الفنان محمد العلي.. ذكريات وآمال بقلم: عبدالله المحيسن *
عندما كنت أحد طلاب معهد العاصمة بالرياض في بداية الستينات الميلادية التحق بالمعهد عدد من الطلاب الذين تلقوا بعضاً من دراستهم بالخارج وكان من بينهم شاب ممتلئ بالحيوية والمرح ذو شخصية مميزة استطاع أن يكسب محبة زملائه خلال فترة وجيزة، وتمكن من الاستحواذ على احترام الجميع وحبهم ومودتهم، ذلكم هو الفنان المحبوب الفقيد الراحل محمد العلي الذي رحل عن دنيانا الفانية يوم الخميس 1422/10/19ه، ولحق به والده بعد أربعة أيام أسأل الله تعالى أن يسكنهما فسيح جناته وأن يلهم ذويهما الصبر والسلوان.كان يرحمه الله شعلة من النشاط والحيوية متدفق العطاء سواء في المعسكرات الكشفية أو حفلات السمر أو على خشبة المسرح المدرسي. كنا كطلاب في المعهد وزملاء للفقيد الراحل نتمنى أن نكون في مستوى موهبته وطاقته وتفاؤله الدائم. ومن خلال المسرح المدرسي تميز محمد العلي في تجسيد الأدوار التمثيلية التي كانت تسند إليه ويشجع زملاءه المشاركين ويتعاون معهم ولا يدخر جهداً في سبيل تقديم المزيد والمزيد من العطاء والتألق.كانت آمالنا وأحلامنا بنهضة فنية شاملة في المملكة ليس لها حدود، وكنا متلهفين للعودة إلى بلادنا لنترجم تلك الآمال والطموحات إلى أعمال وانجازات فنية تسعد الناس وتساهم في نهضة الوطن.ورغم أن الراحل العزيز قد التحق بالخطوط الجوية السعودية وشركات كبرى بحكم تخصصه إلا أن عشقه للفن كان مسيطراً عليه ويستحوذ على اهتمامه ومشاعره، فلم يستطع أن يخلع ثوب الفنان رغم الوظائف والمناصب المرموقة التي تقلدها والتي كان من الممكن أن تحقق له مكانة كبيرة وتدر عليه مبالغ طائلة، إلا أن توجهاته ومشاعره كانت تقوده باستمرار إلى خشبة المسرح ومن بعدها مايكروفون الإذاعة وعدسة الكاميرا.مارس الفقيد الراحل الإعلام والفنون بشمول مذيعاً وممثلاً ومسرحياً وإذاعياً وتلفزيونياً وكاتباً درامياً وصحفياً ومنتجاً. كان معطاءً مخلصاً في كل جوانب حياته.لم يكن دافعنا لسلوك طريق الفن هو الشهرة أو جمع المال ولكن الأساس في ذلك هو الاحساس بقيمة الفكر والثقافة والفنون في حياة المجتمع وأهميتها كمرآة تنعكس من خلالها النشاطات والتفاعلات الإنسانية بأوجهها المختلفة.كان ذلك الجيل يحمل شعوراً بالمسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه، وضرورة أن تقوم شريحة من أبناء الوطن بنهضة ثقافية وفنية وإعلامية مواكبة للنهضة التعليمية والمعمارية والتجارية وكان من الضروري أيضاً التجاوز عن النظرة القاصرة التي كان ينظر بها المجتمع للفنون ومن يمارسها.وخلال الثلاثين عاماً الماضية قدم الكثيرون من أبناء هذا الوطن ما تمكنوا من تقديمه وليس كل ما يمكنهم تقديمه ومنهم من لا يزال يحاول ويواصل ومنهم من انتقل إلى الحياة الأخرى قبل أن تكتمل الآمال وتتحقق الطموحات، وبغض الطرف عن جهودهم وتفانيهم وإخلاصهم وإبداعاتهم وتضحياتهم مما يشعرهم بالإحباط والإنزواء فكم من المواهب الواعدة التي كانت ستساهم في إثراء الفكر والثقافة والفنون في بلادنا فيما لو وجدت العناية والاهتمام والدعم والمساندة والاستثمار السليم؟ ومن المؤسف أيضاً أن تتبدد الموهبة والإبداع تحت وطأة التجاهل والإهمال، وأن يعيش الفنان وهو في حالة صراع بين ما يريد أن يخدم به وطنه ومجتمعه وبين النظرة القاصرة إليه. وفي ظل هذا المناخ يجد الفنان أنه مطالب بالقيام بدوره الإبداعي من جهة، ومكافحة الإحباط واليأس من جهة ثانية، وتأمين ضروريات الحياة لأسرته من جهة ثالثة إلى أن تحين ساعته.لقد أثارت الوفاة المفاجئة للزميل والصديق الراحل الفنان محمد العلي في النفس شجوناً كثيرة وأعادت إلى الذهن آمالاً كبيرة كان الفقيد الراحل يعمل على تحقيقها وأعطى من فكره وجهده وطاقته وماله وصحته بلا حدود، وحتى آخر لحظة من حياته كانت آماله وطموحاته كبيرة ورغم الصعوبات التي واجهها إلا أنه كان متفائلاً ومتطلعاً إلى غد أفضل وانجازات أكبر، وقيام نهضة فنية موازية للنهضة الوطنية في المجالات الأخرى. وأن تتاح للمبدعين الفرصة التي تمكنهم من أبراز الوجه المضيء لوطنهم ومجتمعهم من خلال مواهبهم وطاقاتهم.رحم الله الفقيد الراحل فقد أعطى بقدر ما استطاع، وأنجز من الأعمال ما يؤهله لأن يكون في طليعة المبدعين من أبناء هذا الوطن، وإذا كنا لم نشعره بهذه الحقيقة في حياته فمن الواجب أن تحظى جهوده وتضحياته بما تستحقه من الاحتفاء والتكريم والله المستعان. * مخرج سينمائي
|