Thursday 18 October 2001 No.12169 Year 37 الخميس 02 شعبان 1422 العدد 12169 السنة 37
مواضيع الصفحة
في ختام أعمال لقائها الثاني في بيروت برئاسة الأمير خالد الفيصل
الموافقة على النظام الأساس لمؤسسة الفكر العربي
الأمير خالد: تقديم الصورة الحقيقية للإنسان العربي من أولياتنا


4 ـ حكاية الحداثة
تسكين المتحرك


نائب العمدة (2/2)

في ذكرى مرور 2000سنة على صدور رائعة (التناسخات):
أوفيد.. شاعر الحب .. والأساطير


تأملات في الشعر النسائي الحديث:
كتاب الآثام رؤية فنية لهواجس القلق النفسي


رحلتي إلى مكة

تخصيص أرض في بريدة لإنشاء مقر للنادي..
الأميرفيصل بن بندر افتتح نشاطات الموسم الثقافي لنادي القصيم الأدبي


"الراوي" بين مرتاض والشنطي

تغريبة بني هلال
من الجزيرة العربية إلى بلاد المغرب


النقود الإسلامية.. رحلة عبر الزمن

سبورتي البعيدة

الإبداع بين الصحافة والنقد

و... مات الجسد .... وانتهت كل الحكايات

الظل بين الرعشة والرهبة

المستشفى

في ختام أعمال لقائها الثاني في بيروت برئاسة الأمير خالد الفيصل
الموافقة على النظام الأساس لمؤسسة الفكر العربي
الأمير خالد: تقديم الصورة الحقيقية للإنسان العربي من أولياتنا

بيروت ـ و.أ.س:

* اختتم اللقاء الثاني لمؤسسة الفكر العربي اعماله أمس في بيروت برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز أمير منطقة عسير ورئيس المؤسسة.

وحضر الجلسة الختامية الاعضاء المؤسسين لمؤسسة الفكر العربي وسفير خادم الحرمين الشريفين لدى لبنان فؤاد صادق مفتي.

وعقب الجلسة تلا صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير البيان الختامي للاجتماع اوضح فيه ان اعضاء ومجلس امناء مؤسسة الفكر العربي وافقوا على اهداف المؤسسة والبيان الختامي لاجتماعها الثاني.

وجاء في البيان ان المؤسسة تهدف الى تنمية الاعتزاز بثوابت الامة العربية وقيمها وهويتها من خلال المشورعات والبرامج الثقافية وترسيخ الافكار والفعاليات التي تعمل على تحقيق تضامن الامة العربية وتوحد جهودها لتصب في المصلحة العربية العليا.

كما تهدف الى العناية بمختلف المعارف والعلوم وتعميق الاهتمام بالدراسات المستقبلية والاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة المتاحة وتكريم الرواد ودعم المبدعين من ابناء الامة العربية وتحقيق وتفعيل التواصل مع العقول والكفاءات والمؤسسات العربية المهاجرة والاستفادة من خبراتها.

وتهدف المؤسسة أيضا الى التنسيق والتواصل مع الافراد والهيئات المعنية بالتضامن العربي والثقافي والفكري والهيئات والمنظمات الاقليمية والدولية ذات العلاقة بالشأن العربي واستحداث البرامج الاعلامية والثقافية التي تسهم في نشر الفكر العربي في العالم وتصحيح المفاهيم السلبية عن الامة العربية.

وفيما يختص بالنظام الاساسي وافق المجتمعون على النظام الاساسي وعلى استمرار اللجنة التحضيرية والتي انضم اليها اعضاء جدد بادارة المؤسسة حتى الاجتماع المقبل لمجلس الامناء المقرر عقده في بيروت خلال شهر يناير المقبل الاعلان في الصحف العربية المختلفة عن مسابقة لتصميم شعار المؤسسة تشكيل لجنة اعلامية لمناقشة المشروع الاعلامي المقترح على مجلس الامناء.

وجاء في البيان الختامي ايضا انه تم التبرع بشكل اولى بمبلغ مليون و 250الف دولار ليتم الصرف منها على المشروع الاعلامي المقترح.

وخلص البيان الى ان صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس المؤسسة اطلع المجتمعين على مباركة وترحيب الحكومة اللبنانية بهذه المؤسسة ووعدها بتقديم كل التسهيلات التي تسمح لها بالقيام بالدور المطلوب منها لتحقيق اهدافها.

وفي الختام توجه المشاركون في الاجتماع بالشكر والتقدير للبنان رئيسا وحكومة وشعبا على كل ما قدموه من دعم ومؤازرة لانجاح الاجتماع.

عقب ذلك عبر سموه عن الفخر والاعتزاز بوجود مجموعة من رجال وسيدات الفكر العربي في العالم العربي يؤثرون العمل الوطني العربي على المكاسب الشخصية ويقدمون الجهد والمال لخدمة الثقافة العربية في هذا المشروع الثقافي الكبير.

قال "اتمنى من كل قلبي لهم التوفيق والسداد واتمنى لهذه المؤسسة ان تصل الى الاهداف المرجوة لها وان يحقق الله سبحانه وتعالى احلام وامال الامة العربية وان لا تكون هذه المؤسسة هي المؤسسة الوحيدة في هذا المجال ولكني ارجو ان تكون النموذج الامثل الذي يحتذى به مستقبلا في خدمة الثقافة وفي خدمة الفكر العربي".

ثم اجاب سموه على اسئلة الصحافيين حيث اوضح سموه في رده على سؤال عن الخطوات العملية التي ستقوم بها المؤسسة لمواجهة التحديات التي تواجه العرب والمسلمين ان اولى الخطوات من ضمن الاهتمامات الاولية للمؤسسة هي اعطاء الصورة الحقيقية عن الانسان العربي للغيرعبر المشروع الاعلامي الذي اعتمد في ختام جلسات الاجتماع الثاني للمؤسسة لافتا سموه الى ان رصد اكثر من مليون دولار لهذا المشروع كمبادرة سريعة قبل ان تبدأ اعمالها بصفة يمثل الرد للاجابة على مثل هذا السؤال.

واكد سموه في رده على سؤال اخر انه ليس من تدخل سياسي من قبل الحكومة والمؤسسات في اعمال مؤسسة الفكر العربي ولكن هنالك تعاون بين الجامعة العربية ومكاتبها ومؤسساتها الثقافية وبين مؤسسة الفكر العربي.

بداية الصفحة

4 ـ حكاية الحداثة
تسكين المتحرك

د. عبدالله محمد الغذامي

* تأتي فكرة النسق الساكن بما انها أهم مرتكزات الرؤية في أي مجتمع محافظ، ولم يك موقف أهل مكة من رسالة الإسلام إلا ركوناً لدواعي الضاغط النسقي، فهم حكموا على دعوة الرسول ~ من خلال وزنها بما عهدوه عن الأسلاف، وكل ما يخالف المعهود السلفي سيكون مرفوضاً من حيث الأصل، ثم تأتي تبريرات هذا الرفض متلبسة بحجج ظاهرها موضوعي، وهي تخفي السبب النسقي مضمراً من داخلها، وتبدأ عمليات تشويه الخطاب الذي هو دخيل وطارئ حسب مقاييس النسق . ولذا رأينا صفات الساحر والمجنون والناقل من غيره الأجنبي، وأطلقوا على رسول الله ~ هذه الصفات لإسقاط مصداقيته الشخصية، ثم اتجهوا للخطاب ليحاولوا إسقاطه فوصفوه بالأساطير وبالشعر، مع دعوى نسخه من مصادر أخرى.هذه هي آليات الرد النسقي المستند إلى الجذر المحافظ، وهي آليات تتكرر بصورة ونسخ متنوعة، ولكنها على نهج واحد يأخذ بثلاث وسائل هي: 1 إشهار الاعتراض على الجديد بما انه مضاد للموروث. 2 السعي إلى تشويه الداعية بوصفه بصفات تجرح في مصداقيته. 3 السعي إلى تشويه الخطاب لإظهاره سلبياً وغير أصيل.هذه هي الآليات التي استخدمها كفار مكة لرد الرسالة الإسلامية، وهذه آليات لا تخص كفار مكة، بل نجدها في تواريخ الرسل كلهم، كما وردت في القرآن الكريم.ومن المهم هنا أن نعرف أن هذه في حقيقتها هي آليات النسق في الدفاع عن رسوخيته وفي مواجهة الطارئ المختلف. ولقد نصر الله رسوله ~ لأنه يحمل رسالة ربانية، ولذا تتعالى هذه الرسالة على كل ما هو بشري. غير أن المسائل البشرية ستأخذ مساراً آخر في الصراع ما بين نسق عريق متمكن، ونسق جديد يسعى إلى تحديد الساكن وتحريكه.على أن الصفة الجذرية في الثقافات المحافظة هي في تغليب السكون وإيثاره، والسكون يعطي راحة واستقراراً وتسليماً فطرياً، يجعل المجتمع أكثر إحساساً بالطمأنينة، وهي طمأنينة ليس من السهل التفريط بها.ولن يغيب عنا المثال اللغوي من أن الساكن في اللغة لا يتحرك، ولا يمكن له أن يتحرك، بينما من الممكن تسكين المتحرك، وتسكين المتحرك في اللغة كثير، ويحدث راحة في النطق، وحينما أخذ الخليل المقياس الصرفي كأساس للعروض، جعل من تعريفاته مؤشرات إلى تفضيل السكون وتحبيبه، فجاء مصطلح (السبب الخفيف) وهو ما ثانيه ساكن، في مقابل (السبب الثقيل) وهو ما تحرك في الحرفين معاً. مع ما تحمله كلمتا خفيف وثقيل من ايحاءات تتعلق بالراحة والانزعاج. حيث السكون خفيف ومريح، بينما الحركة تعب وعبء، ولقد جاء تفضيل (الزحافات) وهي في كثرة تسكين المتحركات، ولا تكون أبداً في تحريك الساكن.هذا نموذج لغوي وعروضي، يتحول إلى نموذج اجتماعي. وكل حركة اجتماعية هي اضطراب غير طبيعي، وسيكون مضاداً للسكون النسقي.ونحن لو تمعنا تاريخنا الثقافي (العربي كله) لتبين لنا بسهولة أن الوازع السكوني هو الغالب على نظام رؤيتنا للحياة وللزمن. وذلك منذ الجاهلية الأولى. وهي جاهلية ظلت تتكرر في ثقافتنا فترة بعد أخرى، بنظامها النسقي الذي ما يختفي فترة حتى يعود. وما حالات الارتداد عن الإسلام إلا محاولة تشف عن قوة النسق ومساعيه للعودة مرة بعد أخرى، مع بقائه في حالة كمون يتربص ساعة الانقضاض متى تحين، وكانت المحاولة الأولى عقب وفاة الرسول المصطفى ~ مباشرة، ثم تكررت في صيغ متنوعة لعودة الجاهلية بدلاً من التقدم المتطور. وهذا نسق يأخذ مواقعه في كل صيغ الحياة والمسلكيات حتى وإن بدا علينا بعض لبوس التغير الذي نسميه احياناً تحضراً وتطوراً، ولكنه في النهاية ليس سوى أنماط لنسق واحد تاريخي وكلي يعبر عن نفسه بصيغ مختلفة.حينما أقول هذا فإنني أحيل إلى أن الموقف من الحداثة هو الموقف إياه من الجديد، وهو الموقف إياه من الطارئ. وإن كان الجاهلي الأول قد وقف ضد الإسلام مع قداسة الرسالة واستنادها إلى الوحي الرباني الذي لا ريب فيه، إن كان ذلك الرفض النسقي للمقدس الرباني، فماذا سيكون الوضع مع خطاب ليس سوى اجتهاد بشري محدود...؟!. لا شك أن النسق هنا سيكون على الدرجة نفسها من التوسل بالحيل النسقية التقليدية، أي الركون إلى السالف كرد سريع على الجديد، والطعن بحامل الدعوى، وكذا الطعن بالخطاب ذاته. وهذه حبكة واحدة متكررة، بما أنها طبخة نسقية جاهزة للاستخدام وقت الضرورة. ولسوف نرى أن ردود الفعل على الحداثة كلها لا تخرج من هذا النموذج النسقي بأركانه الثلاثة. ولن أبرأ الحداثيين من النسقية، فنحن جميعنا نتائج ثقافية لنسق أصلي واحد، ولسوف تتكشف نسقية الحداثيين عبر طريقة استجابتهم للخطاب الرافض لهم كما سأوضح في إحدى هذه المقالات.وهذا ما أعنيه في عنوان مقالاتي هذه من وصفي لسؤال الحداثة على أنها (حكاية) وهي حكاية اجتماعية تقوم على حبكة محكمة، ظللنا كلنا أطرافاً في تمثيلها وتمثلها، سواء كنا معها أو ضدها أو حتى محايدين. وما من أحد منا إلا وله موقف منها بالضرورة. ولعل الوقت قد تهيأ الآن لقراءة هذه الحكاية، بعد أن هدأ إطلاق النيران، مما يوفر جواً من الهدوء يعين على تبين القصة من وجوهها كافة.كما أن ميزة الحداثة عندنا أنها صارت فيما بعد العام 1405ه (1985م) موضوعاً عاماً تناوله الجميع، حتى وإن كانت الحداثة أبكر من ذلك التاريخ، لكن تفجرها كحادثة اجتماعية لم يحدث إلا في تلك السنة لأسباب لا بد لنا من التساؤل حولها.وقد نجد أنفسنا أمام موضوع فريد في نموذجيته، من حيث اشتراك الكل فيه، ومن حيث حرية التحدث فيه من غير قيود، وهذه كلها صفات تساعد على قراءة مجتمعنا، وتفهم حقائقه النسقية، وما الحداثة إلا حكاية ستساعدنا على التعرف على المشهد الذهني لأبطال القصة وللمشهد الاجتماعي كعينة بشرية وحضارية على النموذج العربي العام.

بداية الصفحة

نائب العمدة (2/2)

د. محمد ربيع

* تقدم في الحلقة الماضية بيان لطبقية الكلام، وما يشبه أن يكون إنزالا لبعض الألفاظ في طبقات القادة والحكام، وجعلا لبعضها الآخر في دوائر المقودين المحكومين. وتبين لنا هناك استحقاق بعض أنواع الكلام ألقاباً سلطانية ترتفع بها في المنزلة عن غيرها، ونعوتا تخفض بها أقدار ألفاظ أخرى. واتضح ان من بين المناصب القيادية لطبقة القادة الحكام منصب "العمدة". ومن الأحكام المتعلقة بهذا المنصب وأشباهه "الرفع"، في مقابل "النصب" و"الخفض" اللذين هما من نصيب غير العمد. لكن ما معنى العمدة؟ ولم اختص المبتدأ والخبر والفاعل بهذا المنصب؟ ومن الذي اعطى الثلاثة الحق في حيازة هذا اللقب؟ ولم استحق الثلاثة الرفع دون غيره؟ وما معنى الرفع؟ وما الفرق بينه وبين النصب والخفض؟ وهل يلزم ان يكون في الكلام وأنواعه مراتب وطبقات؟ وما الفرق بينه وبين النصب والخفض؟ وهل يلزم أن يكون في الكلام وأنواعه مراتب وطبقات؟ وأخيراً: من جعل لكل طبقة خصائصها، أهم أصحاب اللغة المتكلمون بها أم دارسوها ونحاتها؟العمدة والعمد والعمود والعماد... وجميع المشتقات من جذر "عمد"، بل كذلك بعض تقلبات هذا الجذر نحو "دعم"، تعني إجمالا: ما تقوم عليه الأشياء وتنهض به. "وعميد القوم، وعمودهم: سيدهم. وفلان عمدة قومه: إذا كانوا يعتمدونه فيما يحزبهم". (لسان العرب: عمد. وانظر أيضا: دعم). والأقوام يحتاجون في كل زمن ومكان إلى قائد، هو عميدهم وعمودهم وعمدتهم. والناس بلا قائد لا يجمعهم نظام ولا تستقر حياتهم على قرار، فهم بغيره فوضى.إذاً إطلاق النحاة لقب "العمدة" على زمرة الألفاظ التي تتكون منها أجزاء التراكيب الاساسية، التي لا غنى للتركيب عنها ملحوظ فيه منزلة "عمدة" القوم فيهم، ومكانته التي لا غنى عنها عندهم. ويمكن الاطمئنان إلى القول: إن النحاة تصوروا للمرفوعات مكانا عاليا، ومكانا في مقابله منخفضا للمخفوضات، ومنزلة وسطا بين المنزلتين للمنصوبات. ف (الرفع) وان كان مصطلحا علميا ما يزال محملا بدلالات "الرفع" اللغوية، أي: الدلالة الرابطة بين المعنى الاصطلاحي للكلمة والمعنى اللغوي الذي بمعرفته يعرف طريق انتقال المعنى من عموم اللغة إلى خصوص الاصطلاح. وقل مثل ذلك في الخفض والنصب.ذلك ان ارتفاع العمدة في مقامه ومنزلته في قومه يقابله انخفاض في المقام لبعض القوم، ووقوع بعضهم الآخر في منزلة بين بين. وهو الأمر الذي يعني طبقية الناس الحتمية؛ نظرا لتفاوت مقاماتهم بين أقرانهم من سائر الناس.واطلاق لقب "العمدة" دون غيره من الألقاب يعني ايضا إلحاح اللقب السلطوي السياسي بخفية على الدهنية العربية التي رأت انه الأقرب إلى الارتفاع، وما يقابله لابد ان يكون أقرب الى الانخفاض. ورأت العقلية التي سيطر عليها سياق القيادة والانقياد، وسياق الارتفاع والانخفاض والتوسط في المنزلة، ما يناسب تلك المقامات من مصطلحات. إذ عكس مثلا مفهوما "التصرف" و"الاختصاص" حتى اصبحا يعنيان عكس معنييهما اللغويين تماما إذا التصفا بالحكم والحكام، كما اتضح في الحلقة الماضية. وما ذلك إلا ليناسب المفهومان المعنى السياسي الجديد. ورأت تلك العقلية اتفاقا كبيرا بين مواقف المرفوعة من غير المرفوعة، وتناسبا بين الصفات التي يمكن ان يتجه إلى الاتصاف بها من ينحو نحو القيادة في مقابل الانقياد، وبين ما ينبغي من الصفات في اللفظ الذي ينحى به نحو الرفع في مقابل غير الرفع.قد يبدو في الظاهر ان هذه الذهنية العربية تبدت في صورتها المشار إليها في المقام الأول عند النحاة لا عند المتكلمين باللغة من أهلها؛ لأن النحاة هم الذين اطلقوا هذا النوع من الألقاب السلطانية. غير ان النحاة في حقيقة الأمر لم يأتوا بتلك التصورات من عند أنفسهم. ولم تك المصطلحات ولا التصورات النحوية التي تنزل كل لفظ في منزلة بمعزل عن تصور اصحاب اللغة.ليس عمل النحاة الحقيقي بأكثر من إبراز معرفة الناس للغتهم. وهذه المعرفة اللغوية عند المتكلم ليست إلا مجموع التصورات الذهنية عند جماعة المتكلمين باللغة لنظامه الذي تسير عليه. وان التأويل النحوي الذي يلجئ النجاة إلى تقدير المحذوف، والزائد، والمقدم، والمؤخر، ...الخ، إنما هو في حقيقة الأمر إظهار ما في نفس المتكلم وبيان ما استقر في ذهنه مما أراد قوله وقصده وان لم يتفوه به. ولذا لابد لنا في النظر إلى ما عده النحاة انه من أسس التركيب الرئيسة وأركانه القوية وأعمدته الثابتة التي لا يستغنى عنها ان نعد نحن ذلك مما استقر أولا في ذهن المتكلم قبل ان يقول به النحوي. فالعمدة في التركيب عند المتكلم هو كما هو عمدة عند من قام بتحليل التركيب. وتسميته الاصطلاحية التي لجأ إليها المحلل اللغوي انما استعارها من لغة المتكلم بخلفياتها الثقافية وبإيحاءاتها الناشئة عن ثقافة الجماعة اللغوية نفسها.ان من أوضح الأدلة التي تؤكد عدم خروج النحاة غالبا عن ثقافة المتكلم باللغة وعن إيحاءات لغته ما تقدم في الحلقة الأولى من النماذج التي اضطر فيها النحاة للبحث عن نائب عن العمدة تال في المرتبة للنائب الأول (المفعول به). وسيطر على عقولهم في أثناء البحث استحالة الاستغناء عن العمدة، حتى وصل بهم الأمر احيانا إلى جعل الزمان أو المكان أو المصدر نائبا مع عدم إفادة احدها ما يفيده النائب الأول. ولا يتسع المقام الآن لبحث هذه القضية. ومما يدل على ذلك ايضا ما ذهبوا إليه في العلة التي بموجبها وزعت الحركات الثلاث (الضمة والفتحة والكسرة) على الألفاظ بحسب منازلها في الكلام. ويسير ذلك جنبا إلى جنب مع تسميات (الرفع والنصب والخفض).حاز المبتدأ على لقب العمدة لشبهه بالفاعل. ف "المبتدأ فاعل في المعنى" كما يقول النحاة. إذاً الفاعل من أهم العمد. ومن أهم العمد التي تقترب في المنزلة من الفاعل: الفعل، أي: فعل الفاعل. فإذاً الفاعل محور الأهمية في الفعل. اما الخبر فإن أهميته جاءته بسبب شبهه بالفعل؛ لأنه وصف يشبه الفعل. ولذا لا يستغرب القول: إن الفاعل الذي يوحي لفظه بالسلطة والسلطوية تماما كما يوحي بذلك لفظ العمدة وفعله الذي يشعره لفظه بنوع السلطة الممارسة، هما أهم ما في التركيب العربي. ومن أجل ذلك قيل: إن التركيب الاساس في العربية إنما هو التركيب الفعلي (الفعل والفاعل)، اما الاسمي (المبتدأ والخبر) فتال له في المرتبة أو محول عنه، وهذا قول كثير من اللغويين.غير ان النحاة حين أرادوا البحث عن مرشح تال للنائب الأول ينوب عن العمدة (الفاعل) لم يوفقوا في جميع الأحوال إلى الوصول إلى المرشح المناسب. ذلك لأن المرشح الذي أرادوا لم يستطع احيانا التخلي عن صفاته الذاتية التي كانوا يطلبون منه التخلي عنها؛ لأن التخلي عن الصفات الذاتية أهم مقومات التقدم لشغل النيابة، كما تقدم في الحلقة السابقة. فلما لم يجدوا غيره ممن يمكن ان يستجيب لطلبهم أبقوا عليه على مضض، مع انه لا يسير مع ما أرادوا منه. وهذا على أية حال يخالف ما استقر في ذهن المتكلمين وإن أراد به النحاة موافقته.mrabeea @ hotmail. com

بداية الصفحة

في ذكرى مرور 2000سنة على صدور رائعة (التناسخات):
أوفيد.. شاعر الحب .. والأساطير

د. طاهر تونسي

* في حياة الشاعر الروماني أوفيد تلتقي الحقيقة والخيال ويتزاوج العقل والوجدان. لقد نثر هذا البلبل المغرد أناشيده وسطر على جبين كتاب الأدب خطراته وحبه وعشقه ومجونه .. وسار شعره ما سار القلم وقد حجب الزمان الكثير مما انتج الأدباء وأبقى على نتاج الخالدين في عالم الأدب والشعور والخلجات والفنون. ومن هؤلاء الخالدين الذين لا ينفك شداة الأدب في كل زمان ومكان يلهجون بذكرهم أوفيد الروماني وهومر اليوناني ودانتي الإيطالي والمعري العربي وجوته الألماني وملتون الانجليزي وغيرهم.مسيرة عظيمة مؤثرة منذ ولد أوفيد في العام الثالث والأربعين قبل ميلاد المسيح في مدينة سولومنا النائمة الحالمة، الساكنة على بعد حوالي مائة ميل من روما العظيمة. وعندما نسمع بعام مولده فإننا نتذكر على الفور أنه نفس العام الذي توفي فيه الخطيب المصنع والقانوني المنطيق شيشرون صاحب الدور الموثر في قضية كاتالينا.ورحل أوفيد إلى المدن ليكتشف الذات الإنسانية ومشاعر الإنسان الجياشة. كانت لأوفيد العظيم محطات في كثير من مدن العالم.فهناك سنوات الصبا الغض الريان التي قضاها في سولومنا.وهناك الشاب الجميل الغرانق أوفيد في روما حيث أرسله والده إليها ليدرس الأدب والخطابة والقانون والشعر. ويظهر أوفيد الشاب الذكي اللماح في روما ويقرأ بإمعان أدب قدامى اليونان. وتبدأ ملامح فلسفة أوفيد في التبلور في العشرين من عمره فهو لا ينظر إلى الأساطير نظرة كمالية، إنه يكتشف العلاقة العميقة بين الشعر والأسطورة وتلازمهما.ويصدح الشاعر الشاب بالغناء والفن الرقيق.ويطيب لنا أن نذكر في البداية أنه على الرغم من أن أول كتاب صدر لأوفيد هو "البطلات" إلا أن قصائد الغزل التي نشرت بعد نشر هذا الكتاب كان قد شدا بها بين محبي الأدب بصور متفرقة قبل أن يجمعها في كتاب. وقصائد الغزل هذه هي اللوحات التي استوحاها من حياة بوهيمية عاشها في روما، ومن قصة حب حقيقية بطلتها فاتنة من غانيات روما لم يعرف اسمها على التحقيق بعد وقد سماها أوفيد باسم مستعار هو كورينا.وقد اندفع شاعرنا في عالم المتعة وكانت حجته أنه لا يمكن أن يكون في روما بعيداً عن الملذات كما قال في إحدى قصائد "الغزليات":"أرأيت يا صديقي .. لو أن هيبوليت ابن تيسيوس يعيش في روما معنا.. فإنه أكيد تحوله إلى بريابوس"وهيبوليت هو شاب عفيف دعته فيدر زوجة تيسيوس أبيه فامتنع عليها لحبه للعفاف والطهارة. وقد تناول هيبوليت الأديب الفرنسي راسين في رائعته فيدر، وبريابوس شاب ماجن داعر.وفي أثناء انشاده هذه القصائد في مجالس اللهو هذه القصائد الغزلية أصدر كتابه الأول "البطولات". كان تأثير الأسطورة اليونانية واضحاً جلياً وكان التزاوج بين المخزون الثقافي والإبداع الشخصي قد بدأ يشكل سمة ثابتة من نتاج المبدع أوفيد.لم يكتب أوفيد التراث كما قرأه في "البطولات" بل لقد تخيل في كل فصل من الفصول أن بطلة من البطلات قد أرسلت رسالة إلى أحدهم. فهناك رسالة كتبها أو فيد على لسان بنيلوب الوفيه لأوديس ورسالة من فيدر إلى الشاب الذي تبلها حباً وهو هيبوليت بن تيسيوس. ومن محتويات الكتاب رسالة من ديانيرا إلى هرقل ورسالة من هيلانه فاتنة الاغريق إلى باريس الأمير الطروادي، ورسالة من هيرو إلى لياندر. ويفتتن مجتمع روما بهذه الرسائل ويستعيرها بعض العشاق في رسائلهم، بل ويبلغ الأمر بشاب مغمور من محبي الأدب فيقوم بكتابة كتاب صغير يحتوي على ردود الرجال على رسائل النساء التي كتبها أوفيد.وتبتسم الأيام لأوفيد ويصبح اسمه على كل لسان ويجاهر باختلافه في الأسلوب الشعري مع مزجيل صاحب الإنياده ويرى في نفسه وتراً جديداً على القيثارة الرومانية، ويبدع رائعته "في الغرام" وهو كتاب يحتوي على ثلاثة أجزاء أما الجزءان الأول والثاني فيتناولان وجهة نظر الرجال وفي الجزء الثالث يعرض رأي النساء. يقول أوفيد في إحدى القصائد والديوان مترجم إلى العربية.الجمال ميزة هشة ما أسرع ما تخبو مع الأيام ويأتي عليها تعاقب السنين فالبنفسج لا يزدهر إلى الأبد والزنبق لا يفتر بالبسمة دوما والوردة إذ تذبل تخلف إبر الشوك.وعما قريب أيها الشاب الوسيم يكسو الشعر الأشهب رأسك بعدما يحفر الدهر أخاديده على بشرتك.إذاً فأبدع لنفسك روحاً مشوقة صنوا لجمالك.فهي لوحدها تبقى بجوارك حتى ساعتك الأخيرة فوق المحرقة واصقل فكرك بالفنون والآداب ولا تهون من شأنهما.وألف بعد في الغرام "علاج الغرام". ولو وقف انتاج أوفيد عند هذا الحد لما وقف بجانب هوميروس ودانتي وشكسبير وفرجيل. ولكن أوفيد صمم أن يقف على قمة شاهقة من قمم الخلود فبدأ تأليف رائعته الخالدة "التناسخات" الذي يحتفل العالم الأدبي بمرور ألفي عام على صدورها. لقد نظم أوفيد أساطير اليونان شعراً رائعاً ظل الناس يجدون فيه الجدة في كل قرن من القرون. نظم شعراً رائعاً بعيداً عن السردية. وقد أثرت التناسخات في أدب كل أمة. فنقلها إلى الانجليزية داريون وصاغها قصصاً منثورة أديب الطليان بوكاشيو، ونقل جزءاً منها نثراً بديعاً المرحوم الأستاذ دريني خشبة في الأربعينيات من القرن العشرين.نظم أوفيد قصائد التناسخات من أمثال برسيوس وأندروميدا وديدالوس وإيكاروس وقصيدة أورفيوس ويوريدس وغرام أتلانتا الفاتنة التي سميت باسمها إحدى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. وفي أثناء عمله في التناسخات شهدت العاصمة الرومانية روما حفلاً بهيجاً حيث شهد جمع غفير ضم فيما ضم الامبراطور أغسطس وماسينياس ومزجيل زوج أوفيد.وتابع أوفيد عمله وأصدر التناسخات وأحس الشاعر أنه يكتب أعظم نتاجه فكتب في آخر التناسخاتOmnia Viuam Per Saeculaوترجمتها: سأعيش إلى آخر الدهروبعد فترة من صدور التناسخات فوجئت الجمهورية الرومانية بأمر من الزعيم القدير أغسطس ينفي أوفيد من روما إلى شمال البحر الأسود. ولن نتحدث الآن عن سبب القرار ولعله من أسرار التاريخ، والتفصيل في الموضوع يحتاج إلى مقال خاص، ويلمح بعض كتاب التراجم أن أوفيد كان على علاقة مع يوليا حفيدة الزعيم أغسطس، كان عليه أن ينفذ أمر الامبراطور فتوجه إلى توميس وهي مدينة على البحر الأسود. ووصل شاعرنا الكبير ولم يرتح لتلك المدينة ولا أنس بها. وازداد مع مرور الأيام شعوره بالاحباط والكآبة والسأم والحزن.. واستبد به الشوق إلى رومة كما استبد بشاعرنا الشهيد أبي فراس الحمداني فينظم قصائده التي تقابل الروميات التي نظمها شاعرنا. وقد أفرغ أوفيد في قصائده أحزانه وآلامه فيقول أوفيد:مثل صديقات باخوس .. المجذوباتهكذا أنا .. تشتعل في روحي جذوةويصيبها مس من صولجان باخوسويرسل الاعتذارية تلو الاعتذارية إلى الزعيم أغسطس فلا يرق لحاله ولا يرحم روحه المعذبة. ويموت أغسطس ويقوم بأمر الامبراطورية من بعده ابن زوجته تبريوس. ويصل الخبر إلى الزعيم الجديد أن أوفيد قد توفي وسكنت القيثارة الخالدة التي لاينسى قراء الأدب صوتها المخملي الرائع.ويرق قلب تبريوس فيأمر برجوع جثمان أوفيد ويحتفل الشعب بدفن الشاعر القدير غير بعيد عن عاصمة الرومان الخالدة.

بداية الصفحة

تأملات في الشعر النسائي الحديث:
كتاب الآثام رؤية فنية لهواجس القلق النفسي

عبداللطيف الأرناؤوط

* عندما قرأت المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة "سعدية مفرح" بعنوان "تغيب فأسرج خيل ظنوني" تنبأت لهذه الشاعرة الواثقة من نفسها بمستقبل شعري واعد.. فاسمها يسيطر على مشاعر القارئ ويفرض احترامه .. وأنا من الذين تعودوا بسبب متابعتي الطويلة للنتاج الشعري الحديث ألا يبهرني الزلق الزائف .. لكنني أؤثر ألا أثبط عزائم أولئك الذين تورطوا في محنة الكتابة أو ركبهم شيطان الشعر لقناعتي أن طريق الإبداع لا يفضي دائماً إلى ما يصبو إليه المرء من تطلع للخلود، فما أكثر المتساقطين على الطريق، وما أقل الذين يثبتون..!!وليس لنا أن نتعجب أو نحتج إذ نرى في ميدان الشعر شعراء ينبتون كالعشب كل يوم، فلا أحد يعلم إن كان هذا سيستحيل زهوراً في آخر المطاف حين تصهره حرارة الشمس، أو يتحول إلى هشيم يابس. وكثيراً ما نفرح نحن أبناء القبيلة بروز شاعر ونقيم الأعراس، ونطبل ونزمر، ثم يتبين لنا ان العرس لم يكن إلا وهماً، مثلما نتوقع سقوط المطر بعد برق خلّب أو رعد مزمجر يزعزع أركان السماء، لكنه لا يحمل لنا الخصب أو النماء.أعود فأؤكد أن الأمر مع الشاعرة (سعدية مفرح) مختلف جداً، فهي من الأصوات الشعرية المتميزة في عالم الشعر الحديث، اجتمعت لها الموهبة الفذّة والثقافة العميقة والقدرة على تجاوز عجز اللغة أو تجاوز عجزها تجاهها، فكان لها قاموسها الشعري الذي يشتق صدقه من جدلية الرؤية، ومن استكناه للوجود، لا يراه الإنسان العادي بسبب اشتباه الصور لديه، ذلك أنه حسب تعبير أفلاطون نرى الواقع مثلما يتجلّى لنا في مرآة معكوسة، وليس إلا الشعراء والفلاسفة يحسنون قراءة صورة الحقيقة من وراء ذلك التجلي الواهم أو التراثي المخادع. بين ديوان (تغيب فأسرج خيل ظنوني) وديوان (كتاب الآثام) للشاعرة "سعدية مفرح" .. قفزة فنية مبدعة .. فللديوان الجديد وحدته الفكرية والنفسية. إذ تنتظم القصائد كلها في فن يجمعها ويؤلف بينها، وليس هذا اللحن أو الرابط فكرة فحسب بمقدار ما هو إحساس عميق يعكس مشاعرها وأحاسيس الإنسان المعاصر بأنه محاصر من الداخل، محاصر بإرث ثقيل من خيبات الأمل والإحباط واليأس والقلق، إنه الأنا الأعلى حسب تعبير علماء النفس .. ذلك اللاشعور الذي يهز أعماقنا، ويدفع بنا إلى التغرّب والعقد والقلق والانكفاء، ويتجلى لنا ذلك بصورة آثام تثقلنا فلا نملك الشجاعة لنكسر ونحطم أقفال نفوسنا ونحررها من ذلك القمقم الذي يرعبنا ويقضّ مضاجعنا.تستعير الشاعرة "سعدية" فكرة الديوان من عبارة فلسفية لشمس الدين التبريزي.. أحد أعلام التراث العربي في القرن السابع، يشير فيها إلى عذاب الإنسان بسبب ما يخفيه من منغصات، ويطالبه بالشجاعة ليحطم أقفال نفسه، لأن تلك المنغصات لا يمكن أن يتحرر منها الإنسان إلا باقتحامها وتحرير نفسه منها، فوهمها أكبر من حقيقتها، وبهذه الشجاعة نتمكن أن نقزّم أوهامنا ونرى الحقائق صافية غير ملتبسة.* *توزع الشاعرة "سعدية مفرح" قصائد ديوان "كتاب الآثام" على أربعة محاور، أولها: إثم البلاد.. وتريد من إثم البلاد ذلك الموروث في الخيبات الوطنية والاجتماعية والسياسية والإنسانية التي تُثقل أعماقها، وتدفعها إلى العزلة واليأس والفرار من معالجة الواقع، فالجدلية بينها وبين المجتمع والعالم تدفعها إلى أن تحمّل نفسها أو تحمّل العالم مسؤولية ما يجري في الواقع من نكسات وخيبات أمل. لكنها في النهاية تكتشف عجزها، وتلتبس الرؤية أمام ناظريها فتؤثر الهروب من الواقع، وتدفعها هواجسها في الأعماق إلى موقف سلبي تنفصل فيه ذاتها عن الجماعة. إن تغرّبها هنا ليس ارتجالاً في المكان، إنه غربة داخلية كما لو أن المجتمع والعالم ارتحلا عنها، في حين تشعر انها ارتحلت عنهما لأنها فقدت الانسجام، ولم تجد لروحها عزاء إلا في الكلام أو (الشعر)، تفيء إليه مرارة الواقع.. إذ تقول:غادرتني البلاد التي غدرت بالهوىكان المكان يلملم اعطافهشارداًمنشدهاً بالطقوس الصغيرة وهي تحاصره بالخرائطوكان المكان حزيناًمنتهباً للدعوص الكبيرة وهي تُذر ذر كثبانها سؤدداوكنت أودّع نافذتيوأجلو غبار المسافات عنهاويمسح ظاهر كفيخطو الندى فوقها* *وتتضح حقيقة موقفها من الكون، وعذابها الداخلي في المقطع التالي:غيّرتني البلاد التيغُيِّرتءلم يكن قاسياً ولا مبتغىأن أموتلم يكن ما أريدوما كان ليما أريد وما لا أريدفانخرطت حياداًفي المفازةأسعى إلى الماءورحت أجرجر صبري ورائييأسأ...وأودع يأسي في الجبّصبراًورحت أهيئنيللفراق الأكيدورحت أفارق إرثي وأطوي المسافات طياوالحداء الحزين يودع صمت البلادورائي* *صورة رائعة للانفصام بين الشاعرة ومجتمعها، وارتحالها عنه بحزن، وفي هذا الانفصام لون من الموت الذي أمسى مفروضاً عليها، لأنها مستلبة الإرادة عاجزة عن السعي.وتستعير الشاعرة "سعدية" في سورة يوسف في القران الكريم فكرة المراودة... مراودة الفردللعالم من حوله في علاقة عشق ومحبة وتواصل، لكن التواصل مستيحل، فالعالم المعشوق يدرك أن خلاصه لا يكون إلا برفض الفرد الواقع المولم، والفرد يدرك أن لا سبيل إلى تحرير العالم إلا بتحرير الذات من خوفها وتقوقعها وانكفائها إلى الداخل. ولا وسيلة إلا الشعر أو الكلام الذي تفيء الشاعرة إليه لتتخلص من ذلك التمزق والعذاب، فيسخر منها العالم المبحر عنها، ويطاردها بالغناء ويرفضها لكنها تصر على أن تحتفل بموتها في معبد الكلمة:قلت: سآوي إلى جبل من كلامليعصم ضيقيوقالت بلادي في الفُلك:هيهات لكورحت أُغني* *وفي المحور الثاني الذي تخصصه الشاعرة للشعر، ترى أن الشعر هو شهوة الكلام، إنه تحرير النفس من أثقالها وأوزارها، وهو إثم كبير في نظر قوى الشر في العالم بمقدار ما هو تحدّ وطلب للموت. ومع أن الشعر يمنح الإنسانية الدفء ويلوّن صحراء الحياة الجديبة فإنه يظل إثماً لا يُغتفر في نظر قوى الظلام بفعل أثره المهيج ورؤيته الصائبة.الكلام إذاًشهوة الانتهاءاللجوء الأخيرإلى دوحة من ضياءنبتُها المتسلقينمووينمووينموإلى أن يعانق ما وراء السماء* *وعلى الشاعر أن يدرك أنه ضائع ومضيّع في سعيه لتغيير العالم، ما لم يكن التغيير رجوعاً إلى الروح، ورفضاً لقيم المادة، وتحريراً للإنسان. الشاعر يسعى وراء سراب ولا سيما في عصرنا، إذ فقد الشعر رسالته ومعناه بعد سقوط القيم والانغماس في المادة:شيء أضاعك يا فتىوأضعتنيمن أجل ماذا يا فتى؟من أجل إسمنتيصعّر خدّهمستنكراً إرث الحقول؟من أجل إسفلت يمد لسانهأفعى تنثُّ غرورها؟من أجل مائدةتفاوض حولهاوفد الجناة المجرمينمع الجناة الساكتينعلى دية القتيل؟من أجل نهر مجهريلا يُرىإلا بواسطة الخرائطأو بتوقيع ذليل..؟* *وإذا كان الشعر قد فقد معناه وألقه في عصرنا، ولم يعد للقصائد والكتابة معنى، ولا جدوى من جهد الشاعرفي تحسين وسائل تعبيره وتحديثها. فليس له إلا أن يتشبث بالكلمة مهما كانت.وتستجير الشاعرة "سعدية" بالشعر التقليدي، وتستصرخ عبقرية المتنبي ليلهمها شعراً تسير به الركبان بعد أن فقد الناس إيمانهم بالقصيدة. وتعبِّر عن ذلك بشعر عمودي تكتبه بالخط الكوفي تأكيداً لإصرارها على حياة الشعر، ووصل طريفه بتالده .. فتقول مخاطبة الشاعر المتنبي:أعرني أبا الشعراء شعرك إننيأضعت قصيدي، هل تضييع القصائد؟أريد قصيداً جاهلياً ومحدثاًتسير به الركبان إنك صائدوإن تكن الأشعار أعيت رجالهافدعني وأحزاني: شهيد وشاهدومع ألمها ترى أنها في شعرها تستطيع أن توثر في الجماهير وتفعل أكثر مما تفعله عشرون دولة عربية منقسمة:فلي أمة تزهو بعشرين دولةولي دولة تزهو، وإني لواحدواختبر الأوطان علّي أجد بهامكاناً فلا أنفى .. طريداً أُ طاردبذات قضت الأوطان ما بين أهلهامصائبنا عند الولاة فوائدوباستعارتها الشعرية العمودية وتحميله نفساً جديداً من التمرد والثورة على الواقع، تنتقد الشاعرة "سعدية" خفية انصراف الشعر القديم عن توعية الإنسان وتوجيهه واهتمامه بالكلمة البلاغية، فهي تعرّف المتنبي في هامش القصيدة بقولها: "أسميتك المتنبي فأورق في بساتين البلاغة ألف نبت من بقايا الكلمات".وتتحول الشاعرة بعد التفاتتها إلى ماضينا الشعري بقصيدتها العمودية إلى الشعر الحديث، فترسم به صورة المستقبل اليائس الذي ينتظر الأمة إذ تخلت عن قيمها وماضيها واستسلمت لمعطيات الحضارة الغربية، ووسائل إعلامها وصحفها التي توجه الإنسان كما تشاء:قمر صناعييضخُّ بقلبناسقط النميمةحيث ننصتكلنا وَرَعٌفلا يفضي بنا إنصاتناإلا إلى قبر جماعييضج بصمتناوالمشاهد ذاتهاوالمذيع هو المذيعوالوجوه هي الوجوهوالكلام هو الكلام* *وفي المحور الثالث .. تتناول "سعدية مفرح" إثم الاتجاهات، حيث تتحرك البوصلة العربية ضد ذاتها، وتتجه دائماً لتطعن ذاتها وتتسلم بشعارات قوية، تحارب نفسها مثل (دون كيشوت) مدعية أنها تحتطب الأحلام العربية التي كانت حقيقة، وتخترع لنفسها الانتصارات الوهمية كما حدث في اجتياح الكويت:إنهم قادمونهكذا..!!صهلت في منافي السكون خيول الإذاعات سكرىثم استحمت بماء المطر* *قادمون إذًايمتشقون صليل الرياح العتيةوالأغنيات التي أيقظتناذات وقت مندّى برذاذ الكلام القديمحنيناً إلى نصرويحتطبون أحلامنا العربيةويغترفون حينياً بعيداً تسلّل من جهة الشمس.* *وتستلهم "سعدية" مأساة اجتياح الكويت لتبرز آثام اتجاهت البوصلة العربية، والواقع المتشرذم، وعنتريات الكلام، والوعود والأحلام الوهمية، ترى في هذا البلد أبشع الكلام، بل ترى فيه امتداداً لغرور جاهلي موروث، وفردية قبلية قاتلة، فللبوصلات تاريخها، وتروي واقعة "بدر بن معشر الغفاري" الذي كان يعتز بمنعته ومنعة قومه، فيتطاول على الناس في سوق عكاظ حتى انبرى له من هو أكثر غروراً فأدّبه. فتاريخ البوصلة العربية يعيد نفسه جلياً واقعة الاجتياح. وتراوح الشاعرة في تعبيرها عن تلك الواقعة فتمزج بين نصين شعريين: عمودي وحديث، انسجاماً مع ربط ايقاع الماضي العربي، وأثره في الحاضر.. وذلك في تناول فني مبدع:تجيء الرياح فتقتص منها الحياةويكتم موج الخليج المدلل بعض النشيج"كان المدى قهراًينمو على شفتيينمو على عينيويحيلها جمراً.."* *وفي المحور الرابع .. تلتفت الشاعرة "سعدية مفرح" إلى آثام إنسانية واجتماعية وقومية، محورها الإنسان فتدعو إلى وحدة قوية وإنسانية لأننا جميعاً نطير بأجنحة مفردة ولا سبيل للطيران في الأعالي إلا بمعانقة الإنسان للإنسان.وترى في قصيدة "ألوان" أن أعظم ما يتصف به الإنسان هو شفافيته وبعده عن التلون، وان أعظم ما في الشاعر سعيه إلى أن يقول بالحرف ما لا يقال ليحقق وجوده .. فهو يتشظى كي يخلق شعراً يتماوج أخضره فيه سديماً أبدياً، لكنه يجهل استخدام الأطلس، فيجوس في صحاري من الظمأ، وهي تمجد الاتحاد بالطبيعة والتلاشي فيها كما نلحظ في قصيدة "خيمة" إذ توازن بين سقوط غرناطة وصلح أبي عبدالله الصغير وسقوط فلسطين في عملية السلام الزائفة، وتستنكر في قصيدة "لا تعليق" قسوة الرجل على المرأة في صورة مذكرات تكتب في دفترها السري:أن يضرب رجل امرأةيعني أن تتورم عين الشمسوتنزف ذاكرة الأنجموأن تلقي الكرة الأرضية بأنوثتها في مقر الكونوتنتحر..ترى.. ماذا يكتب في دفتره..؟؟* *والشاعرة تميل إلى تكثيف الفكرة وتقديمها باللمح والمقاربة، والصورة المؤثرة الحافلة بالرموز، وتجاوز اللغة المتداولة إلى لغة جديدة تخلقها في قلب اللغة، لتبدع بديلاً معادلاً لعالمنا المعاصر.إن العودة إلى ديوان "كتاب الآثام" هي أصدق من أي عرض أو تعريف في تقديم فكرة عن ابداع الشاعرة "سعدية مفرح" في قصائدها التي حاولت دون ضعف أو ترد فيها أن تحررنا من آثامنا الخفية لنواجه الشمس بقلوب صافية بشجاعة البوح والاعتراف الذي فيه يكون التطهير.

بداية الصفحة

رحلتي إلى مكة

جيرفيه كورتلمون *
تعريب د. معجب الزهراني


* فيما وراء الشرق الذي عرفه الاوروبيون، في قلب جزيرة العرب القصيّ، في مجاهل الصحاري العميقة التي تحيط بها، هناك تقع مكة، مدينة الإسلام المقدسة، مخبأة بواد غير ذي زرع ومحصورة بين سلسلتي جبال جرداء وعرة. تبدو الطبيعة ذاتها وكأنها قررت الحفاظ على الأسرار مصونة بحمية عن أعين الكفار.ولقد رغبت في اكتشاف اسرار المدينة المقدسة هذه لا من أجل اثبات قوة عزيمة رحالة مثلي وانما من أجل استكمال دراساتي السابقة للشرق المعاصر في مجمله.. هذا الشرق الإسلامي الذي كتبت عنه من قبل، وترحلت فيه من كل الجهات، وفيه قضيت سني شبابي ولازلت أحبه ككل من يعرفه حق المعرفة.الشرق.. الشرق الذي جاءت منه الأديان واللغات وأكثر السلالات البشرية نبلا، ولعله هو ذاته المهد الاول للإنسانية كلها. ان الفتنة القوية التي يفرضها هذا الفضاء العريق على مخيلاتنا يمكن تفسيرها بيسر. فكما هي حال إنسان يشارف خواتيم أعماله ويطل على مساء حياته ويحاول الانتقال عبر الذاكرة إلى أزمنة الطفولة فيجد متعة عظيمة وهو يرى منازل أهله وأسلافه، ها هي سلالتنا الهرمة تحاول التحرر من وطأة اشغالها المضنية، والتي لا جدوى أكيدة من ورائها، فتمتطي مركبة الخيال عائدة باتجاه وطنها الأسطوري مدفوعة بما يشبه الضرورة الوراثية!هذه المدينة العظيمة التي يخترقها النهر وتبدو أسوارها منيعة وتحرسها قلاع وحصون عملاقة هي "بابل" ومع بابل الجريئة ها هي نيفين، طيبة ذات الابواب المائة ممفيس، صور، صيدا، ثم هذه القدس الحزينة التي طالما تقلبت أحوالها بين النعيم والشقاء. انها لذكريات تخفق لها قلوب البشر الأكثر بساطة وجهلا ومن لا يفكر في فرعون وبختنصر وعيسى ومحمد ~(1) والحروب الصليبية.هذه البلدان حيث كانت الحياة مليئة بالحيوية والغنى هي اليوم الأكثر سكوناً وجموداً على وجه الأرض، وسكانها الذين تحسبهم رقوداً يصرفون شؤونهم كما لو كانوا في حلم! انهم لا يشبهوننا في شيء. مدنهم كئيبة ومقابرهم بهيجة، يعطفون على الصغير ويوقرون الكبير ويحتقرون المال.. هذا ان لم يكن بعضهم قد افسده الاتصال بحضارتنا. لا زال كل شيء هنا كما كان في الماضي البعيد هذه "الخيمة" مثلا، نجد فيها الثياب العتيقة ذاتها والبشر أنفسهم تتعاقب أجيالهم في عزلة أشكال وأنماط لم يطرأ عليها تغيير قط.ها هي خيمة إبراهيم (عليه السلام) ذاتها. وهذا الشيخ الذي يرحل إلى بلد بعيد مصطحباً أطفاله وقطعانه هو "يعقوب" متجهاً إلى مصر بأمل ان يقّبل ابنه "يوسف" قبل ان يدركه الموت.انهم من والد لولد ومن قرن لآخر، يتوارثون تقاليدهم وحتى ازياءهم وكأن لا شيء تغير منذ البدء.هذه الشعوب ذات الملابس الخفيفة الملونة والحركات الرشيقة المرنة والقسمات المرهفة الأنفة لا تكن لنا سوى مشاعر الاحتقار، نحن البرابرة الذين ما جئنا بملابسنا الداكنة إلا لزعزعتهم واستغلالهم.. وربما لتدميرهم!إنني أحب الشرق وسمائه الزرقاء، أحب الإسلام وعقيدته الفطرية، وكم يثير اعجابي تفاؤله وان لم استطع مشاركته هذا الاحساس. وما عكفت على انجاز هذا العمل إلا لكي أعرف به وأعمق محبة ديار الإسلام عبر هذه المعرفة، هذه البلاد المشمسة المطمئنة، بلاد الفتنة والحلم والشجن، بلاد السلام والسعادة العميقة. ومن أجل ان يكون وصفي أكثر بياناً حرصت على تزيين كتبي بصور للطبيعة الحية التي نقلتها كما هي بفضل آلة التصوير لاوزعها تالياً بعناية على صفحات الكتاب وياللامانة الصارمة لفن التصوير الحديث هذا!.هكذا ترحلت، وهذه الآلة في يدي، عبر البلدان الإسلامية في حوض المتوسط من طنجة إلى القسطنطينية، مدوناً الملاحظات ومصوراً المواقع والآثار والبشر، عسى ان اكشف وأبرز بكل أمانة مجد الماضي وجاذبية الحاضر.أصدرت من قبل خمسة اجزاء. لكن الطموح الذي لا يحد ظل يحدوني إلى استكمال دراستي عن الإسلام المعاصر في مجمله وهذا ما لم يكن ليتحقق من دون وصف مدينتيه المقدستين، مكة والمدينة. نعم لم أكن لاعتبر كتابتي هذه مكتملة من دون ان أنجح في اثرائها بمثل هذه الوثائق الثمينة النادرة، اما الصعوبات التي تواجه مشروعاً كهذا فلم تكن بخافية عليّ، ولذا عزمت على انجاز هذه المغامرة الجريئة في السن التي عادة ما يكون الإنسان فيها متمتعاً بكامل طاقاته الذهبية والجسدية. طوال ثلاث سنوات كنت أخطط لهذا المشروع الحلم دون أن أعرف يقيناً كيف يتسنى لي تنفيذه ان لم تسعف المصادفات السعيدة فتنحّي عن طريقي العقبات الجمة.. وهذا ما كان لحسن الحظ.في العام 1890م تعرفت مصادفة إلى إنسان غير معتاد. رأيته ذات صباح يدخل معملي بشارع "الألوان الثلاثة" بالجزائر العاصمة، هيئته تذكر بالقراصنة، يرتدي ملابس عربية من جزيرة العرب، وجهه مليء بالندوب خنجره وسط حزامه، وما ان ولج المكتب والقى تحية السلام المعتاد حتى رجاني ان أنقذه من خطر جسيم يوشك ان يحل به!انه شخص جزائري يدعى "حاج أكلي"(2) ظل، كما قال، يسافر منذ عشرين عاماً إلى البلدان القصية ويتنقل من البصرة إلى بغداد ومن القسطنطينية إلى بيروت، فإلى مكة والقاهرة وطرابلس.. الخ ومع ان الحج إلى مكة قد منع هذا العام على مسلمي الجزائر بسبب وباء الكوليرا الخطير الذي اعلن عنه في الحجاز إلا انه خالف التعليمات دونما قصد. لقد كان يسافر من أجل تجارته لا بهدف العبادة ولذا تدبر أمر تصريح بالسفر إلى دمشق، ومن هناك انضم إلى القافلة السورية وسافر إلى مكة ومن ثم عاد إلى الجزائر عن طريق تونس. لسوء حظه كان هناك من وشي به فور وصوله ولذا فمن المنتظر ان يعتقل في الحال لمخالفته التعليمات الصارمة للحكومة الفرنسية، لكنه حصل من الشرطي الموكول بتوقيفه على اذن بالمجيء إليّ ليشرح وضعه ويطلب مني المساعدة والحماية. ولشدة صدمتي من الظلم الذي وقع عليه، حسب قناعتي، قررت ان امضي معه مترجماً له ومدافعاً عنه لدى الحاكم العام الذي هو صديق لي لحسن حظنا.نجحت في مسعاي نظراً لوجاهة الاسباب التي دفعته إلى ما فعل، فهو ما سافر إلى مكة إلا لانجاز بعض اعماله التجارية، وبما انه وصل إلى دمشق وحصل من هناك على تصريح رسمي بالسفر فقد أصبح حر التصرف ومن حقه عندئذ ان يسافر لوحده حيثما يشاء، وهكذا أطلق سراحه وأعفي من أية ملاحقة.لكن جزائرياً آخر كان حظه أكثر سوءًا حيث اعتقل وحوكم وصدر بحقه، ورغم كل مرافعاته وحججه، حكم عسكري بالسجن بضعة أشهر. فهو أيضاً سافر إلى مكة بالرغم من تلك التعليمات مدعياً انه نقل بمحض الصدفة إلى جدة على مركب انجليزي تابع لشركة "هولتز" كان قد توقف في ميناء الجزائر فعمل فيه حمالا للفحم وحينما كان يغادر المرسى ظل هو منهمكاً في العمل ومن ثم بقي في المركب، أما وقد وصل إلى جدة دونما سابق قصد فقد فعل، الذي، ما يمكن لاي مسلم مثله ان يفعله، أي انه توجه حاجاً إلى مكة!لم يجد من يقتنع بشيء مما قال، ولم استطع من جهتي ان انقذه من محنته بعد ان تمت محاكمته وصدر عليه الحكم بالسجن في معتقل بعيداً عن العاصمة، من هناك ظل يكتب بانتظام إلى اصدقائه بالعاصمة راجياً عمل أي شيء لمساعدته، ولقد كانت رسائل الشاب ابن الثامنة عشرة مليئة بعبارات يتمزق لها القلب إذ تكشف عن آلامه وهو يعاني ألوان التعذيب النفسي والجسدي الذي كان يتعرض له في السجن. وفي كل مرة كانت أخباره المأسوية تبلغ أصدقاءه يسعى حاج أكلي برسائله إليّ راجياً مني التدخل ومؤكداً عرفانه بالجميل ووفائه المطلق لي وقد تبين له حجم المحنة التي انقذته منها.بعد ثلاثة اشهر حدث أمر آخر لابد انه عمق فيه هذه المشاعر نحوي، لقد اطلق سراح الشاب المنكوب بفضل جهودي المتلاحقة، ولذا كان بامكانه التحدث بحرية أكبر عن كل ما عاناه من عذاب في السجن. ونظراً لكون حاج أكلي صاحب مزاج حاد عنيف فمن المحتمل تماماً انه لم يكن ليطيق العيش مهاناً وراء القضبان الحديدية ولذا فأنا على يقين انه لم يكن يبالغ وهو يؤكد لي في كل مناسبة انني أنقذت حياته في لحظة حرجة تماماً!في أحد الايام روى لي صاحبي قصة حياته كاملة. التحق في سن مبكرة بالمدرسة البحرية المخصصة للسكان المحليين وقد أسسها المارشال "بوغو" بُعيد سنوات من احتلال الجزائر ليضمن لاسطولنا مصدراً ثرياً من هؤلاء البحارة الأشداء المهرة الذين طالما ملأوا المتوسط وهيمنوا عليه لحقب طويلة. بعد تخرجه قضى حاج أكلي اثنتي عشرة سنة في البحرية الفرنسية عاملا ثم ملاحاً مبتدئاً ثم رباناً، وحين ترك هذا العمل ظل شغوفاً بالسفر فاستمر في المغامرة والترحل بين البلدان مزاولا كل المهن وكل أنواع التجارة السائدة في الشرق.عندما التقيت به كان قد حج ثماني عشرة مرة، وكان يستغل رحلاته السنوية لشراء صنوف البضائع من حلي وأسلحة وتحف وأقمشة ثم يبيعها في فرنسا أو في الجزائر ومصر.انه هو الذي بادر إلى اغرائي بالسفر إلى مكة. لم يكن ليقصّر أو يختصر وهو يعدد مناقب هذه المدينة المقدسة ولذا كانت تتراءى في مخيلته أهمية ذلك الكتاب الممتاز والمزين بالصور الذي سيكون ثمرة رحلة كهذه، ولابد ان يأتي أكثر قيمة وجاذبية في نظره من كل المجلدات التي أصدرتها عن الجزائر والقاهرة والقدس ودمشق وتونس وطنجة.. الخ لاشك انني كنت من جهتي اشاركه الحماس للموضوع، ولو لم انشغل بأمور دار الطباعة الفنية خاصتي لكنت رحلت بصحبته إلى هناك منذ سنتين، اما لو ان هذا المشروع قد تحقق آنذاك فلربما كان مردود رحلتي أغنى وأهم لأن الانتظار الطويل أزعج صاحبي الذي تفاقم عليه مرض الكبد ولا يمكن ان أجد فيه مستقبلا ذلك الدليل النشط اليقظ الذي كنت أحلم به من قبل.* هوامش:* (جول) جيرفيه كورتلمون GERVAIS - COURTELLE MONT (JULES) كاتب ومصور فرنسي ولد عام 1863م في مقاطعة شرقي باريس وبها توفي عام 1931م، عَرف بكتاباته عن بلدان الشرق العربي وتركيا وغربي الصين، لكن شهرته الواسعة في عصره ارتبطت بآلاف الصور التي التقطها لمختلف البلدان التي عاش فيها أو زارها في فترة كان فن التصوير الحديث في بدايات انتشاره وجاذبيته (وقد فقد معظمها، وبخاصة ما يتعلق بالحجاز لسوء الحظ).وسنورد لاحقاً سيرة مفصلة عن حياة هذا الكاتب الذي أسلم وظل على اسلامه إلى وفاته كما أشرنا اليه في المقالة السابقة.(1) يورد الكاتب اسماء الانبياء دونما لواحق ولذا فإن ما وضع بين الاقواس هنا وفي مواضع اخرى هو اضافة من عندنا يقتضيها المقام.(2) هذا الاسم لشخصية بربرية (أما زيغية) ولذا قد يتوهم البعض انه يكتب عند تعريبه "الحاج عقلي" وهو غير صحيح كما تثبتنا منه.هذا ولعله من الضروري التنبيه إلى ان الحلقات القادمة ستخلو من الهوامش كي لا نثقل بها على القارئ لأنها ستجد مكانها الأنسب في الكتاب الذي سينشر لاحقاً إن شاء الله.

بداية الصفحة

تخصيص أرض في بريدة لإنشاء مقر للنادي..
الأميرفيصل بن بندر افتتح نشاطات الموسم الثقافي لنادي القصيم الأدبي

بريدة صالح الهويمل ورشيد البدراني:

* زف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم البشرى لأهالي منطقة القصيم ومسؤولي نادي القصيم الأدبي ببريدة والحركة الثقافية بالمنطقة بتخصيص أرض لنادي القصيم الأدبي بمدينة بريدة لتكون مقراً للنادي..جاء ذلك خلال رعاية سموه لحفل افتتاح نشاطات الموسم الثقافي لنادي القصيم الأدبي لهذا العام 1422ه، أول من امس وذلك بمقر النادي بمدينة بريدة.وكان في استقبال سموه لدى وصوله مقر الحفل رئيس نادي القصيم الأدبي عضو هيئة التدريس بفرع جامعة الإمام بالقصيم الدكتور حسن بن فهد الهويمل و مدير عام كليات البنات بمنطقة القصيم نائب رئيس النادي الدكتور عبدالحليم بن ابراهيم العبداللطيف وأعضاء مجلس ادارة النادي وعدد من المسؤولين من مدنيين وعسكريين.وقد بدئ الحفل بتلاوة ايات من القران الكريم ثم أعلن سمو أمير منطقة القصيم بدء الموسم الثقافي لهذا العام.بعد ذلك القى رئيس النادي كلمة أعضاء نادي القصيم الأدبي أعرب فيها عن شكره لسمو أمير منطقة القصيم نيابة عن المنتسبين للنادي لدعم سموه للحركة الثقافية بالمنطقة واهتمامه بها وتسخير كل ما يخدم أهداف النادي.عقب ذلك بدأ الموسم الثقافي بمحاضرة لمعالي الرئيس العام لتعليم البنات الدكتور علي بن مرشد المرشد بعنوان "منجزات التعليم في عهد خادم الحرمين الشريفين" أبرز خلالها ما تحقق من نهضة تعليمية وتربوية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز "حفظه الله" من منجزات مستعرضا دوره يحفظه الله بالتربية والتعليم ومسيرتها.وأشار معالي الدكتور المرشد إلى أن ميزانية الرئاسة للعام 1422ه، بلغت أكثر من سبعة وعشرين مليار ريال.ورفع معاليه في ختام المحاضرة شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز "حفظه الله" على دعمه المتواصل للتعليم والجهود الموفقة لدعم الرئاسة العامة لتعليم البنات اعداد المرأة للقيام بدورها في الحياة سواء موظفة أو ربة بيت ترعى أسرتها وتعمل على تنشئتهم التنشئة السليمة.بعدها فتح باب الحوار والنقاش حول موضوع المحاضرة الذي أداره رئيس النادي.عقب ذلك تسلم صاحب السمو الملكي أمير منطقة القصيم هدية من رئيس النادي الأدبي عبارة عن مجموعة من الكتب القيمة.كما تسلم معالي الرئيس العام لتعليم البنات هدية من رئيس النادي عبارة عن مجموعة من الكتب القيمة.وحضر الحفل لفيف من رجال الفكر والثقافة والأدب والإعلام.من جانب آخر استقبل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم بمقر ديوان الإمارة ببريدة ظهر أمس الأربعاء معالي الدكتور علي بن مرشد المرشد الرئيس العام لتعليم البنات الذي يزور منطقة القصيم حالياً. وحضر اللقاء الدكتور عبدالله بن علي الحصين وكيل الرئيس العام لكليات البنات وعميد القبول والتسجيل لكليات البنات ومدير عام تعليم البنات بالمنطقة الدكتور عمر بن عبدالله العمر ومدير عام كليات البنات بالمنطقة الدكتور عبدالحليم بن إبراهيم العبداللطيف. وقد دار اللقاء حول عدد من الأمور المتعلقة بتعليم البنات بالمنطقة. كما استمع الجميع إلى آراء وتوجيهات سموه، وقد رحب بهم سموه الكريم وتمنى لهم التوفيق والنجاح في مهام عملهم.

بداية الصفحة

"الراوي" بين مرتاض والشنطي

د.عبدالعزيز السبيل

* تعقيباً على مقالتي الأستاذ الدكتور عبدالملك مرتاض والدكتور محمد صالح الشنطي المنشورتين في ثقافة اليوم يومي الخميس 17و 24رجب 1422ه، تود الراوي بدءاً أن تقدم خالص شكرها وتقديرها للدكتور مرتاض الذي يحاول دوماً وصل الانقطاع الثقافي بين المشرق والمغرب العربي. كما تعتذر الراوي للدكتور الشنطي حيث أوقعته على ما يبدو في "تهمة" حسب رأي مرتاض هو أبعد ما يكون عنها.الراوي، دورية بصدرها نادي جدة الأدبي الثقافي، وتعني بالابداع القصصي في الجزيرة العربية، وتفتح صفحاتها للابداع القصصي من الوطن العربي. تقوم الراوي في كل عدد من أعدادها باختيار "راوي العدد" من بين المتميزين في كتابة القصة القصيرة في الجزيرة العربية، وذلك من أجل تسليط الضوء على شخصيته، وتجربته الأدبية، وبعض إبداعه القصصي، اضافة إلى رؤى عدد من النقاد المتميزين. فمواد الملف ليست جديدة ولا يتصور أن تكون كذلك، لكن جمع هذا الشتات في ملف واحد وتقديمه للقارئ يأتي محاولة من الراوي في تقدير تجربة هذا المبدع/ المبدعة. وكما أن الملف ينشر بعض قصص راوي العدد مختارة من مراحل زمنية مختلفة، فإننا نريد تسليط الضوء النقدي على تجربته تاريخياً أيضاً. وهذا ما جعل الراوي تختار رؤية نقدية للدكتور الشنطي تمثل مرحلة مبكرة لكتابات المبدعة شريفة الشملان، قبل إصدار مجموعتها القصصية الأولى، وتناول الناقد فؤاد حسين قصصاً من مجموعتيها الأولى والثانية، في حين ان الدكتور حسين المناصرة تناول مجموعتها الثالثة.وهنا تريد الراوي تبرئة الدكتور الشنطي، وإذا كان لم يتواصل مع الراوي كما أشار، فإن الراوي حرصت أن يكون رأيه في كتابة المبدعة شريفة الشملان في مقدمة الآراء النقدية تقديراً لمكانته في عالم نقد القصة القصيرة المحلية.ولكي توفر الراوي توضيحاً مستقبلياً، فإن راوي العدد القادم سيكون المبدع المتميز زيد مطيع دماج. وحين تواصلت الراوي مع الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح تكرم مشكوراً كعادته في دعم العمل الثقافي فبعث موادا نقدية تناولت ابداع دماج وكان من بينها مقدمته لمجموعة العقرب. وستنشر الراوي جزءاً من هذه المقدمة إن شاء الله.تقدر الراوي للدكتور مرتاض تواصله المبهج، وتعتذر للدكتور الشنطي، وتشكر ثقافة اليوم التي أتاحت للراوي هذه الإطلالة، والله الموفق.

بداية الصفحة

تغريبة بني هلال
من الجزيرة العربية إلى بلاد المغرب

إعداد: إبراهيم داود الداود
ibaldawoud @ naseej. com. sa


* من بين أبرز الملاحم في الأدب العربي الإسلامي تبرز تغريبة بني هلال واحدة من الشوامخ الأدبية التي اختلفت حولها التفسيرات والرؤى الفنية. وسيرة بني هلال كما يدل عليها اسمها ليست سيرة فرد بل جماعة، وقد امتدت حوادثها الرئيسية في العالم العربي من شرقيه إلى غربيه. وتعد قصة بني هلال من كبريات القصص العربية الشعبية، ويمكن تقسيم قصة حياة بني هلال إلى ثلاثة اجزاء رئيسة: الأول يختص بظهورهم في الجزيرة العربية وحتى استيطانهم بلاد السرو، والثاني ارتحالهم إلى نجد، أما الثالث فيطلق عليه تغريبة بني هلال وفيها تركيز على حروبهم وأعمالهم في المغرب أو شمال افريقيا بشكل عام.وسيرة بني هلال تحتاج إلى حلقات عديدة حتى نستطيع إيفاءها حقها ولكننا سنركز على التغريبة والتي بدورها تحتاج إلى ان يرجع القارئ إلى المراجع التي تتحدث عنها ان أراد الاستزادة حيث سيركز عرضنا على اعطاء صورة اجمالية عن التغريبة.لماذا التغربة؟ان النزوح والارتحال من طبيعة البيئة التي تكيفت معها النفسية العربية وأصبحت بتأثيرها أميل إلى الاغتراب تحبه وتعشقه، وان كانت دائما تحن إلى مرفئها الاصيل.والبحث عن أسباب الاغتراب كثيرة.. لكنها في معظمها أسباب اضطرارية، فرضتها البيئة القاسية، والطبيعة القبلية المقاتلة، وغير ذلك من الأسباب، وكان بنو هلال العرب من القبائل التي خضعت لهذه الظروف البيئية العربية فكانت حياته ارتحالا.أبرز مواطن بني هلال بعد التغربة:في الحجاز ونجد: يذكر الاصمعي ان جل بني هلال في الحجاز، وهي مهادهم وذات عرق لهم، ويذكر الهمداني ان عكاظ لبني هلال اليوم. قال ابن خميس عن حمد الجاسر أشار المتقدمون إلى ان هذه الجهات منازل هوازن ثم صارت لبني هلال والظاهر ان بني هلال حلوها وقت انتشارهم وقوتهم في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ثم لما هاجروا بعد ذلك إلى مصر ثم إلى بلاد المغرب عاد سكانها القدماء إليها.في جنوب الجزيرة العربية: تمتد ديرة بني هلال من حدود ربيعة التهم وأهل حلى ومحايل إلى قرب البرك على ساحل البحر. وذكر الهمداني جرش واحوازها التي سماها كورة نجد العليا وذكر مساكن لبني هلال بهذه الأحواز، وتبعد جرش عن خميس مشيط حوالي 30كم في الجنوب.في شرق الجزيرة وعمان: ذكر صاحب الاسعاف ان من بني هلال الجبور كان لهم شأن في عمان، وانهم كانوا يشنون الغارات على عمان في العصور القديمة ويثيرون الشر بين قبائلها خصوصا اطرف البريمي والظاهرة وما حولها.في الشام: قال ابن سعيد: وجبل بني هلال بالشام معروف، وقد صار عربه متحضرين وأصلهم من قلعة هلال المشهورة.في مصر: قال الحمداني ولهم بلاد اسوان وبلاد الصعيد كلها إلى عيذاب.في السودان: يتركزون في غرب السودان وقد وفدوا على السودان من طريق الشرق من بلاد العرب إلى كسلا ثم عبروا النيل الابيض واتجهوا إلى غرب السودان، ثم واصلوا رحلتهم إلى بلاد تونس لمحاربة المغرب، وهذا يوضح ان بعض المؤرخين قد جعل من السودان طريقا لتغريبة بني هلال. ويؤكد البعض منهم عبدالمجيد عابدين ان معظم الجماعات التي تنتسب إلى الهلاليين تعيش الآن في غرب السودان.في المغرب: وهو الطور الأخير والمشهور من أطوار اغتراب بني هلال وذلك بعد ارتحالهم من صعيد مصر زمن الخليفة الفاطمي المنتصر.تغريبة بني هلال أدبياً:تغريبة بني هلال تعنى بأعمال الهلاليين في الغرب خاصة، في شمال افريقية، وهذه الفترة من فترات التاريخ الاسلامي صحيحة لا شك فيها، كما ان بني هلال عرفتهم الجاهلية وعاشوا في الإسلام، وقاموا وحلفاؤهم بنصيب وافر في سبيل العمل على تعريب تلك البلاد جنسا وثقافة. فابن الاثير يحدثنا في كامله بأن رسول الله ~ تزوج في العام الرابع من زينب بنت خزيمة أم المساكين وهي من بني هلال، ثم يذكرهم مرة عند الحديث عن غزوة هوازن، ومرات كثيرة أخرى في مناسبات مختلفة. اما خروجهم الى افريقية فقد ذكره بعض المؤرخين، منهم ابن خلدون الذي قال: "كان المعز بن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بافريقية، وخطب للقائم العباسي، وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة اربعين واربع مئة، فكتب اليه المستنصر يتهدده، ثم انه استوزر الحسين بن علي التازوري بعد الجرجراي ولم يكن في رتبته، فخاطبه المعز دون ما كان يخاطب من قبله، فحقد ذلك واغرى به المستنصر، وأصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال، وبعثهم الى افريقية وملّكهم كل ما يفتحونه، وبعث الى المعز: اما بعد فقد ارسلنا إليك خيولا، وحملنا عليها رجالا فحولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا..".وبينما نجد التاريخ جافا في تصوير هذه الحملة، إذ بالسيرة تعرضها عرضا وافيا مستفيضا، فهي تخبرنا انها أُعدت كأحسن ما تعد حملة اليوم، فنحن نقرأ خبر ارسال العيون إلى البلاد أولا لاستطلاع أخبارها، ومعرفة قوتها، وأحسن الطرق الموصلة إليها، وكان هؤلاء الجواسيس من خيرة أبناء الهلاليين من مرعي ويحيى ويونس وابي زيد، ويقع جميعهم في قبضة العدو ولا يفرج إلا عن أبي زيد الذي عاد وجهز الجيوش لفتح تونس؛ ويسير أبو زيد مع بني زحلان، وحسن مع بني دريد، ودياب مع بني زغبة... ويؤتى بالجازية من مكة لتكون في الطليعة؛ ثم نقرأ قصصا كثيرة حول هذه الجيوش والتقائها بالخفاجي عامر، والملك الغضبان والخزاعي، وشبيب التبعي، والبردويل بن راشد، وأشهرها هي قصة بني هلال مع الماضي حاكم صعيد مصر. وما كادت تتحرك هذه الجيوش لملاقاة الزناتي خليفة حتى زودها أبو زيد بخططه الحربية الخطيرة، فهو يضلل جواسيس العدو مرة، ويستولي على عيون المياه مرة أخرى، ويأتي بحيل لا تقل طرافة عن جيل قواد الحرب الحالية. وقد اطلق مرة المنادي بنادي في العرب: "كل من كان عنده ناقة والده يبعد ابنها عنها، أو فرس والده يبعد ابنها عنها، وكل من كان عنده حصان طلوق يجيبه عند فرس شايع ويلحقونا على عين الخطيري، وتخلي العرب كلهم يدقوا طبولهم في نزولهم على العين، فيسمع الزناتي حنين المهاري وصهيل الخيل وحس الطبول فينكسر قلبه قبل ما يجي لنا الحرب". كما انه كثيرا ما استخدم النساء للتسرب إلى داخل البلاد، والقيام بأعمال السلب والنهب لإيقاع الذعر بين الأهلين والتمهيد لدخول الجيوش؛ وكان تنفيذ هذه المهمة يوكل عادة للجازية التي كان تقوم بها خير قيام، فاسمعها مثلا تتحايل على منصور أحد بوابي تونس وتمنيه وتغريه بمختلف المغريات.وبعد حديث طويل نجد الجازية تتغلب على منصور ويفتح لها ولمن معها من نساء ورجال، ويتمكن الهلاليون من اطلاق سراح مرعي ويونس. ثم تدور الدائرة على الزناتي فيقتل بفضل خطة وضعتها ابنته سعدة التي شغفت بمرعي عندما كان في سجن أبيها، فهي التي أشارت على الهلالية بإرسال دياب إلى أبيها ومنازلته، لأن ديابا أقدر الفرسان لمنازلة خليفة. خلا الجو للعرب في تونس واستولوا على عروش الغرب السبعة، وشرعوا في تقسيمها بينهم، كما أخذوا في الاستعداد لغزو مراكش. وهنا نجد النزاع الذي كان قائما بين العرب في الجزيزة، اعني بين اليمنية والقيسية، ينفجر مرة أخرى في افريقية، فيمثل أبوزيد القيسية، ودياب اليمنية؛ وقد مهدت السيرة لذلك أحسن تمهيد، فهي في جدول الأنساب الذي ساقته من قبل جعلت ديابا ينحدر من فرع تجري في عروقه دماء حمير، فهو دياب بن غانم بن رياح بن حمير بن رياح بن جبير، فذكر "حمير" هنا لم يأت عبثا، وانما تمهيدا لسائر الخصومات التي قامت بين أبي زيد من ناحية، ودياب من ناحية أخرى، وهو يعلل لنا قتل دياب للسلطان حسن وأبي زيد فيما بعد.أدت هذه القبائل القيسية اليمنية رسالتها في شمالي افريقية وجعلته عربيا جنسا وثقافة ودينا حتى يومنا هذا. وبعد ذلك نقرأ خبر انتقال دياب إلى السودن والحبشة، ويقتل دياب، ويتولى ابنه نصر الدين الزغبي حكم بلاد الغرب. وتنتقل بعض القبائل القيسية إلى صعيد مصر ثانية، فأعالي النوبة، فالخرطوم، فدارفور حيث نسمع عن وجود قبائل عربية مثل الرزيقات نسبة إلى رزق والد أبي زيد، وقبيلة سليم نسبة إلى بني سليم. وهنا تؤيد السيرة أبحاث المؤرخين ورجال اللغات السامية، فهم مجمعون على ان لهجة صعيد مصر وعرب أولاد علي، غرب الاسكندرية، ومالطة وشمالي افريقية واعالي النوبة، وكردفان وجنوب الخرطوم ودارفور لهجة واحدة، لها مميزاتها الخاصة التي تميزها عن سائر اللهجات العربية.وعلى الرغم من ذلك فإن استقرار هذه القبائل العربية خارج الجزيرة لم ينسها يوما نجدا وجمال ونجد، وحرية نجد؛ وقد عبر مرعي عن هذا الحب بقوله يخاطب سعدة بنت خليفة:يا سعدة نجد العريضة مريهوبيت بها أهلي وكل جدودبلدي ولو جارت عليا مريهوأهلي ولو شحت عليا تجودوهذا هو الإطار الاساسي الذي انتظمت حوله كل الروايات المختلفة لملحمة أو تغريبة بني هلال، وهو الاطار الذي يشكل العنصر الثابت في القصة.ومما ينبغي التنويه اليه هو تعدد وسائل التناول الفني لقصة بني هلال، حيث أضفى الخيال الشعبي والعربي على تلك القصة الكثير من الأساطير بما جعل البون يبدو شاسعا في كثير من الاجزاء بين الواقع التاريخي والواقع الفني. ولم يكن الخلط في الأماكن الجغرافية إلا واحدا من الفروق بين التاريخ والفن كما ان الجانب الخيالي في المغامرات والبطولات والحب والتضحية أحد هذه الفروق أيضا، كما ان الطابع البيئي للاقاليم قد اضفى على هذه الملحمة من طبيعته بحيث بدت لصيقة ومعبّرة عن كل بيئة صاغتها فنيا، فبيئة نجد غير بيئة الجزائر غير بيئة تونس. وسنكتفي بعرض رواية الكتب الشعبية بنجد لتغريبة بني هلال.التغربة في الكتب الشعبية بنجد:يذكر الأستاذ "أحمد ممو" في تلخيصه لهذه القصة انها تبدأ عندما تتوالى سنوات الجدب على أرض نجد حيث كانت نازلة قبائل بني هلال فيقرر السلطان الحسن بن سرحن ارسال سرية إلى تونس للتعرف على أحوالها.ويقع تعيين "أبوزيد" "صهر السلطان" ومرعي "ابن السلطان" ويحيى ويونس "ولدي أخت السلطان" للقيام بهذه المهمة فينطلق أربعتهم في زي الشعراء من نجد إلى حزوة واليز ثم بلاد العمق ثم مكة بلد الشريف بن هاشم وزوجته الجازية، ثم بلاد الأعاجم ثم بلاد التركمان ثم العراق وفيها الخفاجي عامر ثم حلب الشهباء ثم دمشق الشام ثم القدس الشريف ثم عريش مصر ثم مصر العلية ثم صعيد مصر ثم تونس التي يحكمها الزناتي خليفة والد سعدى والعزيزة صغيرة. وكانت للعزيزة جارية من مضارب بني هلال تتحدث طوال الوقت لسيدتها عن خصال ابن سيدها يونس بن الحسن بن سرحان لذلك تتدخل العزيزة عندما يقع القبض على افراد السرية لدى والدها لكي يحبس يونس في قصرها.ويتمكن أبوزيد من الفرار ويقتل يحيى. ثم يعود أبوزيد إلى مضارب بني هلال لكي يتحدث عن متاعب الطريق وخيرات تونس ومصير بقية افراد السرية. ويقرر السلطان تحرك قبائل بني هلال في اتجاه افريقية للأخذ بالثأر ولتخليص الأسرى. وتتحرك العشائر بقيادة فرسانها الأربعة أبو زيد والحسن بن سرحان وزيدان وذياب. وفي الطريق الى افريقية يمر بنو هلال بالعراق حيث الخفاجي عامر الذي يستضيفهم ثم يقع في حب الجازية ويرافقهم في مسيرتهم تاركا مملكته. وعندما يصل بنو هلال افريقية يهم الزناتي خليفة بمصالحتهم لكن ابنته تثنيه عن عزمه ذاك.. وبعد معركة توز "مكان بالجنوب التونسي" تتواصل المعارك متقطعة إلى ان تكون المعركة التي يتم فيها قتل الزناتي على يد ذياب الذي يعتلي عرش تونس لكنه يخجل من فعلته تلك بعد ذلك ويتنازل عن العرش للسلطان الحسن بن السرحان.وفي النهاية يتم تقسيم البلاد بين أمراء بني هلال عن طريق أبوزيد.* للاستزادة حول الموضوع يمكن الرجوع إلى:* بنو هلال أصحاب التغريبة في التاريخ والأدب، أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري والدكتور عبدالحليم عويس 1401ه.* الهلالية، فؤاد حسنين علي، مجلة الثقافة، القاهرة، 1363ه العدد 279.* أثر الهلالية في السودان، عبدالمجيد عابدين، المجلة، القاهرة، 1382ه، العدد

بداية الصفحة

النقود الإسلامية.. رحلة عبر الزمن

حفر الباطن قاسم دغيم الظفيري:

* يتفق علماء المسكوكات على ان أول من ضرب النقود هو كروسيوس ملك ليديا في جنوب آسيا الصغرى في القرن السابع قبل الميلاد ثم انتشرت إلى باقي الممالك الساحلية المجاورة، حيث ضربت مملكة اليونان عملة لها سميت بالدراخما وعرفت بعد بالدراهم. أما عرب الحجاز فلم تكن لهم قبل الإسلام نقود خاصة بهم، بل كانت كالبلاد التابعة للامبراطورية البيزنطية، كالشام ومصر وشمال أفريقيا، تتعامل بالنقود البيزنطية وهي الدنانير والفلوس. كما كانت البلاد التابعة للامبراطورية الساسانية كالعراق وإيران وما يليها شرقاً تتعامل بالنقود الساسانية وهي الدراهم فضلاً عن النقود الحميرية التي كان يتعامل بها أهل اليمن وقد استعمل تجار الجزيرة العربية وخاصة قبيلة قريش هذه العملات في تمويل تجارتهم بين بلاد الشام واليمن والمعروفة برحلة الشتاء والصيف كما ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة قريش، وكانت هذه العملات عبارة عن نقود بيزنطية وساسانية وحميرية عليها صور وزخارف أو كتابات وعندما جاء الإسلام أقر الرسول (~) النقود على ما كانت عليه ويؤكد ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حينما قال: زوجني رسول الله (~) فاطمة (رضي الله عنها) على أربعمائة وثمانين درهماً كما أرسل قيصر الروم هرقل إلى الرسول (~) دنانير بيزنطية فأخذها وقسمها بين أصحابه وكذلك فرض الرسول (~) زكاة الأموال بهذه النقود المتداولة فجعل كل خمس أواق من الفضة الخالية من الغش، خمسة دراهم وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار. وذكر كتاب صادر عن مؤسسة النقد العربي السعودي ان أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) عندما تولى الخلافة بعد الرسول (~) عمل بسنته في إقرار التعامل بتلك النقود ذات الصور الآدمية والكتابات البهلوية واليونانية ولم يغير منها شيئاً، وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فتح العرب بلاد الشام ومصر في أوائل القرن الأول الهجري فأبقوا على النقود المتداولة لديهم، وكانت البلدان التي فتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يتعامل أهلها بالفضة وهي الولايات التي كانت تابعة للامبراطورية الساسانية كالعراق وإيران وأخرى يتعامل أهلها بالذهب والبرونز وهي مصر وسوريا أي الولايات التي كانت خاضعة للامبراطورية البيزنطية وفي سنة 18ه ضرب الخليفة عمر بن الخطاب الدراهم على الطراز الساساني وأضاف إلى هامشها (الحمد لله) وفي بعضها (لا إله إلاّ الله وحده) كما ضربت بعد ذلك فلوس تظهر عليها الكتابات العربية إلى جانب الكتابات اليونانية بالنسبة لحمص وطبرية، وأخذت تظهر على النقود بمرور الزمن بعض العبارات مثل (طيب، جائز، واف) للإشارة إلى الوزن الشرعي الصحيح، أو إلى إجازة التعامل بها، ثم أخذت الكتابات العربية تحتل مكاناً أكبر على الفلوس البرونزية فظهرت البسملة (بسم الله) وبعد ذلك ظهرت شهادة التوحيد والرسالة المحمدية مختصرين هكذا (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) ضربت الدراهم على الطراز الساساني وأضاف إليه عبارة (الله أكبر). ويضيف هذا الكتاب ان النقود استمرت تضرب حتى عهد الخليفة عبدالملك بن مروان الذي تم في عهده تخليص النقود العربية الإسلامية من التأثيرات البيزنطية والساسانية، المتمثلة في الصور، فنجد ان هامش الوجه يشتمل على عبارة (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) وفي المركز شهادة التوحيد ونصها (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) وعلى هامش الظهر نجد كتابة تشير إلى البسملة يليها تاريخ الضرب، هكذا (بسم الله) ضرب هذا الدينار سنة سبع وسبعين وفي المركز ثلاثة أسطر من سورة الاخلاص هي (الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد) وقد تركز ضرب الدنانير في العصر الأموي في دمشق لأنها كانت عاصمة الخلافة الأموية وفي مصر باعتبارها أكبر اقليم تابع لها، وكان من الصعب التمييز بين النقود الذهبية التي ضربت في مصر وبين تلك التي ضربت في سوريا للتشابه الكبير بينهما من حيث الوزن والنصوص الواردة عليهما.أما الدراهم الأموية فكانت تحمل منذ تعريبها في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان سنة 77ه مكان سكها وتاريخه وأهم دور سكها هي: أذربيجان واردشيرخره، وأرمينية واصطخر وأفريقيا، والأندلس، والبصرة وبلخ وبهبقاد وشق التميرة، والجزيرة وجندي سابور، وجي، ودربجرد، ودمشق ورامهرمز والسامية وسجستان والسوس وسوق الأهواز وفيل وكرمان والكوفة وما هي والمبركة ومرو ومناذر وهراة وهمذان وواسط وغيرها.أما الفلوس المعربة فكانت تحمل اسم الحاكم أو عامل الخراج الذي ضرب الفلس على يديه وتحت إشرافه كما كانت تحمل اسم مكان السك أحياناً وأهم دور سك الفلوس الأموية هي إيليا والبصرة وبعلبك وحلب ودمشق والرملة وسرخس وطبرية وطنجة والفسطاط وفلسطين وقنسرين ومصر والموصل.وبعد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية 132ه وانتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد ظلت الدنانير الذهبية تضرب في مصر ودمشق فترة طويلة من الوقت بنفس العبارات المسجلة على الدنانير الأموية مع اختلاف تواريخ الضرب وفي سنة 198ه بدأت تظهر أسماء دور السك على النقود الذهبية لأول مرة في عهد الخليفة المأمون، كما أصبحت كتابات مركز الظهر في العصر العباسي تشتمل على عبارة محمد رسول الله في ثلاثة أسطر بدلاً من سورة الاخلاص في الدنانير الأموية.وظلت النقود الإسلامية الذهبية والفضية والبرونزية تضرب في مختلف دور الضرب المتعددة في البلاد الإسلامية وهي تحمل شهادة التوحيد، واسم الرسول (~) واستمر الحال على ذلك حتى استيلاء الأتراك العثمانين على مصر سنة 923ه حين قام العثمانيون بحذف شهادة التوحيد واسم الرسول (~) والآيات القرآنية من على النقود الإسلامية واستبدلوها بالألقاب الفخرية للسلطان العثماني: صاحب النصر، وصاحب العز، والنصر في البر والبحر أو سلطان البرين (بر آسيا، وأوروبا) وخاقان (رئيس) البحرين (البحر المتوسط والبحر الأسود) كما سجلوا عليها الطغراء العثمانية.وتوجد مجموعة من النقود الإسلامية في مختلف العصور موزعة في عدد من البلدان العربية والإسلامية ويتم العثور في أوقات متفرقة على اعداد أخرى تودع في المتاحف ودور العرض وتقتني مؤسسة النقد العربي السعودي مجموعة من النقود الإسلامية الأثرية الذهبية والفضية والنحاسي والبرونزية التي تمثل كثيراً من الدول والفترات التاريخية في العصر الإسلامي ويغطي تاريخ ضربها فترة زمنية بلغت حوالي أربعة عشر قرناً منذ فجر الإسلام وحتى وقت قريب. وتحتفظ المؤسسة أيضاً بمجموعة من الفلوس البرونزية والبيزنطية ويوجد بالمؤسسة نموذج لأول دينار عربي إسلامي ضرب عام 77ه في عهد عبدالملك بن مروان وهي السنة الأولى التي تم فيها تعريب النقود، وعدد من الدراهم الأموية التي ضربت بدور سك مختلفة كما تمتلك المؤسسة نماذج من النقود العباسية الذهبية والفضية وعدد من النقود الحمدانية والاخشيدية والجنابية والأموية الأندلسية والفاطمية والصليبية والموحدية والأيوبية والمغولية والعثمانية وغيرها.ومن العملات الموجودة في مؤسسة النقد العربي السعودي فلس بيزنطي ضرب في أوائل العصر الإسلامي يحمل كتابات وزخارف ودرهم فضة عربي ساساني عليه كتابات وزخارف وصور ودرهم عربي ساساني باسم الحجاج بن يوسف الثقفي وعليه زخارف وكتابات بالخط الكوفي.ودرهم عربي ساساني ضرب في طبرستان في العصر العباسي عليه اسم الحاكم المسلم عمر وعليه زخارف وكتابات، كما يتوفر بالمؤسسة فلس أموي ضرب في الرها في عهد عبدالملك بن مروان ودينار ذهبي أموي ضرب سنة 77ه في عهد عبدالملك بن مروان ودرهم ضرب في واسط في عهد الوليد بن عبدالملك ودرهم عباسي ضرب عام 132ه في عهد الخليفة أبو العباس السفاح ودرهم عاسي في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور ضرب سنة 141ه بالكوفة. وعدد من العملات الأخرى التي ضربت في عهد عدد من الخلفاء والملوك ومنهم هارون الرشيد والمأمون والمكتفي بالله والمهدي والحكم المستنصر بالله الأندلسي ومحمود زنكي وطغرلبك بن مودود والملك الصالح إسماعيل وغازان محمود وغازي بن أرتق وأبو المظفر مبارك شاه والسلطان عبدالمجيد الثاني وعبدالحميد الثاني ومحمد بن رشاد عبدالمجيد الأول وغيرها.وتوجد عدد من هذه المجموعات في عدد من الدول الإسلامية مثل مصر حيث توجد مجموعات ضمت عدداً من الدنانير والدراهم الإسلامية التي حملت عددا من العبارات ومنه درهم ضرب في واسط سنة 86ه تتوسطه كلمة (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) ودينار من الحجاز مؤرخ بعام 105ه . وكانت أول دار للضرب في مصر تقع خلف جامع عمرو بن العاص وأقدم ما وجد فلوس نحاسية تحمل اسم مصر والفسطاط من عهد عبدالملك بن مروان وعهد يزيد بن عبدالملك وهناك عدد من الفلوس تحمل دار ضرب بعلبك وكانت توجد أجزاء من الفلوس تسمى (الخروبة) لسهولة التعامل.كما يوجد دينار باسم الواثق بالله العباسي ودينار المستعصم بالله مؤرخ بسنة 200ه ودينار باسم الناصر لدين الله سنة 215ه وفيه ازدواج الهامش وفي عهد الدولة الطولونية ضرب الدينار الأحمدي نسبة لأحمد بن طولون ومنها دينار خمارويه بن أحمد سنة 273ه ودينار المفوض إلى الله 291ه ودينار هارون بن خمارويه والمكتفي بالله ودينار الاخشيدي لأبي القاسم بن الأخشيد ،ومن الدنانير الفاطمية دينار المستنصر بالله الفاطمي 457ه ودنانير من عهد الحاكم بأمر الله والذي حكم من الفترة من 495إلى 524ه ثم ضربت الدنانير الأيوبية في عهد صلاح الدين الأيوبي وحملت على الهامش (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، ثم دينار الملك العادل أبو بكر محمد بن أيوب والملك الكامل أبو المعالي وضرب بالقاهرة سنة 626ه وحمل اسم أبو جعفر المستنصر بالله ودينار باسم الصالح نجم الدين أيوب حاملاً اسم الخليفة المستعصم بالله 641ه ثم دينار الظاهر ببيرس والذي حمل اسمه وتاريخ الضرب 660ه ودينار السلطان المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون ودينار للسلطان الشرف برسباي وضرب بالقاهرة ثم دينار للسلطان قانصوه الغوري. ومن الدنانير العثمانية الموجودة دينار باسم مراد بن سليم خان سلطان البرين وخاقان البحرين السلطان بن السلطان ودينار بايزيد بن محمد خان وضرب بالقسطنطينية ويوجد بعض المثاقيل التي تستخدم لوزن الدينار ومنها مثقال باسم يزيد بن حاتم وقد قدر وزن الدينار الشرعي 5، 4جرامات. وتم تداول عدد من النقود الاغريقية في عدد من دول الخليج قبل الإسلام ومن ذلك دراهم اغريقية عثر عليها بدولة الإمارات العربية المتحدة تحمل صورة الاسكندر الأكبر، كما استخدم أهالي الإمارات الدراهم الإسلامية ومنها درهم المهلب بن أبي صفرة القائد الإسلامي المعروف.* المراجع: مؤسسة النقد العربي السعودي إصدارات ومقتنيات.

بداية الصفحة

سبورتي البعيدة

شعر: هدى الدّغفق

لم أعد التلميذة الساكنة في كرسيها

إلا أنني مازلت أفرّ من كل دفتر يشبه دفتر المدرسة

قبل أن ألبس العباءة..

نسجت روحي عباءة لدفتري

فيه خبأت بذورها

لا أدري.. بعد!

لماذا تبنتُ في الصّف؟

قصيدتي

تشرد بعينيّ

في حضرة الدرس

تتسلق صوت المعلمة

والجدران

والسقف؛

إلى سبورتها البعيدة عن سبورتنا.

عيناي

تشرقان في خيمة صفّنا

مصابيحهما قصيدتي..

كم مرة تطفئهما،

كلما ...

معلمتي الغاضبة،

مخالب تهبط

على دفتري.

عيناي ..

دهشة

تذوي،

إذ تطردني معلمتي..

قصيدة

دمها

يتسربُ

باكياً..

من

باب

الصف.

hu2002@hotmail.com

بداية الصفحة

الإبداع بين الصحافة والنقد

تحقيق محمد الزيد

* كان للنص الإبداعي وهج خاص في الساحة الثقافية وبالذات في الصفحات والملحقات الثقافية، فعندما ينشر نص شعري أو قصصي غالباً يقرأه الجميع، ويتناوله بعض النقاد قراءة ونقداً، وأحياناً ينشر أكثر من مرة، فماذا حدث للنص الإبداعي، هل خبا؟ هل قل اهتمام النقاد بما ينشر من نصوص ابداعية؟ هل توقف نشر الإبداع في الصحف والملحقات الثقافية؟حول هذه القضية والتساؤلات تحدث ل(ثقافة اليوم) عدد من الأدباء والمثقفين حيث بدأ الدكتور معجب الزهراني حديثه بقوله:لا أظن النص الإبداعي المتميز يمكن أن يخبو إلا إن كان وهجه مفتعلاً، ما حصل أن مجال التداول امتلأ بثقافات الأخبار والصور التي تجذب اهتمام المتلقين اليوم أكثر من غيرها. ثم إن تلك الأندية الأدبية التي كانت تؤمن وظيفة الاحتفاء بالنصوص ومبدعيها أصبحت اليوم في حكم العاطلة عن العمل إلا فيما ندر.ويضيف الدكتور الزهراني بأنه ربما انصرف النقد إلى انشغالات معرفية فكرية تخصه أكثر مما تخص المغامرات الإبداعية الجديدة. لكن الصوت الإبداعي المتميز يفرض حضوره دونما حاجة إلى الوسيط النقدي عليه ربما كان السؤال يتجه نحو ذلك الصوت الغائب المنتظر.. ربما. ثم إن الكتاب الذين يملأون مكاتب الصحف والمجلات، وبينهم القاص والشاعر والناقد، يستطيعون تأمين القراءات النقدية التي تتجه إلى القارئ العام فلماذا لا يحصل شيء من هذا هنا كما في جل صحف الدنيا ومجلاتها؟!!وحول توقف نشر الإبداع يضيف الدكتور معجب بقوله:خير من يجيب على سؤال كهذا هم القائمون على هذه الملحقات، فمن لم يتوقف سيعلن رأيه ومن توقف فلعل له عذر ونحن نلوم.كما تحدث الأستاذ إبراهيم الحميدان حول هذه القضية بقوله:النص الإبداعي لم يخب بل تطور وانطلق إلى آفاق أرحب والدليل هذا الإنتاج الذي يطرح نفسه متألقاً ومنافساً إنما لا يجد من يعنى بظهوره ويحتفي به. وانتم في جريدة "الرياض" بصراحة تتحملون بعض هذه المسؤولية. فهل حاولتم تعريف كتّاب الملحق من الذين يدبجون مقالات عن الكتّاب في مصر وسوريا والعراق والمغرب العربي أقصد انتاج كتّاب تلك الدول هل طرحتم عليهم إنتاج أو مؤلف كاتب محلي لدراسته وتقييمه؟ حتى يأخذ فرصة في الانتشار أم انكم تفعلون ما يعمله المسؤولون عن مهرجان الجنادرية كل عام من تبارٍ لتعريفنا بالإنتاج الفكري في بعض الدول العربية متجاهلين انتاجنا المحلي؟ فالمسؤول عن ملحقكم "ثقافة اليوم" الشاعر سعد الحميدين أحد القامات الشعرية التي نعتز بها فهل وجد في مهرجان الجنادرية مثلاً من يدرس انتاجه وتطوره الشعري على مدى ربع قرن من خلال هذه الإصدارات الجميلة؟ ان الهدف من المهرجانات الثقافية غير واضح بكل أسف، عدا الدعاية الشخصية للباحثين عن الشهرة.ويضيف الأستاذ الحميدان بأن اهتمام النقاد تلاشى لأنهم أصبحوا شللاً لا تعرف سوى أسماء معينة.معذرة بأننا ندور في حلقة مفرغة ونوزع الاتهامات التي لن تصل بنا إلى ما نصبو إليه من حركة فكرية خلاقة. وليس من سبيل إلى تغيير هذا الواقع سوى بالقول الصريح وعدم المداهنة والمجاملة. كما أن المطالبة بالحاح لإيجاد آلية ثقافية تتمثل في تسمية جهة ثقافية محددة تعنى بإنتاجنا الفكري وتحتضنه هو الوسيلة الفعّالة للخروج من هذا النفق المظلم الذي مازلنا نراوح فيه وسوف نبقى إلى ما شاء الله، مع أن كبار المسؤولين في الدولة هم من فئة المثقفين الذين شغلتهم الوظائف الإدارية عن التعاطف مع هذا المطلب الملح لتجسيد تطورنا الفكري والعناية به. ثم انني أدعو إلى حرية فكر أوسع بعيداً عن هذه الاحباطات التي تواجهنا من المسؤولين داخل أروقة الصحافة وتقف دون نشر الكثير من الابداعات الخلاَّقة.ويتحدث الأستاذ عبدالله الزيد حول هذه القضية بقوله:نعم .. كان للنص الابداعي وهج لذيذ ليس له مثيل..، وذلك لأنه ما من شيء أجمل ولا أطيب ولا أروع من الاحتفال والاحتفاء بالعمل المبدع المتجلي الذي كتبه فنان حقيقي، ورسمه بداخله وذاته على صفحة الوجود المتناغم بلغته وسياقه وخطابه مع العبقرية والاستثناء.ففي السبعينيات .. والثمانينات .. كان السياقُ الإنساني يتهادى رقراقاً صافياً، متأملاً، وكان نشرُ النص المبدع من قبل الكاتب والمطبوعات مطلباً وهدفاً.. بذاته ولذاته .. وفي الوقت نفسه كان الوصول إلى النص أو العمل الإبداعي حلماً تتوق إليه لهفة المتلقي؛ لذلك كانت المطبوعة تخءتالُ وهي تتزين بالأعمال الحقيقية على صفحاتها، وكان الكاتب الفنان يغتبط، وتورق دنياه وهو يتأمل عمله بين الأعمال المتماثلة المتناغمة تألقاً وتجلياً.. وامتاعاً، وكان المتلقي ينتشي .. وينفعل.. ويتسع أفقه ورؤياه.. وتكبر لغته .. وهو يقرأ العمل ويتأمله ويتمثله ويحلله ويشارك في تفسيره..!!ومع بداية التسعينيات .. قامت القيامة وبخاصة في منطقة الخليج بعاملين كبيرين.الأول: الهجوم الجاهلي المتخلف المفاجئ المباغت من قبل "العراق" على "الكويت"..!!والآخر: هجوم الفضاء الشرس مرة واحدة على الأرض..!!بسبب العامل الأول .. سقطت الأعراف وتهدمت المثل وماتت القيم وغابت تبعاً لذلك الثقة بكل ما يجري في الساحات العربية ومن ضمن ذلك ما يتعلق بالإبداع والنص المبدع المتجلي وما يحمله من عوامل البقاء والحياة والخلود.. والامتزاج بحضارة الإنسان الحقيقية .. حيث لم يكن من الوارد أبداً ان يبقى الفن والإبداع والفنان في معزل عما أصاب السياق البشري هنا من انشداه وانشغال واكتئاب يتّشحُ عادة بسهوم قاتل لا ينتهي بأي محصلة ولا بأي معنى..!!* وبسبب العامل الآخر .. شُغل الإنسان (بعامة) عن نفسه ومعوقاته الذاتية والمعرفية والحضارية، شُغل بغيره .. غيره الذي كان في الأعم الأغلب لا علاقة له بالتطور ولا بالثقافة الجوهرية.. ولا بالتحضر ولا بسياق التأمل المثري ولا بالاضافة..وبالعاملين كليهما .. شاركت العناصر الثلاثة المطبوعة والكاتب والمتلقي في "اغتيال النص"!ويضيف الأستاذ الزيد بأن المطبوعة .. لم تعد تهتم بالثقافة ولا بالابداع ولا بالمبدعين .. وإنما كل الذي تهتم به هو الدخل والكسب المادي، وأن تتعامد وتتقاطع مع ما يهدر به الفضاء العجيب من أخبار مؤسفة ومعلومات سريعة وتقريرات هشة تكتب عادة بلغة عامية متردية.. لم تعد المطبوعة تقدر الفنان الحقيقي ولا يعنيها فكر المتلقي!!أما الكاتب الفنان المبدع شعر في هذا السياق بغياب الخطاب الثقافي الحي الذي ينضح بالرواء، وأدرك عدم الجدوى من نشر إبداعه وأحس بالمجانية تكتنفه من كل جانب واستدل على ذلك بأن عمله الابداعي عندما ينشر فإنما يمر كما يمر الضوء الخافت في ليل المدينة!! ووجد نفسه بكل ما يحمله من عبقرية مهجوراً مثل كهف قديم فلا أحد يسأل عنه ولا أحد يسلّم عليه ولا أحد يدعوه إلى الكتابة والمشاركة بشكل حميم ولا أحد يقدّره حقَّ قدره فأحجم عن التواصل وألقى باللائمة على من حوله وما حوله، ولعل أقرب مؤشر إلى ذلك وجود صنفين من الكتاب المبدعين انصرفا عن "النص" كتابة وإبداعاً وتحليلاً وقراءة وتفسيراً انصرفا إلى نوع آخر من التواصل مع الساحة..صنف أخذ يجترح أشياء مثيرة للجدل والأخذ والعطاء بعيداً عن النص مثل د.عبدالله الغذامي ومشروعاته الثقافية .. مع أنه من أكثر النقاد انحيازاً للنص، ويجد سعادته ولذته وجمالياته مع النصوص والأعمال الإبداعية..وصنف تحول من الكتابة الإبداعية إلى كتابة أشياء أقرب ما تكون إلى كتابة "عرض الحال" والشكوى، مثل الأستاذ "عابد خزندار" والأستاذ "سعد الدوسري"، وأنا هنا لست ضد ما يقومان به من أجل "الناس" و"المواطن" ولكني ضد الانسلاخ التام من الكتابة الإبداعية الخالصة تماماً..والمتلقي: اكتشف كما لم يكتشف من قبل أنه كان مهتماً بقضايا ونصوص لم تعد واردة الآن في قاموس هذه التحولات، واكتشف كذلك انه غير قادر على الوصول إلى النص المبدع المتجلي من خلال المطبوعة لو أراد ذلك وحن إليه، كماأنه وعى وبشكل حاد أن المطبوعة تدفعه دفعاً قوياً إلى كل ما هو غير ابداعي بدءاً بالمعلومات غير الموثقة وانتهاء بهذا الطوفان المرعب من الإعلانات الاستهلاكية المتردية وصيغ المسابقات والتحفيز غير الإنساني..!! هنا وبدون أي تدبر استءلم المتلقي المغلوب على أمره لنوع محزن من العقم الذي لا طعم له في التلقي والتفاعل.. فأمسى لا يبحث عن الابداع ولا يهمه أن يصل إلى النص المبدع.والخلاصة أننا لو عدنا بالذاكرة إلى بداية التسعينات لاستحضرنا كيف انشغل كلٌ منا عن الثقافة والإبداع وجوهر الفن والإنسان: ففي لحظات التأمل والسكينة نستغرق في تفكير مرعب يتعلق بالمستقبل والآتي، أما بقية وقتنا فنقضيه أمام الفضائيات وما تبثه من أشياء هي في غالبها لا تسمن ولا تغني من جوع.كما تحدث الأستاذ ناصر سالم الجاسم حول هذه القضية بقوله:النص الإبداعي باعتباره منتوجاً لفظياً وفكرياً يفرض وجوده باستمرار، وفي كل الحقب الزمنية، والعصور الأدبية، هو كائن لا بد أن يولد، ويرى النور مهما تعاقبت عليه الأجيال، أو تكالبت عليه الظروف، وهذه الولادة مرتهنة بحركة قلم المبدع ومشيئته المحدودة!!ونقاد كل عصر هم الذين يقررون غنى النص بالإبداع أو خواءه منه، أو تفاوته في القيمة الإبداعية، وقد عودتنا عصور الأدب كلها أن تزف إلينا نصوصاً ابداعية بأسماء مبدعين كثر، فلم يخل عصر من العصور من مبدعين، ولا من نصوص ابداعية، فعلى رأس كل عقد من العقود يظهر مبدع واحد وأكثر، ولا يمكن أن يكون لدينا مبدع من غير نص له!!، وتبقى الحقيقة الدامغة أن الإبداع قد يشحب وقد يزداد ولكن من المحال أن يعدم أو يزول!!، وقد ازداد الإبداع الأدبي في العصر العباسي وشحب في العصر المملوكي، وهو موجود منذ العصر الجاهلي حتى يومنا هذا!! والنص سواء كان شعرياً أو سردياً هو عماد الابداع لدى كل منتج له، ولأجل ذلك يعنى الكثير من كتاب النص بالنص عناية فائقة، يجودونه ويمحكونه ويهذبونه ويشذبونه من كل الزوائد والحشو والعوالق اللفظية حتى تستقبله عينا القارئ في أحسن حلية له!!وعطفاً على ما سبق فالنص الإبداعي لم يغب ولم يختف إنما قل ظهوره في الصفحات الأدبية لأسباب شخصية تتعلق بمنتجي النص أنفسهم.وحول هذه القضية تحدث الأستاذ عبدالله سليم الرشيد بقوله: النص الإبداعي الذي يعيش أزمة مع المتلقي، فهو لم يخب ولكن ذائقة المتلقي هي التي خبت، وسيبقى الابداع ألقاً ما بقي الإنسان.إن الذائقة الجماعية كلها مع الأسف الغامر تمر بمرحلة تلوّث، والذي يعيش في جو ملوّث لا يلفت نظره جمال الشجرة، ولا يقدر على شم أريج الزهرة.وأسباب تلوث الذائقة يعود لأسباب كثيرة، منها: ضعف علاقتنا بالفصحى، واهتمام الصحافة بالانتاج العامي الذي زاد معه تردي ثقافتنا بوجه عام، ويكفي دليلاً على تلوث البيئة الثقافية أن الصفحات والملحقات الثقافية صارت أو صار أكثرها يُدرج في الثقافة وليس منها كأخبار الفن والفنانين، وحكايات المجالس والإنتاج العامي، لقد تهدم جدار الثقافة عندنا حتى صار يتسوّره من لا يعرف من الثقافة إلا اسمها.أضف إلى ذلك أن الصحف لا تضحي عندما يعوزها الأمر بدافع تجاري إلا بصفحات الثقافة، فقد هانت في نظرها.ويضيف الأستاذ الرشيد بقوله:نعم قلّ اهتمام النقاد بما يُنشر من نصوص إبداعية؟ وعلّة هذه القلة أن كثيراً من النقاد المتنفذين القادرين على النشر أصبحوا تُجار كلام، فهم مع الغالب، بدليل أن عدداً منهم ركبوا موجة العامية فصفقوا لها، واشتركوا في تقديم أمسياتها، طلباً للشهرة، واستدراراً لما يتبعها.وفي مقابل هذا أجد نقاداً منصفين، ولكن بعضهم شُغل بأمور حياته، أو لم يجد من يفسح له المجال لمتابعة الإبداع، فالقضية مرة أخرى تعود إلى واقع الصحف.ولا أظنه انقطع (نشر الإبداع في الصحف والملحقات الثقافية)، ولكنه قلّ للظروف المشروحة سابقاً، غير أني أرى أن من واجب الصحف إن أرادت خدمة الإبداع أن تستكتب المبدعين، لا أن تنتظر أن يقفوا على أبوابها.أما الأستاذة بدرية البشر فقد بدأت حديثها حول هذه القضية بقولها:أنا أظن أننا كنا في حالة من ما يسمى بالبراءة الأولى، نحن الذين كنا صغاراً نمر بحالة من الرومانسية في تخيل أن كل نص شعري أو أدبي قرأناه وقصصناه من الجريدة وعرضناه على الأصدقاء كان نصاً غيّر تاريخ الأدب العربي وأشعل في أوراقه حريقاً. لكننا عندما كبرنا اكتشفنا أن العالم تشغله أشياء كثيرة أهمها المال والتكنولوجيا الحديثة، أن النصوص الجميلة وحيدة وضائعة وتحتاج لعكاز مساعدة. كبرنا واختلطت علينا الأشياء فمن ناحية انفتح الفضاء بفضائياته وأقماره الصناعية وبالإنترنيت وآفاقه التي بلا حدود وصارت المعرفة في زحام والنصوص غير المقصوصة "على قفا من يشيل"!من الذي تغير نحن أم المناخ الثقافي وحال الأدب؟في الحقيقة نحن الاثنين ما عادت النصوص الشعرية نادرة إلى هذا الحد والأعمال الروائية أسقطتها من عرشها ونحن تجاوزنا معايير التذوق البسيط عندما تعرفنا على الحدود الأخرى والضفاف الأخرى. والدليل أن حالة الحماس التي تحدثت عنها واشتعال الصالات بالجمهور والتصفيق والصحف بالنقد والتغطيات لم تكن تحدث إلا للشعر ولهوامير الشعر في مجلات الشعر أمثال نزار قباني وعبدالمعطي حجازي ومحمود درويش وحتى هولاء استهلكهم الإعلام ولم يفرز غيرهم، ثم اكتشفنا أن الفن والإبداع له مذاقات متعددة لم نكن نعرفها. جاءت الرواية التي ليست خطاباً منبرياً والموسيقى والرداما التلفزيونية. لم يعد الشعر ذلك النص المدلل ولم نعد هؤلاء الأبرياء الذين لا نعرف غيره وأصبحت لدينا كثافة سكانية عربية لم تعد تسمح بظهور البطل الواحد.

بداية الصفحة

و... مات الجسد .... وانتهت كل الحكايات

قصةإبراهيم محمد النملة

* وتناثرت حروف الحكايات فوق كل الألسن...وارتمى الجسد تحت الثرى...وجوه كثيرة تقاسمت ساعات العزاء ثم اخفقت!!!..لم يبق في ذاكرتها من أسماء سوى أسماء لم ترم بعد!!!..هناك عيون بكت رحيل الجسد...وهناك عيون بكت بقاء الذكرى!!!...وتوارى الجسد عن شمس الحياة...وبقيت تفاصيله لا تحمل عناء الإبحار في مستنطقات الحروف، فالصمت ستار لسنين تبرجت على وجوه كثيرة، والحروف أتت من بعيد للسان لم يعرف ملامح من توارى تحت الثرى، فقط الاسم ووجه الاسم الذي يليه.. وكانت قصيدة الرثاء اليتيمة!!!..وانتهت كل الحكايات... وانطمست كل المفارقات...دمعة العجوز كانت هي الدمعة الوحيدة التي لم تجففها الأيام.. دمعة أب!!!...تغلفت بغلاف من الرحمة والدعاء رغم جفاف الوصال!!!..بكى أمام الجميع الذين أحبوا تعرجات السنين في وجه وبكى كثيراً حينما وجد كلمات العزاء والرحمة تتساقط نتفا نتفا وبثقل شديد من أفواه الجميع!!!..و... توقف دخول الهواء إلى صدره...كلمات العزاء والذكرى فقدت ذاتها وسرقتها الأيام لتمضي معها إلى مطاف ساحة النسيان حينما أنغلق الباب وفقدت الخطوات طريق عتبة الباب!!!...وانتهت حيرة الأسئلة من عقول شابتها الحيرة والانتظار...وتاه صراخ الأجوبة من مسامع أتعبها الغموض...ظلم وافتراء وتوقعات غير مدركة لمبدأ الخلود، أفكار شائبة إنسالت على الاسفلت الأسود مقترنة مع ضخ الجسد للدماء تحت كومة من حديد...لحظات لم تدرك نطق الشهادتين، وبعدها انتهى كل شيء!!!...وصحيفة الأمس لا تشترى!!!...ودمعة العين غلبها الجفاف، وسارت الأقدام في طريق طويل... طويل وفي كل خطوة تتساقط منها شيء من بقاياه...وانتهت كل الحكايات... وتساقطت كل الكلمات...وبكى العجوز رحيل جسد ابنه عن عينه...أسند رأسه في غفلة من سواد الأيام، وأدار مفتاح صوت المذياع على إذاعة القرآن الكريم... ولم يسمع شيئاً!!!...بكى عقوق ابنه.. بكى غضبه عليه... بكى إهانة ابنه له أمام ابتسامات زوجته جف دمعه ولم يجف حنينه عليه...ذات مساء ليس ببعيد... هاتف ابنه وقال له:"أمك أعجزها المرض وشل حركاتها وأسكن جسدها الفراش، فقدت نطق الحروفعدا حروف اسمك، ارجع إلى وجهك أمك... أرحم بياض شعرها، امسح دمعتها التي أبت أن تفارق خدها، ارجع إلى أمك قبل أن تهجر فراشها وفي نفسه رؤيتك، ارجع حتى لو كانت دقائق لعلها تمتص رحيق الحياة من نظراتك....".وعدت الأيام كل يوم يتولد في نفسه موعدا لعودته...وزاد المرض على الوجه الحنون وذبل نظرها من كثرة البكاء وهي لم تفارق بنظرها الضعيف مقبض الباب!!!...وكانت الأيام تتوالى على جسدها الهزيل، وانقضت ليال كثيرة من الترقب... ليتحرك مقبض الباب... وينفرج محدثا صريراً مزعجاً... وأبدا لم يحمل وجه ابنهاوإنما خبر رحيل وجه ابنها!!!...توسدت دمعاتها وأنينها الذي صمت فجأة، لتصبح جسداً ممداً لا يحمل من أوجه الحياة أي معنى لها سوى نبضات ذلك القلب الذي يشع بياضاً...دعاء الأب العجوز يجلجل جدران البيت الصغير كل آخر مساء... بقاء لبقاء... ودفنوا الجسد تحت الثرى.....ومات الجسد بعد موت الروح بسنين!!!...IBR-MOHSA@HOTMAIL.COM

بداية الصفحة

الظل بين الرعشة والرهبة

معجب العدواني

* (رهبة ورعشة) لفظتان حظيتا بالمطلعين الرئيسيين لكتابين في الأدب السعودي، تشاكل هذان الكتابان في أبرز النصوص الموازية التي تحظى باهتمام كبير من علماء النص، وهو نص العنونة المركزي، واختلفا في الجنس الأدبي الذي ينتميان إليه، ارتكنت كلا اللفظتين إلى الظل، فلا تكاد تجد عند اطلاعك على عنوان الكتاب التالي (المتأخر) سبيلاً سوى ضرورة استحضار سريع لعنوان الكتاب السابق، على الطريقة التأويلية التي يفترضها أفق التلقي الذي يتكشف عند اللحظة الأولية للقراءة.الكتاب السابق هو عمل روائي لإبراهيم الناصر الحميدان بعنوان (رعشة الظل) صادر عام 1994م، من دار ابن سينا للنشر بالرياض، أما الكتاب اللاحق فهو يضم مجموعة شعرية جديدة جاءت بعنوان (رهبة الظل) لمحمد ابراهيم يعقوب صدرت عام 2001م، من نادي جازان الأدبي، ومع اختلاف الكتابة مع تنوع الجنس الأدبي، واختلاف التجربة الكتابية لكلا المؤلفين، والتفاوت الزمني بينهما، فإن تناول هذا العمل اللاحق انطلاقاً من السابق، مع محاولة عرض بعض علاقات التشاكل والاختلاف بينهما، يبدو أمراً قد يغري بالكشف عن الملامح العامة للمجموعة الشعرية الجديدة والعمل الروائي السابق.تتجلى مفردة (الظل) مركزاً رئيساً يلتقي فيه عنوانا العملين، ما يجعل التوسل إلى هذا المدخل مسألة تفرضها آلية النص الموازي، ودور هذه الآلية في تشكيل علاقات النص الداخلية التي تنتجها القراءة، حين تتراءى هذه المفردة (الظل) مع ما تفرضه دلالتها المعجمية مفردة مشعة داخل النصين، لها انبثاقاتها المتعددة، وتحمل سطوتها الأولية على المتلقي سلباً أو ايجاباً.إنها المفردة التي تخلق حالتها الخاصة الملائمة للجسد الروائي أو الشعري، ولكونها حالة تختلف مع خطاب سائد فعلى سبيل المثال حفظ لنا ديوان الشعر العربي والمعاجم العربية المتنوعة مثل هذا البيت الشعري وغيره، الذي يحمل الجوانب الايجابية في قول أحد الشعراء:فلا الظل من برد الضحى تستطيعهولا الفيء من برد العشي تذوقومثل ذلك ما أورده أحيحة بن الجلاح في قوله يصف النخلة:هي الظل في الحر حق الظليلوالمنظر الأحسن الأجملوقد أصر بعض المفسرين على تفسير الظل والحرور بالجنة والنار، ولكن هذه الدلالات ذات الأبعاد الايجابية التي حملتها دلالات المفردة هنا وهناك لم تمنع المؤلفان في فترة زمنية توشك أن تتجاوز سبع سنوات أن يلجأا إلى هذه المفردة في قالبها الدلالي السلبي، حين فارقا تلك الدلالة باستثمار المفردة نصياً، فكان أن سبقت في العمل الروائي بالرعشة، وفي الديوان بالرهبة، وكأن المفردتين في صورة تكمل إحداهما الأخرى.يلتقي هذان العملان في خطوة أولية عبر وجوه تشاكل ظاهر في ملامح النص الموازي (العنوان الرئيس) الذي نحت متمركزاً حول مفردة (الظل) التي بدت شمساً ذات شبكة مشعة في العملين، وربما بدت صورة ذلك الإشعاع الدلالي أكثر وضوحاً في عمل الناصر الروائي لانعكاساته وعلاقاته المختلفة.كما يؤكدان من جانب آخر على إبراز المفردة شكلياً، حيث تكون متفردة أولاً عن المفردة الأخرى للعنوان، وبوصفها تتضمن بؤرة مركزية تنطلق منها أبرز العلاقات النصية، وكان هذا بتمييز للكتابة عن المفردتين (رعشة رهبة) في كلا الكتابين؛ وكأن كتابة الظل لا بد أن تشيع هذا النمط في الظلال المجاورة للمفردة من جانب، وأثر سلطة تتوسط الغلاف من الجانب الآخر.يمكننا أن نشير هنا إلى أن هذا العنوان قد تضمن مشاكلة واختلافاً في آن، فقد ظهرت المفردتان (رعشة، رهبة) مكتوبتين بصورة مختلفة عن المضاف إليه (الظل)، ما يغري برسم التطابق بينهما، وكأنهما تؤكدان على انفصال مباشر عن تلك المفردة المحورية أو المفردة (الأم).وفي موقعين متفاوتين من الغلاف الرئيس كان لاسمي المؤلفين أن يستمرا في التشاكل حين يكتبان بالخط الموحد نفسه وفي قالب ثلاثي موحد، ولكل من الكاتبين اختياره المختلف وأسبابه في ذلك.إن أوجه التشاكل التي تنضح به ملامح النص الموازي في صفحة الغلاف لا تشي من وجهة النظر النصية فحسب بسوى تعالق نصي يتم بين النصوص مع اختلاف أجناسها، وإمكان استثمار النصوص وتفعيل ذلك في التقاطعات النصية.في العمل الروائي (رعشة الظل) لإبراهيم الناصر حرص السارد ذو النزعات الواقعية أن يكون في البداية متباعداً عن الشخصية السردية المركزية، وكان من علامات ذلك التباعد تناوله السرد بضمير الغائب، وكأنه يشير إلى تخليه عن تلك الشخصية.فانتفت صيغ التضامن معها وبدأت الشخصية السردية تسير إلى طريق مسدود، وبرزت أمارات التشيؤ والاستلاب على (فالح)، لقد تم استلاب الاسم من فالح الذي تحول في وضعيته الجديدة إلى الرمح، إلى جانب ممارسات أخرى سادت في هذا الاتجاه، ومن ثم يبدأ السارد في التحول إلى ضمير المتكلم كإعلان عن تضامن نهائي، بعد نزوع إلى ضمير الغائب منذ مطلع العمل، لكن هذا التحول لم يتمثل في رسم صورة الخلاص النهائي، ولم يكن خاتمة مبتغاة للسرد، يتجلى ذلك بوضوح حين يؤثر السارد أن يرسم لحظة الخلاص في العمل بضم فالح إلى خالد ليكون ظلاً له، وابتعاده عن زهرة إلى الأبد.في لحظة السفر والانفصال تتمتم زهرة .. الظل يرتعش .. ثم أضافت خذ قلبي معك، لا تسافر بمفردك.. همت بأن تلثم كفي لولا أنها سمعت صوت خالد يتحدث من الخارج، ففرت هاربة" ص194، وكأن هذه الجملة شكلت هذه الجملة عنوان العمل وشكلت مجرياته في تحولات فالح التي مرت بمراحل:فالح الرمح الظلكان أبو سهل ظلاً حقيقياً أو مجازياً لصاحب القصر في الداخل، ومن ثم فلا ريب أن يصبح فالح ظلاً كذلك متوازياً مع ظل آخر، أضحى فالح ظلاً لابن صاحب القصر في الخارج وهو ما تنتهي به مجريات السرد.يأتي الظل هنا وهو محمل بجانبين يمثلان حزمتين دلاليتين: تتصل الأولى بالشخصية أو الشخوص المتحولة إلى ظلال، وهو تحول من الإنساني إلى اللاإنساني.أما الجانب الآخر فهو تلك الحزمة المنبثقة من ارتعاش الظل، ارتعاش اللحظة النهائي الذي يمثل الانفصال بعد الاتصال، ارتعاش للظل تصنعه عبارة المحب، كما ترددها زهرة في حديثها الأخير مع فالح، وهذه تتصل أولاً بالشخصية وقد تتضمن دلالة الاهتزاز والارتباك لما كان متلازماً بين زهرة وفالح، تتحول إلى افتراق وانفصال، وتشير كلا الحزمتين إلي نمط سلبي للظل يشع فيما أحسب عبر النص الروائي.في العمل الموسوم (رهبة الظل) يختار محمد إبراهيم يعقوب لمجموعته عنواناً لأحد نصوصه الشعرية كما يجري في أغلب المجموعات الشعرية والقصصية ويفضله عنواناً رئيساً لمجموعته الشعرية الجديدة، وهي مجموعة توشك أن تنحو إلى التقليدية في جوانب مختلفة من نصوصها.ومع أن هذه هي التجربة الأولى التي تحمل في جنباتها مزيداً من الحوار المفترض مع المتلقي، وتؤكد على تأطير أو شبه تأطير يحيط بالمؤِلف والمؤلَف، غير مهملين تلك الإشارة المهمة ل(فيليب لوجون) إلى ذلك حين كتب مؤكداً على ضرورة تخلق أفق انتظار للمؤلف: "إننا لا يمكننا الحديث عن مؤلف إلا انطلاقاً من كتابه الثاني، حيث يكون أفق انتظار قد خلق".إن التعرض لبعض الجوانب التي قد تتماس مع التجربة يظل امراً قد يفترضه ما أدركه العرب القدامى، حين عرجوا على جوانب من هذه العلاقة التي تثير اشكالات تلقي النص الأدبي، واعتادوا على الثناء على القصيدة التي تنال إعجابهم وتستحوذ اهتمامهم، منطلقين في ذلك من شظايا نقدية شفاهية كانت موازية للاتجاه الشعري السائد.ولم تلبث أن تحولت هذه الشظايا المرتهنة إلى الشفاهية بوصفها نموذج العصر إلى نموذج كتابي أحدث، يتشظى بعد ذلك إلى نماذج منها ما أشار إليه القلقشندي حين لمح إلى هذه العلاقة فكتب في صبح الأعشى "قد جرت العادة أنه إذا صنف في فن من الفنون أو نظم شاعر قصيدة فأجاد فيها أو نحو ذلك أن يكتب له أهل تلك الصناعة على كتابه أو قصيدته تلك بالتقريض والمدح، ويأتي كل منهم بما في وسعه من البلاغة في ذلك".ولعل أبرز تلك الجوانب التي تجلت في (رهبة الظل) تحول الشعر إلى وعاء مرسوم سلفاً للتعبير، فالنص الشعري نفسه لا يبدو بعيداً عن نمط طللي عتيق استلهمه الشاعر في تناوله، إذ كان مطلعه:صحا بدء ترحالي وأدرك آخرهولم يدر ما الذكرى ولا من يذاكره؟ويتضمن النص نفسه بيتاً يحمل الإشارة إلى العنوان فيتساءل فيه الشاعر عن كيفية اتقاء رهبة الظل، وهو سؤال يندرج في اطار أسئلة متنوعة، لكن مشروع الأسئلة لا يلبث أن يسقط سريعاً ومباشرة، ويكون ذلك بعد أن تتحول تلك التساولات إلى إجابات يصنعها صوت الحكيم الذي لا يرضى بغير ذلك.مثل هذه (الثيمات) التي تمثل هذا الصوت خير تمثيل تبدو من أهم الأمور التي أفضت إلى إغراق كبير في تناول الاتجاه الذي يفترضه الشاعر لتحديد ملامح الشعر عامة عبر التركيز على بعض الأبيات، ومن ذلك:حسبي إذا قيل اقتفى في شعرهأثر الخلود ولم يحد عن دربهوتزيد حدة هذا البعد حين تصطدم العلاقة بعلاقات أخر فتغيب قيمة الاختلاف وذلك حين يصر على وصف الآخرين من منظور أحادي:ونرمق الجذور في تعالونخنق العقول باللجامإلى متى نلملم.. البقايا؟!إلى متى نضيع في الزحام؟!ولما كان الشاعر حرص على أن يتناول هذا الأمر،فلعلي لا أستبعد أن تكون هذه القراءة المقتضبة قد تواطأت أيضاً مع هذه (الثيمات) نفسها، وذلك لكونها الأبرز في المجموعة الشعرية، ولذا فقد اختارت أن تحيي صوت الحكيم مرة أخرى حين تستعيد لنا حكمة العقاد إذ كان ممن حاول بناء رؤية جديدة تضع الشاعر في منزلة أرقى من كونه انعكاساً لما يدور حوله فحسب، فقال مخاطباً ومعاتباً أحمد شوقي: "إن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها، وليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو يكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به".madwani@hotmail.com

بداية الصفحة

المستشفى



* بضم الميم وسكون السين والشين وفتح التاء. مكان للاستشفاء، يجهز بالأطباء والممرضين والأدوية والأسّرة. ومجمع اللغة العربية أجاز جمعه ب .. مستشفيات أو مشاف، واللفظة محدثة كما جاء في المعجم الوسيط.يقابل هذه اللفظة قديماً البيمارستان (بفتح الراء وسكون السين). وهي كلمة فارسية مركبة من كلمتين (بيمار) بمعنى مريض أو عليل و(ستان) بمعنى مكان أو دار. لتكون (دار المرضى) ثم اختصرت في الاستعمال فصارت (مارستان) حسب معجم الصحاح.

aalthukair@hotmail.com

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم