|
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف
جبلت النفوس البشرية منذ القدم على ذكر محاسن من غاب عنها غياباً أبدياً إلى الدار الباقية معرضة عما سوى ذلك..، نراهم يتسابقون في تأبين موتاهم وخاصة من لهم دور في الحياة يذكر ومكانة بارزة في مجتمعهم..، نراهم يسكبون غرر القصائد من عصارات مهجهم، وفيض مشاعرهم، وتجري أقلام الكتاب محررة كلمات التأبين من نفوس حرّى حزناً وتأسفاً على فقد ورحيل غاليهم..، فالرثاء أصدق مقولة وأبلغ تعبيراً عما تضمره الصدور، وتكنه النفوس، ثم يأذنوا لشريط ذكرياتهم معهم باستعراض مآثرهم، ومواقفهم الحسنة وما غرسوه وقدموه من فعل جميل قبل رحيلهم..ففي يوم الاثنين 1422/10/2ه رحل عالم بارز من علمائنا ورجل فاضل من رجالات الدولة المخلصين بعد عمر يناهز الثمانين عاماً إنه الشيخ الجليل ناصر بن حمد الراشد فمنذ مقتبل عمره وهو يتقلب في مناصب عالية يقفز من قمة إلى قمة، فلقد عينه الملك عبدالعزيز وهو في ريعان شبابه قاضياً في بلدة (المويه) احدى محطات الحجاج التابعة الآن إلى محافظة الطائف وبعد ذلك عين رئيساً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمكة المكرمة ثم انتقل الى رئاسة القضاء بمكة مساعدا لرئيس القضاء. بعد هذا عين رئيساً لمحاكم منطقة عسير، وفي عام 1380ه اختاره مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله ليكون رئيساً لتعليم البنات بعد تعذره عن رئاسة محاكم منطقة الرياض فأصدر الملك سعود رحمه الله أمره بتعيينه رئيساً لتعليم البنات ثم في عام 1397ه صدر قرار بتعيينه رئيساً لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وفي عام 1412ه صدر الأمر الملكي السامي بتعيينه رئيساً لديوان المظالم حتى طلب الإعفاء في الآونة الأخيرة نظرا لظروفه الصحية عام 1421ه وكان عضوا في هيئة كبار العلماء.وقد تدرج في تلك المناصب العالية بكل جدارة وكفاءة عالية، فسمعته حميدة تبقى معطرة بالثناء عليه يتبعه اريجها في جدثه لنزاهته، وإخلاصه، وقوة شخصيته المعروفة بكل ثقة ورزانة، وقد حظي رحمه الله بمكانة سامقة ومنزلة رفيعة لدى ولاة الأمر لما يتصف به من علم ومكانة وهذه سيرة ولاة امرنا حفظهم الله في تقدير العلماء ومكانتهم ومما دل على ذلك زيارة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد له في مستشفى الملك فيصل التخصصي قبل رحيله بيوم لما له من مكانة عالية لدى ولاة أمور هذه البلاد، فهم يقدرون العلماء امثال الشيخ ناصر، والرجال المخلصين في خدمة وطنهم..وله مآثر ومحاسن جمة لا يفرط التاريخ فيها ولا ينساها مدى الأيام.. منها ما تحقق اثناء عمله رئيساً لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، بدعم قوي لا حدود له من لدن حكومتنا الرشيدة في مجال التوسعة الهائلة الجبارة للحرمين الشريفين.. فقد أنصت لتوجيهات خادم الحرمين المتضمنة حثه على المتابعة وسرعة التنفيذ في عمل التوسعة، والمشاركة في اختيار اجود انواع الرخام الممتاز ضد حرارة الشمس وقد قال لي الشيخ ناصر في مناسبة من المناسبات إن الدولة اعزها الله بالطاعة جادة في جلب رخام ضد حرارة الشمس من جزر البحر الأبيض المتوسط أو قال من اليونان.. لوضعه في المطاف وفي ساحات الحرمين الشريفين، وقد عملت نماذج صغيرة حول الكعبة المشرفة من أنواع الرخام للمقارنة والمفاضلة بين تلك العروض المقدمة من بعض الشركات العالمية، بحضور مسؤول رفيع المقام في الدولة ولعله خادم الحرمين الشريفين امد الله في عمره، وقال الشيخ جئنا قبل صلاة الظهر لنضع اقدامنا حول الكعبة المشرفة على تلك العينات: قدم: على نوع، والاخرى على النوع الذي تم اختياره لامتيازه على سائر العينات، وقد ابدت وأيدت المختبرات صحة ذلك.ويقول ايضاً إن الشركة عليها ضغوط والتزامات في ذلك الحين، ومع ذلك قدمت الموعد بشهرين تقديراً وتكريماً لخادم الحرمين ولتلك البقاع الطاهرة مما جعل الحجاج والعمار يطوفون، ويسيرون في راحة تامة واطمئنان في عز الصيف وسطوع الشمس مرتاحين لبرودة البلاط الرخامي، ولسان حالهم وحال الجميع يرددون الدعوات للمتسببين في ذلك فجزا الله ولاة أمورنا، وشيخنا الأجر الوفير عندما يلقون ربهم. وستلوح وتشهد لهم ساحات وأسطح المسجدين بما خلدوه من مآثر جليلة تبقى على مر الدهور والعصور..، فهو لا يجامل في عمله على حساب ذمته ومسؤوليته والمصالح الشخصية فعمله دائماً يتصف بالأمانة وبالإخلاص والجد رحمه الله فمن فيض محاسنه عنايته رحمه الله بالحشمة والعفاف للمرأة ذلك ما حرص عليه رحمه الله من إلزام النساء والفتيات بارتداء لباس الحشمة الساتر لمفاتن الفتيات حديثات السن في المسجد الحرام، وخاصة في أيام الأعياد التي يكون فيها بعض التساهل من بعض أولياء أمورهن في تلك الأعياد، وغير ذلك من صفات الانضباط للأطفال ليتم الهدوء والاطمئنان للمصلين في سائر الفروض والأوقات كما تحقق في ذلك الوقت استبدال الدوارق وأواني الفخار بالترامس الصحية الحالية لماء زمزم المبرد، وغير ذلك من الترتيبات والتنظيمات.وله في اثنا رئاسة تعليم البنات نشاط منقطع النظير فقد شُيدت العديد من المباني العملاقة المدرسية في وقت قياسي.. وكثير من المنشآت، والتوسع الهائل في افتتاح المدارس الكثيرة، وتأثيثها بالأثاث الفاخر مع تأمين احتياجاتها من المعلمات والمواد الدراسية.. الخ، فالدولة اعزها الله قد أعطته الصلاحية الكاملة فيما يتعلق بتعليم وتثقيف شقائق الرجال، ورغم ما يضطلع به من أعمال جسام فإن كرسي العمل لم يعيقه عن العمل الميداني.وقد شهد له مسؤول كبير في الدولة بأنه من أقوى الرجال شخصية وصرامة، وثباتاً ومهابة، فالمجال لا يتسع للاسترسال في عد المزيد من مآثر ابي عبداللطيف متمثلين بهذين البيتين، ومتأسفين على رحيله:حجبت عنا وما الدنيا بمظهرةشخصاً وان جل الا عاد محجوباكذلك الموت لا يبقي على أحدمدى الليالي من الأحباب محبوباًرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه وأبنائه بنين وبنات وزوجاته، وأخيه الأستاذ عبدالله، ومحبيه الصبر والسلوان.{انا لله وإنا إليه راجعون}. مدير المتوسطة والثانوية بحريملا سابقا
|