بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 21 October 2004 No. 13271 Year 40

الخميس 07 رمضان 1425العدد 13271 السنة 40

  الحكاية المؤسِّسة  (2/1)

د. محمد ربيع الغامدي

تمهيد:
لم يبالغ من قرر ان الناس لا يتكلمون إلا بالسرد، فإذاً ( لا شيء خارج الحكاية) كما يقال. غير ان للحكاية في تراثنا خاصة شأن آخر مميز، قد يخفي هذا الشأن عن الأنظار ويحول دون الوقوف عليه متعة القص وأشياء أخرى. وسنتأمل قليلاً في هذه الورقة في شأن الحكاية، ونحاول أن نستبصر آثارها علينا وعلى انماط تفكيرنا. وسنفحص بعض انواع الحكايات وخطابها، وتحديداً الحكاية الموسسة للمفاهيم والرؤى، مع الرجاء ان يكون في هذا التأمل والفحص الإثارة للأسئلة. وسأفتتحها برواية حكاية ابي الاسود الدؤلي وابنته، وهي حكاية شهيرة وشائعة في الكتب التي تؤرخ لنشأة علم النحو العربي.
وآمل ان يكون النظر فيها مرشداً إلى تحليل الحكاية المؤسسة بشكل عام.
أبو الأسود وابنته:
تحكي كتب نشأة النحو وتراجم أوائل النحاة - على اختلاف بينها في العبارة - أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته: ما أجمل السماء، برفع أجمل. فعد أبو الأسود ذلك سؤلاً يحتاج الى جواب، فقال: نجومها. فقالت: لم أرد أن أسأل، بل أردت التعجب من  جمالها. فقال: إذاً قولي: نجومَها، بالفتح. ثم كانت هذه الحادثة مبعث عزمه على انشاء علم النحو؛ لانه خشي ان يتفشى اللحن في الالسنة على غرار ما اصاب لسان ابنته!
وهذه الحكاية يقتضي سردها بهذه الصورة ابتداءً جملة امور مسلم بها، لعل من اهمها اولاً: ان ابا الاسود لم يلحظ ان ابنته تسأل، لعله لم يسمع نغمة السؤال المفارقة بالضرورة نغمة التعجب، ولم يفرق بين الاستفهام والتعجب الا بعلامة الإعراب فقط. وثانياً: انه عزم على انشاء علم لم يكن موجوداً اذ ذاك. فبدأه من نقطة الصفر، وانشأه من العدم.
وثالثاً: انه كان واعياً بغرض العلم الذي اراد له ان يكون قبل النشأة. وعلم ان لحن ابنته مقدمة لتفشي اللحن بين الآخرين. ورابعاً: انه ربما سمع ما دار بين ابي الاسود وابنته سامع ما فنقل القصة، ولا بد ان ذلك حدث بعد ان انشأ ابو الاسود العلم، والا لم يكن لذلك فائدة. او لعل ابا الاسود قد اعلم الناس فيما بعد بسبب انشائه هذا العلم، او ان ابنته هي الناقلة لما جرى. وخامساً: ان اللحن فشا في وقت مبكر جداً؛ اذ عاصر ابو الاسود بعض الخلفاء الراشدين. وربما اثار ذلك الشك في فائدة تحديد عصور الاحتجاج بمئات السنين بعد عصر ابي الاسود. وسادساً: ان ابنة ابي الاسود تستعمل مصطلحات علم ابيها (الاستفهام، التعجب) قبل ان يخترع ابوها علمه.
اذا علمنا ان الحكاية تحكى بعد زمنها المفترض بوقت قد يطول او يقصر، فإننا لا بد ان نقرر بالضرورة انها تحكى بشروط زمن "الحكي" لا بشروط زمن "الحكاية". ولذا لا بد من القول: ان ما تقتضيه صورتها المحكية به هو ما اقتضاه ما في ذهن حاكيها وقت حكيها، لا ما يفترض انه حصل فعلاً. من هنا ينبغي التأكد ان اغفال نغمة السؤال مثلاً في الحكاية لا يشي الا بقناعة الحاكي ان الاعراب هو الذي يفرق بين المعاني المشتركة والمتشابهة، وهي قناعة سائدة عند المشتغلين بالنحو وشائعة في كتبهم، ولهذا غلب النحاة العلامة على غيرها من المورفيمات المؤدية الى المعنى، ومن ضمنها التنغيم. ولحن ابنة ابي الاسود الذي ألجأ أباها الى اختراع النحو لا يصور في حقيقة الامر الا قناعة الحاكي بغرض النحو، وهو صيانة اللسان من اللحن والخطأ، وهو امر لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب النحاة. وعزم ابي الاسود على صناعة علم يصون اللسان لا يمثل الا قناعة الحاكي بإمكان ان يبدأ شخص ما بإنشاء علم ما وقت ان يريد، ووفق ما تمليه الظروف والحاجة.
إذاً لقد اشتملت الحكاية على ما يوافق شروط الزمن المتأخر عن زمن ابي الاسود الذي تزعم الحكاية ان الحادثة وقعت فيه. ولهذا لا بد ان نجعلها حكاية، ولو حدثت فعلاً لكانت واقعة او حادثة تاريخية. والعجيب ان اكثر الناس يتعاملون مع هذه الحكاية على انها جزء من تاريخ النحو حقيقة لا ادعاءً، ويدرجونها فيما يسمى بتاريخ النحو. والعجيب ايضاً ان مضامين هذه الحكاية قد شكلت تصور الباحثين - بصورة صلبة لا يكاد يداخلها شك - حول النحو وغرضه ونشأته وفق ما ذكر اعلاه. ولم يلحظ احد  منهم العلاقة الجدلية بين اثر التصورات المذكورة في نشأة الحكاية واثر الحكاية في تثبيت المفاهيم المتصلة بالعلم الذي تفصل الحكاية نشأته.
حجبت هذه الحكاية عن انظار الدارسين فرضية، هي البدهية والاقرب الى منطق الاشياء والاولى بأن تكون منطلقاً الى تصور نشأة العلم وتناميه من فرضية الحكاية المغرقة في البعد، هذه الفرضية هي انه علم توصل إليه - كغيره من العلوم الاخرى في كل عصر - بالتأمل في الظاهرة (اللغة)، وانه علم تنامى وتراكم عبر جهود اجيال من المهتمين الذين اضاف كل واحد منهم الى جهود الآخرين شيئاً ما حتى وصل العلم الى ما وصل اليه. سلبت هذه الحكاية عن علماء العربية اهم انجازاتهم، ونسبتها الى شخص واحد لو لم يوجد ما فعلوا هم  شيئاً، مع انه في الوقت نفسه لو لم تلحن ابنته في حضرته لربما لم يكن لينجز العلم. وصرفت مضامين الحكاية الانظار عن تصور طبيعة العلم المسمى بالنحو الحقيقي، وهي انه تحليل الظاهرة اللغوية والتعرف الى "نظامها" الذهني المستقر في اذهان الجماعة اللغوية، ولعل هذا من اكبر مساوئ تلقي الحكاية على الاطلاق. وعلة ذلك ان صيانة اللسان من اللحن والخطأ حلت في الاذهان محل تفسير النظام اللساني للجماعة اللغوية الواحدة من غير نظر الى لحن او غيره. مع ان النحو عرف انه اكتمل قبل ظهور مظاهر اللحن، اي: في حدود ما سمي بعصور الاحتجاج.
نشأة النحو ونشأة غيره:
اذا تأملنا حكايات نشأة غير النحو وجدنا بنية الحكايات تكاد تكون واحدة، ومنطلقها يكاد يكون واحداً. تنطلق عادة من تصور غرض العلم القائم في ذهن حاكيه بعد اكتماله، على غرار حكاية ابي الاسود وابنته. حكوا ان الخليل حين انشأ - من العدم ايضاً - علم العروض اطرق الى دقات الحدادين في سوق النحاس. ولما رأى الحاكي ان العروض وتقطيع ابيات الشعر يحتاج الى استغراق في الانصات العميق وانشغال به عن كل شيء الى حد عدم شعور المرء بمن حوله حكى نهاية الخليل المؤلمة بموت المسكين على اثر اصطدامه بعمود، وفي رواية اخرى بسقوطه في النهر. ولما كانت القناعة بأن الإنسان يستطيع ان ينشئ علماً متى أراد، كما سبق التنويه، حكى الحاكي ان الخليل لما فاقه تلميذه سيبويه في علمه الذي علمه اياه، غضب واقسم ليأتين بعلم لا يستطيع سيبويه او غيره التفوق عليه فيه، فذهب فأتى بعلم العروض.
منطق الحكاية في هذه المواضع وما يشبهها يفارق بصورة واضحة منطق نشأة العلوم الطبيعي الذي يوصل اليه التأمل في العلوم بلا ضغط من منطق الحكاية. فالنحو - كما يقتضي منطق اكتمال العلوم واستقلالها من غيرها - اكتمل بوصفه علماً بعد تراكم الجهود في تأمل ظاهرة اللغة، والنظر في نظام الخطاب في مستوى الابلاغ والتداول.
والبلاغة اكتملت بعد تنامي جهود العلماء في النظر الى طبيعة النص الأدبي المفارق لنصوص الخطاب الإبلاغي التداولي. والعروض بعد تراكم النظر في نظام اوزان الشعر وقوافيه. والفقه بعد استجماع شذرات من الاجتهادات المتفرقة على مدى العصور، واصول الفقه بعد اكتمال تصور اسس نظام كل منظومة من منظومات الاجتهادات والرؤى، وهكذا. منطق الحكاية في هذه المواضع لا يتماشى الامع مفهوم "الاسطورة" الذي هو "حكاية" وبالتحديد "حكاية نشأة الاشياء" كما يقرر مرسيا إلياد وغيره. هذا وللحديث بقيه.




 

بقية المواضيع

في حلقة خاصة للطفل شخصيات طاش تتحول إلى شخصيات كرتونية
رواية "إحدى عشرة دقيقة" للبرازيلي باولو كويلو ..سرد بسيط يقارب موضوعة الجنس المعقدة!
حوار مع الروائي الجزائري واسيني الأعر جرجل محاصر يكتب مذكراته هو على حافة الموت أو الجنون يكتب حتى لا يجن
نجوى بركات في روايتها الجديدة سدنة الكلام وسلطة المعرفة
الحكمة مقلوبة  ( 1- 2)
احتضار الأنتيج لنسيا العربية
الفلز والسمندل باسكال كينيار: ظلال هاربة وعالم مزهر
إدوارد سعيد يكتب عن الحرب الغبية وفرويد وصور المثقف
قصص قصيرة جداً
التّفكيكيّة تفقِد أحَدَ أكبر مؤسِّسيها...
شذرات
قراءة في أوراق شاعر العضيلة: شكر النظم والرد
الصوم جُنة
أبو العصافير يذبح على يد الإعلان خالد سامي يعاني من حالة اكتئاب حادة
الحكاية المؤسِّسة  (2/1)
وجوه حكم البشر ويوم آخر تتكرر من جديدهل سيتجاوز المسلسل القطري "بعد الشتات" عقبة الفريق الواحد
مسلسل (الدم والنار) يكسر المألوف في الدراما المصرية الرمضانية
"لوفرضنا" تجربة جديدة لإزالة الأقنعة
النجمة المتوارية
الريموت كنترول (يلخبط) اختيارات المشاهدين
شماليل
بيت وصدى
أكلات شعبية على مائدة السحور الجازانية
المدينة التي بحرها دمي!
ثقافة المركز
قصص عبد الله الناصر تبحث عن فكرة البراءة وترفض تشييء الانسان
هل قطعت رائحة البارود الطريق إلى كابل؟
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | أيام رمضان | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

أيام رمضان

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم



إنضم إلى قوائم
الرياض