Monday 21 January 2002 No.12264 Year 38 الاثنين 07 ذو القعدة 1422 العدد 12264 السنة 38
مواضيع الصفحة
" الرياض " تخترق الوعر اكتشاف مقابر مجهولة في كهوف جبال رنية
قضاء ليلة مع الهياكل والجماجم في مغارة موحشة


" الرياض " تخترق الوعر اكتشاف مقابر مجهولة في كهوف جبال رنية
قضاء ليلة مع الهياكل والجماجم في مغارة موحشة

تحقيق وتصوير فالح الشراخ

كانت الساعة تدق ثوانيها في عد تنازلي لتعلن مع أول نسمات الصباح الباكر ساعة الصفر لموعد إنطلاق رحلة "الرياض" نحو اكتشاف جديد في مجهول لا يعرف منه سوى المشهد الخارجي لتلك الهضاب والجبال العالية المنغلقة والتي حالت وعورة الطريق دون الوصول إلى دواخلها ومعرفة هذا المجهول من سلسلة جبلية متزاحمة تقع في صحراء محافظة رنيه ما جعلنا نسير ركابنا رغم وعورة الطريق وخطورة الحركة عليه وصعوبة التسلق لتلك الجبال هو الحديث عن شيء يتداوله معظم كبار السن من بادية المحافظة حول سكن الإنسان منذ القدم لكهوف وجبال رنيه هذه الجبال الجرانيتية الملساء التي حوت بداخلها أشياء كثيرة ومنها كيفية استغلال الإنسان الأول لها وتكيفه مع ظروفها الجغرافية والمناخية، كانت رحلتنا نحو تلك الجبال لنتعرف على دواخلها ومن بقي يعيش فيها من إنسان أو أحياء فطرية. لقد كنا على استعداد مسبق لهذه الرحلة بحيث تم تجهيز احتياجات الرحلة وأدواتنا الصحفية وأخد الاحتياطات لكل شيء نظرا لوعورة المنطقة وصعوبة السير فيها.. انطلقت رحلتنا وسط أهازيج مرافقي الرحلة وسعادتهم باكتشاف المجهول في هذه الجبال لقد أخذت رحلتنا طابع الترحال ولكنني بدأت التجهيز صحياً لهذه الرحلة منذ الإنطلاقة الأولى بحيث يحتوي التحقيق مسار الرحلة حتى نهايتها. انطلقنا باتجاه الشمال الغربي وبعد أن فارقنا أول نقطة اسفلتية أشار دليل الرحلة إلى أهمية التأكد من توفر الاحتياجات حتى لا نعود مرة أخرى وتتعثر مسيرة الرحلة بعد مرور أكثر من ساعة قطعنا خلالها منطقة صحراوية تتخللها الطرق البرية لسكان البادية وكان طابعها النباتي نبات الرمث وأشجار الطلح الكبيرة وكانت شمس ذلك الصباح قد كست الأرض الصحراوية من حولها بأشعتها وخيوطها الذهبية في منظر بديع حيث يلوح في الأفق وكل ما يسقط نظرك عليه جمال طبيعي ولوحات رائعة تحكي جمال الصحراء في ساعات الصباح الأولى فهناك بعيداً قطيع من الإبل وفي المقابل هضاب عكست ضوء الشمس وفي الأفق سلسلة جبلية تباينت ارتفاعات قممها كنت أنظر إلى بصر دليل الرحلة ينطلق نحو هدفنا وكأنه سيتحدث عن قرب المسافة إليه ولكنه أشار إلى أنه بقي أكثر من ساعة للوصول إلى الهدف والمنطقة التي نريدها، وقال إن الرحلة ستتوقف لتناول القهوة وإفطار الصباح حتى نكون على درجة من النشاط والحيوية قبل وصولنا إلى السلسلة الجبلية. لقد شعر الجميع بسعادة لا توصف أثناء تناول وجبة الإفطار والتي أصر قائد الرحلة أن تكون على الطريقة الشعبية حيث أوقدنا النار وقمنا بإعداد خبز من الدقيق الذي معنا بالإضافة لوضع السمن البري عليه كنت خلال ذلك أنظر طريقة الإعداد التي تشابه طريقة الأجداد فأدركت كم هو عظيم إنسان ذلك الزمن الذي استطاع أن يتكيف مع ظروف الصحراء ويستفيد من عناصرها رغم قساوتها في معيشته وترحاله.. بعدها قمنا في عجالة نحو ما يلوح في الأفق البعيد ولاحظت أننا كل ما اقتربنا من المنطقة تزيد وعورة الطرق وندخل في منطقة ذات صخور بركانية متناثرة يتخللها بعض الأعشاب التي غاب عنها المطر لفترة طويلة ثم أصفرت وبعد مرور أكثر من نصف ساعة تغير الطريق بحيث لا يمكننا السير إلا بعد معاينته من قبل الدليل وقال إن هذه تسمى الحرة وهي صبعة المسالك وأتعبت أهلها من قبلنا ولكننا سنجد بعض الطرق عبرها وبعد مسير أكثر من ثلاثة كيلو مترات علقت السيارة في شق صخري وقد هون الدليل وقائد الرحلة الأمر حيث تم رفع السيارة ووضع صخور في الشق وتحركت السيارة من مكانها ثم تلتها السيارة الأخرى التي تحمل الأمتعة وبعد التوغل في تلك الحرة لاحظنا ملامح لبعض المفترسات الطبيعية مثل الثعالب البرية والقطط البرية كما يتخلل الأجواء أحياناً أسراب من الحمام الذي يتخذ من شعاب الحرة مرتعاً له حيث يوجد بها أشجار الطلح والسرح وبعض النباتات الصغيرة التي تتغذى على بذورها.. كان الجميع يخلد في صمت يتأمل طبيعة المنطقة الصحراوية من حوله وكأننا وسط منطقة بركانية يلاحظ أنها جفت قريباً من خلال تلك التجعدات للصخور البركانية بالإضافة للتشققات التي تتخللها طلبت من قائد الرحلة أن يتوقف لنشاهد ما يوجد في هذه التشققات توقف الجميع وحذرنا قائد الرحلة والدليل من خطر السقوط بها حملت آلة التصوير والتقطت صوراً لها شاهدت فيها بعض الزواحف وآثار للثعابين وفي أسفلها الذي يبلغ عمقه أكثر من خمسة أمتار مجموعة من عظام المواشي مثل الإبل والأغنام التي سقطت بها ولم تستطع الخروج وقال دليل الرحلة إن سكان البادية قديماً كانوا يقومون بالنزول إلى الناقة التي تسقط في الصدع ويخرجونها ثم يقومون بتقطيعها وأكل لحومها بدلاً من أن تذهب هدراً لصعوبة إخراجها وهي سليمة.. والنزول وسط هذه التصدعات تكمن خطورته في وجود الثعابين وضيق الصدع الذي لا يتسع لفرد واحد.. واصلنا مسيرتنا ورغم طول هذه المسافة التي قطعناها إلا أننا لم نجد من يسكن تلك المنطقة الصحراوية الوعرة ولم نشاهد فيها سوى أفراد متقطعة من الإبل وما هي إلا دقائق حتى لاح في الأفق خيمة وأدركنا أن لهذه المنطقة سكانها الذين استطاعوا أن يتكيفوا مع ظروفهم من حيث وعورة المنطقة وصعوبة الحركة فيها إلا في حدود ضيقة وأثناء مقابلتنا لأحد سكان المنطقة والذي اعتلت وجهه سمرة من أثر الشمس وخشونة في الأيدي والأرجل وعند سؤالنا له عن كيفية المعيشة في هذه المنطقة الوعرة قال لقد عاش فيها آباؤنا وأجدادنا وقد تكيفت مواشينا معها من الإبل والأغنام رغم أن الإبل تفضل الأماكن السهلة والمناطق الرملية ومن علامات تكيفها الطرق التي تراه تتخلل الصخور وأشبه ما تكون بطرق القوافل قديماً وقد استطاعت مع مرور الزمن شق هذه الطرق من المراعي والى موارد المياه ولنا في هذه المنطقة آبار مياه وأملاك واستطعنا التكيف مع ظروفها، وعن سبب اختيار هذه المنطقة الوعرة لتكون مرتعاً للمواشي ومقر سكن لهم قال يتخلل هذه المنطقة أماكن تسمى القيعان ويوجد بها مراع للمواشي وبها نباتات حولية تستمر طوال العام خلاف المنطقة السهلة والتي تقتلع نباتاتها الرياح خلال فترة وجيزة. وهي منطقة تكثر بها الثعابين وخاصة الصل الأسود شديد السمية ويقول أيضاً أن هذه المنطقة سكنها الإنسان منذ القدم ويوجد بها آثار وقبور قديمة وفيها "جداير" وهي بناء من الصخور يطل على المناطق المكشوفة واستخدم لأغراض التحصين الحربي. أما الجبال العالية فإنها صعبة جداً ويوجد لها صخور متناثرة يصعب وصول السيارة إليها وفيها خطورة على الذي يسير على قدميه من حيث عدم ثبات الصخر وكثرة الثعابين. وقد سألنا عن سبب تواجدنا في هذا المكان فقلنا أننا من جريدة "الرياض" ونريد أن نتعرف على طبيعة المنطقة والأماكن التي سكنها الإنسان قديماً وغير ذلك ودعناه وقد قام بضيافتنا على أكمل وجه وحذرنا من خطورة التحرك في المنطقة البركانية ذات التصدعات الكبيرة.. توجهنا بعد ذلك إلى الجبال التي تعلو منطقة الحرات وقد شارف ذلك اليوم على الانتهاء حيث كانت شمس الأصيل ترسل أشعتها مودعة ذلك اليوم في تلك المنطقة الصخرية والتي زادت وحشتها مع دخول المساء وكان دليل الرحلة يشير إلى أحد الكهوف والذي سيكون مبيتنا به وبعد أن غطى الظلام هذه المنطقة بدأت تلوح في عدة أماكن انعكاسات لعيون الثعالب والقطط البرية إن لم يكن معها الذئاب، هذه الدراما الحية التي وضع عليها مؤشر صوت اليوم وعواء الثعالب أعطت المكان شكله الطبيعي.. وبعد وصولنا إلى الكهف أشار علينا قائد الرحلة بأن نقوم باشعال النار داخل الكهف من أجل الإضاءة والدفء وإبعاد السباع عن المكان وبعد دخولنا للمكان أحسسنا بالدفء وقد شاهدت بعد إشعال الإضاءة بعض النقوش والرسومات لبعض الحيوانات، أعددنا عشاء تلك الليلة وكانت ليلة جميلة تبادلنا فيها الأحاديث وبتنا والبعض يخطط لمشوار الغد نحو الأماكن التي بها بعض الملامح لمعيشة الإنسان.. استيقظنا في اليوم التالي مع ساعات الفجر الأولى وكان أول شيء عمل هو إيقاد النار لنعد الإفطار على الطريقة التقليدية وبعد الإفطار صعدنا لأماكن في أعلى الكهف لنكتشف وجود مقابر قديمة وهياكل عظيمة ونقوش وأماكن تجمعات للمياه وكأن المكان احتضن معيشة لإنسان قديم التقطنا بعض الصور لها في عجالة واستوقفنا منظر أحد الهياكل العظمية القديمة وهو بين الصخور وقد أثر في تماسكه مرور الزمن. عدنا بعد ذلك رغم صعوبة الطلوع والنزول من هذه الأماكن لنجد في طريقنا أيضاً بعض الأماكن الأثرية والجداير. واصلنا مسيرنا نحو العودة بعد أن حملنا معنا الشيء الكثير من المعلومات عن هذه الأماكن صعبة المسالك وكيفية معيشة الإنسان والحيوان بها. وفي آخر نقطة كانت تفصل تلك المنطقة الصخرية الوعرة والمعروفة باسم الحرات عن المنطقة السهلة كانت شمس الغروب لليوم التالي تغيب خلف الجبال وكأنهاتضع نهاية لرحلتنا هذه.ن

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | حفل "الرياض" ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

تحقيقات صحفية