الوفاء للنص الأصلي وخيانته لدى اسباب عدة منها:
1- إذا تم الإلتزام بالترجمة الحرفية للنص الأصلي كلمة ومعنى وبنفس افكاره ومعتقداته بحيث يشعر قارىء النص المترجم بروح النص الأصلي وعالمه.
عندئذ يمكن القول ان المترجم كان وفياً وصادقاً في ترجمته، وهذا ما يحدث غالباً لدى ترجمة النصوص العلمية البحتة من طب وتكنولوجيا وهندسة وغيرها من المعارف لاتنس المباديء البشرية والمعتقدات.
2- وقد تحدث الخيانة في ترجمة النصوص السياسية والوثائقية من تاريخية وقومية وخاصة الدينية، إذ يدخل في النص المترجم آراء ومعتقدات اخرى ويتم التلاعب بأفكار النص المترجم كما يتم الخروج عن النص الأصلي وطرح رؤية جديدة خدمة للمصالح المتضاربة بين عمق النص الأصلي والمترجم.
3- كما ان للمترجمين عامة دوراً في هذا التارجح إذ ان تكليف الكثيرين من غير ذوي الخبرة والاختصاص والكفاءة بالترجمة لجميع فروع العلوم، ولهذا اثره في مطابقة الترجمة للنص الأصلي والوفاء او الخيانة له، وذلك حسب مقدرة هؤلاء الاشخاص ودرايتهم.
ولابد لدى ترجمة اي فرع للعلوم من الاعتماد على المختصين بمصطلحات هذا العلم اللغوية والمطلعين على افكاره العامة، فليس لرجل الأدب او الدين الذي ليس له دراية إلا بمصطلحات علمه، ان يعهد إليه بترجمة نص  في الكشف الطبي او التقنية لأن جهله بمصطلحات هذه العلوم يخرجه عن النص الأصلي بكل ما فيه من فكر وعلم.
كما انه ليس لرجل العلم البحت ان يعهد إليه بترجمة نص ادبي من شعر او نثر لما قد يجهله من الحس الأدبي للنصوص التي يقوم بترجمتها أضافة الى عدم  معرفته بمعاني الكلمات الأدبية الغريبة.
لذا يعتبر للمترجم دوره الكبير ايضاً في تأرجح النص بين الوفاء او الخيانة له، سواء كانت هذه الخيانة متعمدة لأغراض عقدية او عفوية لجهل المترجم بالمادة التي يترجم لها من مصطلحات وافكار.
ولابد قبل الختام من الدعوة إلى مزيد من الاهتمام بالترجمة واعتبارها علماً له اسسه وقواعده يدرس في الجامعات كمادة علمية ليخرج مترجمين اكفاء، حفاظاً على الترجمة من العبث بها، وعندها يمكن ترجمة الكثير من الكتب والمؤلفات التي تصدر في شتى دول العالم بعد اختيار المناسب منها لعقيدتنا الإسلامية، وعندها أيضاً نجنى- بإذن الله- الفائدة  الجمة حين نفتح نافذة الترجمة على ثقافات شعوب العالم، فننهل من كل اصداراتها الفكرية.
وننتقل بذلك إلى مراحل ارقى في الحضارة الإنسانية.
اما الاستاذة نادية عبدالوهاب خوندنه فتتحدث من الترجمة بصورة عامة قائلة.
قد تبدو الترجمة للبعض امراً سهلاً وذلك إذا نظر إليها كمجرد نقل لنصوص الآخرين من اللغة المصدر التي كتبت بها إلى اللغة الهدف اي تحويل بارع لمجموعة متراصة من المفردات والتراكيب اللغوية من لغة إلى اخرى ونتاج هذا التطابق هو الحصول على ترجمة حرفية قد لايحتاج الأمر معها إلى عنصر بشري مدرب او على مستوى عال من الثقافة والدراية باللغتين الاثنتين بل يكفي لإنجازها الاعتماد على القواميس الالكترونية الحديثة او اجهزة الحاسوب المتقدمة.
ولكن بالطبع فان الترجمة كأداة معرفية وثقافية ذات فاعلية هامة في زمن الانفجار المعرفي والتطور التقني والتداخل الثقافي بين الحضارات والمجتمعات هي في جوهرها وبالدرجة الاولى عملية ابداعية خلاقة وعلى درجة لايستهان بها من التعقيد والصعوبة.
فلباب الترجمة هو توصيل المعنى الذي اراده وقرره كاتب النص الأصلي بكل ما يحمله من دلالات لغوية ومضامين ثقافية إلى لغة اخرى قد تمتلك هذه اللغة الهدف بعض نقاط التشابه مع لغة المصدر ما يسهل على مشروع ترجمة عمل ما فهو يتحمل  مسئولية وامانة عظميين تجعله لا يألو جهداً للرجوع إلى شتى المصادر والقواميس وكتب المصطلحات اللغوية بل وحتى استشارة الناطقين باللسان الذي يترجم عنه للتأكد  من اتقان الترجمة التي يقوم بها وقد يبيح البعض لأنفسهم المراوغة في توصيل جزئية معينة من النص إذا رأوا انها ذات دلالة عقائدية مخالفة وهذه احدى صعوبات واشكاليات الترجمة وحينها قد يضطر المترجم إلى حذف هذه الجزئية برغم ما قد يمثله ذلك من خيانة للنص( من حيث الشكل) او يتحايل على المعنى ويقدمه بطريقة يتقبلها قارئ اللغة الهدف وهذا ايضاً خيانة للنص ولكن في هذه الحالة للمعنى وربما يكون من الأفضل الترجمة بأمانة وفي نفس الوقت يمكن شرح وجهة نظر المترجم حيال الإشكال الثقافي الديني في الهوامش فما لا يدرك كله لايترك جله فنحن في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى معرفة كيف يفكر الاخر وماذا يكتب الاخر نحتاج ايضاً الى الكثير من الترجمات الواعية والصريحة دون اي خروج عن
ثوابت ديننا ومبادئنا واخلاقنا.
اخيراً يطرح شاكر لعيبي الشاعر والناقد العراقي المعروف شهادة عن ترجمة الشعر
حيث يقول: في كل مرة نترجم بها شاعراً فأن الأمر يتعلق بتحد معرفي وجمالي. لقد حاولت إيليتس ورينيه شار وفيليب جاكوتيه ومن ثم ريلكه لأسباب  مختلفة. كان التحدي يقع، بالنسبة لإيليتس، في الإمكانية والكيفية التي يمكن بها ان نترجم إلى العربية قصيدة وحيدة منتشرة على اكثر من مئة واربعين صفحة. قصيدة عظيمة ذات مستويات متباينة وشجون متفرقة تمس  ثقافتها الشرقية، اليونانية، مفاصل من ثقافتنا الشعرية، بل تستشهد بها مواربة نقطة الضعف الواضحة في ترجمة إيليتس انها جرت عبر لغة وسيطة هي الفرنسية.
لايمكن التحايل على ضعف وساطة من هذا القبيل رغم معرفتي الأكيدة بمساهمة الشاعر اليوناني (الذي يتقن الفرنسية تماماً) بوضع اللمسات الاخيرة على ترجمة عمله، ورغم مكاتبتي الشخصية له التي نشرت واحدة منها في مقدمتي للقصيدة. لقد شرحت في تلك المقدمة استعانتي غير المباشرة بالنص اليوناني اثناء المشكلات الحقيقية للنص عبر من يتقن اليونانية.
حصيلة هذه الترجمة هي تساؤل عن امكانية اقتناص ثراء العالم الداخلي للشعر في لغة جديدة. بالطبع فلا يوجد ايما قانون يقود إلى تطابقات كاملة بين مفردات اللغات المختلفة ثمة فقط تماسات، ثمة فضاءات مشتركة على الترجمة التقريب فيما بينها. اما اثناء ترجمة رينية شار فقد كان جل اهتمامي ينصب على امكانية التملص من مشكلات لصيقة بطريقة عمل الفرنسية التي لايوجد لها بالضرورة تماثلات في العربية، وكمثال على ذلك فان صيغة الفعل المصدرية  في اللغات اللاتينية( التي ليست تماما المصدر العربي) والصيغة الشرطية الفرنسية التي تفترض زمانا خاصا لاتوجد في عقل لغتنا اذا صح التعبير.
اسلوب شار العصي وجملته الطويلة، الملتبسة عمدا مرات، صفاته ونعوته تتبقى كذلك  مستوى واحد من بين صعوبات اخرى يتوجب على الترجمة إيجاد مخرج لها نتكلم اذن عن الاداء هنا بينما العالم الشخصي لرينيه شار فهو دافع رئيسي ساهم بترجمة نصين مهمين له( مشاطرة شكلية) و(صحائف هيبنوس)، حيث تختلط في القصيدة الاخيرة نزعة سوريالية بهاجس سياسي، او فلنقل بهاجس جد مباشر اي الاحتلال الألماني لفرنسا ما كان يهم الترجمة هنا هو بالضبط نقل مناخ قد يثير فضول الشعر العربي المتأرجح بين هم موضوعي مباشر، سياسي، ومزاعم لغة متمردة تقف على تخوم مخيلة سوريالية، ما كان يهم هذه الترجمة هو تقديم رؤية شار لمثل هذا التأرجح.
الترجمة هنا ليست خيانة إلا بمعنى انتحال لغتي، انا  المترجم، لغتي الشخصية ولساني العربي لعالم ولمخيلة اخترعها الشاعر الفرنسي. اثناء الترجمة فإننا على الدوام بصدد اعادة كتابة نص اصلي ولسنا بمعرض ادارة تطابقات قاموسية مزعومة إن فرادة وغرابة وتمرد شاعر من الشعراء في لغته الأم هي التي تعقد اعادة الكتابة هذه وتحولها الى كتابة جديدة تماماً.
الشعراء السهلون اي الأقل اهتماما بأدائهم اللغوي والتخيلي لا يستعصون، كما ازعم، على الترجمة.
تتدرج بالاهتمام عند ترجمة فيليب جاكوتيه هو عناية اللغة الشعرية بفضائها الداخلي وحده تقريباً، المثار والمهتز باشارات خارجية جد بسيطة وجد عادية سوى ان صفاء لغة جاكوتيه وحذره في التقاط مفرداته وايقاعاته قد يثير عصبية العربية المتعودة على المترادفات وعلى الطرب والتطريب.
كيف يمكن للغتنا، عبر وساطة المترجم، ان تتبقى في حدود الاقتصاد الأصلي لجاكوتيه في الوقت الذي يتوجب عليها نقل دلالات واشارات القصيدة؟ هنا تقع كل مغامرة الترجمة.
كان ريلكه، الشاعر الذي يكتب بالفرنسية، كشفاً انا مدين به كلياً إلى صديقي ابرهة الأرتيري، هذا من جهة من الجهة الاخرى فقد كان التعرف على امكانية نص مهم لريلكه مكتوباً بلغة ليست لغته طتميناً لي على جرأة شخصية. ففي زيارة الى لندن اواخر عام  1995اخبرني ابرهة، بمحضر صديقنا الرسام يوسف الناصر انه سيهديني اعمال ريلكه الشعرية المكتوبة باللغة الفرنسية مباشرة. عشية اليوم التالي كنت اتصفح مجلداً باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وفور قراءتي للرباعية الاولى من قصيدته( الوردة) اثار جمالها الفوري فضولي الشديد.
ثم شرعت بالترجمة وكنت مدفوعاً، خفية كما يبدو، بالبرهنة لنفسي على ان كتابة الشعر بلغة اخرى، وهو ما حاولته انا بتواضع جم، ليس حماقة اصلية كما حاول احد الاصدقاء ان يبرهن لي بشأن ريلكه نفسه. لقد كتب الشاعر الألماني اكثر من  400قصيدة بالفرنسية وهو ما يبرهن ان الشاعر هو بمعنى من المعاني معجزة من طراز خاص.

إن الدوافع العميقة لجميع تلك الترجمات انما هي التودد للشعر والتقرب اليه اياً كانت لغته، ضمن رهان على امكانية كتابة الشعري بلغة جديدة. ان اشتراطات اخرى من نمط لا شعري لم تكن تمارس غواية كبيرة علي، كأن اترجم اعمالاً كاملة مدفوعاً بتسجيل مجد شخصي او كان افكر باستلام تمويل مجز من جهات ثقافية دولية معنية بشأن الترجمة مثل بعض المنظمات الألمانية واليونسكو. كل ذلك مازال اللحظة بعيداً عن مشاغلي. يتعلق الأمر فحسب بخفقة شعرية وددت دوما نقلها إلى العربية وانا امارس في ان نوعا من التمرين الصعب على نقل المدلولات.  بهذا المعنى فقط فإنني اعتبر نفسي هاوياً للترجمة ولست محترفا لها، وهو امر لا يمنع ابدا من الالتزام بتدقيق شديد يجد تعبيراً له في وفرة الهوامش والتعليقات. يستنكر البعض اثقال الترجمة بالهوامش، لكن سوء طوية  ارهابيي الثقافة وتشكيكهم المستمر بقدرات المترجمين يظل دافعاً مهما لمثل  تلك الهوامش في هذه اللحظة الصعبة في العالم العربي. ان عدم التفريق بين الاجتهاد والخطأ يظل موطنا للتشكيكات تلك. إذا ما كان الاجتهاد واجبا فان الخطأ جزء من الفعالية الإنسانية العاقلة كذلك.
بغياب مؤسسات ثقافية، عربية واوروبية، معنية منهجياً بشأن الترجمة فان امكانية الاستشراق على ترجمة الشعر العربي يظل هدفاً بعيد المنال. لا يحسب عاقل يعيش في اوروبا أن المستشرقين، ايا كان مستوى ممارستهم للغة العربية، بقادرين تماماً على ترجمة نص شعري عربي معاصر إلى لغاتهم. هذه الحقيقة مؤسفة وتبين نمط الممارسة الاستشراقية المنصبة بالدرجة الاولى على الثقافة العربية بتجلياتها التراثية( اي العتيقة) او الاجتماع او السياسة.
إن عدم ترجمة الشعر العربي من طرف المستشرقين تبين كذلك وبشكل اساسي حدود قدرات الاستشراق. هذه النقطة جوهرية كما ازعم فإذا كان ممكنا ترجمة الرواية فلأن مدلولاتها تتبقى اقل استعصاء بالمقاربة مع الطبيعة الصوتية والاستعارية لقصيدة عربية ذات تاريخ تتفلت من بين الأيدي. لهذا السبب نرى ان من يترجم الشعر في الغالب إلى الاوروبية انما هو العرب الذين يتقنون الإنكليزية او الفرنسية، دون ان يعني ذلك عدم حضور المستشرقين الذي يظل، في الغالب كذلك، عنصراً مساعداً ويتركز على تحسين اداء النص في اللغة المترجم إليها.




 

بقية المواضيع

د. عبدالملك مرتاض لثقافة اليوم:هناك غرب شرس وهناك حضارة إن لم نفهمها ونهضمها ونتعلمها توشك أن تبتلعنا إلى حد الانقراض
آداب الاختلاف وفكر الاختلاف
سميرة المانع وروايتها الجديدة "شوفوني.. شوفوني"أبحث عن العراق الضائع في مدن العالم
رهاب اللغة (3) الجهاد والارهاب: اللغة تصنع الفكر
بين الريحاني والجواهري هل كان الريحاني عميلاً أميركياً؟
دوريات
بين ثقافة الهوية وهوية الثقافة
سيناريو الأرجوان.. التناص والمثاقفة
قراءات في شعرية القصيدة الحديثة
ترحال الطائر النبيل
العولمة والإرهاب
ابداع
قصص بحجم راحة اليد
صنعاء مدينة مفتوحة
خوزيه سارماغو في رواية "العمى"مساءلة مريرة لحضارة وحشية عمياء!!
نحو تفكيك "العولمة"
كتاب جديد يثير ضجة في فرنساهل من المسموح انتقاد إسرائيل؟
د. سمير إبراهيم: الترجمة عن لغة وسيطة قد توقع المترجم بأخطاء
الشاعر والباحث السوري حسين درويش:أمل دنقل حاول تحريك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة!
قصة قصيرة .. ليلة أحلام وردية
أنت، لا تستطيع أن تتيه!
أساور
سأقول عن الأخبار الضائعة لـ"وردة المجنون": " صبا نجد متى هجت من.." محمد عبده..؟
فنون الجزيرة تتراجع عن رغبتها في توزيع شريط أحلام
الفنان حسن عبدالله يطرح جديده بتعاونات عدة مع أسماء جديدة
اليوم بإذاعة الرياض فوزية الجارالله في "منحنى الطريق"
وفد تشكيلي من عنيزة يزور الدوادمي
المخرجة اللبنانية سهام ناصر:متشائمة من وضع المسرح في العالم العربي
تبرئة فلة من تهمة الاحتيال
"على البال" يحلق مجدداً على أثير mbc-fm
الانفجار
في أمسية على قاعة نادي الدرع بالدوادمي اختلاف الشعراء زاد من تفاعل الحضور
نفديك يا دار السعد
حنا مع رجال الأمن صف وأنصار
لا ظل لقامة للشمس!
بيت وصدى
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض