متحدثاً عن التأليف والإبداع لدى الكاتب السعودي د. يحيى بن جنيد: الكتاب السعودي يعاني من ضيق الانتشار داخلياً وانعدامه خارجياً تغطية: محمد الزيد تصوير: حاتم عمر
* ضمن لقاءاتها الشهرية في إطار موسمها الثقافي على مدار العام، أقامت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة لقاءً خاصاً حول (التأليف والابداع لدى الكاتب السعودي) وذلك في فرع المكتبة بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي في حي المربع، مساء الثلاثاء الماضي.وكان قد صرح وكيل الحرس الوطني للشؤون الثقافية والتعليمية والمشرف العام على المكتبة فيصل بن عبدالرحمن بن معمر بهذه المناسبة، أن هذا اللقاء يأتي انسجاماً مع اهتمامات المكتبة بكل ما يخص الكتاب من تأليف وابداع ونشر وتوزيع، الذي يشكِّل في مجموعه نتاجاً طبيعياً للتطور الحضاري والعلمي والثقافي الذي تشهده المملكة في مجال الكتب والمكتبات والثقافة وصناعة النشر.وقال ابن معمر: إن هذا اللقاء الذي يحاضر فيه الدكتور يحيى بن محمود بن جنيد، الأمين العام لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، سيناقش التأليف كثمرة للتكوين الإنساني، بوصفها ناقلاً أميناً لهذه التجارب الإنسانية إلى الآخرين، الذين يسعون إلى الارتقاء برصيدهم المعرفي من خلال النتاجات الفكرية والعلمية السابقة، حيث إن التأليف كان ومازال رمزاً لسمات الإبداع والتحضر، وعلامة تواصل الإنسان المبدع مع مجتمعه، والمجتمعات الإنسانية الأخرى.وحول محاور هذا اللقاء، أوضح سعادته أن المحاضرة تتوزع على خمسة محاور، تعالج أمور الكتاب من النواحي الفنية والفكرية والنواحي الشكلية، وصولاً إلى المحور الأخير، يتناول قضايا تنصب في مجملها على المشكلات والصعوبات التي تحد من انتشار الكتاب السعودي وتوزيعه مع محاولة تلمس بعض الحلول الناجعة التي تعين على التغلب عليها. وقد بدأ اللقاء بكلمة لنائب المشرف العام على المكتبة الدكتور عبدالكريم الزيد الذي قدم اعتذار المشرف العام على عدم حضوره ورحب بالحضور وسلط الضوء على فكرة هذا اللقاء الشهري الذي أكد تنوع موضوعاته والتصاقها بما يهم المثقف والباحث والمتابع، بعد ذلك بدأ الدكتور عبدالله الربيع تقديم اللقاء بالإشارة إلى دور مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في خدمة الكتاب، بعد ذلك بدأ المحاضر الدكتور ابن جنيد حديثه بقوله: إن قضية كهذه التأليف والابداع لدى الكاتب السعودي لا يمكن في حال من الأحوال تناولها من قبل فرد واحد أو تتناولها مؤسسة لانها مسألة تحتاج إلى الغوص في معطيات الأعمال المنتجة منذ ظهورها وحتى اليوم، وهذا مستحيل بالطبع فكيف أستطيع أن أحكم على هذه الأعمال إلا إن كنت قد وقفت عليها وقرأتها وسبرت أغوارها وهذا ما لا استطيعه، ونحن هنا نتحدث عن الابداع كظاهرة محتملة في الأعمال المنتجة في المملكة العربية السعودية ولا نقصد هنا في مسألة الابداع الأعمال القصصية أو الشعر لكن الحديث سيكون شمولياً حيث الابداع للكاتب السعودي بصفة عامة فأي كاتب يستطيع أن يبدع إذا أراد ذلك وتناول موضوعه بدقة وأخلص فيه وركز عليه وحوى أطرافه بطريقة جيدة في أي منتج سواء إنساني أو نظري أو علمي، ولكننا نجد التأليف في المملكة العربية السعودية تركز على الناحية الشكلية والكمية لكن الناحية الموضوعية وقضية المحتوى لم يتطرق إليها إلا بشكل جزئي وبسيط لا يمكن أن تعد ركيزة في أي قضية من القضايا التي تتناول جانب الكتاب فكل الذين كتبوا ركزوا على النواحي الشكلية، فالنشر في الجامعات السعودية والأندية الأدبية وصناعة الكتاب الجميع يتحدثون عن أمور شكلية وكمية لكن الأمر الذي يتعلق بالمحتوى الموضوعي وتحليله لم أقف عليه، وقضية الابداع لا نستطيع الخوض فيها والحكم عليها حكماً قاطعاً، هل الكاتب السعودي مبدع أو غير مبدع، هذه مسألة لا يمكن أن أتحدث فيها لكن أستطيع أن أقول بأن هناك اعمالا جيدة وأعمالا مشرفة لكنها قد تكون في إطار محدد، وسيكون حديثي في هذه المحاضرة يتوزع على خمسة محاور أولها المحور الكمي وكمية المنتج في المملكة العربية السعودية فبالعودة إلى العشرين سنة الحالية ننظر كيف تطور الإنتاج العلمي المؤلف في المملكة عددياً هناك قفزة في عناوين الكتب المحصاة في مكتبة الملك فهد كمياً وهذا الرصيد يظل ضئيلاً قياساً بعدد السكان وقياساً بما يفترض أن ينتج في دولة مثل المملكة العربية السعودية.المحور الثاني وهو المحور الكيفي فنجد أن الجانب الإنساني هو الذي يطغى على الإنتاج الفكري في المملكة العربية السعودية فأغلب ما ينتج يدور في حلقة العلوم الدينية والعلوم الاجتماعية واللغة والأدب وهذا يمثل تقريباً تسعين في المائة من المنتج ومازال الجانب العلمي قليل جداً مع التطور الذي نعيشه والتوجه نحو العلم لايزال الجانب الابداعي في اطار العلوم يعتبر قليلا وإذا نظرنا إلى المؤلفات في الحاسب الإلكتروني والإنترنت نجدها كثيرة ولكنها في غالبيتها كتب مترجمة أو محاكاة للكتب الأجنبية، أما الجوانب العلمية الأخرى فالابداع قد يكون مفقودا كالطب والفيزياء والكيمياء والفنون بقضاياها، الشيء الذي أستطيع أن اؤكده أن قلة التأليف والابداع في مجال العلوم هذه قضية تواكب حركة الكتاب السعودي منذ فترة طويلة، وأضاف الدكتور ابن جنيد أن من بين الأمور التي تخلو منها المكتبة المحلية أو تكاد هي مسألة الترجمة فهي ضئيلة جداً فهناك دراسة قدمت عن الترجمة إلى اللغة العربية في المملكة لم يعثر إلا على خمسمائة عنوان تقريباً ولم تكن أيضاً هذه الكتب على مستوى الأعمال المؤثرة فهي مترجمات عشوائية وليست منظمة أو موجهة إلى عدم الثقافة بشكل أو بآخر، إذاً فقلة الاتجاه إلى التأليف وقلة التوجه نحو الترجمة منذ فترة طويلة لم يتغير وتظل السيطرة للجانب النظري والعلوم الإنسانية ومن الملاحظ أن هناك توجها جيدا ومبشرا في التأليف الابداعي في مجال القصة القصيرة والشعر في السنوات الأخيرة.ويتحدث الدكتو ابن جنيد عن المحور الثالث وهو المحور الشكلي فيقول: إنه من الواضح أن هناك تطورا من ناحية الشكل الذي ينتج فيه العمل لكن لا يزال هناك أمور مغفلة في النشر داخل المملكة العربية السعودية فهناك عدم اهتمام بقضايا التحرير فالقلة من الهيئات ودور النشر هي التي تهتم بهذا الأمر واستطيع أن أقول بأن جامعة الملك سعود من الجهات التي التزمت منذ فترة طويلة بمنهج محدد في النشر العلمي يعتمد على مقاييس ومعايير ولديهم الذين يقومون بتحرير نصوص الكتاب واخراجه اخراجاً فنياً أما بقية الجهات فقد يكون هناك نمط من الاهتمام بالشكل الخارجي لكن التحرير الداخلي قليل جداً والدليل كثرة الأخطاء في الكتب التي تظهر وهذا يعود إلى قلة الاهتمام بالتحرير.ويضيف ابن جنيد بأن المحور الرابع يخص التوزيع والانتشار داخلياً وخارجياً وهذه قضية قديمة جديدة فمنذ أن درس الكتاب إلى هذه اللحظة والتوزيع هو مشكلة المشاكل فلازلنا نعاني من ضيق الانتشار للكتاب إلا في مناطق محدودة جداً مع وجود دور النشر والتوزيع الكبيرة فهناك مدن مهملة، وبالتالي فإن توزيع المنتج ضعيف لأن المستفيدين سيكون أعدادهم قليلة.هذا داخلياً، أما خارجياً فالتوزيع معدوم فليس هناك اهتمام بنشر الكتاب السعودي واخراجه خارج المملكة وهذه مشكلة تعاني منها الدول العربية باستثناء بعض الدول التي تدخلت حكوماتها في هذا الأمر وأصبحت تعين دور النشر على التصدير كما تعين البضائع التجارية الأخرى.لذلك يندر أن نجد كتاباً سعودياً خارج المملكة إلا إذا كان المؤلف قد قام بنشره في أي من البلدان الأخرى، وهذه المشكلة أدت إلى عدم وضوح الصورة الثقافية في المملكة واختتم الدكتور ابن جنيد محاضرته بقوله إن قضية الابداع التاريخي ليست قضية يمكن أن تطرح في نقاش محدد فلا بد من الإلمام الكامل بهذه القضية.وفي نهاية المحاضرة قدم أساتذة الجامعات الذين حضروا هذا اللقاء العديد من المداخلات الموضوعية التي شكلت اضافة متميزة لمحاضرة الدكتور يحيى بن جنيد حيث ركزت المداخلات على مفهوم الإبداع وكذلك القيود والمحظورات التي تعيق انتشار الابداع للكاتب السعودي وأيضاً أسباب محدودية الترجمة للكتاب العلمي الذي ينتج عن ضعف القالب اللغوي العربي الجيد وعدم وجود مراكز للترجمة في المملكة.الجدير ذكره أن هذا اللقاء يعد الثالث منذ تدشين المكتبة برنامج اللقاءات الشهرية.
|