بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 22 May 2003 No. 12753 Year 39

الخميس 21 ربيع الأول 1424العدد 12753 السنة 39

  خوزيه سارماغو في رواية "العمى"مساءلة مريرة لحضارة وحشية عمياء!!

علي زعلة

قليلة هي الأعمال الروائية التي تجذبك إلى قراءتها من صفحاتها الأولى؛ فأغلب الكتاب الروائيين يجنح في بداية الصفحات الأولى من روايته إلى بسط مهاد سردي يعتمد التوصيف غالبا كي يفرش ذلك التوصيف الرتيب مساحات قيمية وموضوعية تهيىء القارىء بشكل أو بآخر للدخول في عوالم الرواية والاندماج مع أحداثها بانسيابية مفترضة.
لكن خوزيه ساراماغو يأخذ بأهدابك وفكرك مباشرة ودون تأهيل مسبق منذ الصفحة الأولى في روايته المثيرة "العمى" حيث تتعالى أبواق السيارات أمام اشارة المرور الخضراء بسبب سيارة متوقفة وسط الطريق، وحتى تحمر ثانية ينزل الغاضبون من سياراتهم متجهين نحو السيارة المتوقفة ليفاجأوا بسائقها يصرخ ببلاهة: "أنا أعمى"!! ومنذ هذه الحادثة تبدأ متتاليات العمى.. حيث يعمى الرجل الذي تطوع بإيصال السائق الأعمى ويعمى الطبيب الذي يستشيره العميان في هذه الحالة الغريبة، ويعمى الصيدلي ايضا وشرطي المرور وينتشر الوباء في كافة ارجاء المدينة مما يضطر الحكومة إلى عزل العميان في محجر صحي هو عبارة عن مبنى مصحة نفسية مهجور، كذلك تشديد الحراسة على العميان من قبل قوات الأمن حتى لا يتسبب خروج أحدهم في اصابة سكان المدينة الآخرين بالعدوى.
من المعروف طبيا ان المصاب بالعمى يطبق على عينيه سواد كثيف بينما هذا الوباء المنتشر في المدينة هو نوع غريب من العمى، فهو عمى حليبي "أبيض" كما يصف العميان في الرواية ولعل للعمى الأبيض دلالات رمزية متعددة تتباين تأويلاتها من قارىء لآخر.
"خوزيه ساراماغو" الشاعر والروائي البرتغالي الشهير الذي حصل على جائزة نوبل للآداب عام  1998وجائزة القلم الدولي عام 1982م - له العديد من الروايات التي اتكأت على الواقعية السحرية وعلى الرمزية أحيانا وبخاصة في روايتي "سنة موت ريكاردوس 1984م، والانجيل بحسب يسوع المسيح 1992م" لكنه في هذه الرواية "العمى" المنشورة عام 1995م وترجمت إلى العربية عن دار المدى أواخر العام الماضي 2002م "العجيب انها مرت على الساحة العربية بهدوء غريب!!" بدا ساراماغو في العمى أكثر عمقا وفلسفة ومزجا للواقعية السحرية بالرمزية والخيال المتعالي ساخرا من كل ما هو منطقي ومعقول زارعا حقول روايته بكثير من الوقائع غير المبررة لكن قارئها لن يستبعد حدوثها أبدا، ربما لأسباب خفية لا يستطيع أحد إلى الافصاح عنها بداعي ضبابيتها وعمائها الجوهري الكثيف.
كل ما في هذه الرواية أعمى! فالمدينة التي انتشر فيها الوباء مجهولة غير مسماة، وإن بدت احدى مدن النصف الثاني من القرن العشرين، وشخصيات الرواية هم أيضا دون اسماء بل اكتفى الكاتب باطلاق أوصاف لهم من قبيل "الأعمى الأول - زوجة الأعمى الأول - الطبيب - زوجة الطبيب - الطفل الأحول - الكهل ذو العين المعصوبة... وواقع الرواية يشير إلى انه ما من داع يبرر وجود اسماء لشخصيات العميان، فالجميع هنا أعمى والرؤية غائبة والاسم يدل عادة على شكل شخص ما ومظهره ومرآه، وظروف هذه الشخصيات غير معنية بكل ذلك وغير قابلة لهذا النوع من التواصل الانساني المرتكز على الاسم والمسمى، ما يهم هنا هو صفات الأشخاص وذواتهم وأدوارهم التي يقومون بها في هذه الظروف المعضلة، حقا، كل شيء هنا أعمى... حتى ليبدو ان الكاتب قد تعمد اهمال وضع عناوين لفصول الرواية أو حتى أرقام لها واكتفى بوضع شارة افتتاحية في بداية كل فصل من الفصول مأخوذة من شعار اتحاد العميان الكرواتي!!
تأخذ الرواية في سرد احداث العمى وتزايده بين سكان المدينة سردا أخاذا حتى انك حين تنغمس في متتاليات العمى تكاد لا تغمض عينيك أو تتركها تطرف خشية ان تبيض الصفحات بين يديك ويجتاحك ذات العمى الحليبي! الشخصية الوحيدة التي قدر الكاتب نجاتها من العمى هي زوجة الطبيب وهنا تظهر الانثى في مركز قيادة العالم الذكوري الأعمى! حيث ادعت هي العمى حتى تتمكن من مرافقة زوجها الأعمى إلى مقر العزل، وهناك تعمل مخفية إبصارها عن مجموعة العميان حتى لا تتحول إلى مجرد خادمة تلبي طلبات العميان المتكاثرة، اخذت تدير شؤون العميان بحذق وتمرس البصير وتنجح في ذلك حتى تزايدت اعداد العميان المعزولين في المحجر من العشرات إلى المئات، وحين ينحشر المئات من العميان في المحجر فاقدين أهم أعضائهم المعرفية "البصر" منقطعين عن العالم الخارجي تتبدى نزعات انانية الانسان الازلية وتبرز ممارسات الوحشية العمياء؛ اذا يسيطر مجموعة من العميان تحت تهديد مسدس أحدهم وهراوات منزوعة من أسرة المحجر على حصص الطعام الزهيدة التي يوزعها حراس المبنى بوضعها أمام البوابة وتفرض العصابة على العميان ان يقدموا إليهم كل ما يملكون من أموال أو حاجيات ثمينة إذا أرادوا أن يأكلوا، وبعد ن ي
جمعوا ما لدى العميان المقهورين يعودون ليطلبوا النساء مقابل الطعام!! أية تساؤلات كبرى يطرحها ساراماغو بين يدي حضارة يراها زائفة وكفيفة تجنح بكل قوتها الظاهرة وشعاراتها المدنية المزيفة باتجاه الوحشية والبربرية وحياة الغاب التي يصارع فيها كل فرد بكل ما أوتي من وسائل مشروعة وغير مشروعة للوصول إلى تحقيق مصالحه الذاتية؟!.
تبدو مساءلة ساراماغو واضحة تماما حين ندرك انه قد كتب هذا العمل بخلفيات كارثية متعددة مثل حرب البوسنة ومحرقة اليهود وتفشي داء الايدز في العالم... وغير ذلك، وقد وردت بعض هذه الاشارات على لسان واحد من شخوص الرواية حين قال الأعمى لصاحبه: "العالم كله هنا"، وكذلك حين صرخت الفتاة ذات النظارة السوداء - وهي عمياء ايضا - بقولها "نحن جميعا عميان" فهل العمى الأبيض ليس سوى عمى البصيرة الانسانية الجمعية عما يفترض ان تعيش من أجله من تعايش بسلام وتكاتف للخروج بالبشرية من مآزقها الكونية؟!
يصرّ الكاتب على دور الأنثى الصالح لقيادة العالم مرة أخرى، حين تتمكن زوجة الطبيب من قتل زعيم عصابة العميان لتبدو حينها منقذه ومخلصه للانسانية بعد ان كانت قد نجحت في إدارة شؤون عالم العميان وغالبيتهم من الذكور، هل يريد ساراماغو من خلال هذه الاشارات ان يقول ان المرأة التي لم تأخذ حقها ومكانتها في العالم قادرة ومؤهلة لأن تكون في أعلى مناصب المسؤولية عن الكون؟!.
يخرج العميان من المحجر بسبب حريق نشب فيه ولا يجدون حراسا لأنهم ببساطة كانوا قد أصيبوا بالعمى هم ايضا، ويتوجهون إلى شوارع المدينة تقودهم الانثى "زوجة الطبيب" فيجدون العمى قد اجتاح كل أفراد المدينة، وبعد فترة من التجوال بحثا عن الطعام ثم عن منازل العميان المرافقين لزوجة الطبيب يستعيد الجميع أبصارهم واحدا تلو الآخر دون مبررات أو مقدمات منطقية! حينها يصرخ بعضهم مندهشا: أنا لم أكن أعمى.. نحن لم نكن عميان!!
قدم لنا ساراماغو معضلة حضارية، وبالرغم من ان احداث الرواية لا تتماشى مع المتغيرات المادية المقنعة وكيفية تناسق شخصياته، فقد أدخلنا خوزيه في عالم فلسفي أذهلنا بألمعيته ونفاذ بصيرته، فهل كان هؤلاء العميان قادرين على قيادة العالم ببصيرتهم الحية إلى بيئة آمنة؟ وهل الشخصية المبصرة - البصيرة جاء دورها من أجل استمرار التنوع البشري فقط، أم جاء ليتولى مهمة توجيه الآخرين وإرشادههم؟ وحين استخدم الكاتب فكرة العمى العام لم يقف عند حدود طرح العمى الرمز، بل جنح إلى وصف الحقيقة البديلة، وتميز كثيرا في الدخول إلى الواقع الأعمى وواقع الشخصيات أيضا وتصوير أفعالها وردود أفعالها وهواجسها الداخلية الذاتية المريرة؛ حيث لا يوجد هناك بصيص أمل في الشفاء فالمرض يتزايد والشفاء معدوم والسبب مجهول.
العمى علامة القصور في هذه الرواية، حيث جعل المجتمع غير ذي أهمية وبلا وظيفة، وجعل العميان في حالة نفسية وجسدية خطرة وتعطل دور المجتمع حينها لعدم قدرة العميان على إدارة دفة الحياة التي لن تقوم إلا على العنصر البشري، العمى كدلالة عائمة في هذا النص المدهش لا ندري ماذا يقصد به الكاتب على وجه الدقة، فالقارىء يجد نفسه في حالة عماء بين العلاقة الرمزية والحقيقة حين صدر الكاتب خياله ومجازيته للمعاناة كمعنى ثقافي متعلق بالقصور الرؤيوي.. وعلى أي حال فإن هذه الواقعية السحرية وهذه الرمزية تجعل النص أكثر انفتاحا ويتيح للقارىء هامشا واسعا للتأويل.

azalah @ hotmail. com




 

بقية المواضيع

د. عبدالملك مرتاض لثقافة اليوم:هناك غرب شرس وهناك حضارة إن لم نفهمها ونهضمها ونتعلمها توشك أن تبتلعنا إلى حد الانقراض
آداب الاختلاف وفكر الاختلاف
سميرة المانع وروايتها الجديدة "شوفوني.. شوفوني"أبحث عن العراق الضائع في مدن العالم
رهاب اللغة (3) الجهاد والارهاب: اللغة تصنع الفكر
بين الريحاني والجواهري هل كان الريحاني عميلاً أميركياً؟
دوريات
بين ثقافة الهوية وهوية الثقافة
سيناريو الأرجوان.. التناص والمثاقفة
قراءات في شعرية القصيدة الحديثة
ترحال الطائر النبيل
العولمة والإرهاب
ابداع
قصص بحجم راحة اليد
صنعاء مدينة مفتوحة
خوزيه سارماغو في رواية "العمى"مساءلة مريرة لحضارة وحشية عمياء!!
نحو تفكيك "العولمة"
كتاب جديد يثير ضجة في فرنساهل من المسموح انتقاد إسرائيل؟
د. سمير إبراهيم: الترجمة عن لغة وسيطة قد توقع المترجم بأخطاء
الشاعر والباحث السوري حسين درويش:أمل دنقل حاول تحريك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة!
قصة قصيرة .. ليلة أحلام وردية
أنت، لا تستطيع أن تتيه!
أساور
سأقول عن الأخبار الضائعة لـ"وردة المجنون": " صبا نجد متى هجت من.." محمد عبده..؟
فنون الجزيرة تتراجع عن رغبتها في توزيع شريط أحلام
الفنان حسن عبدالله يطرح جديده بتعاونات عدة مع أسماء جديدة
اليوم بإذاعة الرياض فوزية الجارالله في "منحنى الطريق"
وفد تشكيلي من عنيزة يزور الدوادمي
المخرجة اللبنانية سهام ناصر:متشائمة من وضع المسرح في العالم العربي
تبرئة فلة من تهمة الاحتيال
"على البال" يحلق مجدداً على أثير mbc-fm
الانفجار
في أمسية على قاعة نادي الدرع بالدوادمي اختلاف الشعراء زاد من تفاعل الحضور
نفديك يا دار السعد
حنا مع رجال الأمن صف وأنصار
لا ظل لقامة للشمس!
بيت وصدى
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض