ارتداد للداخل ما قالته الحيوانات
شريفه الشملان
عندما كنا صغاراً كانت الجدات يقدمن لنا قصصاً جميلة على لسان الحيوانات، أستاذنا الفاضل عبدالكريم الجهيمان جمع لنا كثيراً من تلك الحكايات في خمسة مجلدات، وعندما كبرنا رحنا نقرأ عنها الكثير ومن بينها كتاب (أبن المقفع) (كليلة ودمنة) الذي يقدم لنا الدروس والعبر على لسان الحيوانات، وكان شيئاً جميلا ان يستمع أطفالنا لحكايات جميلة نقصها على لسان الحيوانات ونخترعها، لنبدع ونحن نقص ولتكون مادة لتدوير وتواتر الحكايات. نبدأ عادة بالقول بالزمن القديم جداً جداً، عندما كان كل شيء يتحدث الحيوانات والأشجار والصخور، ومن ثم نسترسل، فاذا ما بعث ولد نبيه سؤالاً: ولماذا صمتت؟ لن نحار بالجواب فأما لأن الإنسان لم يدع لها مجالا للحديث أو لأن الله سبحانه وتعالى غضب من البشر فمنع عنهم كلام الشجر والحيوانات ما عدا سيدنا سليمان، وعندما ينبثق سؤال آخر: وهل تكلم الحيوانات بعضها بعضاً؟ لن نحتاج لذكاء لنبرهن انها تتخاطب خاصة عندما يعلو مواء القطط وهي تتجاوب مع بعضها البعض. أو النمل وهو يسير في خط مستقيم يتبع بعضه بعضاً.. قد نرى أن المقدمة أخذت جزءاً أكبر من مقالي نفسه لكنها ضرورية لانني سأتحدث عن كتاب جميل للاطفال لكنه ككتب (ابن المقفع) يصلح للصغار والكبار ذلك هو كتاب الكاتب الايراني (ضمد بهرنجي)، (خوخة وألف خوخة) والذي كثر الاخذ والرد حوله وحول قصصه، وخاصة ان اغلب من عمل دراسات لقصصه قاسها على عقل الكبير، ورفض قياسها على عقول الصغار، ولقد تمت محاولة ربطها بايدلوجيات، أما دينية أو يسارية، فكل فريق يفسرها أما ضده أو معه دون التفكير فيها بعقل الأطفال وأي الاشياء يمكن ان تمنحها للصغار. كما منحت كليلة ودمنة المعرفة والامتاع والحكمة. لنأخذ قصة السمكة الصغيرة السوداء من المجموعة آنفة الذكر، القصة باختصار شديد تدور حول جدة الاسماك وهي تحكي قصة السمكة الصغيرة السوداء لصغار الاسماك سمكة صغيرة سوداء تبحث عن المعرفة، وعن الجديد، وتريد ان تذهب إلى منبع النهر، لكن الكل يقف ضدها، والكل يحذرها، لكنها تصمم وتخاطر وتذهب، أثناء ذهابها لا تنسى الحذر ولا تنسى ان هناك اعداء كما ان هناك أصدقاء ممكن ان يساعدوها، تأخذ الحكمة وتتعقل كثيراً وتعرف أسباب النجاح والبقاء حية رغم المخاطر حتى تصل لمطلبها،وحتى ينهيها بهرنجي نهاية أثارت المحافظين عليه كالتالي (ونامت الجدة ولكن سمكة صغيرة حمراء لم يغلبها النوم مهما فعلت، وظلت تفكر في البحر طوال الليل وحتى الصباح) واعتبروا ان الاشارة للون الأحمر له مغزاه، في حين ان اليساريين فسروها تفسيراً يجعل من السمكة السوداء برجوازية، ولعل الحقيقة لا تعدو ان القصة للاطفال يتمثلون من خلالها البحث عن الجديد والتعلم والتفكير، ومن يحكم على تلك القصص هم الصغار لا الكبار. وعودة لاحاديث الحيوانات التي جرت أغلب القصص على ألسنتها، أو ألسنة اللعب والدمى حيث اعتبرها البعض غير منطقية وغير صحيحة وبها ضحك على العقول!! (فالحيوانات اصلاً لا تتكلم ولا تفكر أصلاً ولا ترسم الخطط، وما يحدث في قصص صمد مغاير تماماً لما يحدث في حياتها الطبيعية!!) وهذا قد يحيلنا إلى سؤال أزلي هل الأدب يحكي الواقع ام انه يطير بهذا الواقع إلى عالم آخر؟، وإذا كان يحكي الواقع المعاش فما الفرق بينه وبين الكاميرا؟. ثم أليس عالم الحيوان عالم جميل زاخر ممكن ان يعطينا الفكرة والحكمة، ويعلمنا الكثير، ليس للصغار فحسب ولكن حتى لنا نحن الكبار. وهذا العالم الزاخر الذي لا يتكلم ألم يعلم الإنسان أشياء كثيرة من النظام إلى الجد والمثابرة، إلى تعلم الطيران والرادار وأشياء لا تعد ولا تحصى، الحيوان صامت لكنه خير معلم وان قيل كيف كان بامكان كليلة التي لا لسان لها أن تسمع من دمنة التي لا تتكلم!! لعل ذلك يحيلنا إلى غربلة النصوص العالمية الجميلة ليتم تسفيهها وعدم استخلاص المثل والعبرة منها واول تلك حكاياتنا المعتقة والتي تحكيها الجدات وتتلقفها الأمهات لتعيد صياغتها. أخيراً ان كتاب (صمد بهرنجي) خوخة وألف خوخة للاطفال لكنه ممتع للكبار ايضاً. ل
|