بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 22 May 2003 No. 12753 Year 39

الخميس 21 ربيع الأول 1424العدد 12753 السنة 39

  قصة قصيرة .. ليلة أحلام وردية

إبراهيم منصور التركي

الصمت ينفث سم الخوف  في أنحاء المكان. والكون لوح ظلام ظلام ظلام . ولا أحد يواجه هذا الخوف سواي. تُرى هل سأجد هنا من يعمر قلبي بالطمأنينة والأمان كما أخبرني؟!!.. أتذكر كلماته التي تدلف بوابة أذني برفق، فيندحر بعض خوفي: (ستجدينه هناك.. هناك.. في الخزانة التي في وسط الصالة)!! الأمر يستحق المجازفة رغم أن الخوف يتمدد داخلي فيغمر جوفي، يستحق المجازفة رغم أن الصمت ينفث سم الخوف في أنحاء المكان، والكون لوح ظلام ظلام ظلام ، ولا أحد يواجه هذا الخوف سواي.
أتجرع بعض شجاعة فأنتصب أمام الباب الخشبي العتيق. أستغرب كيف اتتني الشجاعة على المجيء إلى هذا المنزل المهجور في هذا الليل البهيم. لو غيرك قالها يا ناصر لما صدقت. هاأنا أقف أمام البيت.. قلبي يخفق كطير جريح، أتأمل البيت من الخارج، جدارنه. نوافذه. أبوابه، يااااه.. مرآه يفح الوحشة في أطرافي، هل سأدخل هذا البيت فعلاً؟! انسلت إلي بعض مخاوف. ولكن يجب أن أصهرها، يجب أن أخنق هذا الخوف، فسعادتي مرهونة بالدخول من عدمه. صهل داخلي الأمل من جديد وذكرى حديث ناصر تعبر بوابة أذني برفق:
- (ستجدينه هناك.. هناك)
سألته آنذاك بلهفة طافحة:
- أين؟!
نظر حينها إلى زاوية الغرفة وكأنه يلمح شيئاً بعيداً وهو يشير:
- هناك.. هناك.
التفتُ جهة المكان الذي كان ينظر إليه فاصطدم الجدار ببصري. سألت:
- من هو؟!
أجاب وهو لايزال ينظر إلى الجدار، ولكن بعد أن انطفأت في عينيه جذوة النشوة:
- من يمكنه تخليصك من علتك!!
يخلصني من علتي!! وقعت هذه الكلمات على أعصاب سمعي كصاعقة مدوية. شهقتُ بفرح غامر.. تشبثتُ به.. أرجوك.. أرجوك، قل لي أين؟!!
وها أنا وحدي هنا بعدما أرشدني إلى المكان، جئت إلى هنا أجثو على أرض الخلاص. (أرض الخلاص) ما أجملها من كلمة، الخلاص من أحزاني، الخلاص من آلامي، الخلاص من وخز الماضي.
رفض أن يخبرني من هو الذي سيخلصني؟ أو ما هو؟! شبح أم شيطان؟! جن؟! إنسان؟!! كائناً ما كان!! يجب أن أمضي إلى مقصدي، يجب أن لا أنسى أن في هذا المكان فقط من يمكنه أن يخلصني من حزني وألمي إلى الأبد.. إلى الأبد. ليجلدني هذا الرعب والخوف ساعة أو ساعتين، فالصمت ينفث سم الخوف في أنحاء المكان، والكون لوح ظلام ظلام ظلام. ولا أحد يواجه هذا الخوف سواي.
أقف بمحاذاة الباب. أقبض على مسكته وأديرها. أدفع الباب برفق فينفر صريره ما تبقى داخلي من سكينة. أدخل فلا أرى في الداخل غير الظلام.. الظلام المخيف. تلكأت قدماي وجمدت أطرافي، أأدخل أم..؟! لا، لن أكمل ما بعد (أم)، لا مجال للتردد.. لا مجال.. مصيري يحدده من بداخل الخزانة!! يجب أن أستمر!! أخطو خطوتي الأولى نحو الداخل.
آخ من ذاك الماضي، لقد ظل يجلدني بعذاباته إلى أن جئت يا ناصر إلى حياتي. جئت وقد تتابعت آلامي كضربات الفأس، تفتق كل ضربة منها مدى أعمق من سابقتها!! بدأت تحاول حلحلة بعضها، لكنها بقيت شاهقة مستعصية كناطحة سحاب. جئت وقد فقد فرحي الأخرس قدرته على الإفصاح، وبعد أن سرت رعشة الموت في أهداب أطرافي أردت أن تصلح الحال، ولكن من يصلح الزجاج إذا انكسر؟! حاولت أن تكون مهندساً معمارياً يخطط لحزني منازل جديدة من البهجة، لكن (أسيد) ألمي انسكب على مخططاتك وجداولك فأحالها إلى عدم!! كنت كمن يلعق جدران الرصاص ليذيبها، وهل يذوب الرصاص بلعقة يا ناصر؟!
منذ تزوجتك وأنت تحاول تطويق أحزاني. كم حاولت استنبات الأمل داخل قلبي، لكن الأرض البور لا تنبت، لا تنبت!! وعندما تدحرجت صخرة اليأس لتسد أمامك الطريق أفصحت عن هذه الخزانة، الخزانة التي سأجد فيها من سيزيل علتي، سأجد فيها وصفة العلاج السحرية كما أفهمني. لمَ تركتني أتعذب يا ناصر كل هذه السنين وأنت تعرف العلاج؟!!.. لن أعذرك لو امتهنت الصمت إلى الأبد. كم طريقاً سلكت أنا بحثاً عمن يخلصني؟ وكم باباً طرقت؟ ساحر، مشعوذ، طبيب، ناصح، صديق، فكان الفشل يبوء بي في كل مرة.
وصلتُ الصالة وأنا أختنق برائحة الغبار.. تركتُ المصباح اليدوي الذي معي يقوم باستكشاف المكان.. لابد أن تكون الخزانة هنا.. فهذه هي الصالة التي أخبرني عنها ناصر.. الأشياء هامدة ساكتة كأنها الموت، والصمت ينفث سم الخوف في أنحاء المكان. والكون لوح ظلام ظلام ظلام. ولا أحد يواجه هذا الخوف سواي.
حركتُ ضوء المصباح اليدوي في زوايا الغرفة.. وجوانبها.. هاهي الخزانة!! أتكون هذه هي  التي قصدها ناصر؟!!.. إنها هي بكل تأكيد فلا يوجد في المكان قطعة أثاث غيرها.. انكمشت داخل قوقعة جلدي كسلحفاة مذعورة.. ماذا لو خرج من بداخل الخزانة وسبب لي الأذى؟!! غص قلبي بهواجس الرعب وتجمدت أطرافي كألواح أسمنت.. أيمكن أن يحدث شيء من هذا؟!! لا.. لن ينكشف عن هذا الرهان طرف خاسر.. لم أعهد ذلك في ناصر!! انتزعت قدمي من الأرض بصعوبة بالغة وكأنما أنتزع جذع شجرة، وسرتُ بخطوات مرتبكة.
لا أدري كيف وصلت إلى الخزانة دون أن يرعبني فوضى الأشياء في الخارج.. أكنت مشغولة حينها بترتيب فوضى مشاعري؟!! أنا الآن أمام الخزانة مباشرة!! مباشرة!! لا شيء يفصلني عمن يمكنه تخليصي سوى فتح باب الخزانة!! أأفتح بابها أم أعود إلى قواعدي سالمة؟!! وإذا فتحت  الباب هل سيقفز إلى وجهي؟!! أم سيكون مختبئاً ويتحتم عليَّ البحث عنه؟! كيف لم أسأل ناصر عن هذه التفاصيل؟!! ألقيتُ نظرة على أرجاء المكان قبل أن أبدأ فتح الباب، لا شيء هنا غير الصمت ينفث سم الخوف في أنحاء المكان، والكون لوح ظلام ظلام ظلام، ولا أحد يواجه هذا الخوف سواي.
مددت يدي نحو مقبض باب الخزانة.. قبضتُ عليه بيدي المرتعشة.. عندما سحبته إلى الوراء زادت رعشات يدي أكثر فأكثر.. انفتح الباب بكامله ولم يظهر من الخزانة شيء!! مرت لحظات دون أن يحدث شيء.. أين من يمكنه تخليصي يا ناصر؟!! ألم تقل إنه سيكون موجوداً هنا!! لمَ لم يظهر حتى الآن؟!! وجهتُ المصباح اليدوي إلى داخل الخزانة.. ما هذا؟! تبدو الخزانة خالية تماماً تماماً، فلا أثر لأي شيء!! أكان ناصر يخدعني أم أنه مخطئ أو يتوهم؟!! لكنه كان يقول ذلك وهو واثق مما يقول.. يجب أن لا أستعجل!! سأبحث بشكل أدق!!
أبحث في نواحي الخزانة عن شيء.. أي شيء!! أسقط ضوء المصباح اليدوي على زوايا الخزانة، أعلاها، أسفلها، أرضها، سقفها،.. لا شيء في الخزانة غير الصمت والغبار!! هل تبخرت آمالي، هل يعني هذا أني لن أجد في الخزانة من يمكنه تخليصي من آلامي؟!!
عندما سلَطتُ ضوء المصباح على وسط الخزانة انبعث في وجهي ضوء مفاجئ.. ارتعبت.. ولكن.. لا شيء يستحق.. إنها مرآة مثبتة في وسط الخزانة. انعكس عليها ضوء مصباحي فعاد إلي.. ها أنا أقف أمام الخزانة حيرى أملك مصدر الضوء، ولا شيء في الخزانة غير صورتي تنعكس على المرآة، ولا شيء في هذا البيت المهجور غير الصمت ينفث سم الخوف في أنحاء المكان، والكون لوح ظلام ظلام ظلام، ولا أحد يواجه هذا الخوف سواي.
ibrahimmansor@hotmail.com





 

بقية المواضيع

د. عبدالملك مرتاض لثقافة اليوم:هناك غرب شرس وهناك حضارة إن لم نفهمها ونهضمها ونتعلمها توشك أن تبتلعنا إلى حد الانقراض
آداب الاختلاف وفكر الاختلاف
سميرة المانع وروايتها الجديدة "شوفوني.. شوفوني"أبحث عن العراق الضائع في مدن العالم
رهاب اللغة (3) الجهاد والارهاب: اللغة تصنع الفكر
بين الريحاني والجواهري هل كان الريحاني عميلاً أميركياً؟
دوريات
بين ثقافة الهوية وهوية الثقافة
سيناريو الأرجوان.. التناص والمثاقفة
قراءات في شعرية القصيدة الحديثة
ترحال الطائر النبيل
العولمة والإرهاب
ابداع
قصص بحجم راحة اليد
صنعاء مدينة مفتوحة
خوزيه سارماغو في رواية "العمى"مساءلة مريرة لحضارة وحشية عمياء!!
نحو تفكيك "العولمة"
كتاب جديد يثير ضجة في فرنساهل من المسموح انتقاد إسرائيل؟
د. سمير إبراهيم: الترجمة عن لغة وسيطة قد توقع المترجم بأخطاء
الشاعر والباحث السوري حسين درويش:أمل دنقل حاول تحريك الموجودات بطريقة درامية غير ناطقة!
قصة قصيرة .. ليلة أحلام وردية
أنت، لا تستطيع أن تتيه!
أساور
سأقول عن الأخبار الضائعة لـ"وردة المجنون": " صبا نجد متى هجت من.." محمد عبده..؟
فنون الجزيرة تتراجع عن رغبتها في توزيع شريط أحلام
الفنان حسن عبدالله يطرح جديده بتعاونات عدة مع أسماء جديدة
اليوم بإذاعة الرياض فوزية الجارالله في "منحنى الطريق"
وفد تشكيلي من عنيزة يزور الدوادمي
المخرجة اللبنانية سهام ناصر:متشائمة من وضع المسرح في العالم العربي
تبرئة فلة من تهمة الاحتيال
"على البال" يحلق مجدداً على أثير mbc-fm
الانفجار
في أمسية على قاعة نادي الدرع بالدوادمي اختلاف الشعراء زاد من تفاعل الحضور
نفديك يا دار السعد
حنا مع رجال الأمن صف وأنصار
لا ظل لقامة للشمس!
بيت وصدى
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض