Thursday 04 October 2001 No.12155 Year 37 الخميس 17 رجب 1422 العدد 12155 السنة 37
مواضيع الصفحة
متحدثاً عن التأليف والإبداع لدى الكاتب السعودي
د. يحيى بن جنيد: الكتاب السعودي يعاني من ضيق الانتشار داخلياً وانعدامه خارجياً


صمت الأشجار

"الراوي" تحكي حتى الصباح

نائب العمدة (2/1)

سيرة الروائية آيريس مردوخ في كتاب جديد

من المركز الإسلامي بجنوب كاليفورنيا
جائزة المسلم المتفوق للدكتور فاروق الباز


وحي الحرمان: العنوان قناعاً

ظلال القلق وقصص النوم في الماء 2 ـ 2

أمين عام الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات "اعلم"
سعد الزهري: من المهم أن يكون للمشاركة السعودية دور قيادي في الجمعيات العلمية والمهنية ومنها ما يتعلق بتقنية المعلومات


المركز الطبي الإسلامي في دولة الكويت

مساءلات فكرية
بين الخطأ العلمي والخطأ الثقافي


2 ـ حكاية الحداثة

قاموس الشعر من بودلير إلى يومنا هذا

حوار مع عبلة الرويني عن الشاعر أمل دنقل

كتاب جديد:
محاورة فكر عبدالله العروي


البقشه البُقجه

أسبوع ثقافي باكستاني بالرياض في شوال

متحدثاً عن التأليف والإبداع لدى الكاتب السعودي
د. يحيى بن جنيد: الكتاب السعودي يعاني من ضيق الانتشار داخلياً وانعدامه خارجياً

تغطية: محمد الزيد تصوير: حاتم عمر

* ضمن لقاءاتها الشهرية في إطار موسمها الثقافي على مدار العام، أقامت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة لقاءً خاصاً حول (التأليف والابداع لدى الكاتب السعودي) وذلك في فرع المكتبة بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي في حي المربع، مساء الثلاثاء الماضي.وكان قد صرح وكيل الحرس الوطني للشؤون الثقافية والتعليمية والمشرف العام على المكتبة فيصل بن عبدالرحمن بن معمر بهذه المناسبة، أن هذا اللقاء يأتي انسجاماً مع اهتمامات المكتبة بكل ما يخص الكتاب من تأليف وابداع ونشر وتوزيع، الذي يشكِّل في مجموعه نتاجاً طبيعياً للتطور الحضاري والعلمي والثقافي الذي تشهده المملكة في مجال الكتب والمكتبات والثقافة وصناعة النشر.وقال ابن معمر: إن هذا اللقاء الذي يحاضر فيه الدكتور يحيى بن محمود بن جنيد، الأمين العام لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، سيناقش التأليف كثمرة للتكوين الإنساني، بوصفها ناقلاً أميناً لهذه التجارب الإنسانية إلى الآخرين، الذين يسعون إلى الارتقاء برصيدهم المعرفي من خلال النتاجات الفكرية والعلمية السابقة، حيث إن التأليف كان ومازال رمزاً لسمات الإبداع والتحضر، وعلامة تواصل الإنسان المبدع مع مجتمعه، والمجتمعات الإنسانية الأخرى.وحول محاور هذا اللقاء، أوضح سعادته أن المحاضرة تتوزع على خمسة محاور، تعالج أمور الكتاب من النواحي الفنية والفكرية والنواحي الشكلية، وصولاً إلى المحور الأخير، يتناول قضايا تنصب في مجملها على المشكلات والصعوبات التي تحد من انتشار الكتاب السعودي وتوزيعه مع محاولة تلمس بعض الحلول الناجعة التي تعين على التغلب عليها. وقد بدأ اللقاء بكلمة لنائب المشرف العام على المكتبة الدكتور عبدالكريم الزيد الذي قدم اعتذار المشرف العام على عدم حضوره ورحب بالحضور وسلط الضوء على فكرة هذا اللقاء الشهري الذي أكد تنوع موضوعاته والتصاقها بما يهم المثقف والباحث والمتابع، بعد ذلك بدأ الدكتور عبدالله الربيع تقديم اللقاء بالإشارة إلى دور مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في خدمة الكتاب، بعد ذلك بدأ المحاضر الدكتور ابن جنيد حديثه بقوله: إن قضية كهذه التأليف والابداع لدى الكاتب السعودي لا يمكن في حال من الأحوال تناولها من قبل فرد واحد أو تتناولها مؤسسة لانها مسألة تحتاج إلى الغوص في معطيات الأعمال المنتجة منذ ظهورها وحتى اليوم، وهذا مستحيل بالطبع فكيف أستطيع أن أحكم على هذه الأعمال إلا إن كنت قد وقفت عليها وقرأتها وسبرت أغوارها وهذا ما لا استطيعه، ونحن هنا نتحدث عن الابداع كظاهرة محتملة في الأعمال المنتجة في المملكة العربية السعودية ولا نقصد هنا في مسألة الابداع الأعمال القصصية أو الشعر لكن الحديث سيكون شمولياً حيث الابداع للكاتب السعودي بصفة عامة فأي كاتب يستطيع أن يبدع إذا أراد ذلك وتناول موضوعه بدقة وأخلص فيه وركز عليه وحوى أطرافه بطريقة جيدة في أي منتج سواء إنساني أو نظري أو علمي، ولكننا نجد التأليف في المملكة العربية السعودية تركز على الناحية الشكلية والكمية لكن الناحية الموضوعية وقضية المحتوى لم يتطرق إليها إلا بشكل جزئي وبسيط لا يمكن أن تعد ركيزة في أي قضية من القضايا التي تتناول جانب الكتاب فكل الذين كتبوا ركزوا على النواحي الشكلية، فالنشر في الجامعات السعودية والأندية الأدبية وصناعة الكتاب الجميع يتحدثون عن أمور شكلية وكمية لكن الأمر الذي يتعلق بالمحتوى الموضوعي وتحليله لم أقف عليه، وقضية الابداع لا نستطيع الخوض فيها والحكم عليها حكماً قاطعاً، هل الكاتب السعودي مبدع أو غير مبدع، هذه مسألة لا يمكن أن أتحدث فيها لكن أستطيع أن أقول بأن هناك اعمالا جيدة وأعمالا مشرفة لكنها قد تكون في إطار محدد، وسيكون حديثي في هذه المحاضرة يتوزع على خمسة محاور أولها المحور الكمي وكمية المنتج في المملكة العربية السعودية فبالعودة إلى العشرين سنة الحالية ننظر كيف تطور الإنتاج العلمي المؤلف في المملكة عددياً هناك قفزة في عناوين الكتب المحصاة في مكتبة الملك فهد كمياً وهذا الرصيد يظل ضئيلاً قياساً بعدد السكان وقياساً بما يفترض أن ينتج في دولة مثل المملكة العربية السعودية.المحور الثاني وهو المحور الكيفي فنجد أن الجانب الإنساني هو الذي يطغى على الإنتاج الفكري في المملكة العربية السعودية فأغلب ما ينتج يدور في حلقة العلوم الدينية والعلوم الاجتماعية واللغة والأدب وهذا يمثل تقريباً تسعين في المائة من المنتج ومازال الجانب العلمي قليل جداً مع التطور الذي نعيشه والتوجه نحو العلم لايزال الجانب الابداعي في اطار العلوم يعتبر قليلا وإذا نظرنا إلى المؤلفات في الحاسب الإلكتروني والإنترنت نجدها كثيرة ولكنها في غالبيتها كتب مترجمة أو محاكاة للكتب الأجنبية، أما الجوانب العلمية الأخرى فالابداع قد يكون مفقودا كالطب والفيزياء والكيمياء والفنون بقضاياها، الشيء الذي أستطيع أن اؤكده أن قلة التأليف والابداع في مجال العلوم هذه قضية تواكب حركة الكتاب السعودي منذ فترة طويلة، وأضاف الدكتور ابن جنيد أن من بين الأمور التي تخلو منها المكتبة المحلية أو تكاد هي مسألة الترجمة فهي ضئيلة جداً فهناك دراسة قدمت عن الترجمة إلى اللغة العربية في المملكة لم يعثر إلا على خمسمائة عنوان تقريباً ولم تكن أيضاً هذه الكتب على مستوى الأعمال المؤثرة فهي مترجمات عشوائية وليست منظمة أو موجهة إلى عدم الثقافة بشكل أو بآخر، إذاً فقلة الاتجاه إلى التأليف وقلة التوجه نحو الترجمة منذ فترة طويلة لم يتغير وتظل السيطرة للجانب النظري والعلوم الإنسانية ومن الملاحظ أن هناك توجها جيدا ومبشرا في التأليف الابداعي في مجال القصة القصيرة والشعر في السنوات الأخيرة.ويتحدث الدكتو ابن جنيد عن المحور الثالث وهو المحور الشكلي فيقول: إنه من الواضح أن هناك تطورا من ناحية الشكل الذي ينتج فيه العمل لكن لا يزال هناك أمور مغفلة في النشر داخل المملكة العربية السعودية فهناك عدم اهتمام بقضايا التحرير فالقلة من الهيئات ودور النشر هي التي تهتم بهذا الأمر واستطيع أن أقول بأن جامعة الملك سعود من الجهات التي التزمت منذ فترة طويلة بمنهج محدد في النشر العلمي يعتمد على مقاييس ومعايير ولديهم الذين يقومون بتحرير نصوص الكتاب واخراجه اخراجاً فنياً أما بقية الجهات فقد يكون هناك نمط من الاهتمام بالشكل الخارجي لكن التحرير الداخلي قليل جداً والدليل كثرة الأخطاء في الكتب التي تظهر وهذا يعود إلى قلة الاهتمام بالتحرير.ويضيف ابن جنيد بأن المحور الرابع يخص التوزيع والانتشار داخلياً وخارجياً وهذه قضية قديمة جديدة فمنذ أن درس الكتاب إلى هذه اللحظة والتوزيع هو مشكلة المشاكل فلازلنا نعاني من ضيق الانتشار للكتاب إلا في مناطق محدودة جداً مع وجود دور النشر والتوزيع الكبيرة فهناك مدن مهملة، وبالتالي فإن توزيع المنتج ضعيف لأن المستفيدين سيكون أعدادهم قليلة.هذا داخلياً، أما خارجياً فالتوزيع معدوم فليس هناك اهتمام بنشر الكتاب السعودي واخراجه خارج المملكة وهذه مشكلة تعاني منها الدول العربية باستثناء بعض الدول التي تدخلت حكوماتها في هذا الأمر وأصبحت تعين دور النشر على التصدير كما تعين البضائع التجارية الأخرى.لذلك يندر أن نجد كتاباً سعودياً خارج المملكة إلا إذا كان المؤلف قد قام بنشره في أي من البلدان الأخرى، وهذه المشكلة أدت إلى عدم وضوح الصورة الثقافية في المملكة واختتم الدكتور ابن جنيد محاضرته بقوله إن قضية الابداع التاريخي ليست قضية يمكن أن تطرح في نقاش محدد فلا بد من الإلمام الكامل بهذه القضية.وفي نهاية المحاضرة قدم أساتذة الجامعات الذين حضروا هذا اللقاء العديد من المداخلات الموضوعية التي شكلت اضافة متميزة لمحاضرة الدكتور يحيى بن جنيد حيث ركزت المداخلات على مفهوم الإبداع وكذلك القيود والمحظورات التي تعيق انتشار الابداع للكاتب السعودي وأيضاً أسباب محدودية الترجمة للكتاب العلمي الذي ينتج عن ضعف القالب اللغوي العربي الجيد وعدم وجود مراكز للترجمة في المملكة.الجدير ذكره أن هذا اللقاء يعد الثالث منذ تدشين المكتبة برنامج اللقاءات الشهرية.

بداية الصفحة

صمت الأشجار

قصة بشار خليلي

* فقال لها وقد أخذه الذهول: الأشجار تسير. فقالت باستخفاف: لا وقت لمزاحك فالظهيرة حارّة والشارع مزدحم. فقال باصرار: تعرفين أننا من زمان لا نمزح مع بعضنا.فقالت باشفاق: يا زوجي ياعيني.. نحن نسير.. السيارات تسير.. الدرّاجات تسير.. الأشجار ثابتة وأنت بحاجة الى نظّارة. فقال: ألا تلاحظين أنني أرتدي نظّارة؟! فقالت: نظري سليم وأرى نظّارتك، أنا أقصد أنّك بحاجة الى نظّارة غيرها، أنت تكبر وبصرك يضعف. فقال: أنا في الخمسين أي عزّ الشباب. فقالت مستعينةً بأرشيفها: أنت في الخمسين حسب البطاقةالشخصية وفي الرابعة والخمسين حسب الواقع، لأنّ أمّك أي حماتي.. أنجبتك في السادسة عشرة، وهي الآن في السبعين وصحّتها كالحديد ومحظوظة، لم تمت كما ماتت أمّي في أول صباها رحمها الله وأسكنها جنّته الواسعة. فقال محذّراً: يا زوجتي الوقت ليس مناسباً للحديث عن أمّهاتنا، الأشجار تتقافز من حولنا وأخشى أن نُصاب بأذى. فقالت: يجب أن نرجع الى البيت فوراً لأنّ شمس الظهيرة أفسدت عقلك.فقال: لست مجنوناً ويمكنك أن تسألي من تشائين عن سَيءر الأشجار. فسألت عجوزاً لاهثاً يتهاطل عرقه على الإسفلت المائع فأجابها: الأشجار في العادة لا تسير، الأشجار تكبر تصغر.. تطول تقصر.. تعلو تهبط.. تشمخ تنحني.. تضحك تبكي.. تستيقظ تنام.. تعزُّ تذلُّ.. تحيا تموت، ولكن لا تسير. يا جدّي أرجوك.. الآن في هذا الشارع هل تسير الأشجار من حولك؟ فغضب العجوز: أولاً أنا لست جدّك يا امرأة، ثانياً انصرفي عنّي.فسألت طالبة ترتدي ملابس المرحلة الثانوية.هل تلاحظين أنّ الأشجار تسير؟فضحكت الطالبة وقالت: حسب كتاب العلوم لا تسير. يا بنيّتي أرجوك.. الآن.. هل تسير الأشجار من حولك؟فغضبت الطالبة: أولاً أنا لست ابنتك، ثانياً أمّي تنتظرني وعينها على الساعة. فقرّرت الزوجة وقد شعرت بالاحباط أن تسأل الأشجار مباشرةً لتقطع الشكّ باليقين وتطمئن على سلامة زوجها النفسية. ولكنّ الأشجار رفضت الكلام، وفضّلت أن تبقى أشجاراً مُثءخَنَةً بالصمت الكبير!

بداية الصفحة

"الراوي" تحكي حتى الصباح

د. عبدالملك مرتاض

* أشهد أنني كثيراً ما أسعد بقراءة أدب الشباب حيث وقع لي منه شيء جدير بأن يقرأ، لأني أتوخى، دوماً، أن أجد في مضمونه العنفوان الطافح، وأصادف في أفكاره الأمل المتحفز، بل ألمس فيه التحدي المدمر. كما أتحسس في ملامح شكله النضارة الناضرة، والمسحة البريئة.. وقد يعني أدب الشباب في كل الأطوار التحفز والتطلع والتحدي.. فعبثاً يحاول محاول ثني شاب عن أن لا يفعل شيئاً إذا كان قرر فعله، ذلك بأن له من الوقت والقوة والعمر ما يجعله يحقق كثيراً مما يريد، إذا كان طموحاً حقاً..وكثيراً ما تزداد سعادتي بقراءة هذا الأدب الشاب، أو هذا "الأدب الخفيف" كا يطلق عليه في روسيا، حين أقرؤه خارج الجزائر. والحق أننا في ظل المقاطعة العربية العربية المحزنة، غير المعلنة طبعاً، فإن من الصعب على المرء أن يلم بما يكتب هنا وهناك في العالم العربي، ومن ذلكم ما يكتب في المملكة العربية السعودية.. فقد كنت سعدت يوماً بأن وقع شيء من الاتصال بي من أجل تقديم نصح وتوجيه لرسالة ماجستير حول القصة السعودية.. كما أفدت كثيراً من كتاب الدكتور محمد صالح الشنطي الذي سأعرج على ذكره بعد حين..ولكن ذلك كله ظل محدوداً ومتقطعاً إلى أن خطر خاطر كريم للقائمين على شؤون النادي الأدبي الثقافي بجدة حين فكروا، أن يصدروا دورية منتظمة تعنى بشؤون الأدب السردي، وبالكتابة القصصية تحديداً، وهي مجلة "الراوي".. وبين يدي الآن العدد السابع من هذه الدورية الجميلة ولكن لم يتح لي من قبل أن أسجل شيئاً من انطباعي عنها بعد أن كنت كتبت مقالة في جريدة "الرياض" الغراء تناولت فيها حديثاً عن صنوتها "نوافذ" تحت عنوان: "نوافذ على نوافذ" (وهي دورية تعنى بشؤون الأدب العالمي فتترجم روائع منه إلى العربية)..إن الفكرة الشائعة خطأ عن العرب أنهم أمة شعر، وليس لهم إلا صلة واهية بالسرد والحكي، وهو مجرد تهمة باطلة، ومغالطة فاسدة، فالأدب العربي أدب عالمي كبير نجد فيه من روائع الشعر مثل ما نجد فيه من روائع السرد. فقد أعطى العرب للأدب العالمي ما يقل له النظير، وهو "ألف ليلة وليلة". (ولا ينبغي التسليم، ببساطة، بما يزعم المستشرقون من أن هذا الأثر السردي العظيم هو إبداع مشترك أسهمت في إبداعه شعوب مختلفة، فليرونا أصول "ألف ليلة وليلة" من النصوص الفارسية والهندية، ونحن نقتنع بما يقولون، إن كانوا من الفاعلين..).بل لقد كان السرد من الأهمية لدى العرب، كما يلاحظ ذلك الناقد الفرنسي طودوروف إلى درجة أنه كان ينقذ من الموت، فقد كان يكفي شخصية من الشخصيات التي تقع في مأزق عصيب، وذلك كما في حكايات ألف ليلة وليلة (حكاية حمال بغداد مثلاً مع الصبايا الثلاث)، أن تحكي حكاية لتتخلص مما كان يتهددها. فالحكي في الأدب العربي كان يساوي الحياة، كما يلاحظ ذلك طودوروف أيضاً، على حين أن انعدام الحكي إنما كان يساوي الموت والفناء. فالذي كان لا يحسن الحكي يموت، والذي كان لا يسمع الحكي يهدد بالقتل. فحيث يوجد الحكي يكون معه العفو والجزاء..وإن رأيت، إذن أصحاب نادي جدة يصدرون مجلة "الراوي" فبما إحساس منهم بضرورة تجسيد هذا التقليد الأدبي العربي الذي ساد، ثم باد، أو كاد..وإنك لترى هذا العدد السابع حافلاً بالكتابات القصصية الجميلة، عاجاً بالنقود السردية الجادة التي كتبت عن بعض المجموعات القصصية للأديبة السعودية شريفة الشملان). ولقد حملني الاطلاع على نصوص هذا العدد أن أعود إلى كتاب الدكتور صالح الشنطي الذي كتبه عن القصة السعودية المعاصرة بعنوان: "القصة القصيرة المعاصرة في المملكة العربية السعودية". بعد أن استمتعت بقراءته منذ عهد بعيد. ويتكهن القارئ الآن أنني سأقول له: وقد عدت إلى الباب الرابع (وكان الأولى أن يطلق عليه الفصل الرابع) من هذا الكتاب الذي وقفه المؤلف على القصة القصيرة النسوية في المملكة فأعجبت بما كتبت الأديبات السعوديات وفي طليعتهن شريفة الشملان، ثم هنذ صالح غفار، وخيرية السقاف، وسواؤهن من القاصات السعوديات اللواتي قد يكون لهن شأن أي شأن إذا أصررن على هذا العطاء الثر، ومضين في تناول هذه المواضيع الاجتماعية والثقافية الجريئة، وبالطريقة الفنية الحديثة.وإذا كانت أثمّن عمل الدكتور الشنطي تثميناً كبيراً في تعريفه بالقصة السعودية المعاصرة فإني انزعجت بعض الانزعاج حين لاحظت أن الكلمة التي كتبها لمجلة "الراوي" (ع.7، ص. 1012) هي نفسها التي كان كتبها عن شريفة الشملان في كتابه الآنف الذكر الذي ظهر منذ أربعة عشر عاماً. نعم، من حق أي كاتب أن يستند إلى كتاباته السابقة فيستلهمها أو يكتب على غرارها فيتناص معها، أو حتى إنه ينقل منها بعض الفقرات كما ينقل من أي كتاب، لكاتب آخر، ولكن من حق القارئ عليه أنه ينبهه فيحيله على مصدر هذا العمل.. فأن يجتر أحدنا كتابة كتبها منذ أكثر من أربعة عشر عاماً بحرفها ونصها، دون تنبيه القارئ إلى المصدر الذي وقع منه الاجترار ليس بالسلوك الذي نرتضيه.. فقد كنت أود لو أن الدكتور الشنطي أضاف بعض الاضافات إلى ما كان كتب في كتابه تقديراً لقراء "الراوي". ولكنه لم يفعل لأسباب قد لا يعرفها إلا الدكتور الشنطي..ونعود إلى القاصة شريفة الشملان التي بعد أن قرأت ما كتبه عنها الدكتور الشنطي، وحسين المناصرة، وفؤاد نصر الدين حسين، ارتأيت أن أقرأ أول نص أدرجته "الراوي" لشريفة الشملان (وآسف لعدم تمكني من قراءة المجموعات الثلاث بجذاميرها لانعدامها في مكتبتي...) وهو: "هي، وحكاية التمر". والحق أن فكرة هذه القصة اجتماعية إنسانية ثقافية معاً، فالموضوع يصور شيئاً من هموم المرأة العربية المسلمة بعامة، والمرأة السعودية بخاصة (وقد كان الأديب الجزائري أحمد رضا حوحو كتب أول محاولة روائية جزائرية، باللغة العربية، عن المرأة السعودية حيث كان مقيماً بالمملكة أثناء الحرب العالمية الثانية، ومحرراً بمجلة "المنهل"، وهي الرواية التي ظهرت بالجزائر بعنوان: "غادة أم القرى" عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف...). غير أن أهل مكة أدرى بشعابها، كما يقول المثل العربي القديم، والمرأة أعرف، إذن، بشؤون المرأة من الرجل، فهي أكثر تخويلاً للكتابة عنها.ويتناول موضوع هذه القصة التي نشتم منها أنها واقعية، في بعض أحداثها على الأقل، قضية صبية كانت تخرج من بيت أبيها، وقد فقدت أمها فكانت تعيش ربيبة مع خالتها (زوج أبيها)... فكانت هذه الصبية الفقيرة، الحافية القدمين، تذهب لحمل التمر في طبق كل يوم إلى أهل البيت، وما هالها، وقد كانت أيبة يوماً كدأبها إلى البيت وهي تحمل طبقاً من الخوص فيه تمر، إلا رجل يضايقها انطلاقاً من سيارته الفخمة، فلم تستطع الصبية الغرة أن تفعل أمامه شيئاً، وكأنها لم تكن تنتظر قط أن تقع في مثل هذا الموقف المزعج، فم تنج من شره إلا بالركض والتهرب.. فصارت هذه المضايقة لا تزال تزعج عيشها، وتؤرق نومها، فقررت أن تلتمس من خالتها أن لا تذهب لإحضار التمر كدأبها، بعد ذلك اليوم مخافة أن تقع فيما وقعت فيه بالأمس، فخاطبت خالتها مترجية مستعطفة: "خالة، لن أستطيع الذهاب لإحضار التمر هذا اليوم".(الراوي، ع.7.ص.33).ونلاحظ هنا أن شخصية هذه الصبية، شخصية المرأة إن شئت "تهرب من واقعها" كما يقول فؤاد نصر الدين حسين، فقد كان يمكن أن تواجه شخصية الصبية، في هذه القصة، شخصية ذلك الرجل الغاوي برفض طلبه جهاراً، فكثيراً ما يشتم النساء العفيفات الرجال الغاوين في شوارع المدن فينصرف هؤلاء وهم يجرجرون أذيال الخيبة مدحورين، لكن شخصية قصة "هي وحكاية التمر" آثرت أن لا تفعل شيئاً ينقذها مما وقعت فيه، بل ارتأت أن تقاطع الشارع فلا تخرج إليه، ولا تمشي فيه مرة أخرى خوفاً من أن تصادف ذلك الذئب المتربص، أو أي ذئب آخر.. فكأن سلوك النعامة هو الحل الأسلم لشخصية المرأة في قصص، أو من خلال هذه القصة على الأقل، شريفة الشملان..وإذا عدنا إلى لغة القص لديها ألفيناها لغة سردية رشيقة، فالجمل قصيرة، ومكثفة، فهي أليق بأسلوب الكتابة القصصية حقاً: "... إنها تختنق. لا تستطيع أن تتنفس، تسير بسنيها العشر. ملبسها يلتصق بجسمها..." (شريفة الشملان، هي وحكاية التمر). (ونلاحظ أن هذا النص ورد في طبعة "الراوي" دون أدوات الترقيم، مما قد يكون شوه أسلوب القاصة، وعمّى على النص، فذهب بشيء من متعته الجمالية...).غير أن شريفة، إذا تركنا اللغة السردية، والتي تجيدها إلى حد جيد، جانباً، وجئنا إلى اللغة من حيث هي نظام، ألفيناها ربما ذكرت المؤنث: (خرجت بنعلين مختلفي المقاس واللون) (والمعروف في العربية منذ كينونتها على الأرض، أن النعل مؤنثة، لا مذكرة)، وربما وضعت حرف جر مكان حرف جر آخر دون تثبت من أداء دلالة الثاني للأول: (نظرت لقدميها الغارقتين بالرطوبة والتراب...) فلو قالت الكاتبة مثلاً "الملطختين بالتراب" لكان التعبير سليماً، أما أن يكون الغرق (واللغة السردية هنا انزياحية جميلة) بالرطوبة فلا، إلا إذا جاز لقائل أن يقول في العربية: غرق فلان بالحبر، فنعم.. بل ربما نجدها تضع الجثوم وما في معناه مكان الوقوف (هشت ذبابة وقفت على فنجانها) (وإنما الوقوف يكون عن مشي لا عن طيران...).وأياً كان الشأن، فإن شريفة الشملان قد تكون أبرع قاصة سعودية على عهدنا الراهن، وكل ما نرجوه أن تتقبل ملاحظات النقاد، فتعمل بها لتطور أدوات سردها، كيما تسمو بكتابتها القصصية إلى المستوى الفني الأرقى.

بداية الصفحة

نائب العمدة (2/1)

د. محمد ربيع

* تقول (جماهير) النحاة: إن (العمدة) يمكن ان يغيب. فقط اذا اناب عنه من يسد مسده في اثناء غيابه. ولكن: "إذا حضر الماء بطل التيمم". على ان بعض (العُمَد) لا يغيبون. بل ليس بوسعهم مطلقاً ان يَغيبوا او يُغَيَّبوا؛ لانه لا يمكن ان يخلفهم في غيابهم احد ممن يمكن ان ينهض بأعبائهم او يؤدي من اعمالهم الجليلة شيئاً.المبتدأ عمدة، والخبر عمدة، والفاعل عمدة. المبتدأ لا يغيب مطلقاً. والخبر يمكن ان يختفي إذا سد مكانه من يغني عنه. ليس امكان غياب العمدة او عدم إمكان غيابه بدلالة اكيدة على قدر الاهمية التي يحظى بها. بل لزوم الحضور وعدم امكان الغياب سببه الاهم هو عدم القدرة على القيام بأعمال النيابة عن الغائب لو انه غاب. ف (الفاعل) على سبيل المثال يمكن له ان ينيب عنه غيره، مع انه اهم العمد جميعاً. وان الفاعل حين يغيب يُنصَّب على عرشه خليفة له، يجلس على كرسي سلفه بعد ان يخلع ما كان عليه من لباس؛ ليلبس ملابس ذلك العمدة الغائب، ويحتل من المكانة مثل التي كان هو عليها.غير ان من يتصدى لخلافة (الفاعل) له من المواصفات والمقاييس ما يجعله اهلاً لذلك. لهذا هو معين باسمه، معلن عن اوصافه وسماته وملامحه، ومنشورة خصائصه التي بها يكتسب الصلاحية للخلافة. فإذا لم يوجد من هو على تلك الصفة انيب من هو اقرب في الملامح اليه من بين كثير من الطامحين الى الخلافة، المتطلعين بطموح وشوق اليها.الفاعل عمدة مقدم في المنزلة (مرفوع). ولذا لا بد ان يرتفع مثله من يوضع في مقامه بعد ان لم يك مرفوعاً من قبل. ولا بد ايضاً من ان يرتقي حتى يصبح (ركناً) في (الاسناد)، بعد ان كان في حال عدم النيابة من عامة (الفضلات) والزوائد التي لا يفتقر على وجه الوجوب والالزام اليها.ليس "الفاعل" بالضرورة من يفعل شيئاً؛ اذ ليس من الضروري ان يكون قادراً على احداث الافعال، ولا هو بالضرورة منجزها والمؤثر مباشرة فيها. ولم يكن يوماً معدوداً فاعلاً لانه فعل شيئاً ما محدداً بذاته، ولا لان معناه يُفهم منه القدرة على الانجاز والتأثير. بل عُدَّ الفاعل فاعلاً لانه فقط في مقام يؤهله لان ينتظر منه القدرة على الانجاز والتأثير على وجه الاجمال والعموم، لا على جهة التفصيل والخصوص، حتى ان كان غير قادر في ذاته على الانجاز والتأثير. اذاً هو مكتسب معناه من وظيفته ومقامه لا من ذاته. ربما لان اكتساب المعنى من الوظيفة لا من الذات معناه ان السلطة تتحدث نيابة عمن هو فيها وباسمها هي.ومن هو في السلطة يعبر بلسان السلطة وليس بلسانه هو. فالذات هنا ملغاة بالضرورة. ولذلك ينبغي للنائب عن الفاعل من باب اولى ان ينسى معناه القديم الخاص في نفسه وان يتهيأ لمعناه الجديد الذي به اصبح نائباً، وبه اصبح ركناً مهماً معتمداً عليه بعد ان كان من عامة من يعتمد على غيره من عامة الاقران.و (النائب عن الفاعل) لا يخفى على احد انه لا يقوى على اكتساب معنى سلفه اكتساباً كاملاً، وإن استطاع ان يحتل مكانه. ولا يقدر في الوقت نفسه على التخلص من جميع ماضيه قبل الخلافة. فمعناه في نفسه يبقى لمن دقق النظر اليه واضحاً للعيان وضوحاً لا لبس فيه. غير انه يعامل معاملة تليق بحاضره الذي آل اليه، لا بمنظور ماضيه وما كان عليه. هذا مع ان افعال سلفه العمدة، ان هو فعل شيئاً، وتجاوزاته، ان هو تجاوز، انما تطاله هو في المقام الاول، فلا تقع على غيره. بل إنه في المعنى نقيضه وضده؛ فذاك "فاعل" وهذا "مفعول". بل الادهى والامر انه كان يقع عليه (النصب) دائماً، ولم يرفعه او يفكر في رفعه احد من قبل لولا ما آل اليه من المكانة. لكن (منصب) الخلافة يمحو كثيراً من تلك الآثار وان كان لا يلغيها بالطبع تمام الالغاء.ان جرأة المفعول المؤثر فيه على القفز الى مكان الفاعل المؤثر وتبوؤ مكانته اسهمت في ان تتحول الانظارالى حد كبير عن استحضار قيمة ذلك الغائب، والتي كانت لو استُحضرت ستحد بلا شك من طاقات هذا الحاضر. وتزايد مع تكرار حضور النائب الشعور بالميل الى تناسي المنوب عنه الغائب والى اهمال الاحساس بأهميته. وتنامي بشكل ملحوظ التغاضي عن نقائص المنصب التي كانت فيه قبل تنصيبه، وحتى التي ما زالت ترى عالقة به لم يستطع التخلص نهائياً منها. اذ لم يعد مناسباً النظر الى الذات مجرداً، بل الاعتبار الاول انما هو للمقام لا غير. وقد يتفق أن يغيب كل من العمدة وذلك (المرشح) المفترض أن ينوب عنه. فتمسُّ الحاجة الى البحث عن نائب تال في المرتبة. وحينئذٍ يشترط في المتقدم للترشيح ان يكون أقدر على التخلص من خصائصه الذاتية، وتلّبس ما يليق بمقام النيابة، وذلك بالاقتراب من خصائص الغائب المراد شغل الفراغ الحاص بغيابه، مثلما فعل ذلك النائب الاول. وعلى كل متقدم اثبات اهليته للنيابة. وتنحصر المواصفات المؤهلة للنائب الثاني في أمرين، أحدهما: قدرته على (التصرف)، والاخرى: أن يكون من أهل (الاختصاص). وبالتصرف والاختصاص لا غير يكون النائب مفارقاً صفاته الذاتية الأصيلة، ملتحقاً بالصفات التي تتطلبها منزلته التي حل بها ومقامه الذي رُفع اليه. هذا على الرغم من أن لفظي التصرف والاختصاص انما يوحيان بعكس ذلك، أي: بالاستقلال، والقدرة على لزوم الصفات الذاتية الأصيلة. ويتقدّم لشغل هذا المنصب المعلن عنه ثلاثة: (ظرف الزمان، وظرف المكان، والمصدر)، كل واحد يرى نفسه الأقدر على تحمل أعباء هذه المهمة. ومما يُلاحظ هنا أنه لم يتقدم لشغل منصب النائب الثاني بعد غياب العمدة ونائبه غير أقرب رعايا العمدة اليه، وأشد المتأثرين بأفعاله. لأن (ظرف الزمان وظرف المكان والمصدر) مما يلزم التأثر بالفعل الذي يحدثه الفاعل، أي: أن الثلاثة منفعلين لا فاعلين، وذلك قبل أن يترك الفاعل ويهمل ذكره. وتأتي مرتبة الثلاثة كذلك من حيث التأثر بأفعال الفاعل تالية لترتيب النائب الاول، أي: المفعول به الاصلي. لكن الأربعة جميعها من لوازم فعل الفاعل وان لم تذكر. غير أن الملاحظ هنا بشكل لافت ايضاً هو ان لدى كل واحد من الثلاثة قدرة خاصة على تغيير جلده بعد صعوده منصة التتويج. فالزمان لا يعود زماناً، أي: انه يفقد دلالته على الوقت. والمكان يستحيل شيئاً آخر غير ذاك الذي يحيط الاشياء بحدوده. ومثلهما المصدر الذي لا يدل في حال النيابة على الحدث من قريب او بعيد. بل تتجه العناية في حال النيابة عن العمدة اساساً الى ايجاد الدلالة التي يفرضها المقام، لا الدلالة النابعة من الذات. إن النائب عن العمدة ليكتسب شرعية كونه نائباً بالطريقة نفسها التي اكتسب بها العمدة نفسه من قبل شرعية كونه عمدة. ذلك ان العمدة يستمد شرعية وجوده في مقامه الذي هو فيه، وعلى صفته التي هو عليها، من مصدر علوي متعال هو (العقل). أنزل العقل كلاً في منزلته، وجعل للعُمَد صفات وخصائص ليست في الفضلات. وأشعر هذا التنزيل بأن كلا من الصنفين ينتمي الى طبقة مختلفة، ليس لأحد الصنفين ان يجاوز طبقته الى الاخرى. ورفع العقل من ثمَّ الفضلة عند نيابته من دائرة الفضلات الى دائرة اخرى هي الآن به أليق، وهو بها أولى. Merbeea@hotmail.com

بداية الصفحة

سيرة الروائية آيريس مردوخ في كتاب جديد

لندن فاطمة المحسن:

ّ* آيريس مردوخ أشهر روائية وفيلسوفة بريطانية، ولها عدد كبير من الروايات ترجم معظمها إلى لغات العالم الحية وبينها العربية التي ترجمت دار الآداب من بينها (الأجراس) و(حلم برونو) و(تحت الشبكة) توفيت مردوخ قبل سنتين بعد اصابتها بمرض عقلي أفقدها الذاكرة وعزلها عن العالم خلال سنواتها الأخيرة.شهدت هذه السنة محاولات منوعة لاستعادة سيرة مردوخ وبينها انتاج فيلم عن حياتها يجري الآن تصويره في بريطانيا، كما أصدر مؤخراً بيتر كونرادي وهو أحد أصدقاء الكاتبة المقربين دراسة عن شخصيتها تحت عنوان (حياة مردوخ).انطلق المؤلف في دراسته شخصية ابنة دبلن الايرلندية وخريجة اكسفورد التي أضحت أهم كاتبة بين مجايليها، من مبدأ خاص طوره بنفسه وأسماه انقسام واصطراع الشخصيات المتعددة في الشخص الواحد. والواقع ان كثرة من أصدقاء آيريس مردوخ ممن عرفوها عن كثب فوجئوا بالكثير مما جاء في ثنايا هذه السيرة، وكتبوا تعليقات شتى نشرتها الصحافة اللندنية عكست هذا الذهول والانشداه من حياتها الخاصة.حسب قول المؤلف ان مردوخ هي الفرد البهي المنشطر إلى حشد من الشخصيات المتضاربة وهذا يؤلف ما يشبه قوة السحر في حضورها. يقول ان تحت جلدها كثرة من الذوات تكفي لملء معابد الهندوس، ولها من الأوجه ما يشبه معبودات تلك المعابد. المؤلف يريد ان يطلع القارئ على آيريس الايرلندية وايريس البروتستانتية وآيريس الفيلسوفة ذات التفكير البارد والأخرى المغامرة المتقدة عاطفة، وآيريس المحافظة وآيريس المنفلتة في الحب والعشق وآيريس المنفتحة التلقائية وتلك الكتومة المنغلقة.هناك من يعتبرها والقول للمؤلف تجسيداً حياً لمثال الملائكة أو من يصورها النسخة الحديثة لجان دارك المحاربة الفرنسية، وهناك من يشبهها بسالومي المرأة الغاوية.ينهمر حشد من الذكريات عنها في هذا الكتاب ابتداءً من الحرب العالمية الثانية أيام شبابها مروراً بفترة دراستها في جامعة أكسفورد وصولاً إلى الستينات أيام مغادرتها الجامعة وسنوات خصبها الأدبي والفكري لحين ماطوتها التسعينات تحت ظلمات ذلك المرض الخطير الزهايمر.يستعين المؤلف بروايات مردوخ لتفسير حياتها وعلى وجه الخصوص حواراتها التي يقول انها في الغالب تتكون من أقوالها الشهيرة التي يعرفها الأصدقاء.اتهم النقاد مؤلف السيرة بأنه ركز على النصف الأول من حياتها ابان عملها في المقرات الحكومية خلال الحرب أو مع اللاجئين في النمسا، مؤكداً على حياتها العاطفية. في حين يفقد المؤلف التفاصيل بعد عام 56فتتحول آيريس مردوخ على يده إلى مجرد ماكنة لطبع الروايات.يعترف المؤلف ان آيريس تظل لغزاً مثلها مثل صناع الأدب الكبار شكسبير أو تولستوي فرغم كل ما كتب عنهم تظل حياتهم لغزاً في نظر القارئ وكتاب سيرهم.كانت أغاثا كريستي وثيقة الصلة مع الشرق، فهي قدمت إلى بغداد في العام 1929وعادت إلى آور الموقع الأثري السومري في السنة التي اعقبتها وفي العراق التقت الباحث الاركويولوجي ماكس مالون الذي أصبح ثاني أزواجها وبقيت صحبته في العراق فترة عمله وشاركته في التجوال وتصوير الحياة العراقية ومواقع الآثار. كما سافرت إلى مصر وايران وسوريا واستهلمت الكثير من رواياتها من حياة الشرق لعل أشهرها (قطار الشرق السريع) و(موت على النيل) و(القادمون إلى بغداد) وفي رواية (موعدمع الموت) تستخدم معالم البترا خلفية لمشهد الجريمة وتستخدم فكرة الطواطم وديانات الشرق القديمة ضمن حبكتها.سيوفر المتحف البريطاني في نوفمبر المقبل فرصة مهمة لأشباع فضول مشاهديه عن علاقة أغاثا كريستي بالشرق، غير ان الفعاليات الأخرى لتكريمها في بريطانيا تظل مستمرة وكلها تهدف إلى اعادة الاعتبار إليها كأبرز كاتبة للرواية البوليسية، تلك التي أفزعت المراهقين في كل أنحاء العالم ولكنها نشطت مخيلتهم ونقلتهم إلى عوالم ساحرة، بل تعلم بعضهم حب القراءة بعد أن أدمن رواياتها.

بداية الصفحة

من المركز الإسلامي بجنوب كاليفورنيا
جائزة المسلم المتفوق للدكتور فاروق الباز

كتب مندوب "الرياض":

* اختير الدكتور فاروق الباز مدير مركز أبحاث الفضاء بجامعة بوسطن الأمريكية لجائزة عام 2001م للمسلم الأمريكي المتفوق.يمنح هذه الجائزة المركز الإسلامي في جنوب ولاية كاليفورنيا وذلك بغرض تكريم أحد أفراد الجالية المسلمة في الولايات المتحدة الامريكية للتميز في فرع التخصص أو لخدمة جليلة للإنسانية.. وقدمت الجائزة للدكتور الباز في حفل خاص بمدينة لوس انجلوس هذا الأسبوع.الدكتور فاروق الباز جيولوجي بارز قدم العديد من الأبحاث المتميزة في مجالات مختلفة.. وقد كان الباز مسؤولاً عن تدريب رواد الفضاء لرحلات أبوللو واختيار مواقع الهبوط على سطح القمر.. كذلك نتج عن أبحاثه المستفيضة في صحارى العالم التعرف على أصل الصحراء وتاريخ تطورها.. وقام باستخدام الصور الفضائية في البحث عن مصادر جديدة للمياه الجوفية في مصر والسودان والصومال وليبيا وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة.. اضافة إلى ذلك لعب الباز دوراً هاماً في ادخال تكنولوجيا الفضاء المتقدمة في دراسة الآثار شاملاً ذلك الحفاظ على المواقع الأثرية.والمركز الإسلامي في جنوب ولاية كاليفورنيا هيئة غير ربحية تقوم بنشر المعلومات الصحيحة عن الإسلام بالولايات المتحدة.. أحد أغراض جائزتها هو تشجيع الجيل الصاعد من مسلمي أمريكا على العمل المتميز بتقديم قدوة لهم من كبار العلماء والباحثين الذين أبلوا بلاءً حسنا.. وقد تسلم جائزة العام الماضي الدكتور أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999م.

بداية الصفحة

وحي الحرمان: العنوان قناعاً

حسين بافقيه

* يمثل شعر الأمير عبدالله الفيصل مجالا رحبا للأدوات النقدية، التي يمكن ان ترى فيه مداخل متعددة؛ تبدأ طبيعة لغته الشعرية المتكئة على الرومنسية العربية، التي قوي مدها الشعري، وطاقتها الروحية في ما بين الحربين، ليقف ذلك المد، أو يكاد مع ظهور بواعث شعرية عربية مغايرة تنتمي إلى ايقاع الحياة العربية الجديدة التي تجاوبت اصداؤها مع حرب 1948م، وأخذت ملامحها الحقيقية مع اشتعال المد القومي، وثورة 23يوليو المصرية 1952، ليغدو شعر عبدالله الفيصل الذي صدر في تلك الأثناء "1373ه /1954م" ممثلا لحنين أخيرا لمرحلة تاريخية واجتماعية يشتبك فيها الانتماء الشعري بالانتماء الاجتماعي والموقف الفكري من الكون والحياة، من خلال اتكاء شعره على ذاتية مفرطة، ووفاء معجمه الشعري بشروط الموقع الاجتماعي، الذي جاء منسجما مع فضائه الدلالي والقيمي، ويتصل المدخل الثاني إلى تجربته الشعرية بموقع عبدالله الفيصل الاجتماعي من الثقافة الفصيحة التي كانت ممثلة لطلائع الثقافة الوطنية، وحلما طليعيا للمجتمع العربي في المملكة، الذي بدأت طبقته الوسطى في التشكل والاتساع بسبب نمو حركة التعليم، والاتصال الوثيق بتيارات الفكر اللبرالي العربي، ثم تيارات المد القومي، ما أسهم في دعم الثقافة الفصيحة، التي وجد فيها عبدالله الفيصل حلم الأمير الشاب ذي الوزارتين، لأن ينتمي إلى خطاب النخب الثقافية في المملكة والوطن العربي، وان يجد عبدالله الفيصل صورته الحقيقية التي يود ان يقرأها الناس في الشعر العربي الفصيح، حينما أكد انتماءه إلى تيار من تياراته بنشر ديوانه الأول (وحي الحرمان)، في حين ارجأ مشروع الشعر العامي "النبطي" لديه عقودا علي مستوى النشر واكتفى منه بمستواه الشفاهي الذي لم يتجاوز، حينها، تداوله في الأغنيات العامية محليا، في حين انبنت شهرته الشعرية، عربيا، في بعد من أبعادها بانتمائه إلى الشعر الفصيح الذي لامس اسماع المواطن العربي، عبر قصائده العربية الفصحى التي تغنى بها أم كلثوم وعبدالحليم حافظ.وبينما أكد عبدالله الفيصل انتماءه الى الثقافة الفصحى، لم يجد ذلك الانتماء تناميا واتساعا داخل موقعه الاجتماعي الأسري، الذي لم يستهو ولادة شعراء فصحى آخرين في إطار منظومته الأسرية، وهذا ما لعله يسمح بالقول: ان انتماء عبدالله الفيصل الأمير الشاب، حينها، والوزير لوزارتين، للثقافة الفصحى يمثل إذا ما ربطت الموقع بالشكل انفتاحا شخصيا ومؤسسيا على القيم الحضرية، في حين كان خفوت الشعر النبطي ثمة، تحجيما للقيم البدوية التي لم تستطع مزاحمة الخطاب الفصيح، في تلك المرحلة التي خرجت من عباءة الفكر اللبرالي العربي، إلى فضاء التغني بأحلام الوحدة العربية، ليعني خفوت هذه القيم السياسية والثقافية بعد حين من الدهر انزواء للثقافة الفصيحة وقيمها الحضرية العروبية، وتربع الثقافة العامية الضيقة وقيمها البدوية الصحراوية.والمدخل الثالث الذي يمكن ان يقرأ من خلاله شعر عبدالله الفيصل هو صورة الأمير الشاعر. وهي صورة أثيرة في التراث العربي، ربطت في الاذهان أمرأ القيس وابن المعتز وأبا فراس الحمداني وأسامة بن منقذ، وفرضت في بعض الأحيان موقعها الاجتماعي على التطورات النقدية، ليتلاشى صوت الأمير الشاعر في العصور المتأخرة، أو يكاد، بسبب عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية، أبعدت النموذج العربي عن الحكم قرونا متتالية، ليأتي ديوان (وحي الحرمان) ممثلا لحنين أدبي أو اجتماعي لصورة الأمير الشاعر، وكأن ذلك الحنين إلى صورة الأمير الشاعر، وقد صدر عن مثقفين عصريين كطه حسين ومارون عبود، يمثل شوقا ما إلى زمن البلاط الذي غيبته في عدد من البلدان العربية أصوات النخب الجديدة التي ما عادت ترى في البلاط راعيا للثقافة والأدباء، وهو ما لعله فرض تلقياً خاصاً لشعر عبدالله الفيصل بصفته "شاعر الأمراء"، وكأنه البقية الباقية للبلاط العربي وأدبياته الغابرة، التي رأت في أمرئ القيس كما يذكر ابو اسحاق الحصري أمير الشعراء، وابن المعتز أمير المؤمنين في المولدين، وأبي فراس الحمداني فارس البلاغة، في صورة تلق شعري يحدد قيمة الشعر بموقع قائله في السلم الاجتماعي، وذلك "... ان الكلام الصادر عن الأعيان والصدور، أقر للعيون واشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قلدها، كما ان شرف العقائل بمن ولدها.."!ولم يكن قراء شعر عبدالله الفيصل مسؤولين عن نمط ذلك التلقي الذي ربط الشعر بالإمارة ،إذ ان عبدالله الفيصل ذاته، وضع نموذج ذلك التلقي، الذي أراد من قارئه ان يستبعده، وألا يحكم عليه بظاهره، من انه".. أمير، شاب في مقتبل العمر، غني، وزير لوزارتين، من أسرة حاكمة..!! وكأن ذلك الاستبعاد كان الطعم الذي وقع بعض قراء شعره في شركه، لتظل صورة (الأمير الشاعر) ملتصقة بقراءة شعره وتلقيه، كما في دراسة مارون عبود ل (وحي الحرمان) التي استهلها بهذه العبارات:"يا صاحب السمو الملكي، ويا معالي الوزير الخطير،أيها البطل ابن البطل، يا حفيد أسد الجزيرة،يا طويل العمر".ومع ان مارون عبود رغب في ان يكمل دراسته لشعر عبدالله الفيصل دون ألقاب، وان يناديه باسمه، او كما قال: ".. (حاف)، غير محوط بجيوش جرارة من الألقاب.."؛ فإن ما أراد استبعاده ما لبث باديا في مسكوت خطابه وما يفصح عنه:"لقد استحققت بتشريفك ساحتنا اجمل الترحيب منا، فاسمح لي إذن أن اخاطبك بشاعر الأمراء، وأسلم عليك بهذه الإمارة الأدبية.كانوا فيما مضى يقولون: ذو الوزارتين، فأي بأس علينا إذا ما قلنا: ذو الاماراتين؟ إن امارتك الجديدة هبة من الله كإمارتك القديمة، والله يعطي من يشاء بغير حساب"!.وأسهم اللقب (محروم) وعنوان الديوان (وحي الحرمان)، بوصفهما عتبتين نصيتين، في محاولة استحضار النص الغائب، ما بين خارج النص "اللقب الشعري والعنوان"، وداخل النص "المتن الشعري"، وكأن تينك العتبتين دال يبحث عن مدلوله في المتن الشعري، أي فضاء "الحرمان"، أو دلالة الاسم على المسمى، خاصة ان هذا العنوان خارج الفضاء الرومنسي يجعل المتن الشعري ناتجا عن سبب الحرمان، لتتشابك عتبتا اللقب "محروم" والعنوان (وحي الحرمان) مع محاولة تسويغ الشاعر دلالة الحرمان في تقديمه النثري لديوانه (أجل!... أنا محروم!...)، الذي جاء اجابة مستبقة عن اسئلة مضمرة يفرضها معنى الحرمان في اللقب والعنوان، على موقع الشاعر بصفته أميرا غنيا ووزيرا لوزارتين ومن أسرة حاكمة! لينفي عن هذه الصفات معنى السعادة الحقيقية التي يراها، لأن السعادة، كما يرى".. ليست في كل هذه الصفات والمميزات. إن مقرها في النفس ومنبعها من الاحساس.فأنت سعيد إذا أحسست بالسعادة ولو فقدت كل أسبابها الظاهرة ومقوماتها المعبّرة.وأنت محروم من السعادة إذا فقدت الاحساس بها ولو اجتمعت لك كل مقوماتها واعتباراتها.لماذا؟ لأن احساسك متأثر بعوامل أخرى من الألم أو الأسى تشغله وتستأثر به عن الشعور بالسعادة.ولهذا وحده أنا محروم.."إن هذه العتبات الثلاث "اللقب والعنوان والمقدمة" ضيقت فضاء قراءة شعر عبدالله الفيصل، وحصرته في ما تفصح عنه تلك العتبات وما تسكت عنه، في بحث القارئ عن معنى "الحرمان"، في المتن الشعري، وكأن تلك القراءة كمن يفتش عن الإبرة المفقودة في كومة القش! ليحضر في وعي القراءة ما أراد الشاعر استبعاده "الامارة والوزارتان والغنى والشباب"! وغدا حرمانه إذا ما وضعنا في الاعتبار المرحلة الواقعية في الادب العربي زمن اصدار الديوان من نوع آخر، حرمان يقف على عتبات الذات الرومنسية، لا يبرحها، وبحسب شعرية ترتهن مفرداتها اللغوية، وصورها البيانية إلى ذهنية شعرية تستجيب لمتطلبات الموقع الاجتماعي للشاعر، في مواءمة المعجم الشعري للرؤية الاجتماعية، بحيث تغدو البلاغة الشعرية، هنا، بلاغة اجتماعية، تبين نوع الحرمان وموقعه الادبي والاجتماعي، وينسحب المعجم الشعري المستجيب لعوالم الرؤية الرومنسية المعاصرة، عن بلاغته الجديدة، ومفرداتها الأثيرة لدى منظومة الشعراء الرومنسيين، ليتوسل بمفردات البلاغة القديمة، في رؤيتها البيانية الخاضعة للذهنية الثقافية والاجتماعية، التي وضعت حدودا بعينها للمرأة ومفرداتها الشعرية المحيطة بها، عبر رواسم شعرية وبلاغية جاهزة، لينتقل الأفق الشعري لديه، من روحيته كما يمكن ان تمثلها قصيدة "اطيلي الوقوف"، التي تستبدل بمفردات البلاغة القديمة، مفردات البلاغة الرومنسية الجديدة، وبخاصة امتزاج الشعري بالديني، كما في قوله:لئن ضم جسمي ذاك الثرىلقد ضم عهدي وحبي معيوحطي على القبر بعض الزهورففي الزهر ذكرى لقا ممتعأطيلي الوقوف على مدفنيإذا ما اعتزمت بأن ترجعيفطيفك يخفق في خاطريوصوتك يهتف في مسمعيإلى مفردات البلاغة القديمة بتراتبها الاجتماعي، وصرامتها في تحديد المواقع الاجتماعية، وفق رواسم بعينها، تكشف المسكوت عنه في الحرمان، حينما يصبح "أمل المحروم" وهو عنوان احدى قصائده منتقلا من "البوح" الرومنسي، إلى "النسيب"، ومن عتبة التضرع الروحي، إلى عتبة المادي، ومن مفردات الطواف والخشوع والركوع، إلى مفردات القوام والبان والعناب والثناياأنت قلب يبذل الوعد لهفإذا استنجزه سوفهوجبين مشرق مؤتلقمن رآه مرة أدنفهوقوام يتهادى في الربىفيقول البان ما أهيفهوفم لو قال من ينعتههو كالعناب ما عرفهوثنايا لؤلؤ مؤتلفألق سبحان من ألفهوعلى صدرك لحنا غردكلف الترجيع ما كلفهفجميل منك بعد الظلم ياأمل المحروم ان تنصفهوهذا ما لعله ان يفسر تشابك "الحرمان" بالموقع الاجتماعي للشاعر، والبلاغة الشعرية التي تحددها متطلبات ذلك الموقع، ما يجعل ناتج الحرمان مرتهنا بتصور الشاعر للكون والحياة، وهو تصور ينبثق من موقع الذات الشعرية ضمن سلمها الاجتماعي، ما يجعل حرمانه مغايرا لحرمان الآخرين، في الوقت الذي ينسجم فيه مع انتمائه الاجتماعي وموقعه الطبقي، وهي السمة التي رآها عبدالله ابن ادريس، حينما توسل بآليات النقد الواقعي أواخر السبعينيات الهجرية الخمسينيات الميلادية وبصورة مغايرة لنقد مارون عبود ولغته المرتهنة للمواضعات الاجتماعية. فديوان (وحي الحرمان) كما يقول ابن ادريس "أترف ديوان طبع حتى الآن؛ تغلب على شعره سمة الترف والأناقة، وكأنها الصدى المتجاوب لحياته "الارستقراطية" الناعمة، ومركزه الاجتماعي الكبير"! ولذا كان من الطبيعي، في ظل ارتهان البلاغة الشعرية للموقع الاجتماعي، ان يسلك ابن ادريس عبدالله الفيصل في سلك".. دعاة مذهب الفن للجمال أو ما يطلق عليه اسم "الفن للفن".. ، وتصبح رؤية الشعراء النجديين، في رؤية هذا الناقد، لموضوعات الحب، مستجيبة لموقعهم الاجتماعي، ولكنه الحب الذي يتفرغ إلى "حب ذاتي خاص"، و"حب جماعي " يمثله ".. الشعر المنبعث من الروح الإنسانية والضمير الحي. الشعر الحاني على المعذبين في الأرض.."، وهو ما يؤكد، هنا التحول النوعي الذي طرأ على المعجم الشعري والنقدي في المملكة إبان تلك المرحلة، وتغدو مفردات "الحرمان" متسقة مع رؤية الشاعر للكون والحياة، ومنسجمة مع البلاغة الاجتماعية التي يرتهن إليها، كما في إشارة عبدالله بن ادريس إلى نموذجين للحب الذاتي، لدى عبدالله الفيصل، كما في قصيدته "كنا وكان"يا حبيبي ان يكن طال جفاناوذوى في زهرة العمر صبانافلنعش يا حب في ذكرى هواناولنقل عن حبنا كنا وكانا*****يا حبيبي لوعة الحب سعادةتزهد القلب فيسمو بالزهادةويرى حرمانه في الحب زادهحين لا يبلغ في الحب مرادهوالحب الجماعي، كما لدى خالد الفرج، في قصيدته "لا أريد":لا أريد المال أكداسا لجينا أو نضارفي بنوك عامرات أو خزانات كبارأو قصورا شامخات أو نخيلا أو عقارأو رفاهاً من نعيم العيش ما شاء اليساروأنا أنظر حوليكم عليها من فقيرلا أريد السعد أن يدخل بيتي بالهناءلست يا هذا سعيدا وأرى حولي الشقاءصحتي سقم إذا المرضى يعانون البلاءغير أني باسم للموت إن جاء الفناءحينما أنظر من حوليإلى الموت يصيرحيث يحدد عبدالله بن ادريس رؤية كلا الشاعرين لمعنى الحرمان لدى عبدالله الفيصل والسعادة لدى خالد الفرج بقوله:"من هذين المثالين نستشف الأصالة الفنية في كل من الشاعرين، فلقد سكب عبدالله الفيصل روحه سيالة دافقة على أعتاب ذكرى حبيبته؛ ولم تقنعه التضحية بهذا القدر، بل طابت نفسه أن يرى كل حرمان ولوعة يتلقاهما في سبيل هوى "ليلاه"، هما سعادة له وغذاء يتبلغ به إلى إدراك المراد من حبه.اما خالد الفرج فقد تجرد من ذاتيته وتناسى جميع آماله وآلامه الفردية في هذي الحياة ليعيش بآمال وآلام الجماهير المنكودة في هذا الوجود الإنساني المهيض، وكل منهما أجاد التصوير والتعبير عن معاناته الخاصة ومعايشته التجربة الشعورية التي انفعل بها وتفاعل معها".

بداية الصفحة

ظلال القلق وقصص النوم في الماء 2 ـ 2

غالية خوجة

(8) العفر:قصة حالة تبعثر مونولوغها بين عناصر الطبيعة (المطر الوحل) وبين ميكانيزمات الداخل (الحلم الذكريات) بعثرة اختلطت فيها الخاطرة القصصية الشاعرية وحدثية البطل الاشكالي المتصاعدة بين المسافة الرجعية (الذاكرة): (كم عانيت رفض كرسي المدرسة حين كانت حبات مطرك تطرق عليّ زجاج نافذة الفصل ص(38) والمتصاعدة بين مسافة حضور الأنثى المحتملة: (كيف استطيع الآن جمع حبات بردك؟ ستذوب قبل أن أقدمها للأنثى النائمة التي تحلم بشكل طفلنا ص (38). ولا بد من الإشارة إلى تراكمات أبعاد (المطر البرَد الأثنى) كمدار في مركز المكانية (الطين) المتكوم حول جسد الراوي المتكلم والمرتد من خاتمة النص إلى بدايته بشكل عكسي يتوامض مع عنوان القصة (العفر) ومع عنوان المجموعة أيضاً (النوم في الماء)..(9) تأتأة الخفقة:شعرت بأن كلمات النص تتأتئ بين المقال والخاطرة والحكاية عن (عناقيد الخوف) و (عناقيد الخفق) المتقلبة مع الحالة السيكولوجية للإنسان بين الحب والموت والفقد والجمال.. ولم تخرج البنية إلى قصتها إلا حين أصبحت الفصاحة ملازمة للمشهدية وتراكيبها بين القلق والنسيان وبين الحركة التشكيلية المعتمدة على (الجملة الصورة): (كل عنقود خوف يتدلى يعطل خلية من خلايا الذاكرة هذه العناقيد قادرة على الرسم.. ترسم على الثرى مقابر.. سيوفا.. ألذ خفقة تلك التي تضعك على حافة الموت.. ص (41)) ويستند ضمير المتكلم كراوٍ على (مالك) كشخصية ثانية مساعدة يروي عنها.. أي، تنبني مقولات (مالك) على مقول (السارد البطل الراوي) الذي يصعّد حركة الحكي ويسحبها من تداعياتها إلى فضاء قصصي تتبلور سرديته مع خفقة (معلم مالك) ووصيته المتناصية مع بيت من قصيدة (أمي) ل (محمود درويش): (وغطي عظامي بعشب تعمّد..): (إذا متّ في بلادكم غطوا عظامي بعشب أخضر مر عليه كعب امرأة لم تحبل ص (42)). وهذه الوصية تشكل (بؤرة النص) الذي مر بتعريفات متلاحقة: (وما الجمال إلا وارث للخوف.. وما الخوف إلا خفقان متصل ص(42)) وبعد ذلك يخفق قلب مالك بتأتأته التي تختتم مع الفعل النص: (نطق أخيراً بوضوح بعد أن سحب نفسا عميقا: انظر أنثى معلمنا التي لم تحمل.. ها هي هناك تمشي بكعبها على العشب الأخضر.. قام مالك راكضا يجمع العشب المداس وأخذ قلبي يخفق وبدأت الشجرة العظيمة في الاهتزاز ص (43) ).(10) التكسرات:قصة يتحرك فيها المونولوغ كثيمة فنية راصداً الخارج عبر الداخل مركزاً على الثيمات الموضوعية: (المرض المشفى الممرضة الموت).. المرضى يتبادلون الموت والحضور إلى المشفى والسارد ينتظر الموت ووجه الممرضة ويكتب الشعر فتتكسر القوافي، كعادتها في المجموعة، ويتكسر دمه مثلما يتكسر حبه حيث يجد ممرضة سمراء حلت محل الممرضة البيضاء التي سافرت ولم يبق من أثرها سوى ساعتها التي سرقها (السارد المريض) ووضعها تحت وسادته محتفظا بمواعيد قدوم الممرضة (البيضاء).. الحظ والحب والحياة لحظات متكسرة يتلقاها المريض عن طريق إبرة (السيروم) ويحاول ابعاد الموت بظلال وجدانية صامتة تنقلها كلمات القصيدة التي لم ينكتب منها ولا بيت في المتن القصصي الذي رواها بشكل ايهامي يسير مع حالة السرد التي كسرت الموت في الخاتمة.(11) اهتزاز العطر:تهتز في هذه القصة تقاليد محلية مجسدة ب (العرس) ورقص النساء وغنائهن واحتفالهن، كما يتوازى ذلك مع احتفال الرجال.. ترصد الدلالات حالات المشاعر الراغبة ب (الراقصة العذراء) وما تنتجه من حركاتها اللا مرئية داخل الراوي الذي يدور حول بيت النساء المحتفلات.. عبر دوران الشاب تدور أبعاد القصة مستقطبة (والد الراوي) وأصدقاءه وطريقة معاملته لابنه حين يدخل عليهم بالشاي والقهوة وما يخلفه ذلك من تساؤلات في أعماق الشاب: هل والده كان مثله عاشقا بريئا يدور حول بيت الاهتزازات الراقصة؟ (أبي أيها العاشق الطيب.. لم لا تدعني أجلس مع أصدقائك؟ كم مرة طردتني من المجلس بعينيك؟ هل كنت خائفاً من أن يقولوا لي شيئاً عن دورانك؟ ص (51) ).وتطفو على المتن رغبة الذكر بالزواج كما تبرز حركة انتقادية للمجتمع (عذرية الفتاة الثلاثينية): (تعالي نقضي العمر رقصا وعناء.. خدعوك بقولهم رقص العذراء أفضل.. فالعذرية بعد الثلاثين تفقد معناها القوي ولا يبقى إلا أطلال ذلك المعنى ص (5152) ).(12) لوحة صباح ضبابي:تتحرك البنية في لحظة حاضرة منقسمة إلى:(1) رصد العالم الموضوعي بعنصريه: المكاني والشخوص (الهضاب الضبابية السائقون).(2) رصد العلاقة بين الذات الساردة والذات الأخرى: (الصديق تراك) (الشفاه الرامزة للأنثى).(3) رصد العلاقة بين الذات الساردة والذات الساردة من خلال بوتقة المسرودية المرتكزة على بُعد سريالي تكثف في (الجملة المجور): (وأنا جالس خارج جسمي أرسم شفاها متباعدة.. ص (53)).غبر ضباب الدخان تظهر ضبابية المكتوب لتحيل إلى الطفولة (كنت طفلاً أقيس حزن طفل) ولتحيل إلى تقاطع ذات السارد مع الآخر (تراك): (لا زلت خارج جسمي وتراك داخل الضباب والمدينة وبيننا الشفة توصلنا ص (54)). شفة لم يستطع رسمها السارد فصلت بينه وبين (تراك) وفصلت بينه وبين (جسمه).. الرسم يسير كمفاعل مشوش للحواس (فكرت أن أرسم صوت تراك الضاحك فلم أعرف طال مكوثي خارج جسمي وأطلت في رسم الجرح المتعرج ص (54)).. يطول غياب (تراك) خارج المكان والغرفة والهضاب والمدينة.. أي خارج عناصر العلائق.. ويطول انتظار السارد مدخلا (تراك) إلى حيز الحضور عبر الذاكرة والحكي وموجودات المكان (أحذية الاثنين صورهما ..) وبين (الغياب) و (الانتظار) و (فقد الذات لجسمها) تتماوج التداخلات وتتنافذ الكلمات على (الرسم) الموظف كمحاولة لإعادة الروح والذات والنفس إلى تجسيدها (الجسم) الذي يتبادل مع (الرسم) الذي هو (الدخان): (جراح المسافة واللون "الأحمر"): (سيطر اللون الأحمر على جميع الألوان.. كان غبار التبغ والخوف يقفان على كل شيء في الغرفة ص (5455)).(13) اكتئاب الدماء:تنتسج جمل النص وأحداثه في فضاء تقابلي يحرك علائقه بفنية ((1) تدفق الضوء على الأرض يفضحها (2) والكآبة ما انفكت تتدفق في دمي) ويتقابل استخدام محطات الليل والنهار الزمنية وتحميلها فائضاً دلالياً ((1) بات عقلي يقبل الحلم (2) وأضحى جسمي يرفض النوم). وفي المسافة المسقطة بين (بات) و (النوم) يتحرر (الحلم والقلق) ليكون العلامة المقصودة بين فعلي (التدفق) = (الكآبة).. تشكل هذه الدينامية ولوجا في الذات تظهر بعده شخصية (فيحان): (فيحان.. أيها النائ نوماً علمياً.. لقد قبل سريرك المثقف مجاورة سرير مكتئب فقم من نومك وتحاور معي حوارا ثقافياً مكتئباً ص (57)) و (فيحان) شخصية تظل سلبية، مستمعة ولا مستمعة، موجودة ولا موجودة، وهي كبقية شخوص القصص (ظل للسارد الراوي للسارد المؤلف) يقدمها القاص كذات مثقفة يبث إليها لواعجه وكآبته وهمومه المختصرة بأسئلة (كيف يموت اللحم والقلب حي؟ كيف يموت اللحم والعقل حي؟ ص (58)). استفهامات تتمرر عبر البوح لتصل إلى مقصديتها في تعرية الواقع (أية مشكلة منشغل بحلها الآن في نومك؟ الجفاف.. التصحر.. موت الحيوانات.. موت الإنسان.. موت اللحم.. برنامجنا غداً حل مشكلة عدم موت الظلم.. اني خائف أن تقول: دولة الظلم قائمة حتى قيام الساعة، وتنام.. ص (59)). وفي نهاية توارد الأحداث تظهر ال (هي) كبؤرة سببية للكآبة والقلق والحلم (أنا أريد انقاذ دمي من الاكتئاب بالاستماع إلى صوتها.. بلغها عني أنها السبب في موت لحمي).(14) عرس الجن:تجنح المخيلة مع اللغة إلى توليد عوالم من الموروث الذاكرتي (الجمعي والفردي): (الجن).. وكيفية ظهور الحركة السردية استند إلى (الجملة الصورة) ذات الحدث والشخصية المتفاعلين والمتحولين من عنصرين إلى عنصر واحد تزدوج وظيفته في أبعاد القصة، وبدورها، تتحول هذه الوظيفة إلى مكانية و زمانية نصية تنتج طقوس المرئي واللامرئي المنطلقة من حالة البحث عن (الأنثى) المرموز إليها ل (نقطة الضوء) والنازحة عن وجودها إلى حضور آخر: (عرس الجن): (رأيت في البعيد بقعا من الضوء تكبر ص 61) وهذا الحضور يتخذ لمداره التحرك إلى الداخل: (وجود أنثى في قلبك يعني وجود نقطة ضوء في طريقك كانت تتحرك في ذهني صورة.. ص (61)).. وينقسم (جن القصة) إلى فئتين: (فئة ترقص فئة تخض مياه المستنقع).. تتحرك أفعال الجن مع أفعال الشخصية متراكمة في مكانية معينة تمتد بين (المقبرة) و (المستنقع) حيث أمكنة الوحشة التي يلتقي فيها الجان عادة.. وتتصارع الشخصية مع جني من المحتفلين بعدما حوّل نفسه إلى هيئة (حمار) يتحداه البطل المجروح في قدمه.. وهذا (الجرح) يبقى كتفصيلة صغرى مُرتكزاً للقصة (الجرح في ماء المستنقع البارد غاضب جداً ص (62) ركضت في المستنقع، الجرح ناقم جداً ص (62) رقصت على اليابسة والرقص بالجرح قاتل جداً ص (63) تفصيلة تناغمت مع وحدتها الكبرى وحملت ايقاعاً تذكيريا بالألم والبرد وحضور العرس ورؤية اللامرئي والتفاعل معه ومشاركته في الرقص لكن، على (اليابسة) كنقطة مكانية ثابتة ومضمونة.(15) ظل الجنون:يغوص الكاتب في حالة الجنون الايهامية.. حيث الجنون حيز للتأمل والاستغراق في الأشياء والمفردات وتحديداً (الحب) الذي تعاني منه الشخصية كبطل اشكالي، وتجعل منه مسافة لتعالق ظل (الأنا) وظل ال (هي).. تنطلق القصة من تصوير العالم المحيط (الشمس أرض الصحراء المراعي الهواء..) كمكان ينضم إلى صفات الشخصية (جلست قرب الأغنام على الرمل يكوي عجزي.. أخذت أغسل أوساخ جسدي بالضوء الحارق ص(65)). وبين الحديث المتحاور مونولوغيا (حدثتني نفسي بأنها ستأتي وتقدم نفسها قربانا ص (65)) وبين ترائيات الظل الآخر الحاضر الغائب (رأيت ظلي وظلها ممتدين أمامي.. ص(65)) وبين الطبيب (عقيل) الذي يبحث في الجنون والذي يحيلنا إليه السارد المؤلف (الجاسم) عن طريق تمنيات السارد المتكلم (لو كان عقيل معنا الآن لسألته: أ يعدى جنون الأنثى؟ ص(66)).. في هذا الفضاء البَيءنِيّ (المتألف من البَيءنِيّات السابقة) تتنامى صراعات الأنا والأنا الأخرى مفتتحة البنية السردية على البنية الاحتمالية (ما دمت أرى ظل صدرها فبالتأكيد أنها لا تزال واقفة.. فلو رأيت ظل شعرها فبالتأكيد أنها مشت ص (66)) وتضطرب البنية ب (الظل ليلى وشاعرها المجنون الأغنام ...) اضطراباً سببه ميل النص إلى البوح والحكي وبعض التقريرية..(16) الغرس:يوظف القاص (الغرس) كحد فاصل بين الموت والحياة، وكلحظة فجوية يعبر منها مطر الشتاء وغبار الصيف وجلسة الراوي وصديقه (ناوي) في المطعم الموصوف بنادله وزبائنه وأنواره وصفا كثيفا تتم فيه سلوكات الشخصيتين التي يرويها الراوي كمتكلم يروي عن صديقه الحاضر (بضمير الغائب) ناقلاً تصرفاته في السيارة والمطعم وكاتبا لوصاياه (المسافة بين الموت والحياة خصلة.. اختر أرضا لينة للغرس وتجنب الأشياء القاسية.. ص(71))..وفي مسافة التقاء الحوار المنقول مع ما يحدث خارج المطعم (المطر خروج ناوي للمطر ...) يتقاطع مقول السارد بين الوصف ومفاعلة مقصديته وادخالات العناصر المشاركة في المبنى كمشهد صوري: (سماء العيون تزداد خصبا ورضى والريح تجر السحب من سماوات المدن الأخرى والأرض تشرب بعمق الرغبة في الري، والشوارع تمارس التطهر كعروس جديدة، وخيول الوقت واقفة تستأذن السحب في الرحيل ص(71)) وتنضاف إلى هذه المقصدية غاية أخرى تتمثل كبعد رابط بين سلوكات الشخصية المرصودة وبين الأرض والمطر و (ماء عنوان المجموعة): (سأتمرغ قليلاً لأصل المقطوع من عصبي.. لا تنتظرني.. كُل حتى لا يبرد الطعام.. ص(72)) وتختتم القصة تراكيبها بانفتاحها على توقعات القارئ (شبعت انتظارا ورائحة فانصرفت.. بحثت عن ناوي في الشوارع التي يحبها.. وجدته قابضاً على المنديل والخصلة سابحة وجسده محتفظ بنكهة المطر والفقاعات التي حوله قد تغير لونها)..ترى، هل مات (ناوي)؟ وبقيت الغرسة؟ هل طفا الموت مع المطر كنائم في الماء تارك الحياة في منديل؟؟؟* * *لقد قرأنا المجموعة قصة قصة.. واستقرأنا متنها ومبناها.. وبامكاننا القول:نلاحظ أن هناك ثوابت على مستوى التركيب الفني والثيمات الموضوعية:(1) الوصف المتنوع، فمنه ما كان وصفا تقريريا، أو بوحيا أثر سلبا على النصوص، ومنه ما كان وصفا خلاقا ساهم في تكوين (الجملة الصورة)، ومنه ما كان حركة تجميدية أو لازمة صغرى..(2) الجمل: جاءت كثيفة قصيرة، وكانت أشد تناغما في حال ابتعاد (الجاسم) عن المألوف.(3) زاوية الرؤية: اعتمدت جميع النصوص (الراوي العالم بكل شيء).(4) التركيز الواضح على (الموت النوم الأنثى الجنون).(5) الاسهاب في التداعيات.(6) حضور الطبيعة مع دومان حضور (ضمير المتكلم) المسيطر على القصص مثلما سيطر فصلا الصيف والشتاء..(7) توحي المجموعة بأن القاص (ناصر سالم الجاسم) ابتدأ من نزعة (الشاعر) الذي فيه، وحين لم تتحق أعماقه في (الشعر) اتجه إلى (القصة) وهذه طبعا ليست بمثلبة كما هو متعارف عليه، لماذا؟ لأن (خصلة الشعرية) تسهم في بناء عملية سردية تختزل وتواري وتوحي وترمز (لغة ودلالة وتركيبا)، أيضاً بإمكاننا العثور على توامض من السيرة الذاتية للقاص في النصوص (موت الشاعر البحث عنه المعاش والهواجس وطريقة التفكير)..(8) الاصرار على انقسامات (الأنا) إلى شخصيتين: (فاعلة) و (مهمشة) (صوت صدى) (حضور ظل الحضور)..(9) اندغام السارد المؤلف مع السارد الراوي.(10) الابتعاد عن التنويع على نبرات الضمائر ونبرات القطع والحضور والغياب، وعن التنويع في (زوايا التبئير) والاعتماد على حوارية المونولوغ والوصف و إهمال حوارية الديالوغ، كل ذلك أدى إلى خفوت العملية السردية التي كان من الممكن فيما لو نوعت على هذه العناصر أن تحقق حركات فنية وايقاعات جمالية أعلى مما ظهرت به ومن خلاله..(11) يؤخذ على القصص بعض الصياغات غير الدقيقة، وبعض الأخطاء الطباعية أو النحوية، مثل (ايذائهم ص(62) الصواب (ايذاؤهم) الكسولة ص (53) والصواب: الكسول ...) وأحياناً لا يجيد الكاتب اختيار الجمالي من المفردات مثلا (حططت ص (63).. ربما (وضعت ركنت) تأتي أجمل..* * *وتبقى مجموعة (الجاسم): (نوم في الماء) تجربة قصصية حداثية، عزفت على الأبعاد المحتملة وعلى المشهدية المتقاطعة في الذاتموضوعي وعلى تشكيلية الدلالة كلوحة وكسريلة واستعماق..* * * النوم في الماء ناصر سالم الجاسم اصدارات نادي القصة السعودي ط 1 1998 الصفحات (72).(*) للتوسع في قراءة هذه القصة: )تغريدة الوهج) راجع مجلة (رؤى) العدد الخامس، السنة الثانية، ايار 1999 هارموني التشكل والانزياح غالية خوجة الصفحات (34353637).

بداية الصفحة

أمين عام الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات "اعلم"
سعد الزهري: من المهم أن يكون للمشاركة السعودية دور قيادي في الجمعيات العلمية والمهنية ومنها ما يتعلق بتقنية المعلومات

حوار: نجيب الخطيب

* منذ أن بدأ الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات ممارسة نشاطه في عام 1986م والحضور السعودي كان فعالا، بالمشاركة بالمؤتمرات وتقديم المحاضرات وأوراق العمل المتعلقة بشؤون المكتبات والمعلومات، اضافة الى المساهمة العملية ضمن مجلس الادارة في الاتحاد. ومن القدرات المكتبية الشابة والنشيطة الأستاذ سعد الزهري الأمين العام للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، والاستاذ الزهري من مواليد بلجرشي عام 1384ه تخرج في المعهد العلمي في بلجرشي عام 1402ه وحصل على درجة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة عام 1406ه وعين بعد ذلك معيدا ومن ثم سافر لدراسة اللغة الانجليزية وللحصول على درجة الماجستير في جامعة انديانا بالولايات المتحدة عام 1411ه، عمل بعمادة شؤون المكتبات بجامعة الملك عبدالعزيز الى عام 1415ه بعد ذلك انتقل ليعمل منسقا لمركز المعلومات التقنية بارامكو السعودية، وهو يعمل حاليا على انهاء أطروحة الدكتوراه بقسم المكتبات والمعلومات بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض التي تدور حول "التخطيط لانشاء مكتبة افتراضية للمملكة العربية السعودية". وقد التقته "الرياض" ليتحدث عن تجربته في مجال المكتبات والمعلومات وجمعية المكتبات المتخصصة فرع الخليج اضافة الى عمله الحالي كأمين للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات.*في البداية توجهنا بالسؤال عن الدافع الى هذا التخصص؟ ابدا، المسألة مرتبطة بالصدفة من جانب، وبالاختيار من جانب آخر، فقد ادركت جامعة الملك عبدالعزيز ان الطلاب الذين يسجلون لأول مرة في الجامعة يقعون في اخطاء بسبب عدم إلمامهم بنظام الساعات في اول سنة، ولذا فقد عمدت الجامعة في ذلك العام الى التسجيل لكل الطلاب لمدة سنة كاملة، فوجدت انني مع نهاية العام ومن خلال حساب الساعات التي درستها، سأمكث اربع سنوات ونصف السنة الى خمس سنوات اذا سجلت في اي قسم خلال قسم المكتبات، وذلك لأنه يتيح المجال للطلاب الى تسجيل 18ساعة حرة، مما ساعدني احتساب المواد التي درستها خلال ذلك العام كمواد حرة.ولكن في نفس الوقت كنت قد أعجبت ببعض المواد التي درستها مثل المدخل في علوم المكتبات والمعلومات، ومقدمة في علم المعلومات، ولكنني اليوم من واقع الحال، سعيد به، ولو عاد الزمن لاخترته مجددا فهو تخصص فيه تحد وفيه مجال لتوسيع ثقافة المرء، خاصة اذا كان الانسان يحب ان يطور نفسه. هل لنا ان نتعرف على أنشطتكم "التطوعية" في جمعية المكتبات؟* لقد بدأت علاقتي بجمعية المكتبات المتخصصة فرع الخليج العربي بحضوري لأول مؤتمر أقيم في البحرين عام 1993م ومن ثم حضور كل مؤتمرات الفرع التي تلت، وحضوري لتلك المؤتمرات الثمانية افادني كثيرا في التعرف الى المتخصصين من كل دول الخليج العربي، الأمر الذي جعلني اشارك مجلس الادارة منذ مؤتمر 1998م الذي عقد في البحرين وذلك كرئيس منتخب خلال عام 1999م وكرئيس لعام 2000م.وعند الحديث عن نشاط الجمعية في الخليج فالجمعية تنظم مؤتمرا سنويا لمناقشة احدى قضايا المكتبات والمعلومات في الخليج العربي، كما تنظم دورات تدريبية للعاملين في المكتبات اضافة الى اصدار نشرة توزع على أعضاء الجمعية في المنطقة وتصدر 3مرات في العام.أما إن تحدثت عن جهدي المتواضع فقد كان خلال تنظيم مؤتمري 1999م في مسقط ومؤتمر 2000م في ابوظبي وقد وفقنا بحمد الله من تعزيز الحضور السعودي، وابراز الوجه المشرق للشباب السعودي في المحافل الدولية.كما انني سعيد أكثر وقد خلفني في نفس الموقع أخ عزيز من ابناء هذا الوطن وهو الدكتور صالح عبدالكريم البريدي من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، اضافة الى انضمام الأخ عدنان الشريف من ارامكو السعودية الى مجلس الادارة كمسؤول تدريب. هل لكم اطلاع القارئ الكريم عما نوقش في مؤتمر أبوظبي؟* لقد عقد مؤتمر ابوظبي تحت عنوان: "التحديات والفرص المتاحة التي تواجه المكتبات الخليجية في الألفية الثالثة" وهو عنوان كما يلاحظ القارئ الكريم كبير، لكن خصصناه بأربع محاور فرعية كانت على النحو الآتي: 1 الفرص المتاحة في المشاركة في المصادر. 2 المقاييس والمعايير في البيئة الالكترونية. 3 تطوير الموارد البشرية في المكتبة الافتراضية 4 تدريب المستفيدين من المكتبات الافتراضية.ولا أخفيكم سرا ان قلت بانني كنت في قمة السعادة وانا أرى الحضور السعودي يتميز عاما بعد آخر، وهو أمر يدعو للفخر والاعتزاز، كما هي دعوة لأن نواصل المشاركة التي من شأنها تطوير قدرات المكتبيين أنفسهم خصوصا وان التخصص يمر بمرحلة تحول كبيرة يتوجب على كل المتخصصين ان يعيشوها بأنفسهم، ويتمرسوا في استخدام التقنيات الجديدة التي اصبحت اساسا للتعامل مع المعلومة. وقد طرحت بعض التحديات التي تواجه المكتبة الخليجية في حاضرها ومستقبلها مثل تدريب العاملين أنفسهم، ومثل التطورات السريعة لتكولوجيا المعلومات، والتعاون في مجالات المشاركة في المصادر وكذلك تطوير معايير تتناسب والبيئة الجديدة التي تعيشها المكتبات اليوم. وماذا عن الدورات التدريبية التي ذكرت؟* هذا نشاط يهدف بالدرجة الأولى الى اتاحة الفرصة للمكتبيين ان يطوروا مهاراتهم وقدراتهم في مجال معين.. وينظم الفرع دورتين او ثلاثا سنويا، ويدرس موضوع الدورة ومدى حاجة المنطقة الى موضوع الدورة.فعلى سبيل المثال، لقد أقمنا دورة عن الفهرسة والتصنيف في البيئة الالكترونية وعقدت في مسقط منتصف عام 1999م كما أقمنا دورتين قبيل مؤتمر 1999م في مسقط احداها ركزت على "تدريب المكتبيين على الانترنت كمصدر للمعلومات" فيما ركزت الأخرى على "تطوير المهارات الفردية الادارية لمديري المكتبات ومراكز المعلومات" وقد شاركت في شهر ربيع الأول من هذا العام في تقديم ورشة عمل التي نظمتها الجمعية في البحرين عن تنمية الموارد البشرية في المكتبات الالكترونية، واما عن دورات عام 2000م فقد عقد اولاها في دبي وكانت عن "المهارات السبع للقياديين الفاعلين في مجالات المكتبات والمعلومات" فيما أقيمت الثانية قبيل مؤتمر ابوظبي وكانت عن "الانترنت كمصدر للمعلومات" حيث تدرب المشتركون على مهارات متقدمة متخصصة للمكتبيين أنفسهم.ونستضيف خبراء لتدريس هذه الدورات، فهذه الأخيرة شارك في تقديمها 4خبراء ومترجم، حيث نهتم باللغة العربية كلغة أساسية في التدريب لادراكنا بان كثيرين في مكتباتنا اليوم لا يجيدون اللغة الانجليزية. وما القادم في العام المقبل؟* سيقام المؤتمر القادم، بمشيئة الله، في الدوحة حيث أجلنا مؤتمر جمعية المكتبات المتخصصة "فرع الخليج" لنتيح للخليجيين فرصة المشاركة في مؤتمر "اعلم" الذي تستضيفه جامعة الشارقة في نوفمبر المقبل وعليه فسيكون مؤتمر الجمعية الخليجية في التاسع من شهر مارس المقبل وبذلك نتفادى ايضا زحمة المشاركات في نهاية كل عام، اضافة الى تقدم شهر رمضان، حيث سيكون العام المقبل ان شاء الله في منتصف شهر نوفمبر. أستاذ سعد، اعلم ان لكم نشاطا في "اعلم" هل لك أن تحدثنا عنه؟* هو نشاط مماثل لنشاطي في الخليج ولكنه نشاط على مستوى الوطن العربي، ففي عام 1997م تم انتخابي عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات "اعلم" وذلك عندما حضرت مؤتمر القاهرة، ولم أكن وقتها انوي الدخول في المجلس لولا خوفي من ان تضيع فرصة التمثيل السعودي في المجلس وهذا هو السبب الحقيقي لدخولي هذا المجال، كما تم انتخابي في المؤتمر الحادي عشر 2000م الذي عقد في القاهرة كأمين عام للاتحاد في دورته الحالية 2001 2003م.وانا سعيد بهذا العمل فهو من الأهمية بمكان ان يكون للمشاركة السعودية دور قيادي في المنظمات العلمية والمهنية، خاصة وهناك مجالات عديدة لخدمة الوطن من هذا الموقع، كما انني راض عن دوري في "اعلم" حيث كنت مع الدكتور وحيد قدورة مسؤولا عن البرنامج العلمي لمؤتمر 1999م في مدينة نابل التونسية، كما كنت مديرا لمؤتمر 2000م الذي عقد في القاهرة خلال شهر اغسطس، اما المشاركة السعودية في مؤتمر الاتحاد المزمع عقده في شهر نوفمبر القادم في الشارقة فستكون بمشيئة الله افضل من سابقاتها من قبل حيث ستقدم عشر ورقات سعودية علمية وسيشارك فيها كل من "الدكتور عبدالرحمن العكرش، الدكتورسالم السالم، الدكتور هشام عباس، الدكتور حسن السريحي، الدكتور راشد الزهراني، الدكتور محمد عارف، الدكتور شاريق شاهين، الدكتورة فاتن بامفلح، الأستاذ نبيل قمصاني، الاستاذ سعد الزهري" بالاضافة الى المشاركة السعودية المائد المستديرة. وماذا عن المشاركة السعودية في مؤتمرات اعلم؟* في الواقع أنها مشاركة ضعيفة، باستثناء المشاركة التي تمت في القاهرة مؤخرا والتي حضر فيها حوالي 33مشاركا من المملكة، واتمنى ان تستمر وان تتصاعد لأن لدينا عددا كبيرا من المهنيين الذين يمكن أن يفيدوا ويستفيدوا في ذات الوقت، وقد قدمت اربع ورقات علمية في مؤتمر القاهرة قدمها كل من: الدكتور هشام عباس من جامعة الملك عبدالعزيز. الدكتور عبدالكريم الزيد، مدير مكتبة الملك عبدالعزيز العامة. الدكتورة فاتن سعيد بامفلح، وكيلة عمادة المكتبات بجامعة أم القرى سعد الزهري من ارامكو السعودية.وماذا عن المشاركة السعودية في ادارة الاتحاد؟الاتحاد انشئ عام 1986م في تونس وقد شارك في ادارته كعضو آنذاك الدكتور محمد الزير عميد شؤون المكتبات بجامعة الامام سابقا، ثم شارك الدكتور سالم السالم من جامعة الامام ايضا لفترتين متتاليتين ثم شاركت انا في الفترة الأولى من عام 1997 2000م كعضو في المكتب التنفيذي وتم اعادة انتخابي أمينا عاما للاتحاد للفترة من 2001 2003م.كما تم ترشيح الأستاذ خالد اليوسف المسعود ممثلا للاتحاد في الرياض والدكتور محمود قاري خان ممثلا للاتحاد في جدة، وقد سبق للأستاذ نبيل قمصاني ان عمل منسقا للاتحاد من عام 1997 2000م.ومن الأمور التي تثلج الصدر ان عقد اجتماع للسعوديين المشاركين في مؤتمر القاهرة حيث تم التعارف بين أكثر من ثلاثين مشاركا كان منهم عمداء المكتبات بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن والجامعة الاسلامية وجامعة الملك خالد اضافة الى مدير عام المكتبات بوزارة المعارف ومدير عام المكتبات بالمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني ومدير عام مكتبة الملك عبدالعزيز العامة ومدير عام المكتبة المركزية بجامعة الملك عبدالعزيز.ولكن برغم سعادتي بالمشاركة، الا انني اشعر انه يجب ان تكون لنا مشاركة أكبر في الحضور وفي تقديم الأوراق ايضا، خاصة وأننا نملك من الامكانات البشرية المتخصصة ما يفوق اي بلد عربي آخر. وماذا عن المؤتمر القادم لاعلم؟* المؤتمر القادم سيقام ان شاء الله في الشارقة في الفترة من 5 8من نوفمبر 2001م تحت رعاية الشيخ سلطان القاسمي كما اننا بصدد اقامة دورة تدريبية في الاسكندرية عن ادارة المكتبات الرقمية في الربع الاول من عام 2001م سيعلن عن تفاصيلها فيما بعد.. كل هذه أستاذ سعد مناشطكم خارج الحدود، فما مناشطكم داخل المملكة؟هي خارج الحدود ولكن ثمارها ان شاء الله للوطن،فانا امثل الوطن، واهتم بالمشاركين السعوديين وبظروفهم كما يهمني ان يكون هناك حضور سعودي عند صناعة القرار في هذه الجمعيات العلمية والمهنية، كما لا يخفي عليكم انني شاركت في الاجتماع التأسيس لاعادة احياء جمعية المكتبات السعودية الذي اقيم في رحاب جامعة الملك سعود بالرياض، حيث كنت مسؤولا عن لجنة الانتخابات اضافة الى مشاركتي في المائدة المستديرة التي كانت بعنوان "الجمعية السعودية للمكتبات: والتي أكدت خلالها اهمية اعادة كتابة أنظمة وقوانين الجمعية واهمية ان نحاول أن نوفق بين طموحاتنا كمكتبيين وبين الامكانات المتاحة للمجلس التنفيذي للجمعية. استاذ سعد، ذكرت ان التخصص يمر بمرحلة انتقالية، فهل لك أن تشرح هذا للقارئ الكريم؟نعم تخصص المكتبات والمعلومات اليوم ليس مثله قبل عشر سنوات، فالتقنية المتسارعة جعلت المهتمين والمتخصصين يحاولون ملاحقة التقنية التي فرضت نفسها على المهنة بشكل غير مسبوق، فالمكتبي اليوم لابد له أن يطور نفسه في التعامل مع التقنية واستخداماتها.كما أن مسألة اهتمام المكتبات اليوم بأن تكون مجموعاتها رقمية وان تكون على الحاسوب بحيث يمكن للمستفيدين الاطلاع والافادة دون الحاجة الى الحضور للمكتبة.

بداية الصفحة

المركز الطبي الإسلامي في دولة الكويت

حفر الباطن قاسم دغيم الظفيري

* يشعر الكثير من الناس بالقلق ازاء تناول الأدوية الكيماوية، وذلك بسبب الأعراض الجانبية المتصلة بالافراط في تناولها .وظهرت في العديد من عواصم العالم الصيدليات المتخصصة في بيع الأدوية الطبيعية الخالية من المواد الكيماوية، ودولة الكويت من الدول التي أولت اهتماماً خاصاً لهذا النوع من الطب برعايتها لمركز الطب الإسلامي للعلاج بالأعشاب.كان الطب العربي أو طب الأعشاب متداولاً قبل ظهور الإسلام ولكن الإسلام شجع على طلب العلم وعلى التداوي فظهر الرازي وابن سينا والزهراوي الذين انطلقت أوروبا من أعمالهم إلى آفاق العمل الجاد في مجال التداوي في حين تراجعت الأمة الإسلامية وراحت تقتفي آثارهم في محاكاة عاجزة.وكان لابد من دراسة مدى امكانية الاستفادة من هذا التراث الإسلامي الطبي العظيم وتقديم العلاج من النباتات الطبية نظراً لرخص تكلفتها وقلة مضاعفاتها وتوافرها في الأقطار العربية والإسلامية.وهكذا ظهرت فكرة وجود مركز الطب الإسلامي لرعاية هذا العمل الكبير ولاقت تلك الفكرة الرعاية من حكومة دولة الكويت وتبنتها لتكون لها مقراً ومنطلقاً بطموح أكبر من أن تكون محلية الجهد أو اقليمية الموطن وهكذا انشئت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بمرسوم أميري رقم 18لسنة 1984م.وذكر كتاب (الخليج.. أصالة ومعاصرة) صادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أن اسرة كويتية قامت ببناء مركز الطب الإسلامي في دولة الكويت ليكون نواة مقر للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وتبرعت بأموالها لانشاء هذا المبنى وامداده بالأجهزة الطبية والمختبرات والأثاث ومكتبة زاخرة بالكتب العلمية والفقهية ومن ثم تسليمه لوزارة الصحة في دولة الكويت للاشراف عليه وامداده بطاقم من اطباء وفنيين واداريين وغيرهم.ويتألف المركز الذي بني على الطراز المعماري الإسلامي من المسجد المزين من الداخل بقبة ذات نقش إسلامي مذهب ومن الخارج مطلية بالذهب ويتكون من ثلاثة طوابق الأرضي لصلاة الرجال ومغطى بسجادة هي صورة من نقش القبة والدور الثاني مصلى النساء والثالث للخدمات والمئذنة تخرج من بركة ماء ويرتبط المسجد بالمركز الطبي عن طريق ممرات مصممة على الطريقة الإسلامية وتحدوها نوافير المياه.أما المركز الطبي فيتكون من المدخل الرئيسي وهو مخصص لاستراحة مرضى العيادات ورواد المكتبة الزاخرة بكتب التراث والفقه والطب والصيدلة والعلوم المتعلقة بهم.وبالنسبة للعيادات الخارجية لعلاج الأمراض فهي تشمل في الوقت الحالي تقديم العلاج لثلاثة عشر مرضا هي: الحساسية الأنفية، الجيوب الأنفية، الربو الشعبي، أمراض الجهاز التنفسي، الصداع النصفي، الروماتيزم، السكر، أمراض الجهاز البولي المتمثلة في الالتهابات والحصى، قرحة الاثني عشر وزيادة الحموضة، البهاق، الأمراض الجلدية، الامساك، زيادة دهنيات الدم، كسل في كفاءة الكبد.ان الحكمة من اختيار هذه المجموعة من الأمراض دون غيرها يرجع إلى انها أمراض يمكن قياس التحكم فيها وقياس درجة تحسن المريض بالأرقام،وبالتالي فإن هذه المقاييس الرقمية تقدم صورة غير قابلة للجدل حول العلاج وفاعلية الدواء .هذا إلى جانب كونها الأمراض الأكثر انتشاراً بين الناس هنا. والطاقة الحالية للمركز قد ارتفعت لتصل إلى 50مراجعاً يومياً بعضهم من دول مجلس التعاون.والأعشاب المستخدمة في صناعة الأدوية تجلب من الهند وباكستان وبريطانيا بالاضافة إلى السوق المحلي وبعض الأشجار تتم زراعتها في المركز مثل شجرة الحناء تحسباً لحدوث أي نقص أو شح في اعدادها.ويهتم القسم العلاجي بإحياء علوم الدين وتحديثها وتطبيقها بشكل علمي وتحديث الدراسات التي وضعها الأطباء المسلمون والحث على الوسائل التي نادى بها الإسلام لاكتمال الصحة والتي منها العناية بالنظافة والرياضة والاستحمام والصلاة والصيام.. الخ.ولعل من أهم الأقسام في المركز هو قسم الأبحاث الدوائية حيث يتم من خلاله اجراء الأبحاث الدوائية حيث يتم من خلاله اجراء الأبحاث الطبية بواسطة النباتات والأعشاب لحالات مرضية عديدة. ومن انجازاته أيضاً اجراء عملية تصنيع للنباتات والأعشاب الطبية المستخدمة في العلاج مثل الأقراص والمراهم والشراب ويقوم قسم الكيمياء الحيوية بعمل دراسات على التأثير الكيميائي للنباتات الطبية وتقييم التأثيرات الجانبية لهذه المركبات ،بينما يتولى معمل الأجهزة الحساسة اجراء التحليل الكمي والكيفي للنباتات وبالتالي كشف سوء التخزين أو الغش.وتعمل وحدة الميكروبولوجيا على الكشف عن الميكروبات في النباتات الطبية وفحص طبيعة هذه الميكروبات كما تختبر خلو الأدوية المحضرة بالمركز من الميكروبات المسببة للأمراض.ويقوم قسم الصيدلة بعمل تقييم صيدلاني لجميع المستحضرات وتقييم حساب صلاحيتها ودراسة استبعاد الكحول من المستحضرات الصيدلية باستعمال بدائل غير ضارة ،وذلك لتحضير مستحضرات إسلامية خالية من المحرمات.ويعمل قسم كيمياء العقاقير دراسات على النباتات التي ترد إلى المركز من الناحية الكيميائية ووضع الوصفات للمستحضرات الصيدلية التي تحضر بالمركز.ومن أقسام المركز قسم (الأقرباذين) ويقوم بدراسة سمية النباتات الطبية على حيوانات التجارب بإعطائها لحيوانات التجارب لفترات متفاوتة وتعيين الجرعات غير المميتة مع ملاحظة الأعراض الجانبية لهذه التركيبات على الأنسجة المختلفة وعلى مكونات الدم وكذلك التأثير على الاخصاب وعلى الحيوانات الحوامل وأجنتها والحيوانات حديثة الولادة.وأخيراً هناك قسم الرقابة الذي يعمل على التأكد من مطابقة المواصفات الموضوعة لكل مستحضر وبالتالي التأكد من أن الجرعة الموصوفة للمريض سوف تعطي التأثير العلاجي المتوقع.وأخيراً: ان محاولات متفرقة مثل منظمة الطب الإسلامي لتؤكد ان الإسلام دين الحضارة والعلم ولدولة الكويت الفخر ان ترعى هذا العمل الإسلامي المتطور على أمل ان تكون هناك تجارب أخرى حتى تعود للإسلام مكانته الرفيعة.

بداية الصفحة

مساءلات فكرية
بين الخطأ العلمي والخطأ الثقافي

د. عبدالسلام المسدّي

* ان ما يحوم حول النقد الادبي الحديث من جدل يتساءل عن مدى مفهوميته ثم عن مدى مقبوليته ليس وضعا خاصاً بثقافتنا العربية، وليس امراً خاصاً بهذا المجال المحدد من مجالات النشاط الفكري الإنساني.فمتابعة انتاج المعرفة في ايامنا هذه اصبحت تتطلب قدراً ادنى من الاستعداد الذهني وقدراً اقصى من التسلح بالاوليات الاساسية في ذلك الحقل المعرفي المخصوص. فإذا غاب هذا وغاب ذاك ظهرت الانحرافات الفكرية والتفت بها غيوم الثقافة كما تسيطر على اجهزة الاستقبال الذهني في عالمنا المعاصر.ان كان الزاما ان نجاري دعاة التشهير باستعصاء الخطاب النقدي الحديث فأولى بنا ان ندقق المسألة بالقول: ان الاستعصاء ليس في الادب وفي النقد بقدر ما هو في العلوم التي انجدت النقد بالتموينات الفكرية الجديدة، ثم انه استعصاء ثقافي وليس استعصاء معرفياً، نعني انه متولد من الغربة الحاصلة بين الجمهور المعني بالادب وهذه العلوم، ولو ان المناخ الفكري اتاح للناس ما يلزم من قواعدها لخفت حدة الاغتراب المعرفي. فليس في اللسانيات ما يجعلها بشكل مطلق اكثر استعصاء من علم النفس او من علم الاجتماع او حتى من علم التاريخ هذا الذي يظنه الناس سرداً للاحداث وقصا للاخبار وكشفا لما خفي من الاسرار بينما هو علم ذو هيبة وذو دقة وذو طبع عنيد.ومن الانحرافات الثقافية ما نعلمه الآن من فساد الطرح الذي يتكئ عليه دعاة الاعتراض على التجديد النقدي والذي يزوغ بين التنظير والتطبيق مما يحول هذه الحجة الى سيف مسلول على كل مسعى تطويري والذين يشعرون باختلال التوازن بين النقد النظري والنقد التطبيعي او بفقدان التواؤم بين الجناحين لن يقنعوا احداً بخطابهم ماليم يفسروا لِم لم يكونوا يستخدمون هذه الحجة قبل اقبال الاجيال الناشئة على الثقافة النقدية الجديدة، وما لم يقدموا الجواب الشافي لحسم مدى اسبقية التنظير على التطبيق، او اسبقية التطبيق على التنظير، او مدى اولوية الفضل بينهما في تطور المعرفة.من هذا المسلك المسيّج يغدو جائزاً ان نتحدث عن ازمة راهنة يعيشها الوضع العربي ادباً ونقداً، وتتجلى في توتر العلاقة بين الاطراف الماسكين لخيوط القضية من ادباء مبدعين وقراء متابعين ونقاد راصدين.ويزداد الوضع تعاضلاً كما تزداد اللوحة تشابكاً وذلك بحكم توالج الارتباطات بين الاطراف، وما ينجم عن ذلك من ارتباك الصورة القائمة في الوعي الثقافي: صورة الادب في ذهن القارئ من خلال استقباله للنص مباشرة، وصورته في ذهنه من خلال خطاب النقاد حوله، وصورة النقاد في ذهن الاديب من خلال اشتكاء القارئ من خطابهم، وصورة القراء في ذهن الاديب من خلال ما يتوسل هو به من تظلم ينطق فيه بأسمهم مرافعاً عن نفسه من خلال التطوع بالمرافعة عنهم.إن غموض الخطاب النقدي الحديث مع كل ما قد يكون في التلويح به من وجاهة فكرية ليس الا ذريعة ثقافية يستنجد بها الخطاب المضاد باحثاً فيها عن مسوغات نقدية. ولا يعالج الشأن الثقافي بالخطاب العلمي المطلق بقدر ما يعالج من خلال استراتيجية محكمة هدفها الاول سحب البساط من تحت أرجل الآلة الثقافية المنتجةللخطاب التشهيري الناسف وهدفها الآخر تفكيك ادوات الخطاب الصانع لمنظومة الاعتراض. بذلك تحقق غاية مزدوجة هي في الآن نفسه علمية وثقافية: تفادي اضفاء اي مشروعية فكرية على كل الذرائع المقدمة من معسكر الناقضين لفكرة الارتقاء المعرفي في مجال النقد الادبي.ومن باب اولى واحرى تفادي تقديم المبررات الوجيهة التي تحوّل الذرائع الى حجج استدلالية.في طليعة الواجبات الفكرية المطلقة تتعين دوماً تنقية مسار المعرفة من الاخطار التي تعلق بها في مسالكها المتنوعة بين الفكر والمجتمع والتاريخ. ولكننا في هذا السياق نحتاج الى شق القمحة على نصفين، وهو تصميم يخرج عن كل ترف فكري او بذخ ذهني: فهناك اخطاء يرتكبها الباحثون في كل معرفة فتكون اخطاء متصلة بمضمون تلك المعرفة، هي اذن "انحرافات" علمية بحكم انتسابها الى دائرة الحقل المخصوص، وهناك اخطاء تتصل ببعض الحيثيات الحافة بمضامين العلم فتكون على التخوم المزروعة حول محيط دائرة العلم، وهذه يصح ويحسن في الآن نفسه ان نسميها اخطاء ثقافية، ويدور معظمها على طبيعة المقومات التواصلية بحكم القنوات والجسور التي يمر منها الخطاب النقدي بين الاطراف الثلاثة الفاعلين: الادباء والنقاد وجمهور قراء الادب والنقد.ولن يبلغ تشقيق القمحة جدواه القصوى الا اذا سلمنا بأمرين، اولهما ان كل خطأ علمي هو بالضرورة خطأ ثقافي وأن الخطأ الثقافي ليس بالضرورة خطأ علمياً.وثانيهما ان الخطأ الثقافي اوقع اثرا واعظم خطرا على مسيرة العلم في المجتمع من الخطأ العلمي البحت، لان هذا يعالج في المخابر وفي حلقات النقاش الاكاديمي اما ذاك فيسري عبر وسائل الاعلام واجهزة التواصل في شرائح البنى الفكرية المختلفة فتضطرب تحت وقعه منظومة المؤسسة الثقافية العامة. ان الخطأ العلمي الصرف يربك العلم بحد ذاته، اما الخطأ الثقافي فيربك العلم ويربك العلماء بنفس الدرجة من الاهتزاز.ومن رام تصحيح الخطأ العلمي رافع باسم العلم، وقوله لا يحمل إلا على براءة الغيرة الخالصة لوجه المعرفة، اما من رام تصحيح الخطأ الثقافي فمضطر ان يتحدث في العلم باسم المتعاطين له وان يتحدث في المتعاطين له باسم العلم، وكلامه في كل الاحوال محمول على غير البراءة لان الظن سباق في هذه الحال الى التأويل بمقاصد الذات على الذوات.ان الخطأ الثقافي ينبت في شجرة العلم بحكم التباس يحصل في منطقة الحس الغامض لدى كل الاطراف المعنيين بالعملية التواصلية، ولولا اتقاء الخلط لقلنا في منطقة اللاشعور المعرفي، ذلك ان الهم الاول الذي يستحوذ على النفس في مجال صياغة العلم هو منحصر في المضمون، وعليه يقف الناس معيارهم القيمي، وإليه يردون كل شيء في مناقشة العلم ثم في الحكم عليه وعلى اصحابه غير ان ما يطرأ على العلم من خارج سياج المضامين فيه امر كبير وكثيراً ما يكون ذا تأثير عاجل.العلم خطاب. وكل ما في العلم في خطابه. ان مضمون العلم لا ينال من حصص الخطاب الا ثلثها، وهذا الثلث يمثله السؤال الافتراضي الذي نصه: ماذا تقول، ويبقى سؤالان اليهما يعود الثلثان الباقيان وهما: كيف تقول ولمن تقول.فأما الخطأ العلمي فمنبته الطبيعي هو السؤال الاول، ماذا تقول، ولذلك كان نصيبه من مساحة مزرعة الاخطاء بمقدار الثلث فقط، واما الخطأ الثقافي فمنبته الاول هو السؤالان الآخران: كيف تقول ما تقول، ولمن تقول الذي تقول، ومزرعته ضعف مساحة الخطأ الاول.واعظم الاسباب التي تتحول فيها المساحة الى مزرعة لمشاتل الاخطاء اثنان: ان يكتب في المعرفة من ليس من اهلها مع الايهام بأنه من اهلها سواء بالإيعاز الصريح او بالسكوت عن انه ليس من اهلها، فهذا هو الاول، والثاني ان يكتب في المعرفة بعض اهلها فيجنحون الى التسامح في الصياغة، والتجاوز في الضبط، والمجاراة في الدلالة كما شاعت ولو على التشويه. ولا يفعل اهل الدراية شيئاً من ذلك في غالب الاحيان الا بمقاصد نبيلة ولكنها تنقلب كوارث على المعرفة. ذلك ان الهدف السامي في ذاته هو في جل الحالات متصل بالرغبة في اشاعة المعرفة عن طريق تيسيرها، وفي نشر خطاب العلم بواسطة تبسيطه، واذا بالباحث وبالعالم وبالناقد ينجرون الى كتابة خطاب استثنائي مرجعيته البعيدة صحيحة سليمة ولكن بنيته الظاهرة المكشوفة مزروعة بالاخطاء التي هي في تلك اللحظة التواصلية اخطاء ثقافية.الخطاب الاستثنائي هذا يحكمه منطق الاستباحة، ويقود دفته منطق التجاوز الذي هو مجاوزة في البداية واستعداء معرفي بعد ذلك، وتنهض بمقاصده آليات الاستسماح، واذا بنا وجها لوجه امام خطاب فوق الاستثنائي هو "خطاب التقريبيات" حيث كل شيء يمكن ان ينوب عن اي شيء آخر بدعوى التيسير.ولنعلمء هنا والآن وسريعاً ان شيئا ما يثوي وراء هذه البلوى في نسيج المنظومة الفكرية والثقافية والمجتمعية، مداره فرق ما بين صياغة المعرفة على اشراطها وصياغتها طبقا لحيثيات التيسير، وهو ما يعود بنا الى ما اسلفناه: صياغة العلم طبقاً لسؤال ما تقول، وصياغته طبقاً لسؤال كيف تقول ولمن تقول. فلعل علة العلل هنا هي الظن الشائع في كل الاذهان والموحي لهم بأن صياغة الخطاب التيسيري هي مهمة سهلة، وفي كل الاحتمالات لا يمكن ان تكون اعسر من صياغة الخطاب العلمي في ذاته. واعظم بها من إحالة ثم اكبر بها من شناعة! الحديث في العلم بلغة العلم هي الوظيفة التي عليها يتربى العلماء وبها يتشكل بناؤهم الذهني، اما الحديث في العلم لغير اهل العلم فيحتاج الى لغة اخرى، والى مدارك اخرى، والى مهارات في ايصال المعرفة بحسب شرائح المتقبلين تختلف عن تلكم الاولى وتتباين وقد تتضارب.وهذه حقيقة يسلم بها كل من صادفه ان قرأ لبعض العلماء فأفاد من ابحاثهم المكتوبة علماً غزيرا واستثمر ما يقرأ بحسب كل فقرة او كل سطر، فلما صادفه ان اختلف اليهم يحاضرون نزل به عداد الإفادة الى نسق ادنى، وقد يسقط ثقل المعرفة سقوطاً فيزيائياً حراً.ووراء العلة علة اخرى: ان بعض العارفين قد تملكهم الخوف من السيف المسلول على ألسنتهم، ألا وهو تهمة الغموض، فإذا بهم ينساقون فينجرون ثم ينجرفون حتى يتحولوا الى منتجين لمشاتل الخطأ الثقافي.

بداية الصفحة

2 ـ حكاية الحداثة

د. عبدالله محمد الغذامي

* أشرت في الحلقة الماضية الى تراجع المرحوم الأستاذ الشيباني عن المشاركة في ندوة عامة حول الحداثة، وكذا احجام الدكتور أبو بكر باقادر عن دراسة موضوع الصراع حول الحداثة، وأضيف اليوم أن الزميل الدكتور مرزوق بن تنباك سبق له أن تقدم لجامعة الملك سعود بفكرة مشروع بحثي عن الحداثة في المملكة، ووافقت الجامعة على دعم المشروع. وأخذ الدكتور في البحث، ولكنه قرر بعد مدة التخلي عن الموضوع، وقال لي مرة إنه رأى الموضوع شائكاً من حيث ما يثيره من أسئلة قد تحوله الى موضوع دوقماتي، وهذا ما لا يرتضيه لنفسه ولا لموضوعه. حينما نرى هذه الأمثلة، عن أناس لا تعجزهم الكفاءة البحثية، ولا ينقصهم الحياد الموضوعي، ومع ذلك يتراجعون الواحد تلو الآخر عن طرق هذا الموضوع، والانصراف عنه رغم معرفتهم التامة بأهميته. حينما نرى هذا فإن السؤال الذي يجب أن يرد هنا هو لماذا يتجنب الناس هذا الموضوع. ويتضخم السؤال حينما نستذكر أن عدداً من الجيل الأكاديمي الأول لم يك يجهل موضوع الحداثة، خاصة إذا استذكرنا أن عدداً من أساتذة قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود كانوا أصلاً من طلاب جامعة القاهرة في الخمسينات، أي في فترة المخاض الحقيقي للحداثة. وفي تلك الجامعة احتكوا بقضايا الحداثة، وشهدوا الإفرازات السابقة على ظهور الحركات الحداثية، واستمعوا الى رواد النقد وتعايشوا على مقربة من شعراء الحداثة ورموزها، بل لقد تزاملوا مع رجال أصبحوا من أبرز نقاد الحركة وروادها. ثم إن معظمهم ذهبوا للدراسة في بريطانيا في بداية الستينات، وتعرضوا لشيء غير قليل من الجرعات الثقافية المبكرة، ولكنهم مع هذا لم يطرحوا سؤال الحداثة حينما كان الجو مفتوحاً لهم على كل مصاريعه. هذا ليس تبكيتا لهم، ولكنه سؤال جوهري يمس علاقة الانسان المفرد بالمعطى العام لسياقه الثقافي، وجميع الإحالات هنا هي عن أناس نتفق على أنهم غير عاجزين، ونجزم أنهم ليسوا جبناء، كما نؤكد أنهم لم يواجهوا خوفاً رسمياً، ولا يمكن أن يخطر ببالنا أن الشيباني قد خامره خوف رسمي، إذ كلنا نعرف أنه يستند الى ركن قوي والى دعامة صلبة، كما أن الدكتور ابن تنباك كان مدعوماً دعماً مادياً ومعنوياً من مؤسسة رسمية. بينما الجيل الأول كان في وضع طليق يجعله وحيداً في ميدان له المرباع فيه والصفايا. إذا استبعدنا العجز الذاتي، واستبعدنا الخوف الرسمي، فإننا سندرك أن الإحجام هنا يعود الى قراءة كل واحد من هؤلاء للظاهرة الاجتماعية، واعتقاده بعدم استعدادها لقبول أسئلة بحثية يرى كل واحد هنا بأنها أسئلة شائكة ومحرجة، وبما إنها شائكة فإن ضررها الشخصي والاجتماعي أكبر من نفعها. وستكون الحكمة هنا هي في ترك ما يريبنا الى ما لا يريبنا. هذا ليس حساً شخصياً مفرداً لأي واحد من هؤلاء الذين أصفهم بالقادرين لأميزهم عن قوم دخلوا في الموضوع دون أن يمتلكوا القدرة عليه ولكنه حس جمعي يحيل الى نسق ثقافي سيكون من هم هذه المقالات الوقوف عليه وتحري أبعاده. على ان الحرص على الموضوعية مع تجنب الذاتية لا شك أنه كان وراء إحجام الشيباني وتراجع ابن تنباك. ولكن لماذا لا تتوفر الموضوعية في مناقشة مسألة الحداثة...؟ هذا سؤال سيكشف عن المعضل النسقي، والموقف الأصل من هذه القضية. ونحن لو استعرضنا حالة الأكاديميين في جامعاتنا لوجدنا أن أفضل حالات الموقف من الحداثة هي في الحياد، وهو ليس الحياد الإيجابي، حسب المصطلح السياسي الستيني، بل هو حياد سلبي، إذ كنا نعرف أنه لا يصمد في مواجهة الرأي العام، ولقد كنا نشهد زملاءنا المحايدين يتراجعون عن حيادهم إذا تعرضوا لسؤال عام. ولعل مثال الأستاذ رضا لاري، الذي فاجأه سؤال شخصي عني فقال كلمته المشهورة: الغذامي زعيم الحداثيين لكنه يصلي. وهذه كلمة علامة بما إنها تضمر الشيء الكثير، وليس أولها وصف أحد بأنه زعيم في مجتمع لا يرى للفرادة موقعاً، ثم في الإحالة الى الصلاة بوصفها استثناء وليست قاعدة. مما يوحي بالجمع بين النقيضين. ولا شك أن من أكثر الأشياء دلالة أننا كنا نسمع السؤال تلو السؤال عما إذا كان الواحد منا يصلي أم لا. بل لقد بلغني أن أحد الناس الذي كان مدرساً لي في فترة من الفترات قد أرسل رجلين الى جدة لهدف واحد وهو أن يذهبا الى المساجد المجاورة لمنزلي وليتحققا من أنني أرتاد أحدها. ولقد حدث مرة أنني أردت الاستعانة برجل على قضاء حاجة لي، ولم يفعل إلا بعد أن استفتى أحد المشايخ عما إذا كان مال الحداثي حلالاً. ولقد كان الجواب إنه مثلما أن المبايعة مع أهل الملل الأخرى جائزة فإن التعاطي مع الحداثي يجوز قياساً على هذا. ولم أعلم بذلك إلا بعد مدة حينما أراد صاحبي أن يثبت لي نزاهته، وراح ويقول لي إنه نقي حتى إنه لا يعمل عملاً إلا بفتوى. وذكر لي الحكاية وهو واثق أنه يعمل عمل الأتقياء. إذا كان الأستاذ رضا لاري، الذي لا ينقصه الوعي ولا التمرس، قد وضع الحداثة بين هذين القوسين في كلمته تلك، وهي كلمة يجب أن لا ننسى أنها كلمة تعبر عن حس عام كان يود الكثيرون أن يكونوا قد قالوها، ولم يفعلوا تجنباً لما تجره من أثر غير مرغوب فيه، ولقد كان الأستاذ لاري شجاعاً وجريئاً وحاداً وصارماً وذكياً ،إذ عرف كيف يقول المسكوت عنه بطريقة كأنما هي مزح، بينما هي بمثابة القول الفصل والكلمة العلامة وتشير الى التصور العام، وهو تصور يبلغ حد الحسم وكأنما هو تعريف للحداثة، ولذا فإن صاحب شريط الحداثة لم يذكر هذا القول بما إنه يفسد عليه بعض عناصر حبكته التشويهية، كما أن صاحب كتاب (الحداثة في ميزان الاسلام) تجنب إجابة الأستاذ لاري لكونها كلمة علامة، وهو لم يكن يبحث عن العلامات، بقدر ما كان يبحث عن الإدانات. سيظل السؤال الجوهري عن الحداثة بما إنها مسألة لم تأخذ صورة البحث الموضوعي قائماً، وسأواصل حديثي إن شاء الله في الأسبوع ما بعد القادم.

بداية الصفحة

قاموس الشعر من بودلير إلى يومنا هذا

هاشم صالح

* انه لحدث ظهور مثل هذا الكتاب قبل بضعة اسابيع في العاصمة الفرنسية. فقد شارك فيه عشرات الباحثين والنقاد واساتذة الجامعات. وقاموا بتغطية كل الشعراء الفرنسيين، او الذين كتبوا الشعر بالفرنسية، منذ بودلير وحتى اليوم. بالطبع فان اختيار بودلير كنقطة بارزة او كحد فاصل يعني الاتفاق على انه يمثل انطلاقة جديدة تفصل ما قبله عما بعده. كما ويعني الاتفاق على انه اهم شاعر فرنسي ظهر خلال القرنين الماضيين.وقد اشرف على القاموس البروفيسور ميشيل جارتي، الاستاذ في الجامعة الفرنسية. ولكنه استشار لجنة عليها مكونة من كبار النقاد والشعراء الفرنسيين المعاصرين وهم: ايث بونفوا، ميشيل ديغي، فيليب جاكوتيه، جان بيير ريشار، جان ستاروبنسكي (سويسري الاصل واستاذ كبير في جامعة جنيف طيلة سنوات عديدة). لا ريب في ان هذا القاموس الذي يحاذي التسعمائة صفحة من القطع الكبير سوف يصبح مرجعاً اساسياً للطلاب والباحثين وجميع اولئك الذين يهتمون بقضية الشعر الحديث. وهو يرتب اسماء الشعراء بحسب الحروف الابجدية كأي قاموس، ويوكل مهمة معالجة كل شاعر (او كل مادة) لناقد مختص به. ولكنه لا يكتفي بذكر اسماء الشعراء بشكل متسلسل، وانما يتحدث ايضا عن الحركات الشعرية المهمة التي ظهرت منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم كالحركة الطبيعية، والبارناسية، والرمزية، والسوريالية، الخ.. كما ويخصص صفحات مطولة للتحدث عن الشعر المكتوب بالفرنسية خارج فرنسا: كالشعر الافريقي، والشعر المغاربي، والشعر اللبناني، والشعر البلجيكي، والشعر السويسري، الخ..باختصار فانه قاموس جامع مانع، وسهل التناول والاستشارة. فأنت تتنقَّل فيه من المادة المكتوبة عن بودلير مثلا، الى المادة المكتوبة عن رامبو، او عن لوتر يامون، او عن مالارميه، او عن ابولينير، الخ. بكل سهولة ويسر، وبكل استمتاع ايضا. وهنا تكمن همية القواميس الاختصاصية التي أخذت تظهر في فرنسا منذ عدة سنوات والتي تشرف عليها فرق بحث ذات كفاءة عالية. لكن لماذا تم اخيار بودلير كنقطة انطلاقة للمشروع وليس فيكتور هيغو مثلا؟ على هذا السؤال يجيب البروفيسور ميشيل جارتي المشرف العام على المشروع قائلا: كان بامكاننا ان نكتب قاموس الشعر الفرنسي في القرن العشرين. ولكن عام 1955لا يشكل منعطفاً في تاريخ الشعر بالنسبة لأي ناقد او باحث يحترم نفسه. فالمنعطف الكبير حصل مع بودلير الذي مات عام 1867.واعتقد انه تجتمع في شخصية بودلير او في شعره بعض العلامات الكبرى والاساسية للحداثة الشعرية. واقصد بهذه العلامات او السمات هنا: الاهتمام الخاص للشاعر بلغته، والعودة النقدية للشعر على ذاته، والانتقال من مرحلة الوصف الى مرحلة الابداع، والاحساس بالمؤقت والعابر او باللحظة الهاربة، والاهتمام بالمشهد الحضري للمدينة الكبرى وتخصيص القصائد العديدة لذلك سواء في "ازهار الشر"، او في "قصائد نثرية صغيرة"، ثم انبثاق نزعة غنائية اقل شخصية في الشعر (أي ظهور غنائية موضوعية اذا جاز التعبير، وذلك على عكس الغنائية الفيّاضة والذاتية جدا للشعراء الرومانطيقيين..). ثم أخيرا امكانية كتابة الشعر في عالم اصبح صناعيا، أي حدثيا في الواقع. فبودلير برهن على انه يمكن للشعر ان يستمر في عصر الحداثة الصناعية والتكنولوجية التي غيَّرت خريطة العالم المحيط به. ولكنه لا يمكن ان يستمر الا بعد اجراء تغييرات جذرية على بنية اللغة الشعرية ومضمون هذه اللغة ايضا.وهنا يكمن الانجاز الاعظم لبودلير. ولذلك يمكن القول بانه قسم الشعر الفرنسي، وربما العالمي، الى قسمين: ما قبله، وما بعده. يضاف الى ذلك ان الشعر منذ بودلير راح يتحرر تدريجيا من الاكراهات والقيود السابقة. وهنا تكمن ايضا خصيصة اساسية من خصائص شعر الحداثة. ولهذا السبب فان القاموس يخصص مكانة هامة لمعالجة قضايا الوزن والايقاع والقافية وسبب تخلي الشعر الحديث عن ذلك في أحيان كثيرة وانخراطه في كتابة قصيدة النثر او الشعر المنثور او الشعر الحر، الخ.. كما ويخصص القاموس فصلا (او مادة) للتحدث عن الصورة الشعرية. سوف أتوقف هنا عند بعض المحطات الاساسية او الاسماء الكبرى لاني لا استطيع ان استعرض كل ما ورد في هذا القاموس الضخم. وستكون محطتي الاولى بودلير بالطبع وربما اكتفيت بها حاليا على ان اعود الى المحطات الأخرى فيما بعد. فماذا يقول عنه القاموس؟ انه يرى ان الاسباب التي تجعل منه اهم شاعر فرنسي ظهر في القرنين الماضيين متعددة ومتنوعة. فبودلير ينتمي الى ذلك النوع من الكتَّاب الذين يبدون الاقرب الى انفسهم بقدر ما هم الاقرب الى التراث الذي يستمر من خلالهم ويقطعون معه في ذات الوقت. صحيح ان بودلير هو زعيم الحداثة، ولكن وشائج القربى التي تربطه بشعراء التراث الذين سبقوه تبدو واضحة. من هنا الوضع التناقضي له: فهو حديث وتراثي في آن معاً. وبالتالي فالقطيعة التي احدثها مع التراث لم تكن كاملة ولا نهائىة ولا عدمية. ولهذا السبب فان بعضهم وصفه بانه "بوالد هستيري"، او تراثي هستيري اذا شئنا. ومعلوم ان نيقولا بوالد كان زعيم الكلاسيكية الفرنسية ( 1636 1711). فمقدرة بودلير على استخدام الأوزان التقليدية للشعر الفرنسي تبدو أكثر من واضحة في ديوانه "ازهار الشر". ولكنه من جهة أخرى يعتبر الشاعر الذي ادخل الحداثة الى الشعر. فاذا كان بودلير تراثيا من حيث خضوعه للأوزان القديمة والعروض والقافية، الا انه مجدد على مستوى المعجم اللفظي والصور.فقد ادخل كلمات سوقية او عامية عديدة الى ساحة الشعر وصدم معاصريه الذين كانوا يعتقدون بان هذه الكلمات غير شعرية، او لا تصلح للشعر. والشيء الغريب، بل والتناقضي، الذي يتميز به ديوان "أزهار الشر" هو انه مليء بالألفاظ الفرنسية العتيقة وحتى المهجورة، بالاضافة الى الألفاظ المخترعة التي تدل على جرأة بودلير في الاشتقاق والنحت. وتصل جرأته أحيانا الى حد التهور. ولكنه تهور مضبوط او متحكم به. ثم تتجلى حداثة بودلير في قيامه بعدة زحزحات في مجال الكتابة الشعرية. الزحزحة الكبيرة الاولى تخص مكان الشعر او مسرحه. ويكفي ان نقارن هنا بين قصائد الرومانطيقيين من أمثال لامارتني وفيكتور هيغو وفييني وموسيه وبين قصائد بودلير لكي نكتشف الفرق واضحا جليا. فالقصيدة الرومانطيقية مسرحها الطبيعة بانهارها واشجارها وظلالها وبحيراتها وازهارها... واما قصيدة بودلير فمسرحها المشهد الحضري او العمراني للمدينة الكبيرة الصناعية: أي باريس بشوارعها، وأزقتها، وجمهورها الغفير، الخ.. هذه الزحزحة او الانتقال من شعر الريف الى شعر المدينة أمر لا يمكن الاستهانة به. وبهذا المعنى لا يمكن فصل الحداثة الشعرية عن الحداثة المادية او التكنولوجية. ولكن الشعر، مبدئيا، ضد الصناعة والتكنولوجيا والجمهور الغفير الذي يملأ شارع المدينة الكبيرة ويشعرك بالاستلاب. فالعصر الصناعي عصر بارد، موضوعي، لا اثر للعواطف فيه. والشعر قائم اساسا على العواطف والمشاعر الانسانية. فكيف استطاع بودلير ان يصالح بين النقيضين؟في الواقع ان الشعر لا يستطيع ان يستمر بعد مجيء التكنولوجيا الا اذا اعترف بهزيمته. فهذه الهزيمة هي وحدها التي تعطيه المشروعية من أجل الاستمرار في كتابة الشعر. والشعر المهزوم أشد خطرا على المجتمع الرأسمالي الذي لا يؤمن الا بالربح والفائدة ويحتقر كل ما هو مشاعر وعواطف انسانية. وربما في هذه النقطة بالذات تكمن عظمة بودلير كشاهد على العصر، او كرجل يمشي عكس التيار ويخلص لقضية الشعر (التي هي قضية خاسرة ومهزومة سلفا) حتى درجة الاستشهاد. لقد شهد شعر بودلير على استلاب الانسان، ووحدته، وضياعه، في ارجاء المدينة الكبيرة التي لا ترحم. وكرس قصائد عديدة للمرأة العجوز، او الارملة، او الفقيرة، او العاهرة المنبوذة، او الناس المهمشين والمتسكعين بشكل عام. وهم أناس يلفظهم عموما المجتمع الصناعي البورجوازي الصاعد الذي لا يعترف الا بالانتاج والمنتجين والناجحين. وعندما كان بودلير يتفجع على هؤلاء المهمشين الذين تمتلىء بهم شوارع باريس او أزقتها وحاراتها وحدائقها، فانه كان يرثي نفسه في الواقع. فهو ايضا مهمش، ضائع، متسكع. ويكمن هنا الطابع الانساني العميق لشعر بودلير. انه شعر المجروحين من الداخل، وبشكل لا يبرأ ولا يندمل. انه شعر المهزومين الذين انتصرت عليهم الحياة او وضعتهم على الهامش. انه شعر الحزن والتراجيديا والحنين الى شيء مبهم غامض لا يمكن ان يتحقق. هناك فرق آخر بين شعر بودلير وشعر الرومانطيقيين الذين سبقوه مباشرة. انه يخص موضوع الحب. صحيح ان الحب كان تراجيديا بالنسبة للشاعر الرومانطيقي مثله في ذلك مثل بودلير. فالشاعر الرومانطيقي، كلامارتين مثلا او الفريد دوموسيه، كان يبكي الفراق والحبيبة بدموع حارة وصادقة. ولكنه كان يعتقد بامكانية الحب على الاقل، او كان قد ذاق طعمه قبل ان يكتوي بحر ناره. وأما بالنسبة لبودلير فالحب نفسه اصبح اشكاليا، أي مستحيلا في الواقع. فالحب مهزوم ومهدد بالقطيعة او الغدر او اي شيء آخر. انه منخور من الداخل، مثله في ذلك مثل اشياء الحياة ذاتها. وبالتالي فلا يمكن ان نثق بالحب لانه شيء هش. الحب الوحيد الذي يثق به بودلير هو الحب الذي انصرم، او انتهى واصبح في ذمة النسيان. وبالتالي فلم يعد يهددنا بالامل، او بالخيبة، او بالرجاء، او بالانتظار... وبالتالي فيمكن ان نقيم معه علاقة سليمة او تصالحية لانه لم يعد يعذبنا او يقض مضجعنا. وقد تغنى بودلير بشكل رائع بهذا الحب المنصرم في قصيدة مشهورة بعنوان "الشرفة" او "البلكون" (le Balcon) الحب المستحيل اذن، او المنخور من الداخل، او المهزوم سلفا، اصبح احد المواضيع الاساسية للحداثة البودليرية. وهنا تكمن الزحزحة الثانية التي احدثها في تاريخ الشعر الفرنسي عندما انتقل بنا من الحب الرومانطيقي الى الحب الاشكالي... في الواقع ان كل شيء اصبح اشكاليا في عصر الحداثة: الصداقات، العلاقات، المودات، العداوات... كل شيء اصبح يشبه الرمل المتموج، وذلك على عكس العصر التراثي الكلاسيكي الذي كان مطمئنا الى قيمه، وعاداته، وتقاليده. وكان يعتبرها نهائية، ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل. من هنا الاحساس بالهدوء والطمأنينة في ذلك العصر، والشعور بالقلق والهشاشة في عصر الحداثة. كل شيء متغير، متموج، عابر مؤقت، في عصر الحداثة. وما ان تنتهي الموضة او الموجة الجديدة حتى تحل محلها موضة جديدة، وهكذا دواليك... لشد ما تشيخ الاشياء، او ما اسرع ما تشيخ في عصر الحداثة! هذا اللهاث وراء الزمن، وراء لحظة الحاضر او المستقبل التي سرعان ما تصبح ماضيا، شيء جنوني يدوخ العقول. نعم ان الحداثة متعبة من سرعة التغير والتجدد المتلاحق. ولذلك ربط بودلير في تعريفه للحداثة بين عنصرين: العنصر المتغير او المؤقت والعابر، والعنصر الثابت او الخالد.وهكذا اعاد التوازن الى الحداثة التي كانت ستفلت من عقالها وتفقد بوصلة توجهها لولا ذلك. ولكن لا يمكن ان نصدق بودلير عندما يقول بان "الشعر ليس له أي هدف آخر غير ذاته. ولا يمكن لأي قصيدة ان تكون جميلة جدا، ونبيلة، وجديرة باسم القصيدة الا تلك التي كتبت فقط من اجل متعة الكتابة". فهذا ليس صحيحا، لان من يقرأ قصائده يعرف انها كتبت من اجل هدف آخر ايضا. فهو ليس من اتباع الفن للفن مهما تظاهر واطلق من تصريحات طنانة رنانة. وذلك لان قصائده تشهد بشكل لا يضاهى على البعد المأساوي للوجود البشري. هناك معنى يخترق قصائده ويتجاوز الجماليات الشكلانية للقصيدة، وهذا المعنى يتجسد في القلق، والالم، وعدم وجود أي منفذ للخلاص. فالانسان مدان في هذا العالم مهما فعل، والخطيئة الاصلية تلاحقه باستمرار، ولا يمكن ان يفلت من مخالب القدر او الظرف. هذه النظرة التشاؤمية، بل والسوداوية، تطغى على اشعار بودلير دون ان تقضي كليا على الامل بالخلاص في عالم آخر غير هذا العالم: عالم الاشعة والنور، عالم الابدية والخلود...

بداية الصفحة

حوار مع عبلة الرويني عن الشاعر أمل دنقل

بيروت مكتب "الرياض" من جهاد فاضل:

* ما الذي بقي من الشاعر المصري الراحل أمل دنقل، صاحب "لا تصالح" وسواها في القصائد الوطنية التي شاعت ايما شيوع قبل ربع قرن من اليوم؟ هل ما زال يُقرأ كما كان يُقرأ بشغف في الماضي؟ وهل هناك بين شعراء مصر الشباب اليوم مدرسة يمكن تسميتها بمدرسة أمل دنقل؟هذه هي بعض الاسئلة التي طرحتها على الباحثة والصحفية المصرية المعروفة عبله الرويني ارملة امل دنقل التي تعتبر "ان امل كان وما زال الصوت الشعري الاعلى في مصر الى اليوم. وكما بقي الكثير منه كشاعر، بقي الكثير منه ايضا كإنسان. بقيت مواقفه وشجاعته وجسارته وسطوع رؤيته ودفاعه عن الحرية وعن قيمة الانسان".وتنكر عبلة الرويني ان يكون امل قد انتهى كما انتهى عصر الالتزام الذي كان احد نجومه اللامعة قبل ربع قرن. "نحن جميعا كمبدعين ومثقفين ننتمي بشكل او بآخر لعصر الالتزام. ولكن امل لم يكن مجرد مثقف سياسي، وقصيدته لم تكن مجرد قصيدة سياسية، كما يقول بعض خصومه. انها شعر مكتمل الحيوية الجمالية ومكتمل الحضور الجمالي قبل كي شيء.."وهذا هو الحوار بين "الرياض" وعبلة الرويني.* ما الذي بقي من امل دنقل في نفسك وفي الادب والشعر في مصر على الخصوص؟ فيما يتعلق بالذي بقي من امل، كشاعر، اقول انه بقيت اشياء كثيرة. وكإنسان، ايضا بقيت اشياء كثيرة.ان انجاز امل دنقل الشعري يدل عليه. فبعد 17سنة من رحيله، استطيع ان اقول، وباطمئنان شديد، انه الصوت الشعري الأعلى في القاهرة حتى الآن، على مستوى تأثيره، وعلى مستوى حضور شعره، وعلى مستوى قرائه، على مستوى حتى الجدل مع قصيدته. فهو ما زال حاضر الصوت رغم غيابه الممتد 17عاماً.اما ما تبقى منه كانسان، فأنا اعتقد ايضا انه تبقى الكثير من مواقفه وشجاعته وجسارته وسطوع رؤيته، دفاعه عن الحرية، عن القضايا الوطنية، دفاعه عن قيمة الانسان. اعتقد انها كلها قيم ما زالت باقية فيه كانسان، وما زلنا نتمثلها ايضا.* الا تعتقدين ان امل دنقل مرتبط ارتباطا شديدا بعصر الالتزام العربي الذي زال اليوم؟ كان أمل جزءا من ذاك العصر بشعاراته، بصخبه، وضجيجه، بايديولوجياته الصارمة، فهل ترين انه قادر على ان يفلت من اسر ذاك العصر ليعبر الى عصرنا؟ لو ان امل كان مجرد شاعر يحكمه الشعار السياسي، لكان سقط منذ زمن بعيد. الالتزام السياسي ليس سبة لشاعر. الشعر والابداع هو موقف كما هو رؤية، موقف سياسي ووجودي وفكري. كان امل ملتزماً سياسيا، ملتزماً فكريا، وهذا جزء من قيمة شعره. ولكنه كان قبل كل شيء شاعرا موهبته الحقيقية في كتابة الشعر وليس كتابة البيان السياسي. هو شاعر له رؤية وله موقف سياسي. اما اذا كنت تتحدث عن الشعار السياسي، فهذه قضية اخرى. وفي رأيي ان امل شاعر كبير بالمعنى الجمالي، له موقف سياسي تقدمي واضح.واضيف اننا جميعا، سواء كنا مبدعين او مثقفين، ننتمي بشكل او بآخر لعصر الالتزام. جزء من تكويننا وعلى الاقل انا اتحدث عن نفسي هو خارج من هذا التكوين الفكري والنهضوي والسياسي الذي تربينا عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.* نشأت اسطورة في الذاكرة العربية الحديثة عن امل دنقل... انا لا احب ان تكون اسطورة. في الاسطورة معنى خيالي وامل دنقل كان حقيقة مجسدة، لكن ربما تكون الحياة الصعبة، والمرض، والدرامات الحياتية التي عاشها امل كشاعر كبير لا يمتلك حياة مادية تسمح له بمعيشة افضل، وكان ذلك اختياره، هو وراء مثل هذه الاسطورة التي تتحدث عنها. كان رجل مواقف حادة لا تقبل الاقنعة والزيف في مواجهة السلطات او في مواجهة القوى المضادة له شعريا. لم يكن يمتلك سوى موهبته. هذه الجسارة تحمل معنى بطولة اقرب الى الاسطورة، كما تذكر. بالاضافة الى دراما المرض بكل مفرداتها: لقد هاجمه المرض وهو في ذروة مجده الشعري وفي ذروة سنوات عمره. لقد توفي وهو في الاربعين من عمره. وقد ساعد كل ذلك في رسم صورة سمّها ما شئت: اسطورة، رومانسية، لكنها بالتأكيد كانت صورة واقعية تماما.* ذكرت في البداية انه كان الصوت الشعري الأعلى في مصر في عصره. كيف تصفين اذن حضور صلاح عبدالصبور واحمد عبدالمعطي حجازي وسواهما في ذلك العصر؟ ذكرتُ في البداية انه الصوت الاعلى شعريا الآن. الآن بعد غيابه بسبعة عشر عاما. اما في عصره، فكان صوتا حاضرا شعريا في حضرة شعراء متمردين وكبار كحجازي وصلاح عبدالصبور. الشاعر الكبير والموهوب يدل صوته عليه، ولا ينفي الآخر. حضور امل الشعري لا يمنع حضور الشعراء الكبار الآخرين. ولكن هذا جزء من المشهد الشعري. اما اذا كنت اتحدث عن حضوره الآن، فلأنني على ثقة بانه صوت شعري حاضر الآن اكثر قوة من الاصوات اللاحقة عليه.* وما هي دلائل ذلك؟ هل تستدلين على ذلك بالرسائل الجامعية والابحاث والدراسات، ام بغير ذلك ايضا؟ الرسائل والابحاث والدراسات بالطبع. ثم ان قصيدته عندما تُلقى في مكان عام تحدث تأثيرا واسعا. الكثير من الشعراء المعاصرين يكتبون قصائدهم متأثرين بقصائده وبلغته. شعراء كثيرون يهدون قصائد الى امل. شعراء شبان كثيرون يهدون اعمالهم الاولى الى فلان او الى فلان من الشعراء. شعراء كثيرون يعارضون قصائد امل، ويدخلون في جدل حاد مع صوته الشعري. ما زالت هناك معارك ضد امل دنقل وضد قصيدته. وكل هذه ملامح حياة وحضور.* ما الذي يقوله هؤلاء الخصوم عن امل وشعره؟ ما ذكرته انت حول قصيدة امل، وهي انها قصيدة سياسية ومباشرة الى آخر الكلام المعروف الذي لا يقرأ القصيدة جيدا. قصيدة امل ليست قصيدة سياسية، بالمعنى الذي يتحدثون عنه. هي قصيدة اولا، هي شعر مكتمل الحيوية الجمالية ومكتمل الحضور الجمالي، اضافة الى مواقفها السياسية والفكرية التي لا اتصور على الاطلاق ان هناك ابداعا خارج الموقف السياسي او الفكري، او الموقف من العالم.* وهل لأمل تلاميذ او مريدون بين شعراء مصر الشباب اليوم؟ لا استطيع ان ارصد هذا الامر بوضوح. ليس هناك شيء اسمه مدرسة، او جماعة لأمل. ولكن ربما تجد ذلك في قصائد متناثرة في كتابات بعض الاشخاص. قد تجد تأثيرا هنا، او تأثيرا هناك. لكن هل هناك "جماعة" لامل؟ من الصعب ان ارصد ذلك. ولكن من المؤكد ان امل دنقل تيار شعري هام جدا في القاهرة.* واين تلمسين مواطن النبض والحيوية في الشعر المصري في الوقت الراهن؟ من الصعب ان اتكلم عن المشهد الشعري المصري حاليا. قد يكون هناك ازمة على مستوى الابداع ككل، وليس ازمة على مستوى الشعر وحده. كثير من النقاد يدخلون في جدل الآن حول الشعر والرواية. نقاد كثيرون يقولون اننا في زمن الرواية وليس في زمن الشعر، الى آخر هذه التسميات. هناك اصوات كثيرة في مصر تكتب الشعر، ولكن، في نظري، لا يوجد شعراء. هناك شعر، ولكن ليس هناك شعراء..* يوجد شعر ولا يوجد شعراء، كيف؟ هناك كثير من الكتاب يكتبون الشعر. هناك عديد من القصائد، ولكن لا يوجد الشاعر بالألف واللام.. الشاعر الذي نستطيع الحديث عن جمالياته الشعرية، عن هويته الشعرية. عن صوته الخاص. سنجد دائما ان هناك اصوات آخرين، وامتدادات لآخرين، ومحاولات، وتجاوب. لكن كل ذلك لم يتبلور بعد في هوية نستطيع ان نقول هذا هو الشعر او الشاعر..

بداية الصفحة

كتاب جديد:
محاورة فكر عبدالله العروي



* "محاورة فكر عبدالله العروي" كتاب صدر حديثاً في بيروت عن المركز الثقافي العربي، وهو يتضمن مقالات باللغات العربية والفرنسية والانكليزية جمعها ورتبها بسام الكردي. والمقالات، ومعها حوار معمق مع العروي، تدور حول فكر مفكر ومؤرخ وروائي مغربي معروف يعتبر في طليعة الانتلجنسيا المغربية في الوقت الراهن. فكتبه جرى ترجمتها الى اكثر من لغة اجنبية، وقد باتت لفرط تداولها واعادة طبعها في هذا القطر العربي او ذاك، كتباً كلاسيكية بعضها قرر في المدارس مثل كتاب عن "تاريخ العرب". يبدأ الكتاب بحوار مع العروي ذاته، فيقول انه يمارس الرواية كما يمارس نقد المفاهيم: "انا اقوم بعمل تمهيدي ضروري لا يمكن الفهم والتفاهم بدونه، والكتابة التاريخية هي، في مرحلة لاحقة، توظيف للمفاهيم بعد تحليلها وتوضيحها لفهم الواقع الذي هو في الحقيقة واقع تاريخي، خاصة في مجتمع تقليدي كالمجتمع المغربي حيث الماضي حاضر في قلب الحاضر القائم. لذلك يتداخل البحث التاريخي والتحليل السياسي والاجتماعي والتوضيح الايديولوجي. منذ ثلاثين سنة وانا احاول ان افهم القارئ العربي ان الايديولوجيا كمضمون ليست هي الايديولوجيا كمادة بحثية". وحول اعماله النقدية، يقول العروي انه يحاول ان يكون متجرداً غير منتمٍ لبلد او لثقافة او لعقيدة معينة: "اذهب الى حد ان اريد ان يكون كلامي وكأنه صادر عن شخص اجنبي تماماً على هذه المشاغل. لكنني اعلم ان هذا موقف نظري بحت، مفترض ان لم اقل مفتعلاً. اعلم اني بوقوفي هذا الموقف اسهو عن جانب من ذاتي فأعود لأصفه بوسيلة اخرى، بأسلوب متميز خاص به، هو الاسلوب الادبي". ويتحدث عن المثقف العربي، فيرى "ان المثقف عندنا يعيش في عالمين منفصلين. يواجه يومياً مظاهر التخلف واللامعقول وهي كلها مظاهر تدل على عدم استيفاء شروط الحداثة في مجتمعنا، يتألم منها ويتشكى، لكنه عندما يكتسب فإنه يبقى سجين المرويات والمقروءات، فيفعل كما لو كان يعيش في مجتمع متقدم. كما نلاحظ ذلك في بلاد الشرق، في مصر ولبنان، ونتعجب منه، فإذا بنا نلاحظه. اليوم في المغرب كذلك". أما مشكل المرأة فلا يزال قائماً رغم ان المجتمع يتقدم. مشكل المرأة عنده يهم المجتمع ككل. يهم المثقفين بصفة خاصة، ولو ان الكثيرين لا يدركون ان قضية المرأة في العمق هي قضية الاسرة والحياة الزوجية والتربية العائلية. وقد تبارى كثيرون، في الكتاب، في محاورة فكر العروي. الدكتور عزيز العظمة قال ان من غير الممكن "اغفال الاضمار والابهام" في مقال عبدالله العروي. ليس ثمة شك البتة في ان شفافية هذا المقال، ووضوح مقاصده، وجلاء مقدماته، وانعكاسه ضوابطه النظرية على تسلسل اقواله ومقالاته، ترجع من ناحية الى ممارسة فكرية وثقافية غير مسؤولة وسط بيداء من الغبطة وانعدام الانضباط تعيش فيها الثقافة العربية المعاصرة: ممارسة منعكسة على مسلماتها، داعية بها وبصلتها بنتائجها، متشبعة كلاً من افكارها الى مداها، واعية ابعادها النظرية وخياراتها ضمن ميدان واسع وثري من المعارف النظرية والتاريخية والتفطن الثقافي والسياسي الراهن. ان الشفافية التي تسم مقال العروي مشروطة بحضورجميع عناصر المقال، مسلمات ونتائج، مجتمعة متزامنة حضور كلية التاريخ في موضع اكتماله. ويصف الدكتور محمد عابد الجابري كتابة العروي بأنها "كتابة مكثفة ملغومة تستلزم من القارئ العادي قراءتين على الاقل: قراءة فهم واستيعاب، وقراءة تفكير وتأمل. ومن اجل ان يتمكن الذين لم يقرأوا العروي بالمرة، او قرأوه قراءة سريعة، من تتبع هذه المناقشة، لابد من الاحاطة بالمشروع الايديولوجي الذي يقترحه". ومما ذكره الجابري في بحثه، يتضح ان المشروع الايديولوجي الذي يدعو اليه العروي، يهدف الى امداد المجتمع العربي بمفاهيم النفعية والليبرالية والتاريخانية وجعلها تتركز وتسود على غيرها من المفاهيم. أما الدكتور سعيد بنسعيد العلوي فيعتبر ان كتاب "الايديولوجية العربية المعاصرة" للعروي، واحد من المؤلفات الجادة القليلة التي كتبت خلال العقدين الاخيرين في موضوع الفكر العربي المعاصر. "ولعل جدّيته تأتي من كون الكتاب استطاع ان يفلت من عمل التاريخ والتصنيف للفكر العربي منذ عصر النهضة"، ليصبح بالفعل تأملاً وتفكيراً في تلك النهضة ذاتها: بين ما كان منتظراً منها ومأمولاً فيها وبين ما انتهت اليه بالفعل. وهذا يعني ان الكتاب استطاع ان يكون "محاولة نقدية"، اي انه استطاع ان يرقى من مستوى التاريخ الى مستوى التفكير النقدي. فحيث يتخذ عمل التاريخ طابع الجرد والاحصاء للتيارات والمذاهب المختلفة، يسعى عمل التفكير النقدي لكي يكون على العكس من ذلك وعمل تساؤلات ومراجعات مستمرة لأوجه النظر المعروضة امامه". ويعرض الدكتور كمال عبداللطيف، من أساتذة جامعة محمد الخامس بالرباط لبعض دراسات عبدالله العروي، فيرى ان هذه الدراسات تتميز بغناها النظري وكفاءتها التركيبية وهندستها المرتبة في إطار من الاحكام والتناسق، اضافة الى استثمارها لمعارف ومعطيات ووقائع مقارنة لا حصر لها. وفي بعض ما كتب تتجلى ملامح نظام الفكر الاسلامي في العصر الوسيط، وذلك من خلال مراجعة مستندات الى ثلاث مرجعيات: العقلانية اليونانية، فكر النهضة الأوروبية، ترات الاسلام في ابرز تجلياته ومظاهره، وكل ذلك انطلاقاً من مقارنة واقع العالم العربي خلال هذا القرن، ومقارنة اوضاعه مع تاريخ أوروبا الحديثة والمعاصرة، أي أوروبا في زمن الحداثة بمختلف مكاسبها. ويضيف كمال عبداللطيف الى منطق التماسك في النص عند العروي، حماسة الدعوة الرامية الى اصابة اهداف بعينها. كما يرى ان الجهد الذي بذله العروي في ابراز حدود ومحدودية الآثار الخلدونية، يلتقي في نتائجه العامة مع جهد محمد اركون في المحاضرات. التي تناول فيها موضوع "الاسلام والحداثة". فقد وضّح اركون استحالة الاستنجاد بالرشدية ومشروعها في تعقل الظاهرة الدينية في العصور الوسطى الاسلامية، ذلك ان الإطار المعرفي للحداثة يقطع كليةً مع المنظور الديني ويؤسس افقاً آخر من العقلانية والمعقولية بالاعتماد على تاريخ جديد. من هنا ضرورة القطعية والتجاوز. فالرشدية لحظة امتياز فكرية في إطار عقلانية العصور الوسطى، لكنها لحظة مغلقة على تاريخ مضى، تاريخ تجاوزته انظمة المعرفة الحديثة. آخرون كتبوا عن العروي في الكتاب منهم هادي العلومي وناجي علوش وعبدالقادر الشاوي وعبدالحميد عقار وجورج لابيكا وحسن عرفاوي. والكتاب بمجمله عبارة عن تحية حارة لمفكر ومؤرخ وروائي مغربي بارز. نايف الربيع

بداية الصفحة

البقشه البُقجه



* معروفة عند أهل نجد أنها بضم الباء وسكون القاف وسكون الجيم صرة الألبسة التي عادة بجملها المسافر، وذلك قبل استعمال حقائب السفر المعروفة، وتأتي الهدايا التي هي عبارة عن قماش أو ملبوسات في "بقشه" وكانت كلمة "بقشه" إلى عهد قريب تعنى ظرف الرسالة.الكلمة من الدخيل التركي كما تتفق معظم المراجع وأصلها التركي "بوغجه".وطرأت في ذهني كلمة انجليزية تقترب منها لفظاً ومهمة: وهي كلمة باكيج PACKAGE.عبدالعزيز محمد الذكيرaalthukair @ hotmail. com

بداية الصفحة

أسبوع ثقافي باكستاني بالرياض في شوال

كتب أنس البراهيم:

* ينظم مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالتعاون مع السفارة الباكستانية في الرياض الأسبوع الثقافي الباكستاني خلال يناير 2002م (شوال 1422ه) في مركز الخزامى في الرياض ذكر ذلك ل "الرياض" الأستاذ صالح الخريجي الذي أشار إلى أن رئيس اللجنة التنفيذية للمعرض يحتوي الفعاليات والجوانب التالية:* عرض ل (56) صورة زيتية تمثل المملكة العربية السعودية، وأفراد الأسرة المالكة السعودية وأحداث في الشرق الأوسط رسمها الفنان الباكستاني جالينوس.* معرض الكتاب الباكستاني حيث سيشارك ناشرون باكستانيون بكتب عربية واردية وإنجليزية نشرت في باكستان.* فعاليات ثقافية متعددة تشمل نشاطات ثقافية باكستانية متنوعة في مجالات السياحة والنشر والتقنية.. الخ.* محاضرات عن الثقافة والحضارة الباكستانية، والسياحة في الباكستان.والتعليم العالي في الباكستان.

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم