اكتب لنا اكتشف مواقع الرياض عناوين الرياض اليوم الأرشيف بحث الرئيسية
Thursday 30 August 2001 No.12120 Year 37 الخميس 11 جمادى الثانية 1422 العدد 12120 السنة 37
مواضيع الصفحة
الأمير خالد الفيصل يرعى افتتاح برنامج تكريم دار سعاد الصباح للأمير عبدالله الفيصل
سموه: الأمير عبدالله الفيصل خير من يمثل الحركة الأدبية والثقافية في المملكة


عذاب البداية.. والنهاية!

رامبو والصراع القاتل مع الذات

الشريك الوهمي

"الفيصل" تصدر ملحقاً خاصاًعن الأمير فهد بن سلمان

جناية د. صلاح فضل على أمير الشعراء شوقي!

يد الشاعر

كتابة أنثى التسعينات ترفض التصنيف النوعي والجيلي
ميرال الطحاوي: لم تعد الكتابة أسيرة صالونات نساء يتجملن بالثقافة


تلقي كتب (اللحن) والتطور اللغوي

بيت القرآن .. معلم حضاري متميز على أرض البحرين

حركة النقد النسوي حيث ولدت في غرفة فرجينيا وولف

أشجان عربية

في أول ترجمة عربية كاملة يوقعها الدكتور أبوالعيد دودو
"الحمار الذهبي" لأبوليوس يبعث من منبته الأصلي


الدكتورة فاطمة موسى تقوم بترجمة رواية إبنتها
أهداف سويف "خارطة الحب" إلى العربية


القضاء عند البدو

بيتي فور

الأمير خالد الفيصل يرعى افتتاح برنامج تكريم دار سعاد الصباح للأمير عبدالله الفيصل
سموه: الأمير عبدالله الفيصل خير من يمثل الحركة الأدبية والثقافية في المملكة

أبها ـ سعد آل حسين، نافع النافع، د. محمد المدخلي:
تصوير ـ أحمد الفردوسي:


* رعى صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير رئيس مجلس إدارة مؤسسة الفكر العربي وبحضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد العبدالله الفيصل وأصحاب السمو الملكي الأمراء افتتاح برنامج تكريم دار سعاد الصباح لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل تقديراً لإبداعه الشعري وعطائه الثقافي وذلك صباح يوم أمس الأربعاء بفندق قصر أبها بأبها الجديدة.

وفي بداية الاحتفال ألقى الدكتور عبدالله المعطاني أستاذ النقد العربي بجامعة الملك عبدالعزيز مقرر لجنة التكريم كلمة رحب فيها بصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل وأصحاب السمو الملكي الأمراء وقال:

هذه الكوكبة المشرقة جاءوا إلى أبها الحالمة ليقلبوا صفحات مضيئة في حياة عبدالله الفيصل الحافلة بالعطاء الإبداعي والتدفق الفكري رمز الريادة الأدبية والثقافية والرياضية والإدارية وأضاف المعطاني:

أعلن بداية فعاليات ندوة عبدالله الفيصل (الشاعر الإنسان) على شرف سموكم الكريم. هذه الندوة سوف تتضمن ست جلسات نقدية شعرية منها ندوة نسائية. سوف تختتم الندوات بحفل تكريمي يحتفى فيه بصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل من قبل دار سعاد الصباح تقديراً لإبداعه.

عقب ذلك ألقى معالي الأستاذ حسين عرب قصيدة شعرية ثم تفضل صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل بمصافحة معاليه كما رحب أيضاً بجميع ضيوف الافتتاح وتمنى لهم طيب الإقامة في مدينة أبها.

ثم أدلى صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بتصريح قال فيه:

أولاً أتقدم بالشكر والتقدير إلى دار سعاد الصباح على هذا التكريم وعلى اختيار أبها لهذه المناسبة الكبيرة.

وأحب كذلك أن أتقدم بالشكر والتقدير لأخي صاحب السمو الملكي الأمير محمد العبد الله الفيصل الذي يُعد صاحب الفضل الأول في تنظيم هذا اللقاء وهذا العرس الكبير في هذه المدينة الجميلة.

وأحب أن أهنئ سيدي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل على هذا الاعتراف بالفضل من مثقفي العالم العربي لريادته الكبيرة في عالم الثقافة والفكر والرياضة.

اسم عبدالله الفيصل كبير ومهما عملنا من التكريم فلن نصل إلى إعطائه حقه. ولكن لا شك أنها خطوة كبيرة وجميلة وتستحق التقدير منا لدار سعاد الصباح. وكذلك أود أن أشكر كل الإخوان الذين يساهمون هذه الأيام في هذه الندوة بكلماتهم وتحليلهم وإثرائهم للكتاب الكبير في عالم الأمير عبدالله الفيصل الثقافي.

الشكر كذلك للمنظمين وللصحافة التي حضرت وغطت وسوف تستمر معنا إلى آخر يوم في التكريم.

وأقول لهم جميعاً كل عام وعرسكم أبها.

وأضاف سموه الكريم:

لا شك أن هذا التكريم الذي جاء من خارج الوطن نعتز به، لأن أي تكريم من داخل الوطن ربما يكون فيه نوع من المجاملة ولكن عندما يكون من خارج الوطن فهو اعتراف من العالم لهذه الشخصية وللأدب السعودي لأن الأمير عبدالله الفيصل هو خير من يمثل الحركة الأدبية والثقافية في المملكة العربية السعودية لأنه من روادها. ومساهمته لم تكن بقلمه فقط وإنما ساهم بماله وجهده وفكره ومساعدته لكل مثقف وأديب. من المملكة العربية السعودية

وعقب ذلك بدأت الجلسة الاولى بعنوان (عبدالله الفيصل ورجل الدولة) بمشاركة كل من الدكتور بكري الشيخ امين ومعالي الاستاذ حسين عرب والدكتور عبدالرزاق ابو داوود والاستاذ سليم النصار والاستاذ عبدالله القصبي والاستاذ محمد القدادي.

ويدير الجلسة الدكتور عبدالله العثيمين.

قدم الندوة الدكتور عبدالله العثيمين ورحب بالضيوف وبالشاعر المحتفى به الأمير عبدالله الفيصل الذي هو قامة شعرية لاتضاهى وقد تحدث معالي الاستاذ حسين عرب عنه فقال الأمير عبدالله الفيصل صديق واثر حوالي خمسين سنة مع الأمير عبدالله وهو شخصية واحدة ذات جوانب متعددة.

1ـ وقد كان نافذاً في كل شي.

2ـ وكان يحضر حفل السباق للخيل.

3ـ يتطلع الى تشجيع الحركة الرياضية في المملكة وكان راعياً للفرق الرياضية.

وكان منزله محلاً للتشجيع من جيبه الخاص.

نظم كأس الملك واستقدم بعض الاندية والمسابقات من خارج المملكة للمباريات مع فرق السعودية.

4ـ برز شاعراً من الشعراء الكبار وأصدر ديوانه الاول 1373هـ وديوانه الثاني بعد عشر سنوات واثبت تفوقه في الشعر وتناوله النقاد والادباء وحصل على جوائز غالية من فرنسا جاك شيراك وفي مصر ولديه مكتبة كبيرة.

ويخصص وقتاً جاداً للقراءة.

5ـ كان يتكلم امام جده ووالده واخوانه والشعراء الكبار ويقرر المعارك وكان يستلهم مثل الشعراء القاضي وابن سبيل.

6ـ شخصية اجتماعية متميزة محبوبة من عامة وخاصة الناس فهو يتحدث بكل لباقة واحترام.

7ـ وهو صاحب سلطة ـ فهو نائب لوالده في الحجاز ووزير للصحة والداخلية معاً هادئ لا يغضب ومعاملته الحسنة مع موظفيه وكنت من جيل الأمير عبدالله الفيصل وتخرجت معه في مكة وقد أنشئت كل الخدمات الحكومية في عهده في الحجاز ثم تكلم انه انضم تحت خدمة سموه في العمل الحكومي مدة طويلة.

ثم تحدث عن حياة الشاعر في الرياض وان مجلسه كان عامراً بالضيوف وصدره منشرحاً ويحدثهم عن كل امر فيه فائدة فهو علم ابن علم ابن علم ابن اعلام.

فهو شاعر وروائي ورياضي وديمقراطي امده الله بالصحة والعافية.

ثم تحدث الأستاذ سليم نصار صحفي لبناني كان يعمل لمجلة الصياد ثم مجلة الشباب ثم بدأ بالكلام عن عسير وخاصة عن فؤاد حمزة الذي له كتاب يحمل الاسم رحلة في بلاد عسير، وتنقل في الاحتفال الثقافي "ابها" عاصمة ثقافية سياحية حيث بدأ بدورة الصداقة والتي تحمل اسمه الشاعر عبدالله الفيصل ويختتم بتكريم سموه الشعر قيمة ادبية مطلقة لايمكن ان تساوم ولكن بمجرد الاعتراف بالاداب الراقية وبهذا لا يمكن ان ينحصر الشعر في عصر العولمة، والشعر عند عبدالله هو الحب الرومانسي والضياع والتناقض والمعاناة ومن هنا يرى النقاد انه صور غربة الانسان وقد ولدت اشعاره حركة شعرية رومانسية جديدة، وتجاربه في العمق في زمن المتناقضات حاول ان يحافظ على النبطي والفصيح وبه الشاعر والتاجر. واخيراً بقى ثابتاً على نموذجه ولم ينصع للحداثة المعاصرة، ورغم ان ديوانه قد سرق ثم اعفى عن سارقه بعد اقتناعه بمبررات السارق.

ينتابني شعور، ونحن في هذا الموقف الكريم، أنّا في مجلس نحس فيه بالخشوع، وتنزل الرحمات، وفيض البركات، وما ذلك الا لأنّا نمتثل امر الله تعالى في قوله: {هل جزاء الاحسان الا الاحسان؟} وفي قوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم}.

نجتمع هنا لنقول جميعاً ـ ونحن نمثل جزءاً من الامة العربية من محيطها الى خليجها للأمير عبدالله الفيصل: بارك الله فيك، وجزاك عنا جميعاً، وعن اللغة العربية، والشعر الرائع البديع خير الجزاء، وأمد في عمرك، وزادك عطاءً وخيراً وفضلاً.

أيها السادة الكرام!

منذ عهد بعيد كتب الأمير عبدالله الفيصل في مقدمة ديوانه "وحي الحرمان": "أنا لا احب التدليل على شعور تكمن وراءه غاية، ولا تكريم يكون وسيلة الى شيء ما".

ونحن نقول لسمو الأمير: ما جئنا الى عسير، هذه الجنة الوارفة الظلال لنشهد ـ مع سمو الأميرة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعاد الصباح ـ الا بالحق، والا لنقول كلمة الصدق، ونعلن للملأ، وعلى رؤوس الاشهاد، وفي اعلى المنابر: انا نكرمك لذاتك، ولخلقك، ولانسانيتك، ولشعرك المرهف، ولخدمتك لوطنك، ولبنائك المؤسسات الخيرية التي رفعت لواءها في العالم، ولوقوفك مع الشباب كل حياتك، ومد يد العون لهم في كل مجال، فأنت تستحق عن جدارة كل تكريم، غير ناظرين الى المركز الخطير، والنفوذ الكبير، والمال الوفير.

نحن من الدعاة الى ان تكرم كل امة اولي الفضل فيها، تقول للمحسن فيها: احسنت، وتقول للمسيء فيها: أسأت نحن نجل ساعة يكرم فيها الكرامُ الكرامَ.

إن امة تفعل مثل هذا الصنيع امة جديرة بالحياة، وبكل مفخرة وتعظيم، وان امة تتجاهل تقدير علمائها، وتعظيم مبدعيها، وتتفرد بتكريم كبرائها، واغنيائها وحدهم امة منخورة، لا تستحق حياة ولا احتراماً.

أيها السيدات والسادة الكرام!

عرفت شاعرنا الأمير عبدالله الفيصل منذ اكثر من عشرين سنة، كنت ازوره مصحوباً تارة بالعالم الكبير معالي الدكتور منير العجلاني، امد الله في عمره، وتارة بصديقه المرحوم محمد حسين الاصفهاني، ومرات وحدي. وفي كل مرة كنت اخرج كما كان يخرج زهير بن ابي سلمى من مجلس هرم بن سنان محملاً، مزملاً، موقر الاحمال، حتى لقد كدت اهم بالانقطاع عن زيارته، كما هم زهير قبلي بعدم السلام على هرم، وهو يقول: خيركم استثنيت.

كان ديوان الأمير الشاعر "حديث قلب" يُطبع اول مرة في مطبعة الاصفهاني، ودفعني الفضول الى ان اطلع عليه قبل ان يخرج الى الناس، ولفت نظري تقصير في صف بعض كلماته، وفي رصف بعض ابياته، وبينت للشيخ الاصفهاني ما وقفت عليه، ونقل هو بدوره ما قلت للأمير الصديق، وجاء الاذن الغالي.

وتكررت اللقاءات، ومع كل لقاء كان يضفي عليّ من المحبة ما يدفعني الى تقديره والإعجاب به اكثر واكثر، ويزيدني فيه تقديراً تواضعه الجم، وخلقه العالي، وأدبه الرفيع.

وتكررت المجالس واللقاءات الأميرية مع طبع ديوان الشاعر المرحوم "حمزة شحاته" هذا الرجل الذي اختار مصر وطناً ثانياً، ومهجراً كريماً، ومات وديوانه موزع في الصحف والاوراق وفي صدور بعض المحبين والمعجبين. وحمزة شاعر من البلد المقدس الحرام، وشعره شعر فحول وعمالقة، وضياعه ضياع ثروة وطنية لا تقـدر بثمن.

وأدرك الأمير الشاعر، بصادق حسه ووعيه، قيمة هذه الثروة الوطنية والانسانية، والخسارة التي تخسرها المملكة ان لم يجمع ديوان هذا الشاعر العملاق، ولم يحتج هذا الامر الى مشاورات واستخارات، فشكل لجنة من الباحثين تستجمع تراث حمزة، وأرسل البعوث الى مصر، وزودهم بما يحتاجون، وبكل الطاقات والامكانات، وكان المرحوم العالم الفاضل محمد علي المغربي على رأس هذه اللجان.

وتشرفت بالوقوف على طبع الديوان، وكان عملاً في غاية الصعوبة، لأن كثيراً من هذا المجموع كان فيه غير قليل من الخلل والاضطراب والنقصان، ومع ذلك فقد خرج الديوان على صورة لا بأس بها الى حد ما، وكنت أبين لسموه ما ألقى من صعاب، فكان خير مشجع، وخير معين.

وإن أنءسَ لا أنسَ يوم كان كثير من الدارسين والباحثين في الأدب السعودي، وغير السعودي، يؤمون دارته، ويشرحون له عملهم، ثم يشيرون باستحياء برغبتهم في طبع نتاجهم. ويشهد الله اني ما رأيت أحداً خرج الا مجبور الخاطر، مطمئن البال. وتلك فضيلة عرف بها آل فيصل، والاسرة السعودية المالكة بوجه عام. ويشهد على ما اقول بعض ممن يستمع الآن الى كلامي هذا.

أيها السادة الكرام..

ما قصدت بكلمتي هذه مديح الامير عبدالله الفيصل، واعرف انه لا يحب المديح، ولا الاطراء، وهو غني عن المديح والاطراء، وانما هدفت الى وصف ما رأيت، وعشت، وسمعت، بل ربما هضمته حقه، ونقصت شيئا كثيرا وكبيرا من مواقفه واياديه، فلقد قام في عهد جده المؤسس، وابيه العظيم، واعمامه الكرام، ثم في هذا العهد المبارك الميمون بأعمال كثيرة وجليلة في خدمة وطنه الحبيب، وامته العريقة الماجدة، والشعوب الاسلامية، والمؤسسات الخيرية، والنوادي الرياضية، والمنتديات الادبية، وعون كثير من الافراد.

تلك الاعمال لا تزال مطوية عن اعين الناس واسماعهم، وما تنفقه يمينه لا تدري بها شماله، ولا يعرف احد عنها القليل ولا الكثير، لكن المصادفات هي التي تكشف احيانا عن اياديه المجهولة، وقد قام بها حسبة لوجه الله، لا يبتغي من ورائها جزاء ولا شكورا، ولا ليقال عنه: انه عمل كذا، او دفع كذا، او اعطى كذا، او فعل كذا.. واكبر شاهد على هذا انه يتكتم في الحديث عن نفسه في كل المقابلات التي يجريها، او يسمح بها.

أيها السادة الكرام..

عبدالله الفيصل رجل عاش حياته في حب، اخذ واعطى، استقى وسقى، تضلع من الحب حتى الثمالة، وانتشى برحيقه الى ابعد الحدود.

هذا الحب بدأ مع حليب امه سلطانة السديري، ومع حنان جده الملك عبدالعزيز، ثم مع رعاية ابيه فيصل العظيم، ثم مع اسرته الكبيرة من آل سعود، ثم مع اترابه واصحابه، ورفاق عمره ودربه الطويل.

وحين استوى، واشتد عودا، راح ينضح بما تضلع وارتوى، احب جده، واباه، واخوته، واعمامه، وابناء اعمامه، ثم التوى نحو الصحاب، ورفاق الدرب، ثم فاض اكبر واكبر، فاذا هو ينحني على الوطن بكل ما ضم واحتوى.

أيها السادة الأفاضل..

ان مفتاح شخصية الأمير عبدالله الفيصل قد لا تظهر في مجلس او عدة مجالس، ولا في لقاء، او حديث، او تصريح، انما تظهر واضحة جلية في قصائده المنظومة شعرا فصيحا وشعرا شعبيا نبطيا.

في الاربع والتسعين قصيدة غزلية في "وحي الحرمان" وفي "حديث قلب" تتجلى شخصية الامير عبدالله الفيصل بأوضح ما يكون التجلي والوضوح، ثم تضاف اليها قصائد الاستغفار والابتهال، وقصائد مخاطبة شباب البلاد، والحديث الى ملك المغرب وشعبه، ورثاء الوالد الشهيد.

اقرأ ما شئت ان تقرأ في دواوينه، فلسوف تتراءى امام عينيك آثار الثقافات العريضة، ولسوف ترى نجدا والحجاز، ومصر وبلاد الشام، والشرق والغرب، والماضي والحاضر، ولسوف تلمس القداسات والطهارات، وتحس بالمروءات وكرائم الاخلاق، ولسوف ترى الملوك والشعوب، والحكام والمحكومين، والحبيب مع الحبيب، والفجر مغموراً في ضوء القمر، ولسوف ترى عبدالله الفيصل امة في رجل، وتاريخا في انسان.

ولو دققت اكثر لرأيت الشباب، والجاه، والمال، والسلطة، والطهر، والاصالة، والعنفوان، ورقة العاطفة، والقلب الخافق، والعين التي تعشف الجميل والجمال، والرجولة بكل معانيها ومفرداتها.

لسوف تجد شخصية عبدالله الفيصل التي تحدث عنها المؤلفون والكاتبون، ووقفوا على الشواطىء والسواحل، ولم يستطيعوا ان يبحروا فيها الى الاعماق والامواج العالية الكبيرة.

في كل قصيدة ملامح وايماءات واشارات الى هذا الجو الواسع العريض.. مرة ترى نفسك في قلب الاندلس رفيقا للشاعر احمد شوقي تشاركه آلام المنفى، وتخاطب معه نائح الطلح او ناعس الطرف، ومرة ترتد الى ارض الجاهلية فترى امرأ القيس الذي بكى واستبكى، ونابغة الذي طلب من ابنته أمامة ان تكله لهمه الذي اقض عليه المضاجع وحرك المواجع، ومرة تجده رفيقا لعمر بن ابي ربيعة يتغزل بالحسناوات او يتغزلن به، ومرة تراه رفيقا للشريف الرضي يخاطب معه ظبية البان التي ترعى في خمائله، وليس يرويها إلا المدمع الباكي، ومرة يقف مع مهيار الديلمي يفتخر بالحسب والنسب واتباع دين خير نبي، ومرة يتراءى لك المتنبي وهو يخفي بكاءه كما يخفي حبه لخولة الحمدانية الحلبية، او تجد ابا عبادة البحتري تترقرق على شفتيه اعذب المناجاة وارق الاناشيد، لكنك مع هذا كله لا تفارقك المعالم الاسلامية، والتعاليم الدينية اذ تجدها فوق كل سطر، رفيقة لكل بيت، دون ان تقرأها حروفا، او تلفظها كلمات.

فالشاعر، رغم انتسابه الى اسرة ملكية، ورغم شبابه، وجاهه، وماله، ورغم قدرته على الوصول الى كل ما تشتهيه النفس، وتلذ العين، محجوز بالدين، مسلسل بالفضيلة، محبوس عن كل ما يشين امثاله، ويشين الرجل المسلم، بله الامير السعودي، والشاعر المرموق.

أيها السادة الكرام..

الحب في شعر عبدالله الفيصل له مذاق خاص، وطعم متميز، فيه روح الشباب، وعنفوان الرجولة، ورغبة الذكر بالانثى، وفيه ما في كل حب، من قلق، وشك، ووصال، وهجران، وألم، وعتاب، ونجوى، وسهد، وما الى ذلك من سمات.

واذا كانت معظم قصائد الشاعر مبلولة بالدمع، غارقة بالالم والعذاب، طافحة بالشكوى والانين، ان ذلك شأن كل حب صادق في هذا الوجود، ولكنه لم يهبط بصاحبه الى مستوى التذلل والخنوع، كما هو الشأن عند كثير من الرومنسيين.

لقد بكى عبدالله الفيصل في قصائد كثيرة، لكن بكاءه بكاء الرجال الاصحاء غير المرضى، بكاء اصحاب القلوب الرحيمة والكبيرة.

ولقد بكى النبي محمد ~ عند موت ولده ابراهيم، وبكى امرؤ القيس واستبكى، وبكى الشريف الرضي وكان يسرق الدمع في الجيوب حياء، وبكى ابو فراس حين اضواه الليل، وبكى العباس بن الاحنف حين مر به سرب القطا...

اذن، فلا غرابة ان يبكي عبدالله الفيصل حين يجفو الحبيب، او حين يشيح، او حين يهجر، او حين يستغفر الله، او حين استشهد ابوه.

في الختام ايها السادة نقول:

إن الحديث عن شخصية الامير عبدالله الفيصل تستوجب منا الكثير الكثير من التحليل والتفصيل، وهو جدير بكل تحليل وتفصيل، لكن المقام هنا لا يسمح الا بالرمز والاشارة، ويكفي ان نقول: ان هذا الشعر الانيق دفع كبار المطربين في العالم العربي ان يغنوا كثيرا منه، ليسحروا آذان الناس، وقلوبهم، بالكلمة المجنحة، والصورة الانيقة، والمعنى الرائع البديع والعسل الفيصلي المصفى.

هذا وسيقام الحفل الختامي للتكريم مساء يوم الجمعة القادم حيث سيتم القاء عدد من الكلمات كما سيتم توزيع شهادات التكريم كما سيتم توزيع الكتاب الوثائقي على الجمهور.

وبرنامج الندوة على النحو التالي:

برنامج الجلسات

* الخميس 1422/6/11هـ الموافق 2001/8/30م

10ـ 12صباحاً ـ (عبدالله الفيصل صوت الإبداع الشعري).. (قراءات شعرية من إبداع الأمير عبدالله الفيصل (الشعر الفصيح)

المشاركون: أ.د. يوسف بكار ـ الأردن، د. جريدي سليم المنصوري ـ السعودية، الاستاذ حسين بافقيه ـ السعودية.

12.30ـ 2ظهراً ـ قراءات نقدية في إبداع الأمير عبدالله الفيصل (الشعر الشعبي)، المشاركون: د. عبدالله المعيقل ـ السعودية، د. عبدالله محمد الحميد ـ السعودية، الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي ـ السعودية، يديرها: د. سعد الصويان ـ السعودية.

6ـ 8مساء (قراءات شعرية من إبداع الأمير عبدالله الفيصل "الشعر الشعبي " إلقاء) .. المشاركون: الاستاذ ياسر الروقي ـ السعودية، الاستاذ بندر الدوخي ـ السعودية، الاستاذ علي المفضي ـ السعودية.

بداية الصفحة

عذاب البداية.. والنهاية!

حنا مينه

* في رأي بعض الباحثين، عند الكلام على "الأدب والعلوم الانسانية" "أن الصورة الفنية متعددة الحدود، متعددة المعاني، ليس لها تحديد دقيق، واحد حاسم، يمكن قياسه بعدد، والتعبير عنه بصيغة، لكن هذا لا يعني ان الفن هو مملكة المصادفة والذاتية".ويقول أ.م. فوستر "نقلا عن كتاب "بناء الرواية"لأدوين موير ترجمة ابراهيم الصيرفي يقول "لا أرى داعيا لارتباط الرواية بوجهة نظر واحدة، حسب الروائي أن يثب بنا الى الاقتناع بشخصياته، وأن يقدم لنا الحياة.. لأن الحياة تعطينا الرواية".لكن كيف نقدم الحياة التي تعطينا الحياة؟ بالمصادفة؟لا! بالذاتية الأدبية؟ لا! بتعدد وجهات النظر، من حيث الموضوع، في الرواية الواحدة؟ لا ايضا! قد تكون الصورة الفنية متعددة الحدود، متعددة المعاني، هذا صحيح، الا ان علينا، عند كتابة الرواية، ان نلملم هذه الحدود، التي فلشناها في البداية، عندمات نصل إلى النهاية، وان نعرف كيف نضم المعاني المتعددة، لا بمعنى واحد، بل بدلالة هذه المعاني كلها، اي بما تريد الرواية أن تقوله، وهذا يقتضي، في حدود رأيي، التخطيط المسبق للعمل، كيلا نتوه، في تطور سياق الرواية، بين المعاني المتعددة نفسها، فنهمل معنى، في منتصف العمل، ونتابع الشغل على غيره، أو بتعبير آخر، ان نهمل هذه الشخصية، وندعها مبتورة،ونواصل رسم الشخصيات الأخرى على حسابها.الحياة تعطي الرواية، هذا لا خلاف عليه،لكن السؤال يبقى، كيف نصنع، من هذا الذي اعطتنا، اياه، الحياة رواية، تعود بدورها فتعطينا حياة أخرى؟ الفن لا يأخذ الأشياء جاهزة، وحتى العالم من حولنا، لابد من تفكيكه، هدمه، وبناء عالم آخر على أنقاضه، هو العالم الفني الذي يبدعه الفنان، وفي عملية الهدم واعادة البناء، لابد ان نحذر العشوائية، وأن نسير على هدى، لا بمعنى اخضاع كل شيء لارادتنا، بل بمعنى عدم خروج كل شيء عن ارادة الذات الابداعية، التي هي، في المآل، ارداتنا نحن الذين نصوغ حياة من حياة، حياة فنية من الحياة الواقعية، التي تعطي الرواية، وكل الأجناس الأدبية والفنية، مقوماتها الأولية، وبدقة: خاماتها!بالنسبة لي، وكما اوضحت في المقال السابق، اميل الى التخطيط المسبق للرواية، إلى الوضوح غير المسطح، كيلا يكون الغموض، او الابهام، تعمية، باسم الحداثة أو غيرها، وقد قال الناقد الكبير علي الراعي، في مقالة بعنوان "الناقد والمبدع مايلي: "علينا ان نحذر ان يتحول الغموض الطبيعي الى إغماض متعمد، وعلينا بصدد هذا الغموض الطبيعي ان نطلب الى المبدع أن يطلق عليه بعضا من النور، يعين على فهم هذا الغموض، فتقر أرواحنا وأفهامنا حينما نتبين ان الغموض له وظيفة محددة تخدم العمل، وليس حذلقة فكرية تزعم وجود عمق غير موجود، وتغطي على خواء لا يمكن اخفاؤه، مهما أمعن الكاتب في المحاولة".لا وضوح مطلقا، ولا غموض مطلقا، وهذه المعادلة يمكن بلوغها اذا كنا قد درسنا جيدا طبيعة العمل، وتفهمنا قوله، وعرفنا ماهيته، وادركنا ضرورة تصوره، في مبادئه الأولى، تصورا يعيننا على انماء السياق، في بناء النص والشخوص، انماء سليما، ان تصور الحدث الروائي يبدأ من اللحظة التي اخترنا فيها هذا الحدث، او فرض نفسه علينا، بعد استيقاظه من هجوعه في بئر الذات، ويكون علينا، عندئذ، أن نستعيد تجربته، ونفكر بالبيئة التي نبتت فيها هذه التجربة، والدوافع التي ادت اليها، والمساحة التي تشغلها، والأسئلة التي تطرحها، والقول المراد من خلال ذلك بدلالة الحدث، سردا وحوارا.شخصيات الرواية، هي ايضا، موضع اهتمامي، بدءا بأسماء هذه الشخصيات، فلكل فئة، ولكل بيئة، اسماء شبه مطلوبة، شبه ضرورية، وانتقاء هذه الأسماء، كي تتلاءم مع أدوارها في الرواية، عملية ليست سهلة، ليست اعتباطية، فللبحر اسماء، وللبر أسماء، وللحارة الشعبية اسماء، وللحي الراقي، الثري، اسماء، وما كان ملائما، في روايتي "حارة الشحادين" من اسماء هو غير اسماء الشخوص في روايتي "الولاعة" ثم لماذا هذه الشخوص كذلك وليست غير ذلك، وكثيرا ما يستغرقني التفكير بهذه الامور، ويشغلني عن كل ما حولي، حتى انني امر بالناس احيانا، فلا أراهم، واذا رأيتهم قد يفوتني القاء التحية عليهم، وهذا ما يسبب لي حرجا غيرقليل، ويسبب لي حرجا اكبر نسيان اسماء ووجوه من القاهم، لضعف ذاكرتي في هذا المجال، بينما هي قوية في مجال آخر، وانتقاء الأسماء، ونسيانها، وعصر الدماغ لتذكرها هو العذاب الاول، يليه عذاب آخر، هو الحوار غير المكتوب، بيني وبين شخصيات الحدث، وطرحي الأسئلة عليهم، وتلقي أجوبتهم، والاقتناع الذي لا عودة عنه، ان الأسئلة في موضعها، نابعة من الحدث، وان الأجوبة في موضعها، ونابعة من الحدث كذلك، وبعد ذلك، او قبله، التخطيط الذهني لمعمار الرواية، وكيف تكون البداية؟ وهل هذه البداية صالحة؟ ومامدى التشويق فيها؟ والشأن ذاته، بل وأصعب، في الخاتمة، والمدى المتخيل فيها، وهل هي مغلقة أم مفتوحة؟ وهل السياق انسيابي، طولاني، افقي، دائري، ام مرسل؟ وهل الزمن مستقيم أم مكسور؟ وإلى أي حد مكسور؟ لماذا؟ وكيف كان تقطعيه، بالنسبة لازمنة الرواية؟ وما هو البعد الماضي، والحاضر، والمستقبل في المسيل الزمني؟ وهل الحوار بلسان الغائب؟ وكيف يمكن الانتقال به من الغائب الى المتكلم؟ وكيف تتم النقلة بين المشاهد والفصول، دون أن يحس القارئ بأنني نقلته؟ وهل هناك ضرورة ليكون الكلام على لسان الراوي، أم لساني انا المتكلم؟بعد هذا كله يأتي دور العمل، وأصعب ما فيه، كما اشرت سابقا، البداية، لا من حيث الايقاع والتشويق فحسب، وانما من ناحية تمديد الخطوط، في كل الاتجاهات، والمعرفة شبه المسبقة، بكيفية لملمتها، وصولا الى الحل الأنسب، او الحل الأروع كما افكر، دون أن أدرك المبتغى في كثير من الحالات، والعديد من الروايات، وهذا ما يسبب لي قلقا، يتصاعد حتى يمسي توترا، وفي هذه الحال علي ان اترك الكتابة، ان استريح، أن أفكر بهدوء، في انزياح تام عن أجواء ما كتبت، او ما كنت اريد ان اكتب!هذا يصيبني بالإعياء، فالعمل، والتفكير فيه، ومن خلاله، يؤدي الى نقص السكر في الجسم، واعرف ذلك من الدوخان، ومن تحبحب العرق البارد على جبيني، فأنهض مسرعاً لأتناول ما يعوض النقص السكري، وأذهب فأتمدد على سريري، مستشعراً نبضات قلبي تطن في اذني.. فيا للكتابة من مهنة شاقة!..

بداية الصفحة

رامبو والصراع القاتل مع الذات

هاشم صالح

* منذ البداية سوف أُخاطر بالاطروحة التالية: معظم الكتاب الكبار إن لم يكن كلهم شهدوا عملية الصراع الحاد مع انفسهم ووصلوا الى مرحلة الخطر الأعظم. وهو صراع قد يطول او يقصر، ويتخذ اشكالا متفاوتة بحسب طبيعة كل كاتب والظروف التي عاشها. وعندما يشتد هذا الصراع ويصل الى ذروته لايمكنه ان ينحل الا عن طريق ثلاثة اشياء: إما الجنون وإما الانتحار وإما الابداع. وكلما كان الصراع ضاريا في الداخل، كلما كان الابداع قويا جارفاً. هذا يعني ان الابداع ما هو الا نتيجة المخاض الهائج الذي تدور رحاه ولولاه لفقد الشاعر توازنه كليا. وهذايعني ايضا ان الابداع عملية خطرة وغير مضمونة العواقب بشكل مسبق.. ويقال بان اخت رامبو كانت تسمعه وهو يئن ويتوجع، ويضرب الارض برجله ويتلوّى، او يصرخ وينبطح ارضا عندما كان يكتب ديوانه الشهير "فصل في الجحيم"... كان مختليا بنفسه في البيت الريفي للعائلة، وبالأخص في السقيفة العلوية حيث لايراه احد، وكان انينه يسمع من خارج البيت...والواقع ان من يقرأ هذا الديوان، او يعيد قراءته اكثر من مرة، يفاجأ بحجم العنف المخزون، والمتجلي من خلال الصور والكلمات المتلاحقة بشكل هذياني ولا منطقي في احيان كثيرة. من المعلوم ان رامبو كتبه، او كتب معظمه، بعد ان خاض تلك التجارب الجنونية في بارس ولندن وبروكسيل والتي انتهت باطلاق النار عليه من قبل ÷يرلين. كان الشاعر يريد ان يطبق عمليا تلك الافكار التي نص عليها نظريا في رسالة الرأي. وهو المانيفست الذي وضّح فيه نوعية الشعر الجديد، شعر الحداثة المطلقة، والقطيعة المطلقة مع الماضي. فالشاعر لكي يرى ما لا يُرى، لكي يخترق مكنون الغيب، لكي يكتنه أسرار المجهول، ينبغي ان ينخرط في جميع التجارب ويعرض نفسه للخطر. ينبغي ان يقترب من حافة الهاوية، بل وان يقذف بنفسه فيها إذا لزم الأمر!.. ينبغي ان يعرف كل اشكال الحب، والجنون، والخروج على المألوف. ولكن بعد ان طبق رامبو برنامجه هذا وأوشك على الخطر الأعظم عاد الى بيته مثخناً بالجراح. وراح يفكر بما حصل...وعن هذا التفكير نتج "فصل في الجحيم". لقد "راحت السكرة وجاءت الفكرة" كما يقال في المثل العامي، وضرب رامبو يده على رأسه وقال: ماذا فعلت بنفسي، ماذا فعلت؟... هل يعني ذلك ان مشروع الرأي قد فشل؟ نعم ولا. نعم إذا ما اعتبرنا ان اي تجربة شخصية مهما غامرت وذهبت بعيدا، فان لها حدودا لا يمكن ان تتخطاها. انها سوف تصطدم بالجدار المسدود، وبالباب المغلق يوما ما، او في لحظة ما. ومهما تكن رائيا عظيما، ورامبو كان رائيا من الطراز الاول، فانك لن تستطيع ان ترى اكثر مما رأيت. لا يمكن لبشري ان يخترق السر الاعظم، ان يرى ما لا يرى هذا جنون وحماقة من قبل رامبو. ولكن في هذا الجنون تكمن عبقريته. بهذا المعنى فان مشروع الرائي قد فشل. وفشله عائد الى ان طموحه كان اكبر من امكانياته. ولكنه لم يفشل اذا ما اعتبرنا انه تمخض عن كتابة واحد من اهم دواوين الشعر الحديث. ففي سبيل التوصل الى مثل هذا الديوان ترخص كل التجارب وكل انواع المعاناة. ثم ان ما رآه رامبو على الطريق، وتلك الاقاصي التي انفتحت امامه تساوي الدنيا ومن عليها.. صحيح ان السر الاعظم لم ينفتح له، ولا لغيره، ولكنه كاد ان يستبصر الاشياء من ثنايا الباب، كاد ان يلمح ما لا يلمح. ان يرى ما يُرى.. وحسبه ذلك وكفاه. ومن غرائب الامور انه تنبأ بمستقبله الاتي قبل ان يحصل بسنوات عديدة، وقال بأنه سيعود من الشرق، مقطوع الرجل، على عكاز!... نعم لقد كان رامبو رائيا يرى الى بعيد البعيد. كان يتمتع بحدس خارق لا يمتلكه الا كبار الشعراء في التاريخ. بالطبع فانه لم يكن يعرف ان نهايته ستكون مأساوية على هذا النحو، ولكن مجرد كتابة ذلك على الورق شيء يحدث البلبلة في العقول ويثير فينا التساؤل والدهشة الحقيقية، فهل كان يهجس بشكل لا واع بمصيره؟ هل استطاع ان يرى موته قبل ان يحصل؟"سوف اترك اوروبا.. هواء البحر سوف يحرق رئتيّ، والمناخات الضائعة سوف تسمّر بشتري. السباحة، سحق العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف اشرب سوائل قوية كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل اسلافي الاعزاء حول مواقد النيران.سوف اعود، بأعضاء من حديد، الوجه اسمر، والعين حانقة: ومن خلال قناعي سوقفيقولون باني انتمي الى جنس قوي. سوف امتلك الذهب...".وفعلا هذا ما حصل له بعد خمسة عشر عاما من كتابة هذا النص عندما عاد من عدن بحزام ثقيل من الذهب على خصره، وذلك لكي يقطعوا رجله المصابة بالورم في مرسيليا.. كثيرا ما أدهش هذه المقطع النقاد الفرنسيين، بل واشعرهم بالخوف والقشعريرة لان رامبو استطاع ان يتنبأ بنهايته قبل حصولها بسنوات طويلة.. نعم لقد كان رامبو رائيا كبيرا. وكنت اعتقد (ولا ازال) بان الشاعر الكبير، او المفكر الكبير، يمتلك رادارا داخليا قادرا على كشف اعماق الزمن والعصور.وهنا يكمن الفرق الاساسي بين الكتّاب الكبار وسواهم. وكلما كانت طاقة الرادار على الكشف بعيده المدى او واسعة النطاق، كلما كان الشاعر او المفكر كبيرا. على هذا النحو يمكن ان نقيس اهمية شخصيات من امثال جان جاك روسو او هيغل، او نيتشه، او رامبو... كل شاعر لا يرى الى ابعد من انفه ليس شاعرا، وكل مفكر لا يستطيع ان يستبق الآتي، او يخترق اعماق العصور ليس مفكرا.. يضاف الى ذلك ان صراع رامبو مع نفسه يبلغ ذروته عندما يتحدث عن العقيدة اللاهوتية المسيحية التي تربَّى عليها منذ نعومة اظفاره. فهو يشعر بانها اصبحت عبئا عليه او تقيد حركته ولكنه لا يستطيع منها فكاكا انه متحرر منها وغير متحرر في ذات الوقت. انه ينقلب عليها ويثور ضدها بكل قواه في الوقت الذي يظل فيه سجينا لها. يقول: "انا عبد عمادتي. أبديّ. لقد صنعت تعاستي وتعاستكما.." بمعنى انه لو لم يعمده او يدخلاه في المسيحية عندما كان صغيرا لظل حرا ولما عرف الجحيم لانه لا يؤمن به ولما كان عرف الاحساس بالذنب وتأنيب الضمير من جراء خروجه على الاخلاق السائدة في المجتمع. لم ينتفض احد على اللاهوت المسيحي مثلما انتفض رامبو في "فصل في الحجيم".من هنا الشحنة التحريرية او الطاقة التفجيرية الهائلة لشعره. ومن هنا ايضا تلك الجاذبية التي لا تقاوم لقصائده. وهي جاذبية مارست تأثيرها على اجيال الشعراء اللاحقين من فرنسيين او غير فرنسيين. فهو يشتهي ان يعود الى ما قبل المسيحية، الى عصر الوثنية، لكي يتخلص من الرقابة الاخلاقية الصارمة للقصيدة اللاهوتية: "الدم الوثني يعود! الروح اقتربت، لماذا يا مسيح لا تساعدني عن طريق تقديم النبل والحرية لروحي. لكن، وا أسفاه! الانجيل انتهى! الانجيل! الانجيل!...أنتظر الله بكل جشع. انا من عرق متدنٍ منذ الازل والى الابد."في هذا المقطع نلاحظ الاشارة إلى صعود الفلسفة الوضعية وتراجع الايمان المسيحي وكلام الانجيل في اوروبا. ونلاحظ ايضا انه في الوقت الذي يرفض فيه الانصياع للاوامر الدينية يريد من المسيح ان يخلصه!.. في الواقع انه يريد الحرية والخلاص الديني في آن معا. وبما ان هذا الهدف يبدو له متناقضا فانه يظل يتخبط ويتوجع ولا يعرف كيف يجد منفذا... فاللاهوت المسيحي في عصره لم يكن قد تحرر لكي يسمح له بكل انواع الحرية التي يحلم بها، ولو انه عاش في فرنسا الحالية لما اضطر الى كتابة "فصل في الجحيم". فلم تعد المسيحية ذات وجه قمعي كما كان عليه الحال في زمن رامبو.. ولم تعد ترهب احدا...هكذا نجد ان شعر رامبو يطرح بشكل مباشر او غير مباشر المسألة التالية: كيف يمكن ان تدخل في صراع ضارٍ وفتّاك مع ذاتك؟ كيف يمكن ان تتخلص من تربيتك السابقة التي لا تزال تلاحقك كالاخطبوط منذ الطفولة الاولى؟ كيف يمكن ان تحل تناقضاتك المتجذرة والمزمنة؟ بالطبع فانه لا يقدم اجوبة او حلولا. فهذه مهمة الفكر لا الشعر. ولكن يكفيه ان يطرح هذه الاسئلة تحت اقدامنا كالقنابل المتفجرة او كالالغام. لنستمع اليه مطولا:ليلة الجحيم"بلعت جرعة كبيرة من السم. ثلاث مرات مباركة تلك النصيحة التي حصلت لي! احشائي احترق. عنف السمّ الزعاف يلوي اعضائي، يجعلني مشوهاً، يسحقني. اموت من العطش، اختنق، ولا استطيع الصراخ. انه الجحيم، العذاب الابدي! انظروا الى النار كيف تشتعل، الى سياط اللهب! احترق كما ينبغي. هيّا ايها الشيطان!كنت قد لمحت اعتناق الخير والسعادة، لمحت الخلاص. هل استطيع ان اصف الرؤيا، مناخ الجحيم لا يتحمل الاناشيد! كانت هناك ملايين الكائنات اللطيفة، حفلة موسيقية روحية ناعمة، القوة والسلام، المطامح النبيلة، وماذا أعرف؟المطامح النبيلة!ولا تزال هي الحياة! اذا كانت الادانة ابدية! الانسان الذي يريد بتر نفسه مدان حتما، اليس كذلك؟ اعتقد اني في الجحيم، واذن انا فيه. هذا تنفيذ حرفي للعقيدة المسيحية. انا عبد عمادتي. يا أبويَّ. لقد صنعتما تعاستي وتعاستكما بتعميدي. يا للفقير البريءالجحيم لا يمكن ان ينطبق على الوثنيين لا تزال الحياة هي ايضا! فيما بعد سوف تصبح لذة الادانة اكثر عمقا. انها جريمة، فلأسقط سريعا في فناء العدم، طبقا للقانون البشري.اموت من الاعياء والتعب. انه القبر، سوف اذهب الى الدود، يا رعب الرعب!.."هذياناليّ، احدى قصص جنوني.منذ زمن طويل، وانا افتخر بأني امتلك كل المناظر الطبيعية الممكنة، وأجد تافهاً كل مشاهير الفن والشعر الحديث.كنت احب الرسوم الغبية، واجهات الابواب، الديكورات، لوحات المشعوذين، اللافتات، الزخرفات الشعبية، الادب البالي، الادبيات العتيقة للكنائس، الكتب الجنسية غير المكتوبة، روايات اسلافنا، الاساطير الساحرة، الكتب الصغيرة للطفولة، التمثيليات الغنائية العتيقة، الاغنيات البلهاء، الايقاعات الساذجة.كنت احلم بالحروب الصليبية، بالرحلات الاستكشافية التي لم تكتب، بالجمهوريات التي لا تاريخ لها، بحروب الاديان المخندقة، بثورات العادات والاخلاق، بتهجير الأعراق والقارات: اؤمن فعلا بكل انواع الفرح والامتنان.كنت اخترع لون حروف العلة! (A) سوداء، (E) بيضاء، (I) حمراء، (O) زرقاء، (U) خضراء كنت انظم شكل وحركة كل الصوامت، وعن طريق الايقاعات الفطرية او الغرائزية، كنت افتخر بأني اخترعت لغة شعرية سوف تكون في متناول جميع الحواس يوما ما. وكنت احتفظ بحق الترجمة.كان ذلك في البداية دراسة. كنت اكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عما لا يُعبّر عنه. كنت أثبّت الدّوَخَان"..."كنت احب الصحارى، الروضات المحروقة، الحوانيت الذابلة، المشروبات الفاترة. كنت اتسكع في الشوارع القذرة، بعينين مغمضتين، وأهب نفسي للشمس، آلهة النار.لم يبق شكل من اشكال الجنون الا وعرفته. اقصد الجنون الحقيقي الذي يسجن في المصحات العقلية. استطيع ان اعددها كلها الواحد بعد الآخر. اني خبير بالموضوع.كانت صحتي مهددة. والذعر الهائل يجيء. كنت اسقط في النعاس لأيام عديدة، وعندما استيقظ كنت أواصل الاحلام الاكثر حزنا. كنت جاهزا للمنية، وبواسطة طريق الاخطار كان ضعفي يقودني الى تخوم منطقة "سيميريا"، وطن الظلال والاعاصير" "المعركة مع الذات لا تقلّ ضراوة عن معارك الرجال".(فصل في الجحيم، مقاطع متفرقة)هكذا نلاحظ كيف ينزل رامبو الى اعماقه لكي يصفّي حساباته مع نفسه وماضيه. كما ويصفّي حساباته مع اللاهوت المسيحي القديم والمجتمع، والغرب بأسره. ربما لم يعرف تاريخ الشعر انتفاضة تمرد بمثل هذا الحجم والراديكالية. كل شيء يتفكك وينهار على إيقاع لغة بركانية متفجرة تحرق الاخضر واليابس في طريقها.. وفيما تتقدم هذه اللغة يتولد تدريجيا شكل شعري جديد لا يزال يهيمن علينا حتى هذه اللحظة. فرامبو هو مؤسس الحداثة الشعرية ليس فقط على مستوى فرنسا وإنما على صعيد العالم ككل. وشعراء الحداثة كلهم خرجوا من معطفه. وفي نهاية المطاف يمكن ان نطرح هذا السؤال: اذا لم تكن الكتابة تصفية حسابات مع الداخل قبل الخارج، فما نفعها وما جدواها؟..باريس

بداية الصفحة

الشريك الوهمي

خالد المعالي

* "منشورات الجمل" مشروع ثقافي شخصي، بدأ من الصفر، بالآلة الكاتبة التي اشتريتها عام 1983م بواسطة المساعدة الاجتماعية التي كنت أحصل عليها آنذاك باعتباري عاطلاً عن العمل، وكانت جميع الاصدارات عبارة عن محاولة من أجل التعبير عن النفس! بيان شخصي ليس إلا، لهذا لم أكن انتظر شيئاً من ورائها، لأني كنت أريد التعبير عن نفسي فقط، ولكن طريقة التعبير هذه ومع مرور السنوات وتراكم الأحداث تغيرت وتطورت، وإذا بتلك الفكرة الصغيرة، فكرة البيان الشخصي وقد تحولت إلى دار نشر حقيقية، يتحدث الآخرون عنها باعتبارها مؤسسة، في حين أنها لم تكن سوى دار نشر صغيرة، جملها الوحيد هو أنا، بل إن الكثير من الناس يخاطبني باعتباري السيد الجمل، خصوصا في مصر، وأنا من ناحيتي كنت أماشي الناس احياناً اختصاراً للوقت واتركهم يعتقدون بأني حقاً هو السيد الجمل، صاحب الدار، رغم أني في قرارة نفسي، أضحك ذلك، اني في الحقيقة جملها الوحيد، حامل أثقالها عبر الصحراء، في الشرق والغرب.كنت أرفض فكرة المشاركة انطلاقاً من الدار غير تجارية ولا وجود لأي طامح في مشروع ثقافي خاسر كهذا، كما كنت مرتاحاً لحيز الحرية الذي كنت أتمتع به، مثلما كنت متأكداً من انعدام وجود منافس لي، إذ ينافسني على ماذا؟ هكذا كنت أسأل نفسي!لكن هذه المسألة تطورت أيضاً، فالدار كبرت عليَّ ولم يعد بالنسبة لي ممكنا أن أنجز كل هذه الأعمال لوحدي، رغم اني قد تخليت عن الصف وعن التصميم نوعاً ما، وأبقيت لنفسي فقط مهمة تصميم بعضها، مهمة انجاز الأغلفة والصفحات الأولى والأخيرة ... أيضاً كان يجب عليّ أن أرتب الخطة التجارية للدار، فالدار تدفع حقوق طبع، حقوق ترجمة، المطبعة، الورق، الشحن، الصف، ضرائب للدولة الألمانية الخ... كما أن سوق الكتاب العربي (يكفينا ويكفيكم الله شرها) لا يمكن الاعتماد عليها، لهذا كان عليّ أن أكثف الحضور في معارض الكتب العربية بحيث استطيع أن أتدبّر الأمور بنفسي، أيضاً ونتيجة لحضوري المستمر في هذه المعارض وعلاقتي بالقارىء الذي أخذ بيدي، هذا القارئ الذي كنت أتصور بأني آخذ بيده، قد فتح عيوني على ما يريده من كتب، لهذا استسلمت لفكرة الشريك، رغم رفضي الشديد لها في السابق!لكن أين أجد هذا الشخص الوهمي الذي يمكن أن يشاركني في تحقيق هذه الأحلام، شخص عفيف لا ينتظر من هذه الدار ما ينتظره صاحب المطعم! شخص تفرحه العلوم والآداب واكتشاف المخطوطات وتغويه حقاً! شخص يغرق معي في متعة أن الكتاب خير جليس حقاً، لا زيفاً!ولم يدم انتظاري طويلاً حتى لمحته، خلال معرض القاهرة الأخير.. تحدثنا قليلاً، لم نتحدث عن الشراكة بالطبع ولا عن أفكاري بخصوصها! إنما تحدثنا فقط عن الكتب وعن متعة قراءة وحيازة الكتب وعن الجمال والموسيقى واتفقنا على اللقاء، وهكذا كان ... ومثلما توقعت، فما أن ذكرت له الفكرة حتى تقبلها بمرح ووافق عليها... وكم فرحت لأني وجدت أن حدسي قد صح... وأخذت أشرح له فكرتي في توسيع الدار، أي حكيت له كل القصة وبصراحة! وبأنه على الدار أن تكون قوية حقاً، وبأنه عليها أن تحافظ على مستواها وعليها أن تعمقه! وبأن هذا الأمر يمكن أن يتم عن طريقتين، الأولى: إنجاز نشر مجموعة من الكتب الجديدة التي لها قارئ دائم، كتب أبدية.. بعضها صدر وبعضها الآخر قيد الانجاز... وبهذا نضمن لكتب الدار حضورا شعبيا ودائما في السوق... والطريقة الثانية: إنجاز نشر مجموعة من الكتب المهمة جداً وهي مثل الأولى قد أنجز بعضها والآخر في طور الانجاز.. لكنها على عكس الأولى تحتاج إلى رأس مال معقول لكي تُطرح إلى السوق ولكنها ليست ذات مردود تجاري مؤكد! وهذه الكتب كثيرة ومتنوعة، منها مثلاً: كتاب غير منشور لجواد علي ألفه عام 1938م باللغة الألمانية الغنوصية للبروفيسور هاينس هالم، علماء الكلام المسلمون في القرنين الثاني والثالث للهجرة للبروفيسور يوسف فان اس ويقع في 6أجزاء، وكتاب ضخم لم ينشر من قبل للشاعر العراقي معروف الرصافي، ترجمة أعمال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (الكتاب الأول في المطبعة)، نشر سلسلة فلسفية والكتب العشرة الأولى فيها جاهزة، سلسلة الأدب الشعبي العربي... الخ... فهذه الخطة سترفع من قيمة المبيعات وتثبت للدار وضعاً معقولاً تستطيع الدار من خلاله التعامل بقوة مع بعض "الموزعين" في العالم العربي!وتم الاتفاق وتكلل بالأفراح... وكان كل شيء جميلا ورائعا.. فقد انسحر صديقي وشريكي القادم بالفكرة. كما انسحرت أنا أيضاً وأخذت أمد رجلي على قدر غطاء شريكي المفترض لهذا أنجزت له كشفاً بكل ما للدار وما عليها، لكي تكون الفكرة واضحة له ولنا، وهذه عملية دقيقة تطلبت مني عملاً دقيقاً وهو عمل أنجزته للمرة الأولى، وقد تفاجأت به شخصياً، لقد تفاجأت بحجم المنجز في هذه الدار!لكن الأيام مرت وأنا انصرف، ولكن هذا الشريك المفترض موجود فعلاً، وهو يتصرف وكأنه موجود فعلاً ويحدثني عن أحلامه... وأنا من ناحيتي صدقت أوهامي أو صدقت أوهامه حتى وجدت نفسي وقد أنجزت الخمسين مخطوطة الأولى من كتب موضوعة، محققة أو مترجمة، وأكثرها لم يُطبع بعد... ذلك لأني كنت أنصرف انطلاقاً من وهمي... من شريكي... لأن وقت الانطلاقة قد حان ... وحان لنا أن نقدّم للقارئ الكتاب الحقيقي الذي يلهب خياله وبهذا نكون قد خطونا حقاً خطوة جميلة تلهب خيالنا قبل أن تلهب خيال القارئ!وكانت الفكرة أن يكون شريكي المفترض هذا، شريكاً صامتاً، أي شريكا لا يتدخل في ما ينشر أو في ما لا ينشر من كتب في الدار، وهذه كانت فكرتي، وهي تنطلق من فكرة سائدة في الغرب هنا، حيث أقيم من أكثر من عقدين من الزمن حيث يتم اسناد المشاريع الثقافية بهذه الطرق! وكنت منذ زمن أمني نفسي بشخصيات عربية لديها بعض اليسار المادي يمكنها أن تخطو خطوات كهذه، ورغم أن لائحة انتظاري قد صدئت، إلا أن أوهامي بقيت كما هي...لكن الأيام مرت ومرت وإذا بي وحيداً كالعادة، جمل الدار الأوحد واقفاً في الصحراء، وكأني أخاطب صداي، وهمي، شريكي الصامت بقي صامتاً، بل ربما تبخر وكأنه لم يكن يوماً، مجرد أضغاث أحلام تشبه أحلام يقظة ذلك الصديق السيرلانكي المقيم ببرلين والذي جلست معه ذات مرة وهو لا يملك ثمن قهوته، وهو يسألني عن تكلفة تأجير طائرة ذهاباً إياباً من برلين إلى سريلانكا، وحينما أجبته بأني لا أعرف الثمن، سألته: لماذا؟ قال بأنه يوجد في سيرلانكا نوع من جوز الهند غير معروف هنا وله لون آخر، ويريد أن يجلب هذا النوع إلى برلين لكي يعرّف الألمان به وبدأ بعملية حساب طويلة عريضة... وهنا تأكدت بأنه من الأفضل لي أن أدفع ثمن قهوته وأنفحه مبلغاً متواضعاً من المال، على أن أتركه يستمر في تهويمة النجاح هذه!B-Mail: KAlmaaly@aol.com

بداية الصفحة

"الفيصل" تصدر ملحقاً خاصاًعن الأمير فهد بن سلمان

كتب مندوب "الرياض":

* أصدرت مجلة الفيصل الثقافية الشهرية ملحقاً خاصاً بعنوان "رحيل أمير نبيل" عن وفاة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الذي انتقل الى رحمة الله ان شاء الله يوم الأربعاء 4جمادى الأولى سنة 1422ه في مدينة الرياض عن عمر يناهز ستة وأربعين عاما.وتضمن الملحق لمحة من سيرة الراحل الذاتية دراسته والوظائف التي شغلها بعد تخرجه في جامعة دنفر الامريكية مستشارا في وزارة الداخلية ثم نائبا لأمير المنطقة الشرقية لمدة سبع سنوات وتفرغه بعد ذلك للعمل الخيري الذي وقف عليه بقية حياته وكان من آخر تلك الاعمال الجليلة تولي سموه الامانة العامة للجمعية الخيرية لمرضى الفشل الكلوي بالاضافة الى شغله عضوية عدد من الجمعيات الخيرية أهمها جمعية الاطفال المعوقين.وتطرق الملحق الى جانب من حياة سموه رحمه الله الاجتماعية وبعض مزاياه الشخصية.كما تناول الملحق الاعمال التي اتخذت لتكريمه ومنها على سبيل المثال لا الحصر قرار صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض رئيس الجمعية الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي بتغيير مسمى الجمعية الى جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي وانشاء موقع خاص به على شبكة الانترنت باسمه (www.princefahadbinsalman.com) يعنى بالتوثيق لاعمال سموه الخيرية وغير ذلك من الخطوات التي تهدف الى بيان اسهاماته الانسانية.واشتمل الملحق على بعض الكلمات التأبينية المثمنة لأعمال سموه الانسانية لكل من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام وصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير وصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء ورئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.كما ضم الملحق الذي يقع في (16صفحة) بعض المراثي الشعرية التي قيلت فيه ومجموعة من الصور التي تعكس بعض نشاطات سموه الخيرية في آخر المناسبات التي حضرها مثل رعايته للدورة الخامسة لمسابقة الأمير سلطان بن سلمان لحفظ القرآن الكريم للاطفال المعوقين المنعقدة من 13الى 16من شهر المحرم سنة 1422ه وحضوره الاجتماع التأسيسي للجمعية الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي المنعقد يوم الأحد 1422/3/11ه .

بداية الصفحة

جناية د. صلاح فضل على أمير الشعراء شوقي!

بيروت مكتب "الرياض" من جهاد فاضل:

* أقل ما يقال في القصائد التي اختارها الناقد المصري الكبير الدكتور صلاح فضل لأمير الشعراء أحمد شوقي والتي ضمها العدد الجديد من (كتاب في جريدة)، أنها لا تقدم صورة وافية عن المنجز الشعري لأمير الشعراء، إن لم نقل أنها لا تقدم سوى صورة منقوصة لا تبرز التجديد الذي اضطلع به شوقي في الشعر العربي المعاصر.تفصيل ذلك أن مختارات الدكتور صلاح فضل من شعر شوقي قد اقتصرت في أكثريتها المطلقة على قصائد كلاسيكية مثل قصيدة نهج البردة وقصيدة النيل وقصيدة نكبة دمشق، رثاء حافظ إبراهيم، مضناك جفاه مرقده، وقصيدة أبي الهول، وسواها من القصائد التي تؤكد مكانة شوقي وقدرته على كتابة قصائد متينة تجاوز بها بلاشك محمود سامي البارودي وشعراء جيله. ولكنها لا تدل أبداً على التجديد الذي اضطلع به في زمانه.. فشوقي ليس مجرد شاعر كلاسيكي وحسب، وإنما هو شاعر رومانسي وجداني مجرد. وهذه الرومانسية الوجدانية في شعره تلتمس بصورة رئىسية في شعره المسرحي بالدرجة الأولى، وهو الشعر الذي كتبه في الحقبة الأخيرة من حياته. ولكن المؤسف أن "الشوقيات المختارة" لا تضم أية قصيدة من قصائد شوقي في مسرحياته، وهو أمر يدعو إلى الاستغراب. فهل يمكن أن تكون أية "مختارات شوقية"، مختارات وافية إن لم تضم قصيدته "جبل التوباد"، أو قصيدته الأخرى "تلفتت ظبية الوادي" أو "سجى الليل" أو "أنا أنطونيو وأنطونيو أنا؟".لقد كان أكثر ما أساء إلى صورة شوقي في تاريخنا الأدبي هو تصويره على أنه مجرد شاعر كلاسيكي، أو مجرد شاعر يمكن الحاقه بلا ندم "بشعراء مصر وبيئاتها في الجيل الماضي".كما حاول عباس محمود العقاد أن يصوره، أو كمجرد شاعر عبارته جاهلية أو مملوكية، كما صوره أدونيس في كتابه عنه، وقد قدم له أىضاً مختارات كما فعل صلاح فضل.والواقع أن شوقي كان كاهناً من كهّان الجمال ومن أكبر العشاق الذين عرفهم الشعر العربي. لكن تكتمه الطبيعي ووظيفته في القصر ومكانته في المجتمع القاهري، كل ذلك منعه من الظهور كما ظهر عمر بن أبي ربيعة قبله، أو كما ظهر علي محمود طه بعده بقليل.. ولكنه شاعر اللوحات الرومانسية الواسعة التي تجمع بين الشاعر والليل والطير والروضة في جو رومانسي مسحور. وغنائياته الرائعة مبثوثة بصورة خاصة في مسرحياته. وهو ما لا نجد له أثراً في "الشوقيات" التي اختارها صلاح فضل.ولعل الذي ضيّق أفق صلاح فضل في الاختيار ومنعه عن أن يقدم صورة وافية أو شبه وافية لشوقي، هو أنه عمد إلى ادراج القصائد التي اختارها كاملة، وهو ما أخذ حيزاً كبيراً من صفحات كتاب في جريدة.. فقصيدة نهج البردة أخذت ست صفحات، وقصيدة أبو الهول أخذت أربع صفحات في حين أنه كان بامكانه أن يقتصر على إيراد أبيات معدودة من هذه القصائد، وسواها، من أجل أن يدرج أبياتاً أخرى من قصائد أخرى، الأمر الذي يتيح تقديم شوقي لقارئ اليوم بصورة أفضل.. ولكنه لجأ إلى الطريق السهل فاختار ما هو شائع لشوقي في الذاكرة العربية، دون أن يكبد نفسه عناء البحث عما قد لا يكون شائعاً كثيراً، أو عما ليس شائعاً أبداً، ولكنه أكثر عمقاً وجالاً.. فإذا كانت قصيدته في رثاء حافظ ابراهيم:قد كنت أوثر أن تقول رثائييا منصف الموتى من الأحياءقصيدة معروفة، فإن أكثرها نظم لا شعر، في حين أن له في باب الرثاء قصائد رائعة تعبر عن لوعة حقيقية، مثل قصيدته في رثاء صديقه عمر لطفي:قفوا بالقبور نسائل عمر متى كانت الأرض مثوى القمر؟ومنها هذه الأبيات:سهرنا قبيل الردى ساعة وما دار ذكر الردى في السمرفقام إلى حفرة هيئت وقمت إلى مثلها تحتفرمددت إليك يدا للوداع ومد يدا للقاء القدرولو أن لي علم ما في غد خبأتك في مقلتي من حذر!ولكن حتى في تقديم مختارات لشوقي في إطار شعره الكلاسيكي، من نوع ما فعله الدكتور صلاح فضل، فإن من غير الممكن اغفال "سينية" شوقي التي يبلغ بها أمير الشعراء مدى فنياً عظيماً، وهي إحدى قصائده الثلاث التي توجته شاعراً عظيماً.. وهذه السينية تصلح للموازنة مع سينية البحتري في ايوان كسرى.. والواقع ان الشوقية تركت البحترية وراءها بمسافة بعيدة، كما يجزم الدكتور زكي مبارك في كتابه (الموازنة في الشعراء).ومن الاساءات التي لحقت بشوقي على يد الناقد المصري الكبير الدكتور صلاح فضل، ابراز شوقي كشاعر مقلد يحاكي القدماء.. وذلك أن قسماً كبيراً من القصائد التي اختارها هي قصائد يحاكي بها شوقي شعراء أقدمين، مثل قصيدته: "مضناك جفاه مرقده"، وكذلك قصيدته: "نهج البردة" وقصيدته "يا نائح الطلح اشباه عوادينا"، التي نظمها في منفاه باسبانيا والتي يحاكي فيها قصيدة ابن زيدون المشهورة:اضحى التنائي بديلاً من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا..هذا مع الاشادة إلى أن لشوقي قصائد عديدة يحاكي بها الشعراء الأقدمين، ولكن عبقريته لا تنهض على هذا النوع من الشعر دون سواه، بل ان اصالته تتبدى في قصائد كلاسيكية كثيرة لا تتوسل هذه المحاكاة.على أن أكثر الاساءات التي لحقت بشوقي على يد الدكتور صلاح سجن شوقي في إطار القصائد الكلاسيكية وعدم تمكينه من ابراز صور أخرى له مثل شعر الطبيعة التي تحتل مكانة هامة عنده، وكذلك الشعر الملحمي.. ولا ننسى أىضاً تلك "الحكايات" التي نظمها وأدارها على ألسنة الطير والحيوان وهي حكايات رمزية في منتهى الأهمية تبث رسائل سياسية واجتماعية وأخلاقية آثر شوقي ارسالها على هذا النحو، وهو غير ديوان الأطفال الذي رمى به شوقي إلى تسلية وتثقيف هذا القطاع من المجتمع، بينما هذه "الحكايات" وهي سخرية سياسية واجتماعية وأخلاقية مصوغة رمزاً.. وقد كان بامكان الدكتور صلاح أن يقدم ولو قصيدة واحدة عن هذه "الحكايات" الجميلة التي تصلح لكل زمان ومكان وتؤكد مثل قصيدته: "وقف الهدهد في باب سليمان".وليس في مختارات الدكتور صلاح فضل أية قصيدة تشير إلى جوانب أخرى في العبقرية الشوقية مثل شعر الطبيعة.. لقد جعل شوقي الطبيعة موحى الشاعر أو مستلهمه عندما أعلن في مقدمته للشوقيات الأولى ان محراب الشاعر ليس "القصر"، ولكن "الكون" من أرضه إلى سمائه.ثم أضاف إلى هذا القول الجريء أقوالاً أخرى أصبحت مأثورة عنه في أشكال مختلفة وجوهر واحد، مفادها ان الشعر ابن أبوين: الطبيعة والتاريخ.. وكون شوقي شامل مستوعب نظم في قبته السماوية وعرج على ما بين السماء والأرض، ثم أعاد ممالك الطير والحيوان والنبات، أي الطبيعة الحية، عنايته. وانتهى إلى الطبيعة الأرضية: الطبيعة الكامنة، من جبال وسهول ورياض وبحار، ونظم في هذا كله.ولكن ما العمل وقد آثر الدكتور صلاح فضل منهج ادراج المطولات الكلاسيكية، بقضها وقضيضها، بشعرها الجيد وبالنظم الذي تضمنه في أكثر الأحيان، وعرف عن اعتماد مبدأ اختيار أبيات معينة تمثل بيت القصيد.. ولو انه لجأ إلى هذا المبدأ الأخير لقدم صورة أخرى مختلفة تماماً لشوقي، صوراً تتيح له استعادة شخصيته الشعرية الحقيقية كمجرد كبير له فضل الريادة في مجالات شعرية عديدة.. وبذلك كان بامكان أمير الشعراء في حمّى التشوهات التي يشهدها الشعر العربي اليوم، أن يستعيد نفوذه الحقيقي كمجدد كبير، بل كامام المجددين في عصره.

بداية الصفحة

يد الشاعر

محمد علي شمس الدين

* في أماكنه القديمة، بأسمائها ومعالمها، حيث ولد وجاء نتيجة سلالات أسلافه، يمد سيف الرحبي، الشاعر العماني، يد الشعر إلى آخر العالم، والصورة المجسدة والهائلة التي يمنحها العنوان، لليد البشرية التي تنتشر الى نهايات الوجود، تذكر بسريالية سلفادور دالي المضخمة عينها، حيث في احدى لوحاته، حصان ينطلق من نافذة مفتوحة في أعلى برج، واتجاهه في الفضاء، وهي سريالية ذات نكهة ملحمية، يديرها سيف الرحبي في قصائد الديوان، إنها جوهر صنيعه على ما أرى، والصورة الشبحية والقاسية، الكاسرة أيضا، المنقضّة في النص، والتي ينتقل بها من مكان لآخر، أشبه ما تكون بالضربات والخطوط القاسية لهذا الفنان.. الباشق، مثلا، الذي يرسمه الرحبي، في مقطع من قصيدته الأولى، هو هنا منقضّ على السلاحف والأسماك في القيعان البحرية المثلمة، وفي الكهوف والخلجان، وهو أيضا في جانب منه، يحتوي الفريسة، "ويلتهم بها الفضاءكعريس".."وعلى خطمه دم المسافة" والباشق، سيد الجوارح، الشريد المفرد، تراه في النص، يسافر بين جزائر زرقاء ونيران غجر مندلعة في أفق (هو كما يقول مسوّدة أفق) خرافي وعصبي بصواعقه وأمطاره المحتقنة.. فالمشهدية الملحمية للأمكنة وعناصر الطبيعة تحقن النص بروح هائجة، وهي تتجه معه كيفما اتجه، مع العواصف القادمة في بحار الهند باتجاه بحر عمان المتاخم لقلاع الفرس وأناشيد الرعاة المنحدرين الى وقب الأفلاج.."مثل هذا الوصف الملحمي نجده في أماكن أخرى، على غرار ما نسميه "نشيد الباشقة" فالشاعر المسيج بالوحشة والغربة، نراه يفتح كلامه بما يشبه مديح الهاوية، الهاوية السعيدة، حيث يتم التحديق فيها لاكتشاف ماض سحيق مثل ليال متجولة على وجه الظلمة "حيث تقشعر أفئدة القساة في ليل بربري المزاج".. وعلى زوايا الهاوية يتعلق أناس قلقون متأهبون دائما لركل الأودية بحوافر أفراسهم، أو ليذوبوا في غبش المغيب.هل يصف الشاعر بلاده؟ أماكنه؟ "الجبال التي أفرغ الطير احشاءه في سفوحها" كما يقو؟ هل يصف أسلافه البحارة والمغامرين أحفاد ابن ماجد، وكيف انتهوا ملتصقين بأخشاب سفنهم المبددة والعائمة على البحار، أو طعاما لسمك مفترس وغامض؟ وحين يأتي على ذكر الأحقاف (وهم أقوام قديمة سكنت بين حضرموت وعُمان) والمطاريح (وهي مصبات المياه في اللهجة العُمانية) والقياظة والزطّ وقبيلة هيبة وقرية سرور.. وما إلى ذلك من أسماء ومفردات المكان العماني، هل يقف عند هذه العدة من محلية المكان والقوم، ويجلس معهم، فقط ليرتب "العزلات والعواصف"؟ أم ترى يد الشاعر، تمتد بالفعل، من هناك، إلى آخر العالم"؟ أي هل يقيم سيف الرحبي في المكان والأهل أم يغادرهما؟الإجابة عن هذا السؤال تحدد قيمة المعنى لهذا الشاعر، اي جوهر قوله الشعري، والقول الشعري هو تأويلات العبارة واللغة والسرد والحشد الصوري الوصفي او الحكائي والعمود الفقري الذي تتحوم حوله هذه العناصر بمجملها، فنحن امام نص ملحمي سردي وشعري، أو قصيدة نثر طويلة بمقاطع، تليها نصوص قصيرة، وواضح ان موسيقا الرحبي متأتية من تدافعات الصور والسرد، وتوازنات في الكتل التعبيرية، ومن وخز المعنى، والايماء، وهي موسيقا قصيدة النثر، فالمحمول في هذه الموسيقا، أو بالأحرى هذه الموسيقا بمحمولها، هو الذي نطرح عليه السؤال: هل يقيم سيف الرحبي في "المكان" و"الأهل" أم يغادرهما؟ وكيف؟.. ما يمكن من خلاله أن نتلمس خصوصية هذا الشاعر..لنعترف بداية، أننا في مجموعة"يد في آخر العالم"، واقفون على "قلق"" حال شعري أكثر مما نحن واقفون على ركز واقامة شعرية، في المكان كما في الأهل كما في العبارة، صحيح أننا نشم أحيانا روائح المحل الخاص (عمان بجبالها وبحرها وأفلاجها ومدنها) أو يفوح من مصاحبة القصائد هذا الشميم الخاص، الا انها روائح غير مستقرة في كل حال، فالاقتراب من مسقط اقتراب من المتاهة أيضا، وذاكرة التاريخ ذاكرة ضبابية، مايجعل الكتابة أكثر التصاقا بالرمز منها بالتحديد، بل باللابلاد، أكثر منها بالبلاد، لأنك (كما يقول) "الوحيدة التي بلا عيب بلا ماض ولا مستقبل" وهذه البلاد مرتبطة بالأبد أكثر من ارتباطها بالجغرافيا.. حتى أن خطاب الشاعر لها يقود للالتباس او سرعان ما يدخل في الالتباس.. فنستطيع ان نفترض أنه يخاطبها حين ينادي "أيتها السكينة"، ثم ما يلبث الخطاب أن يتحول نحو أنثى.. بكافة عناصر شبقها، وأسرها، جسدها ورحمها، وأين؟ "أمام القمر المعتم الذي يقتحم النافذة".. ثم ما يلبث أن ينكسر هذا العرام الذكوري نحو الأنثى المخاطبة، ينكسر بالدخان والعويل المنبعثين من المدن.. يمّحي خصر الأنثى/الكهف/الغابة/ويبقى منه ما يبقى من الذهب الذي يبحث عنه العميان في مناجم منهارة".لا ريب في أن هذه الكتابة، هي كتابة مكان في تحولاته الشديدة والصاعقة، لا على الرقعة أو البحر، أو الكهوف، حسب، بل في "رأس الشاعر"، وهو المسافر في أقاليم عديدة، وبلاد شاسعة، حتى كأنه مشرد يتمشى على رصيف كوسموبوليتي، من مسقط الى تايلاند حيث بقايا عنادل وعصافير وطيور، فبحر العندمان، فبلاد الهنود وصخبهم، فالحي اللاتيني في باريس، فالاسكندرية حيث المنارة والبخور فبيروت.. وهذا التسكع في المدن والأقاليم، يصحبه تسكع مواز له في المشهد والمعنى، من طيور الفرد هتشكوك الى ذرية الأحقاف، ومن برذون الخليفة الى فراء الأميرة فجان دمو فمقهى اللاتيرنا في دمشق، ومن هذا التشرد لا يبقى في اليد الممدودة هكذا الى آخر العالم والأشياء، من شيء أو معنى.. يكتب الشاعر "لا أرى شيئا، لا أسمع شيئاً"، غارقا في ظلام مقابري.. "كأنه يقدم أناشيده لبلاد غائبة، لكأنما الشعر يعيد الغائب، فالغياب اقامة في الروح "كما يرى الشاعر، والبلاد القديمة (بلاده) التي يقدم لها جميع هذه المراثي والمناحات، قادمة اليه لا من تضاريسها وفجاجها بل من "فجاج الرأس" مسوقة بأحلامها "بالدمع ينسكب من أفواه الجبال، بشعوب أنهكها القيظ وحيوانات الصحراء".. ومع ذلك فهي بلاد معبودة، وكمالها لا يضاهيه الكمال عينه في عرشه الكلي، هذا الكمال الشبيه باكتمال النشوة ين عاشقين، من أهل انبجاس الكائن منهما بصلة . فالرؤى الأبوكاليبسية المضخمة للجبال والبلاد والفجاج في حال تكونها، مخروطة أو مشقوقة بسيف الجنس واللذة الايروتيكية بوصفها اجساداً جميلة وحية تتناسل في ظلمات التاريخ وكهوف الماضي اي انها ايضا تراها في ذروة الأبوكاليبسي اللذَّي الذي يدللها به الشاعر، ويصف به زيجاتها العجيبة المزاوجة بين أبنائها وبنات آوى في قمم الجبال، والمنجزة لمهماتها (مهمات التكوين والصيرورة)، بضراوة السباع، وفداحة الطوفان الجارف.. ترى هذه البلاد في ذروة التكوين، تنحدر فجأة في خطاب الشاعر نحو الرماد والعدم.. بل نحو ماهو أصعب من هذا وأشد إيلاماً، فسيف الرحبي مولع بتغيير السياق في الكتابة، مولع بالأفخاخ التي يزرعها هنا وهناك في حقول النص ومطامنه.. إذ نسأل أنفسنا، من بعد انجرافنا في سياق خطابه القاسي الملحمي والايروتيكي للأنثى أو البلاد (سيان)، ما الذي جعله يكسر هذا السياق فجأة بما يشبه تحويل دفة الطيران لمائة وثمانين درجة، مرة واحدة.. فنسأل: يخاطب الشاعر من بقوله: "أيتها الكراهية، يابصقة الكائن في نزعه الأخير؟""، البلاد أم الأنثى، أم القصيدة؟فهو مولع دائما بانكسار النهاية والالتفاف بها نحو الكابوس والهجاء، أو الفاجعة:"أنتِ بجناحيك الكبيرين/ تجوبين البسيطة بحثا عن لمسة الرجل نحو المرأة التي يفترسها السرطان".إن بذرة من العطب أو الانتهاك، تتدخل في الأبنية الشعرية، لسيف الرحبي وهي تأخذ تارة سمت المعنى الذي يلتف على ذاته ويكسرأصله، أو يدهمه بنقيضه، فبينا يقوم بتجولاته في الكهوف، تراه ينتقل أو يلتفت إلى ناطحات السحاب.وفي حين يمجد الطبيعة ، تراه يتفجع عليها ويرثي الانسان، وفي حين يتكلم على الأحياء والمغامرين من أمثال البحار العربي العماني ابن ماجد، الذي قادوا العواصف في البحار، مثلما قاد اسلافهم البغال والأسلحة في تلك المنعطفات الجبلية الوعرة.. في واد مكتظ بالأفاعي والزرافات، حيث "الرجال الشقر يرمون اللحم للنسور ويلحقون بها خفية حتى تحط في مكان آخر من البيداء.. كان ذلك دليلهم الهندسي الذي يقودهم نحو مواطن الألماس.." نقول في حين يمجد الطبيعة وصيرورتها العظيمة القاسية على أيدي الرجال الأحياء، تراه ينكفئ نحو الموتى كي يعاقرهم.. الموتى القدماء في غسق المقابر، الموتى الذابلين الذين لا يفكرون بالموت، والذين روت القابلات حكايات عن طفولتهم.وهذه البذرة من العطب والانتهاك، ربما أخذت شكل قطع السياق الانشادي بسرد تقريري، يأتي على هيئة معترضات سردية، فهو على سبيل المثال، بعد أن يبدأ بشعرية الالتباس والأسئلة حول الوجوه، التي رآها أو خيل له ذلك، في مهب أحواله ومعترك مدائنه.. فيسأل: هذا الوجه أين رأيته؟ أين صادفته ؟ في الحلم أم في اليقظة؟وذلك الوجه المؤود في قعر الغرائز من أين ينبثق؟ وذياك الوجه ذو الملامح المتلعثمة والخجلة، كيف نتلمسه وفي أية مرآة؟.. وفي لبس هذا الحصار الجميل للشاعر بالوجوه، وجه أمه، وجه أبيه، ،وجه المرأة، وجه الوجوه.. الخ، حيث تنفجر الوجوه جميعا هكذا دفعة واحدة "فاتحة" جدول النحيب"..سيف الرحبي في "يد في آخر العالم" ينشر خياله (يده) في كل الاتجاهات.

بداية الصفحة

كتابة أنثى التسعينات ترفض التصنيف النوعي والجيلي
ميرال الطحاوي: لم تعد الكتابة أسيرة صالونات نساء يتجملن بالثقافة

القاهرة أحمد عبدالفتاح:

* كتابة المرأة.. من الأسئلة المؤرقة التي لاتزال تبحث عن اجابة.. خاصة وأن الاشكاليات التي تطرحها هذه الكتابة تبدو مراوغة.. فهي تدور حول الذات تارة وأخرى تتجاوز حدودها إلى الآخر محاولة اكتشافه، لم تعد مجرد كتابة لاثبات الندية في مواجهة الرجل إنما تحولت إلى مشروع للبحث عن الذات والتميز.. من هنا يطل السؤال من جديد حول هوية هذه الكتابة.. ملامحها.. عوالمها.. خاصة في هذا الجيل الذي أحدث بأعماله في الثمانينات والتسعينات طفرة في مسيرة الكتابة الأنثوية.. حول هذه الفكرة استطلعت (ثقافة اليوم) آراء بعض الكاتبات فكان هذا التحقيق.نصوصترفض ميرال الطحاوي مصطلح الكتابة النسائية مؤكدة انها لا تحبذه.. وتفضل أن نطلق عليها النصوص التي تكتبها المرأة.. وتضيف قائلة: اعتقد ان كتابة المرأة العربية قد تطورت من حيث المحتوى الابداعي، فلم تعد الكتابة أسيرة صالونات أوائل القرن لسيدات يتجملن بالثقافة. وبالنسبة لاصطلاح الأدب النسائي فأنا أتصور انه حسم بحثاً وصراعاً، والحقيقة ان المرأة العربية اليوم ككاتبة تستطيع ان تؤسس مشروعها على امكانيات الكتابة نفسها وليس نوعها.. فالكتابة ليست منشوراً عن التحرر النسوي ولست مضطرة لأدوار استثنائية ابتز بها الإعلام أو الترجمات، والاحتفاء بتاء التأنيث لا يكفي لابد من نصوص تثبت جدارتها وتميزها من داخلها وليس عن أية مقومات أخرى.استشرافومن جانبها تشير الكاتبة ابتهال سالم إلى انه لا يوجد ما يسمى أدب تائي.. فالأدب له أصوله ومفرداته وأدواته الفنية التي تختلف في تميزها من أديب لآخر سواء كان ذكرا أم أنثى.. كما انها ترفض فكرة التحبيل حيث تقول: الكتابة لا تخضع لهذه التقسيمات وان كانت المرحلة التاريخية تؤثر فيما يقوله أو يكتبه المبدع لكن المبدع بشكل عام لديه القدرة على الاستشراف وبالنسبة لكتابة المرأة فهناك عدد من الكاتبات قد اثبتن وجودهن في الثمانينات والتسعينات بامتلاكهن رؤية وموقفا في حين سلك البعض سياسة الانتشار السريع على حساب اللغة والرؤية والموضوع فتاهت أعمالهن ولم يحققن شيئاً أما الكاتبات أصحاب الموهبة الحقيقية استطعن ان يشكلن ملامح خاصة لأعمالهن ومن ايجابيات أعمالهن ان اللغة لديهن تتميز بالكثافة في المعنى والروح الشعرية مع عدم الانفصال عن الواقع.امتدادبينما ترى الكاتبة منار فتح الباب ان موضوعات النصوص تتنوع بطبيعة الحال لتواكب ظروف العصر وتقول: ولعلي أخذ على جيلي من المبدعات ابتعادهن عن القضايا السياسية والوطنية الراهنة لاسيما ان العالم مليء بالأحداث والقضايا التي تستحق ان يكتب عنها ولاشك ان الجيل الراهن خاصة في كتابة القصة من الكاتبات يكتبن بتقنية فنية عالية رفيعة المستوى وهن امتداد للجيل السابق بداية من لطيفة الزيات وفوزية مهران إلى هالة البدري وأهداف سويف وقد أصبح الأسلوب الشعري الأكثر استعمالاً لكن تظل أزمة هذه الكتابة في عدم وجود متابعة نقدية دقيقة لملامحها ورصد معالمها بينما يقف كثير من النقاد عند الظاهر منها دون محاولة للتحليل والتنقيب والتفسير العلمي الدقيق.انسلاخوتقول الكاتبة نورا أمين: ربما لا تبدو الكتابات القصصية النسائية المتزايدة اليوم بوصفها استمراراً لكتابات العقود الأخرى التي سبقتها بقدرما تبدو كما لو كانت انسلاخاً عن زمن الكتابة الملتزمة بالدفاع عن قضية اجتماعية أو سياسية وربما كانت كتاباتنا اليوم أفضل تعبير عن تفتت المجتمع الحالي وتشتت الأفراد في الوقت الذي يتطلع فيه الجميع إلى وحدة انسانية عالمية وتراث متحد متعدد الهويات.وتضيف نورا قائلة: ان كاتبات التسعينات في طريقهن لارساء معان انسانية جديدة تنطلق من إعادة بناء ذواتهن الخاصة بالكتابة.

بداية الصفحة

تلقي كتب (اللحن) والتطور اللغوي

د. محمد ربيع

* ساد بين الناس على طول الزمان شعورٌ عامٌ بأن ما يسمى ب "كتب التصحيح اللغوي" التي تأتي على ذكر أخطاء العوام من المتكلمين بالعربية، وتنبّه على أوهام الخواص من الكتّاب والأدباء والخطباء والمؤلفين، ليست غير محاولات لضبط اللغة وصيانتها من الفساد والانحلال، وتقويم الألسنة ودرء مخاطر اللحن والخطأ عنها.. وقام في أذهان المتلقين لهذه المصنفات هذا الغرض الرئىس الذي لأجله صنفها أصحابها، ولم تكد تُقءرَأُ على مر الدهور إلا من هذا المنظور.وظاهرٌ أن مؤلفي هذه الكتب أنفسهم لم يَلُحء لهم في أثناء عملهم غير هذا الغرض، أي: غرض تقويم اللسان وصيانته من اللحن والخطأ والفساد. و"كان همهم الأكبر هو إعادة هؤلاء الخارجين على الفصحى إلى حظيرة اللغة القديمة". (لحن العامة والتطور اللغوي ص 64). يدل على ذلك ما سمي به هذا النوع من التصانيف، نحو "إصلاح المنطق لابن السكيت، تثقيف اللسان لابن مكي، تقويم اللسان لابن الجوزي،.. الخ". ويدل على ذلك أىضاً تكرار البدء بلفظ "اللحن" الذي هو مرادف الخطأ والزلل والقبح في معظم ما أُلِّف في هذا الشأن، نحو "لحن العامة للزبيدي، وما تلحن فيه العامة للكفرطابي، والتكملة فيما تلحن فيه العامة للجواليقي، ولحن الخاصة لأبي هلال العسكري.. الخ)".. واشتمال عناوين كثير منها على ذكر الأوهام والأغلاط، نحو "التنبيهات على أغاليط الرواة للبصري، درة الغواص في أوهام الخواص للحريري، أغلاط الضعفاء من الفقهاء لابن بري،... الخ".، على أن طائفة أخرى من مؤلفات الأقدمين أُلِّفت لهذا الغرض مثل "أدب الكاتب لابن قتيبة، والفصيح لثعلب، والتنبيه على حدوث التصحيف للاصبهاني، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري"، (انظر قوائم أسماء كتب اللحن في: مقدمة المستشرق توربيكه لكتاب الحريري" درة الغواص ليبزج 1871م. ورمضان عبدالتواب، لحن العامة والتطور اللغوي.. القاهرة: دار المعارف، ط 1، 1967م (ص 66 87). وعبدالعزيز مطر، لحن العامة في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، القاهرة: دار المعارف، ط 2(ص 70 94).وتابع القدماء على هذا النوع من التصنيف في الأخطاء الشائعة عند العوام والخواص للغرض نفسه عددٌ غفيرٌ من المحدثين، منهم: إبراهيم اليازجي، وصلاح الدين الزعبلاوي، ومعروف الرصافي، وشاكر شقير، وحسن الياقاتي، وأنستانس الكرملي، وأسعد داغر، وأبو الخضر منسي، ومصطفى جواد، وزهدي جار اللهو.. وغيرهم. (أنظر قوائم طويلة بأسماء المؤلفين في العصر الحديث في هذا الغرض في كتاب (حركة التصحيح اللغوي في العصر الحديث) د. محمد ضاري حمادي. العراق: منشورات وزارة الثقافة والإعلام، 1980م)، وما يزال المعاصرون ينتجون أعداداً من الكتب المشابهة، كما صنع أحمد مختار عمر، وأبو تراب الظاهري، ومختار العيساوي،.. الخ.من الطبيعي ألا يقوم في أذهان مؤلفي كتب التصحيح اللغوي غير غرض التصحيح، لأن ذلك فقط ما لأجله دونوا ما دونوه.. لكن المستغرب حقاً أن يقتصر النظر إلى هذا العدد الهائل من كتب التصحيح في هذا العصر أو يكاد على مجرد التلقي في ضوء ذلك الغرض الأولي.. هذا مع أن ظروف تلقي النصوص لابد حتماً من أن تفارق من وجه كثيرة ظرف انتاجها.. ومن القصور حقاً أن تقف الإفادة من التراث المعرفي عند حد النظر فيه على ضوء أغراضه الأولية التي أملتها لحظة ابداعه.. وأعتقد أن سبب ذلك الذي حدث إنما هو طغيان استشعار الخوف والهلع من تحوُّل اللسان العربي وانحلاله، ومن حدوث اللحن والخطأ وفساد اللغة.. ولذلك استحضر غرض صيانة اللسان من الاختلال دوماً عند كل عمل من أعمال التلقي، واستقر في الأذهان ما تؤديه هذه المؤلفات من جهد عظيم في الدفاع عن لغة القرآن الكريم والمحافظة عليها من وجوه الاختلال المتوقعة التي قد تؤدي إلى اندثارها واضمحلالها.ومن الطبيعي أىضاً أن ينظر الإنسان إلى الماضي نظرة الإكبار والإجلال، فالماضي يجسد عند البشر صورة المثال وصفات الكمال. ويشد الإنسان إلى الماضي حنينٌ يجعله يتشبث بما فيه على أنه الصورة المقدمة عنده على الصور الحادثة مما يشاكلها.. ربما لاطمئنانه إلى الماضي في مقابل خوفه من المستقبل، ولتشبثه بالحياة بازاء نفوره من الموت. ولذا تعاظمت في النفوس وضُخِّمت في الأذهان حوادث الماضي وشخوصه وأزمنته وأمكنته وقيمه ومثله. وأحاطت بذلك كله هالة عظيمة لم يصنعها إلا القدم والمضي في الزمن لا غير.. بلغ الإنسان في الماضي من الطول، وضخامة الجسم، وقوة البنية، وطول العمر،.. ونحو ذلك، مبلغاً لا يتساوى مع ما لأهل الزمان الحاضر المشاهد. واكتسب القديم من قدمه قوة استطاع بها وحدها أن يقاوم الجديد، فنشأ الصراع بين القديم والجديد في الأدب، لا بسبب مقومات كل منهما، بل من منطلق تفصيل القديم لمجرد أنه قديم على الجديد. وهذا وشبهه ما حصل للغة العربية على فترات من العصور طويلة، إذ "نُظر إلى اللغة منذ القدم نظرة إجلال وتقدير. ولم يكن تطور اللغة أحياناً موضع ترحيب واعتراف، بل كان يعتبر نوعاً من اللحن.. ولم تعد اللغة القديمة بخاصة طوراً من الأطوار له بعض المزايا وبعض العيوب، وإنما كانت صورة النقاء والكمال". (مصطفى ناصف، اللغة بين البلاغة والأسلوبية ص 130 131).إن التمسك بالقديم من اللغة الفصحى وهجر الحديث المولد لأغراض موضوعية تتعلق بالمحافظة على مستوى معين من الفصاحة مطلبٌ صحيحٌ لا غبار عليه، وليس لدينا عليه أدنى اعتراض. وإن استشعار أهمية الحفاظ على الصورة المتكلمة للعربية في العصور المسماة ب "عصور الاحتجاج" والعمل على إنجاز ما يحقق ذلك ويضمنه، لسبب ديني وجيه هو المحافظة على لغة القرآن الكريم، لاشك في أنه هدف نبيل ومشروع.. غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن الإفراط في الاستمساك بالقديم لا يجوز أن يحول دون الإفادة من المادة اللغوية الضخمة التي ربما عُدَّتء فيما مضى مما ينبغي ابعاده وتجنبه والحذر منه، لكنها اليوم لها من الأهمية ما لا يجوز بحال تجاهله والتغاضي عنه. ولا ينبغي أن يصل الحرص على نقاد اللغة إلى حد التعامي عن حقائق تطورها، وإلى الإعراض عن النهوض بالدراسات اللغوية التي تنطلق من التطور وتستند عليه.يحتوي هذا العدد الهائل من كتب "لحن العامة" على قدر لا يستهان به من الوثائق والشهادات على لغات عصورها التي دوّنت فيها، في المفردات والتراكيب والأساليب والدلالة وتطورها والصور والأخيلة.. الخ، يمكن أن تعود بعد إعادة قراءتها إلى كنوز لا تقدر بثمن، وذلك بوصفها مادة أولية للبحث في عدد من الاتجاهات اللغوية المهمة جداً، وليس بوصفها فقط مجرد شاهد اثبات على التطور اللغوي، لأن التطور سنة لا محيص عنها ولا مفر منها، ولذا لا تحتاج إلى شاهد اثبات.. وإذا كان أكثر متلقي النصوص المتضمنة في كتب التصحيح قد تلقوها على أنها من قبيل مقابلة كل نموذج فاسد ينبغي أن يُطرح بما يوازيه من النماذج الصحيحة التي يُحرص عليها وينبغي تعلمها واكتسابها، فإن النماذج المحذورة المتروكة مع ما قد يتبادر من رداءتها أثمن في اثبات الظواهر من رسيلتها المأخوذ بها، والتي لا تنتسب إلى ذلك العصر الذي دونت الشهادة فيه، بل إلى ما قبل ذلك، أي: في عصور الاحتجاج.. وسأكتفي في السطور التالية للايجاز بالإشارة إلى أهم الجوانب التي يمكن للمادة الغزيرة التي تحفل بها مصنفات اللحن أن تسهم في الوقوف عليها والانطلاق منها نحو إثراء البحث في المجال اللغوي، ونحو المحاولة للوصول إلى مزيد من معرفة الظاهرة اللغوية.. وهو ما يمكن اجماله في النقاط الرئىسة التالية: 1 تقدّمُ المادةُ المحتواةُ في هذه المصنفات من حيث هي نصوص مؤشرات أسلوبيةً على نوعين، أحدهما: يدل على الذي يضاف إليه الأسلوب في كل نموذج من النماذج المحتواة على حدته. "فهو إذا أضيف إلى فرد كان أسلوباً فردياً. وإذا أَضيف إلى فئة من فئات المجتمع كان أسلوباً فئوياً. وإذا أضيف إلى عصر بعينه كان أسلوباً مميزاً لحقبة من حقب تاريخ اللغة". (سعد مصلوح، في النص الأدبي ص 29). هذا فضلاً عن اضافته إلى جنس من أجناس القول، وإلى الواسطة الناقلة له وكونه شفهياً أو كتابياً ونحو ذلك.. (انظر السابق، الصفحة نفسها)، والنوع الآخر: يدل على سمات الأساليب اللغوية العربية بعامة عبر سيرورة اللغة في تأريخها، وفي خلال تحولاتها المتعاقبة. 2 تُعَدُّ المادة التي تحتوي عليها كتب التصحيح وثائق مهمة لتحوّلات النظام الذهني اللغوي للجماعة المتكلمة بلغة واحدة عبر الأزمنة المتطاولة. تُبين هذه الوثائق بدقة عن القرائن التي بدرت للمتكلم، واستقر معناها في ذهنه، فأدت به إلى أن يتحول البناء أو التركيب عنده من حال إلى حال أخرى. وتحولات النظام الذهني على وجه الخصوص لها من الأهمية ما به تفوق العناصر اللغوية الأخرى. والنظام الذهني الذي به تأتي الأبنية والتراكيب على هيئاتها المعينة هو بلاشك أولى بالنظر والتحليل والتتبع.. لأنه الطريق الموصل إلى فهم ما نسميه اليوم ب (معرفة المتكلم لغته)، وهو عندي أساس الدرس اللغوي. وهو الطريق المؤدي إلى التيقن من الحكم على الصائب والخاطئ.. ولقد اشتملت كتب التصحيح على ألوان مما تباينت فيه الآراء وتضاربت، بين من يخرج كثيراً مما أورد على أنه لحن وخطأ من دائرة اللحن إلى تخوم ما يدخل في صحيح اللغة من باب تطورها الحتمي، ومن باب قياس الغائب على الشاهد، وبين مشدد لا يسمح بغير ما وردت به الشواهد المحتج بها، وبين متوسط بين الفريقين. لكن اخضاع المدونة الضخمة التي تتعدد المداخل إلى مسائلها للبحث والدراسة يتيح الفرصة للتوصل إلى الخيوط الفاصلة بين الفاسد والصحيح في ضوء المعرفة اللغوية المتحدثة عنها فيما سبق، وهي المعرفة المتوصل إلى ملامحها عند المتكلم بالمنهج العلمي، لا بمجرد الاجتهاد الفردي. 3 لعل من أهم الثغرات الواضحة في دراسة العربية اليوم الافتقار إلى الدراسات القائمة على التتبع الدقيق لمراحل العربية طوال عصورها، والوصول إلى نتائج علمية نابعة من تمحيص الظواهر اللغوية بالاعتماد على التتبع "الرأسي" لها.. ومن أشد ما تحتاج إليه العربية اليوم كما لا يخفى غياب المعاجم التأريخية، وغياب استقصاء مظاهر اللهجات العربية، بل وغياب كل ما يمكن أن يدرج في سلم الدراسات اللغوية التأريخية، وفي كتب اللحن بلا شك كثير من لبنات هذا البناء. 4 تسهم كتب التصحيح اللغوي في الوقوف على كثير من مظاهر التطور اللغوي للعربية. وهو الأمر الذي قد يكشف عن أسرار بعض الظواهر المشابهة السابقة عليها، أي: في عصور الفصاحة والاحتجاج.. ويمكن الاستناد إلى الظواهر المسجلة للتوصل إلى أحكام تتعلق بفترات سابقة للظاهرة أو تالية لها. 5 يمكن للنماذج المتعاقبة المحفوظة في كتب التصحيح أن تكون بمثابة الضوء الذي ينير لنا سبل تنمية العربية وتوسيعها لمواجهة مستحدثات العصر، لاسيما أن قضايا تعريب العلوم من أهم ما يشغل بال كثير من المختصين.. ولو تأملنا النماذج المستحدثة التي تُضطر المجامع اللغوية إلى إجازتها لتوسيع اللغة وتنميتها لوجدناها لا تعدو أن تكون من صور التطور اللغوي التي تُرفَضُ مثيلاتها عادة في كتب لحن العامة ولحن الخاصة. وسيجد المتأمل في ألفاظ العلوم ومصطلحاتها عند العرب أشياء لا تعد ولا تحصى مما يمكن أن يعد من التطورات الطبيعية المتدرجة بسهولة ويسر دون تكلف، وسيجد أنها تنبع من الأصل الفصيح ثم تتفرع لتفي بالأغراض المستجدة بطريقة عفوية. 6 تتنوع مسائل اللحن المنصوص على خطئها والمختلف فيها بيتنوع الزمان والمكان وتنوع الذاهبين إلى التخطئة أو إلى التصويب، وبتباين الأسس المعتد بها في التطور وغير المعترف بها فيه. غير أن الاشكال الحقيقي يكمن في أن بعض الخلاف ربما كان بسبب عدم مرجعية التصويب أو التخطئة. وعندي أن اخضاع مسائل اللحن والنماذج المدونة على أساس أنها ملحون، أو تلك المختلف في تلحينها، للدراسة يهييء للوصول إلى تصورات واضحة عن تراكيب العربية أو بنيات مفرداتها. وهذا يسهم فيما أرى في سد ثغرة واضحة في دراسة العربية يكاد كل متكلم بالعربية اليوم يلمس أثرها دون أن يعرف على وجه التحديد مصدرها. هي بالتأكيد مشكلة عدم إجادة الناس للغتهم الأم، وعدم القدرة على تمام صياغة الفاظها وجملها وعباراتها، مع أنها الظاهرة التي يملكونها باقتدار. ولو دُرست نماذج التصحيح كما ينبغي لأسهمت في التخلص من الشعور بثقل الفجوة بين ما ننطقه اليوم بالضرورة ولا نعترف به وما نعترف به ولا ننطقه.

بداية الصفحة

بيت القرآن .. معلم حضاري متميز على أرض البحرين

حفر الباطن قاسم دغيم الظفيري:

* يعتبر بيت القرآن الذي افتتح في دولة البحرين عام 1984م مركزاً إسلامياً عالمياً رائداً بفكرته الحضارية المتطورة التي أهلته ليكون الأول من نوعه في العالم.فهذا الصرح الإسلامي الحضاري شيد ليكون مكاناً لائقاً ومناسباً مع جلال القرآن الكريم ومكانته الرفيعة حيث يرتبط بكل ما يتعلق بالقرآن الكريم من مراجع جامعة وتلاوة شاملة وسجل موثق عبر التاريخ الإسلامي بمصاحف ومخطوطات قرآنية كريمة نادرة هي أقدس نور لأعظم وأشرف رسالة كرم الله بها العالمين.وذكر كتاب (الخليج.. أصالة ومعاصرة) صادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ان الفضل يعود لفكرة إنشاء بيت القرآن إلى الدكتور عبداللطيف كانو الذي يقول أنه يهدف من وراء هذا المشروع إلى ان يكون القرآن الكريم قريباً من كل الناس في مجمع إسلامي شامل لأصالة الحضارة الإسلامية السالفة فكرة وروحاً ومعاصراً للحضارة الحديثة المتطورة في التكوين والبناء والعمل لخدمة الإنسانية. ويشار إلى ان هذا الصرح شيد بتبرعات أهل الخير والعطاء على مختلف المستويات الرسمية والشعبية على الصعيد المحلي والخليجي والعربي والإسلامي بشكل عام.ويضم بيت القرآن مجموعة من العناصر الرئيسية التي تحقق أهدافه التي أنشئ من أجلها وهذه المكونات الرئيسية هي المسجد والمتحف والمكتبة والمدرسة وقاعة المؤتمرات والندوات وغيرها من العناصر المساعدة. وهذه العناصر يضمها مبنى رائع في تصميمه يجمع بين فنون العمارة الإسلامية والعمارة الحديثة وتعلو في جانب منه مئذنة شامخة صممت على طراز مئذنة مسجد الخميس الذي يعد أقدم مساجد دولة البحرين حيث أنه شيد في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله.ويشكل مبنى بيت القرآن فنا معمارياً إسلامياً متطوراً أساسه البساطة والزخرفة الجمالية الهادفة الراقية التي تظهر كلوحات جدارية محفورة على جدران المبنى لتضفي عليه طرازاً معمارياً فريداً ومتميزاً قوامه الآيات القرآنية الكريمة معبرة عن جلال القرآن ومكانته واستكملت بأسماء الله الحسنى كما سجلها القرآن الكريم في سورة (الحشر) مما أعطى للمبنى جاذبية روحية تريح الناظرين الذين يقصدونه كمثال رائع للعمارة الإسلامية الحديثة المتطورة.ويضم بيت القرآن العديد من عناصر العمارة الإسلامية العربية في كل وحداته فتصميم المبنى يتمركز حول مساحة مفتوحة تمثل الملامح التقليدية للعمارة الإسلامية وتعتبر المحور الرئيسي للعناصر الخمسة الرئيسية المكونة لبيت القرآن وهي قاعة محمد بن خليفة آل خليفة ومسجد عبدالرحمن جاسم كانو ومكتبة الفرقان ومدرسة يوسف بن أحمد كانو لعلوم القرآن ومتحف الحياة.ويضم متحف الحياة عدداً من القاعات وهي قاعة أحمد الفاتح وقاعة بندر بن سلطان وقاعة أحمد محمد الفارسي وقاعة أبو العلا الحضرمي وقاعة مكة المكرمة وقاعة المدينة المنورة وقاعة القدس الشريف وقاعة الخلفاء الراشدين وقاعة عبدالله محمد كامل وقاعة البحرين.وتعتبر قاعة محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة التي تفضل سمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة بالتبرع والمساهمة في إنشائها من العناصر الرئيسية التي يتكون منها بيت القرآن وقد تم إعدادها وتجهيزها لتكون قاعة مؤتمرات وندوات متخصصة.وتنظم هذه القاعة الندوات الدورية المستمرة طوال العام وخاصة في شهر رمضان المبارك لكبار المفكرين والعلماء لتساهم مساهمة فعالة في خدمة القرآن الكريم.وقد روعي في تصميم القاعة الأسس والمعايير المعمارية العالمية العصرية الحديثة في المساحة والتجهيزات في معدات الترجمة الفورية والأجهزة السمعية والمرئية بالإضافة إلى التقنية الحديثة التي استعملت في الجدران لامتصاص الصوت وتسهيل عملية الاستماع.ويعتبر مسجد عبدالرحمن جاسم كانو أيضاً من العناصر الرئيسية المكونة لبيت القرآن حيث يتميز بأسلوب فريد في التصميم المعماري المستوحى من الفن الإسلامي ويضم المسجد أضخم قبة من الزجاج الملون المعشق في المنطقة العربية وقد صنع محرابه خصيصاً من السيراميك الأزرق التركي وأدخلت عليه آيات قرآنية كريمة في زخرفة إسلامية جميلة ويقصد المواطنون والمسلمون في دولة البحرين من مختلف الجنسيات هذا المسجد لأداء الصلوات الخمس مما يخلق ترابطاً وثيقاً بين الناس وبيت القرآن.أما مكتبة الفرقان والتي ساهم في التبرع بإنشائها الأستاذ أحمد زكي يماني فهي المركز الرئيسي للعلم والبحث والدراسة لكل ما يتعلق بالقرآن الكريم وهي تشغل مساحة كبيرة مكونة من طابقين لتستوعب حوالي 50ألف مجلد وكتاب لكل ما يتعلق بالعلوم القرآنية باللغات العربية والأجنبية والإنجليزية والفرنسية لتكون في متناول وخدمة الباحثين والدارسين وغيرهم من المهتمين بالعلوم القرآنية بصفة خاصة والعلوم الإسلامية بصفة عامة.ومن الأهداف الرئيسية لبيت القرآن التي يسعى لتحقيقها ان تكون مكتبة الفرقان نواة لمركز علمي لأبحاث القرآن الكريم يقدم خدماته لأبناء العالم الإسلامي.وتساهم مدرسة يوسف بن أحمد كانو لعلوم القرآن في تحفيظ وتعليم أصول قراءة القرآن الكريم بمختلف القراءات القرآنية وتجويده وترتيله بالإضافة إلى تزويد طلاب المدرسة بالعلوم القرآنية المناسبة لاعداد وتخريج قارئ متمكن للقرآن الكريم.أما متحف الحياة فيضم عشر قاعات رحبة لعرض نفائس مخطوطات القرآن الكريم وكل ما يرتبط بالذكر الحكيم. وقد صممت قاعات المتحف بحيث تكون متصلة ومرتبطة ببعضها البعض لتحقيق العديد من الأهداف منها سهولة التحرك والتنقل من قاعة لأخرى وإحداث الترابط بين معروضات كل قاعة لأنها سلسلة من العطاء والإبداع لفنون الخط العربي في مخطوطات ونفائس القرآن الكريم عبر مراحل التاريخ المختلفة.وقد خصصت كل قاعة لعرض جانب هام من مخطوطات القرآن الكريم وما يتعلق بالقرآن من جماليات وأدوات الكتابة والفنون الحديثة والعروض الدورية لمخطوطات ونفائس قرآنية زائرة في مختلف متاحف العالم المختلفة.* المراجع: الشؤون الإعلامية.. الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية

بداية الصفحة

حركة النقد النسوي حيث ولدت في غرفة فرجينيا وولف

فاطمة المحسن

* (غرفة فرجينيا وولف) دراسة صدرت حديثاً للكاتب والمترجم رضا الظاهر عن دار المدى دمشق والعنوان يشير إلى محاضرتين القتهما فرجينيا وولف بين مجموعة من طالبات الكليات النسائية البريطانية العام 1928م، ثم صدرت لاحقا في كتاب تحت عنوان (غرفة تخص المرء وحده)، وهو نص صعب تتراوح لغته بين استطرادات التخيل الروائي الذي عُرفت به المؤلفة في مجموعة رواياتها، والملاحظات البحثية التي تتأمل موقع المرأة في مسار حركة الابداع عبر التاريخ.يتابع كتاب الظاهر هذا النص الذي يعد منافيستو حركة النقد النسائي في القرن العشرين، تلك التي تستعيد سيرة وولف الادبية والشخصية باستمرار لتثري تقاليد القراءة الجديدة للنص. ولا يقتصر جهد فرجينيا وولف على هذا الميدان فهي احتلت موقعاً مؤثراً في الادب البريطاني الحديث كمبدعة متميزة ومؤسسة لمجموعة بلومزبري التي كان لها شأن كبير في أدب مطلع القرن المنصرم.والحق ان مقالة فرجينيا وولف حول المرأة والرواية التي نشرتها في وقت يؤرخ وقت صدور كتابها (غرفة تخص المرء وحده) 1929م، هي الاكثر تماسكاً والاكثر مقبولية كي تعد مانفيستو النقد النسائي ومع ان الكثير من الافكار التي وردت في تلك المقالة نجدها في نصها (الغرفة) وفي المقدمة منها الاسئلة التي تتعلق بدراسة أدب النساء والأدب الذي يكتبه الرجال عنهن، غير اننا نستطيع ان نقول ان نص (الغرفة) يحوي الهوامش المضافة إلى نص (المرأة والكتابة الروائية) وهي ملاحظات تشي بأفكار وهواجس ذاتية، أي انها تفصح عن الجانب الطليق في شخصية وولف حيث تستخدم فن السخرية والتوريات وسيلة لفضح الفكر البطرياركي في الماضي والحاضر، بيد ان تلك التوريات والاستبطانات تشكل عامل ارباك للنص الاصلي الذي تغيم ملاحه في الكثير من المواقع الهشة المفككة في كتابها (الغرفة)، كتاب رضا الظاهر يحاول الالمام باتجاهات النقد النسائي الانكلو سكسوني متتبعاً اثر فرجينيا وولف في صوغ نظرية للمعرفة تأخذ بالاعتبار تأثير عوامل التجاذب الجنوسي (الجندر) في تكوين القيم والإنسان الادبية والاجتماعية. ويتطرق الكتاب إلى جملة الاصدارات التي استكملت فيها وولف تصوراتها عن التسوية وبينها كتابها المهمل (ثلاثة جنيهات) 1939م الذي هاجمه الوسط الثقافي وقتذاك لربطها فيه بين أضطهاد المرأة وصعود الفاشية والنازية وتوقها إلى الحرب والسيطرة.ويبدأ الظاهر بتعريف النسوية التي يراها ايديولوجيا سياسية تعود إلى القرن السابع عشر، في حين بدأ النقد النسوي في ستينات القرن المنصرم وتطور معتمداً على الانثربولوجيا الثقافية والماركسية واللسانيات والنظرية السايكو تحليلية والبنيوية والتفكيكية ونظرية الخطاب.ومن المفيد والحالة هذه، تتبع المسار الذي صاغه مؤلف الكتاب لانطلاقة فرجينيا وولف التي بدأت كما يورد، رداً على مقالات نشرها أرنولد بينيت في 1920م تحت عنوان (نساؤنا) ويزعم فيه ان الرجال متفوقون فكرياً على النساء بالفطرة، الأمر الذي اثار غضب وولف فصاغت في ردها أول تصوراتها عن فكرة التمايز بين الجنسين، مشيرة إلى ان تخلف النساء في عصر من العصور عن انتاج نوع ادبي معين لا يعود إلى قصور طبيعي في تركيبة المرأة العقلية، بل يرجع إلى ان فرصها في الحياة اضأل من الرجل، ان لم تكن معدومة في مراحل كثيرة من تاريخ البشرية.تطورت هذه الفكرة عند وولف، لتخرج بمجموعة من الآراء التي أشاد عليه النقد النسوي أسئلته الاساسية: لماذا لم تكن هناك كتابة نسائية متواترة قبل القرن الثامن عشر؟.. لماذا بدأت المرأة بتقديم روائع الأدب الانجليزي في القرن التاسع عشر؟ وما السبب في ان نتاجها اقتصر إلى حد ما، على الكتابة الروائية ولم تسهم في ميادين ادبية اخرى بتلك الوتيرة التي انتجت فيها الرواية؟وكانت اجابات فرجينيا وولف تتجاوز تلك الاسئلة إلى ماعداها مؤكدة في أهم محاجة لها، على ان التاريخ كتبه ويكتبه الرجال. فالرجال يخوضون التجارب التي تنسب اليهم الاعمال العظيمة فهم الجنود والقادة والفلاحون وهم الذين يسنون القوانين وبمقدورهم ان يروا ثمار عملهم بين ايديهم، في حين لا يبقى من العمل الذي تنتجه المرأة شيئاً لا لتاريخها ولا لحاضرها، كان التقليد المقبول في الادب الغربي ان تكون المرأة موضوعاً كما تقول وولف اما كونها منتجة لهذا الأدب فهي تواجه العوائق في كل خطوة تخطوها. وتولي وولف اهتمامها الخاص لموجة الرواية الكلاسيكية البريطانية التي واجهت أهم انعطافة فنية في مسيرتها بظهور نوع من الكتابة أسست له جين اوستين، الاخوات برونتي وجورج اليوت. النسوة اللواتي كتبن روايتهن داخل العزلة والحرمان عنوة من كل تجارب الحياة. وتتمثل اضافتهن فيما ابرزته اعمالهن من وعي المرأة بوجودها، بحضور مشاعرها واحاسيسها على نحو جديد. بوجود كاتبة ناقمة من معاملة الآخرين لبنات جنسها ولكنها قادرة ان تقاوم غواية الغضب وتجاهل الادعاءات والازدراء واللوم والوصاية.يقدم رضا الظاهر في كتابه تفصيلاً لبحث وولف حول الرواية والمرأة، مستقصياً اصدارات النقد الذي طور ادواته لاحقاً وخاصة في ميدان اللغويات وانثربولوجيا المعرفة مستفيداً من الافكار الاولى التي طرحتها وولف وبينها ما ابرزته الباحثة اللغوية ديل سبنسر حول فكرة وولف الجديدة والمهمة في وقتها، عن سر نجاح النساء كروائيات واخفاقهن ككاتبات مقالة أو ككاتبات مسرحيات أو شاعرات. فوولف تقول ان النساء اتين إلى الكتابة متأخرات، كما جئن متأخرات إلى التعليم، وبحلول الوقت الذي بدأن فيه الدخول إلى هذا العالم، كانت كل الاشكال القديمة للادب قد تحددت وأصبحت صلدة، وكانت الرواية وحدها فتية بما يكفي كي تكون طيعة بين أيديهن، وتفرق وولف في مبحثها عن الرواية بين القيم التي صنعتها رواية المرأة وبين القيم الذكورية، فرواية المرأة على علاقة بالحياة الواقعية وبالتجربة الشخصية، وهي لا تقل أهمية عن التجارب التي تعكس اهتمامات الرجال مثل جمع المال أو خوض الحروب. فهي تسأل لماذا لا يمكن لغرفة الاستقبال ان تطرح القضايا ذاتها التي يطرحها العالم الخارجي؟ان ما حرمت منهم المرأة على مدى عقود متواصلة كما تقول وولف، هو حق امتلاك الغرفة الخاصة بعملها والمال الكافي الذي يتفرغ فيه المرء للكتابة. وتولى وولف هذه الملاحظة اهمية معنوية كبيرة. يرى رضا الظاهر في كتابه ان من الصعوبة رصد كل المؤلفات التي نشرت حول وولف و(نسويتها) منذ سبعينات القرن العشرين حتى الآن، فهي تتميز بتنوع المعالجات وتباين المناهج. ومن الطبيعي والحالة هذه ان لا نجد اجماعاً بين الباحثات النسويات على تقييم نوع كتاباتها لانها تحظى بتفسيرات مختلفة ومتناقضة في بعض الاحيان. وهو يرى ان سر التناقض يكمن في نص فرجينيا وولف نفسه الذي يجد في تناقضه انعكاساً لاصالة كتابات وولف التجريبية التي تتسم بين سمات اخرى، بانها لم تتخذ شكلا محدداً نهائياً. ويورد المؤلف ادلة عن ذلك التناقض في التعارض بين "موقف وولف من سمو الفن الذي يقودها في احيان إلى التقليل من أهمية القيمة الاجتماعية للفن، مما يعني تقسيماً بين الفن، الذي هو لا شخصي وسام، والسياسة أو الوعظ الذي هو دعاية"، اما موقفها من التمايز بين الجنسين في الكتابة، فيرى المؤلف انها طرحته من خلال فكرتين في (الغرفة) تقول في احداهما انها تكتب كامرأة نسيت انها امرأة، اما الفكرة الثانية فتلك التي تقول فيها وولف "من المهلك ان يكتب امرؤ وهو يفكر في جنسه.. ومن المهلك ان تشدد امرأة على أي شكل من أشكال الشكوى، وان تدافع، حتى ولو من منطلق عادل عن اية قضية، وان تتحدث، بأي شكل كان، وهي واعية بانها امرأة".. وليس من الصعب ادراك سر ما يسميه المؤلف التناقض في المواقف، فأفكار فرجينيا وولف هي نتاج مرحلة كان صوت النسوية الاشتراكية قد ارتفع فيه قبل ان تكتب وولف تصوراتها عن المساواة بين الجنسين.. ولعل ما كتبته عن ضرورة توفر الشرط المادي أو الاقتصادي للمرأة كي تتعلم وتنتج الادب، يشكل الجزء الأهم في مطالب كلارا زيتكن وروزا لوكسمبرغ وغيرهن من قائدات حركة النساء الاشتراكيات غير انها تمضي في نسويتها شوطا ابعد منهن لانها تجرد تلك النسوية من اقسى حمولة كانت تنوء بها، وهي كونها تخدم طبقة معينة أو هدفاً أو حزباً سياسياً على وجه التحديد. لذا كانت وولف شديدة الحساسية أزاء فكرة الدعاية المباشرة، وأكثر حساسية من ان تمثل صوت مجموعة نسائية. ولا يمنع محاولة فرجينيا وولف تتبع أسباب تخلف المرأة عن منافسة الرجل، ان تنتبه إلى ان أكثر الصيغ المناسبة للابداع تكمن سايكلوجيا في العقل المخصب بقوتيه الذكورية والانثوية، وهي تشهد بمفهوم كوليردج حول العقل الثنائي العظيم حيث تعيش الصفات الذكورية والانثوية بانسجام. ولا اعرف لماذا يربطها الظاهر بالصراع بين النزعات المادية ونزعة السمو في الفن، فمفهوم ازدواج العقل عند وولف تطور عند الكثير من المفكرين اللاحقين وبينهم غاستون باشلار الذي تحدث في كتابه (شاعرية أحلام اليقظة) عن ظاهرات الذات المبدعة التي تتمازج فيها النفس الذكورية والانثوية لتخلق ذلك التوازن المرهف في عملية الابداع.ومن بين ما يغمض على الظاهر في كتابه حول وولف، مفهومها حول التواصل والانقطاع في التراث الشخصي والادبي، فالمؤلف يرى بان هناك اشكالا يكتنف قول وولف (اننا نفكر عبر امهاتنا إذا كنا نساء) ويفسره بمعنى الانتساب في التفكير إلى الأمهات الأديبات. وفي تصورنا انه يرد هنا بمعنى الانتساب إلى الماضي الشخصي وهو ماض تاريخي أيضاً، ذلك الارث الذي يخلق التوتر بينه وبين حاضر المرأة الثقافي الذي يختلف ويتقاطع مع الذاكرة الاولى، ولعل هذا المبحث تشبعه أهم كاتبات سيرتها المعاصرات هيرميون لي وتسميه الارث والقطيعة، ويتخذ عند وولف وفق تصور لي اشكالا منوعة عبر رواياتها ومذكراتها، ففي روايتها (اورلاندو) يتلاعب التاريخ بمفهوم الوراثة الجينية الذي يستطيع ان يختلط في هوية الشخص الواحد. فالبطلة تجمع في تركيبتها عدة اجيال، ولكنها متميزة بفردانيتها وفي الوقت ذاته تنوء بحمل ارثها العائلي. اورلاندو يتغير جنسها مثلما تتغير هويتها، وفق مفهوم الانقطاع والتواصل في المورث التراثي للشخصية سواء كانت امرأة أو رجلا. وترى لي في مذكرات فرجينيا وولف ما يساعدها على ايضاح ذلك التوتر في نموذجها كمبدعة بسبب الارث والانقطاع عنه في الذاكرة، فتقول ان وولف باعتبارها ذاتا يصنّفها الاطار الاجتماعي والميراث الفكري مثقفة متميزة تكتب على هواها، ولكنها من جهة اخرى جزءاً من مورث حياتها العائلية (لا اعرف أي قدر من هذا أو أي جزء من ذاك حملني على ان اشعر بما اضمره من مشاعر) على حد قول وولف نفسها. فهي رغم طليعيتها والحرية التي تملكها، اسيرة شعور داخلي بالعار، وهو نابع جزئياً من تجربتها الشخصية في العائلة، غير ان مشاعر العار تعود ايضاً إلى الطهرية الموروثة على تعاقب العصور في ذاكرتها، وربما تعود إلى مشاعر بدائية عميقة عند الكائن البشري الذي تنتمي اليه كل تلك الشخصيات التي تتصارع داخل وولف تشكل موارد مهمة لنتاجها الفكري والفني.ويتابع كتاب الظاهر مفهوم التقليد الأدبي النسائي الذي ترى فيه وولف أهمية ملحوظة تستطيع المرأة من خلاله ان تؤسس شكلا ادبياً نسائياً، فبالاضافة إلى اكتشافات المحتوى والشكل، تقتفي وولف اثار نوع مميز من التأليف النسائي، قد نسميه الاسلوب أو التوجه أو وجهة النظر، وتستمده المرأة من قيم الكتابة النسائية التي بقيت تمارسها المرأة (المجهولة) أو المتخفية تحت اسم آخر، ان الاحتجاب أو نكران الذات في الانثوية التقليدية لا يعوق التقليد الادبي، بل يخلق نمطاً آخر مختلفاً عن التقليد الذكوري، ذخيرة غنية من الابداع الذي يمتد إلى القصائد الغنائية والاغاني الشعبية التي لا تجسد مجد مؤلفين بمفردهم.ويستعرض رضا الظاهر في كتابه النقاش الذي مازال محتدماً حول فرضية "التقليد النسائي الادبي" و"لغة النساء المميزة" التي يشكك الكثير من النقاد والناقدات في امكانية البرهنة على وجودها، ويعرض من وجهة نظر ايلين شوالتر في كتابها "ادب خاص بهن" 1977التي ترى بان ثقافة الجماعات المعينة أو الثقافات الجزئية التي تصنف وفقها ادب النساء، قد مرت بثلاث مراحل: فهناك مرحلة تقليد الصيغ السائدة، واضفاء صفات ذاتية على المعايير الفنية المتداولة، وتفسرها للادوار الاجتماعية. وتمتد هذه المرحلة من ظهور الاسم المستعار الذكوري في اربعينات القرن التاسع عشر حتى رحيل جورج اليوت عام 1880م، اما المرحلة الثانية فهي مرحلة الاحتجاج ضد المعايير السائدة ودفاع عن حقوق الاقليات، وتمتد من 1880إلى 1920م وفيها جرى الحصول على حق الاقتراع. وهناك المرحلة الثالثة وهي مرحلة اكتشاف الذات والبحث عن هوية وتمتد من 1920م حتى الوقت الحاضر. وقد دخلت طوراً جديداً في ستينات القرن العشرين.وتعتبر شوالتر ان مفهوم (المخيلة الانثوية) يمكن ان يؤكد الاعتقاد بفارق عميق، اساسي، حتمي، بين طرق الرجال والنساء في ادراك العالم. ويبقى موضوع الاختلاف في المخيلة موضع نقاش مفتوح إلى يومنا هذا بين الناقدات والنقاد، فتحذر ميشيل باريت في كتابها (اضطهاد النساء) كما يورد المؤلف، من مشكلة اخرى في خلق تقليد ادبي نسائي، ذلك لان البحث في هذه الاشكالية قد يواصل استخدام المفاهيم الجمالية التوفيقية، المرتبطة جوهرياً بالنظام الاجتماعي ذاته الذي يحاول التقليد الادبي النسائي تقويضه.ويتطرق الكتاب إلى موقف وولف من لغة المرأة في استعراضه عمل الروائية دورثي ريتشاردسون، فهي تقول عنها: "طورت وطبقت، لاستخداماتها الخاصة، جملة قد نسميها الجملة السايلكولوجية الانثوية، وهي جملة ذات نسيج أكثر مرونة من نسيج الجملة القديمة، وقادرة على التعدد نحو الحد الاقصى، وايقاف الاجزاء الصغيرة الدقيقة، وتغليف الاشكال الاكثر غموضاً".. ومهما يكن من امر، فما صاغته وولف عن المرأة واللغة يعد اليوم من بين أهم المباحث التي تطورت بعد تحقيق اللسانيات منجزات مشهودة في عالم المعرفة الحديث. ويفرد رضا الظاهر في فصله الاخير مبحثاً لموضوعين مترابطين واحد يسميه (غضب الكاتبة) والآخر (الاصغاء للصمت) وينطلق من اشكالية مثيرة للجدل في أعمال فرجينيا وولف، فهي تتحدث في كتابها (الغرفة) عن الثقافة البطرياركية التي ترغم النساء الموهوبات على الصمت، وان لم تستطع، فتدفعهن إلى الجنون. وفي هذا النموذج من تاريخ النساء الأدبي نجد الغضب سمة لرد فعل (النسائي) (البايولوجي) على (الانثوي) (الاجتماعي الثقافي). كان الغضب كما يقول وولف العاطفة التي تثير اشد العداء من جانب المتمتعين بالسلطة عندما يجري التعبير عنه من جانب العاجزين. وإذا كان الشيطان هو مصدر غضب الضحية، المرأة التي يفترض ان لا ترفع صوتها، أو تحرك قبضتها، أو تشهر اصابعها اتهاماً، فإن الغضب الرجولي والحمية مطلوبة، اما غضب الجنرال فهو بطولي.الكتاب يحتوي الكثير من الافكار المكثفة عبر رحلة مديدة مع النقد النسوي المعاصر ولا يسع الحيز الالمام بكل جوانبها، غير انه ورغم حمولة تلك المادة الموزعة على خارطة مربكة، يبقى من بين الكتب المهمة التي تحتاجها المكتبة العربية التي لا تغطي ترجماتها جانباً من جوانب تلك المعرفة المنسية في عالمنا العربي.

بداية الصفحة

أشجان عربية

د. عبدالملك مرتاض

* لعل من العادات الحميدة، والتقاليد المجيدة، ان يكتب كاتب انطباعه عن كتاب ثقافي عميق المضمون قرأه، أو ديوان شعر جميل الشكل ألم به، أو رواية بديعة اللغة استمتع بمتابعة أحداثها، وتعلق بتصارع شخصياتها. ويبدو ان هذا التقليد الأدبي غربي في أصله فرضته متطلبات الصحافة السيارة لا تزال تلتهم عشرات المقالات، لعشرات الكتّاب، يومياً، يتعاونون على كتابتها، كما فرضه أيضاً العدد المهول من الكتب التي تقذف بها المطابع إلى المكتبات، ومن ثم إلى القراء كل يوم.ولقد بدا لي اليوم ان أكتب، لقراء جريدة "الرياض" الغراء، عن شاعر مغربي لا يزال يطالعنا بإصدار الديوان تلو الديوان، فلفت الانتباه، وشغل الأذهان، وشنف الأسماع، وامتع الأذواق، بكتاباته الشعرية الأنيقة، ألا وهو الدكتور حسن الأمراني. فهو معروف في بلاد المغرب، كما هو معروف في بلاد الشرق، كما هو معروف، خصوصاً، في المملكة. وقد أهداني أحد دواوينه الأخيرة وهو "أشجان النيل الأزرق" الذي صدر له بالدار البيضاء (المغرب) منذ أقل من عامين اثنين، فوجدت فيه ما لم أكن أجد في معظم الدواوين الأخرى التي وقعت لي منه من قبل. ويشتمل هذا الديوان على ست عشرة قصيدة ومقطعة قد تعد من أرق الشعر العربي المعاصر وآنقه لغة. وإذا كان عدد قصائد هذا الديوان يبدو قليلاً، فإن بعض هذه القصائد، في الحقيقة، طويل جداً حيث تبلغ قصيدته: "سبع شداد" مثلاً، وحدها، ثماني صفحات؛ أي أنها تستغرق قريباً من ربع صفحات الديوان.ذلك، ولقد أغراني بالتوقف لدى هذا الديوان الجميل (المائل السطور، المذهب الحروف، الصقيل الورق) الذي كان أهدانيه الشاعر بمدينة تطوان، على هامش إحدى الندوات العلمية التي أقامتها جامعة تلك المدينة التي تتعانق فيها الثقافة الأسبانية بالثقافة المغربية، أكثر من دافع:فالأولى، أني لم أكتب قط عن شعر حسن الأمراني الذي أصدر إلى اليوم ما يقرب من عشرة دواوين، ولعل من حقه عليّ بحكم الصداقة التي تربط ما بيني وبينه، ثم من حقه عليّ بحكم مكانته الأدبية والفكرية التي يتبوؤها بالمغرب وبالعالم العربي، ان أكتب عنه كلمة لقراء الرياض الأكارم.والثانية، ان هذا الديوان يتميز، فعلاً، بشيء ما، بجهد ما، بخاصية ما، بجمالية ما، عن غيره من دواوين الأمراني الأخرى باعترافه هو نفسه؛ حيث يذكر لدى نهاية هذا العمل الأدبي، صراحة، ان القصائد التي يشتمل عليها "أشجان النيل الأزرق" كلفته من الكأداء والمكابدة، والشدة والمجاهدة؛ ما لم تكلفه كل الكتابات الشعرية الأخرى التي سبقتها على امتداد ربع قرن من التجريب في الكتابة الشعرية؛ وذلك على الرغم من ان كتابتها لم تستغرق لديه أكثر من أربعين يوماً: "فهذه القصيدة القصائد كما يقول كلفتني من المكابدة والمعاناة، ما لم تكلفنيه ما سبقها من الأشعار التي صدرت لي خلال ربع قرن. لا أعني قياس هذه المكابدة بحزمة الزمن، ولكني أعني حرقة الشعر" (حسن الأمراني، أشجان النيل الأزرق، الصفحة ما قبل الأخيرة (لم ترقم صفحات الديوان).والأخرى، ان حديث المغاربة عن المغاربة، للمشارقة، قد لا يخلو من بعض الطرافة، وذلك على الرغم من أننا نحن المغاربة، أو قل نحن المغاربيين، (كما يعبر المثقفون من بلاد المغرب على عهدنا هذا) تعودنا على قراءة ما يكتب المشارقة عن المشارقة دون ان نجد في ذلك أي غرابة أو مدعاة للمساءلة، لشيوع الفعل، وتكرار التجربة، ومثول الحال. وعلى أنني لا أريد ان انزلق إلى مسألة الحساسة الفكرية بين المشرق والمغرب، فالمفروض أنهما جناحان يضطربان فيتكاملان ولا يتنازعان؛ ولا مدعاة لإثارة النزعات الاقليمية الضيقة التي تضر أكثر مما تنفع، وتفرق أكثر مما تجمع.لكن أي القصائد من قصائد الديوان الثماني عشرة يمكن ان تستأثر بهذا الحديث، في هذه المقالة؟ ثم ماذا يمكن ان تكون قد تناولت هذه القصائد في مضمونها العام؟ ولعل الإجابة عن السؤال الثاني تنصرف ان الشاعر استهوته النزعة السياسية فطبعت معظم قصائد ديوانه حيث تعمد التوقف لدى شخصيات سياسية وأدبية مثل جميلة بوحيرد، ومالك حداد، وعبدالسلام ياسين، وعبدالله ياسين، وأحمد مطر.. وأما الشخصيات الباقية فهي رمزية، أو ذات مغزى ديني سياسي معاً دون ان يتكلف الشاعر ذكرها بالاسم مثل: "صبية تقرأ القرآن" و"ليلى" التي يرمز بها للوطن.. يضاف إلى ذلك موضوعات أخرى لها صلة ببعض المدن، أو بعض البلدان العربية، مثل "أم درمان".والحق ان المضمون العام للديوان سياسي قبل كل شيء؛ أو قل: إنه يحمل الهموم العربية والإسلامية فيحاول تمثيلها في لغة شعرية أنيقة النسج، حافلة بالايقاعات الداخلية والخارجية.. ولأمر ما ذكر الشاعر جميلة بوحيرد، ومالك حداد من الجزائر، وأم درمان السودانية.وأما القصيدة التي جذبتني إليها أكثر حقاً، في هذا الديوان، فهي مطولته "سبع شداد" (ولعل القارئ ان يكون قد تطلع إلى شأنها حين اختصصناها بالذكر من قليل).وإذا كان النقاد العرب الأقدمون كانوا يبحثون في القصيدة التي يقرأونها عن أجمل بيت فيها فيطلقون عليه "بيت القصيد"، فإنه يمكننا ان نطلق على قصيدة "سبع شداد" "قصيدة الديوان"؛ وذلك للجهد الكبير الذي بذله الشاعر في كتابتها، فلقد أفرغ فيها أطرافاً صالحة من ثقافته الدينية والأدبية. والسبع الشداد في القرآن الكريم (سورة يوسف) تعني سبع سنوات من المجاعة التي كانت ألمت على أهل مصر، على عهد يوسف عليه السلام.. فهي في عنوان القصيدة رمز للشدة التي لا يزال العرب بخاصة، والمسلمون بعامة، يمنّون بها هنا وهناك؛ فإنك لا تكاد تجد قطراً في هذا العالم المترامي الأطراف يهنأ بالسعادة إلاّ مَن من الله عليهم بالاستثناء من هذا العناء.ولقد وظف حسن الأمراني اسم "ليلى" (وهي رمز للحب، ولكل أمل جميل، ولكل قيمة نبيلة، في التراث العربي الإسلامي) في هذه القصيدة وكان يريد بها، فيما يفهم من بعض شعره، إلى قيمة الوطن. وقديماً كلف الشعراء بليلى، منذ قيس بن ذريح، فاتخذوها رمزاً جميلاً لتبليغ مقاصدهم من أشعارهم ، وممن وظف اسم ليلى فاتخذها رمزاً للحرية الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة عام ثمانية وثلاثين وتسعمائة وألف وفي قصيدة قصيرة جميلة مطلعها:أين ليلاي أينها؟حيل بيني وبينهافليلى حسن الأمراني إذا ائتلقت وتأنقت، وتجملت وترهيأت، وتعطرت وتكسرت؛ فهي لا تكون، في هذا التجلي، غير الوطن، ولكنها إذا استحالت إلى طيف وهمي، وخيال غير مرئي؛ فلن تكون، بالقياس إلى الشاعر، غير منفى منبوذ، وقفر مرفوض.ومع ذلك فهي في الحالين الاثنتين تظل مجرد ليلى، أو قل: إنها تظل كل ليلى:كغمامة وطفاءتسكن ظهري امرأةلها في كل فاصلة يدوبكل نبض صيحةوبكل سطر من حروفي شهقةفإذا هي ائتلقتاسميها بلادي، لست أنكرهاأنصب حبها علماًوامنحها دمي.وإذا غدت طيفاًوأصبح حبها منفىاسميها، إذن، ليلىولا أدري لها نعتاً ولا وصفاً(الأمراني، المصدر السابق، سبع شداد).وقد لاحظنا، بالقياس إلى خصائص النسج في هذه القصيدة، ان الشاعر كان يعول كثيراً على الايقاع الداخلي الذي لم يعدم الشعر العربي القديم منذ أمرئ القيس، (كما هو معروف في صدر بيته المشهور):مكر مفر، مقبل مدبر معاًوكما في بيت أبي الطيب المتنبي مثلاً:فيا شوقي ما أبقى، ويالي من النوىويا دمعي ما أجرى، ويا قلبي ما أصباكما يمثل ذلك في بعض شعره:متذكرمتفكرمتطهرمسترشدمتعبدمتهجدوفي بعض قوله الآخر:صوامةقوامةلوامةتردي الدجى بقنوتها المتوقدأوابةتوابةنوابةلم يثنها نزع الثوى عن مقصد (سبع شداد، وصفحات الديوان دون ترقيم).ولعل القارئ ان يلاحظ ان مثل هذا الايقاع الداخلي المنسوج على منوال واحد يمتع الأذن إذا أنشد له، ويسهل عليه حفظه إذا أعجبه. ولأمر ما قال عبدالصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي، كما ذكر الجاحظ ذلك في كتابه "البيان والتبيين": "ما تكلمت به العرب من جيد المنثور، أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره".

بداية الصفحة

في أول ترجمة عربية كاملة يوقعها الدكتور أبوالعيد دودو
"الحمار الذهبي" لأبوليوس يبعث من منبته الأصلي

الجزائر مكتب "الرياض" فتيحة أحمد:

* "الحمار الذهبي" أول رواية في تاريخ الإنسانية.. تبعث من جديد من الأرض التي كانت منبتها وأصلها وهي الجزائر.. من خلال الترجمة الابداعية الجميلة التي وقعها مؤخراً الدكتور أبوالعيد دودو.. أحد أكبر المترجمين الجزائريين.. وهي الرواية التي عثر عليها المترجم في ألمانيا وأعجب بالطابع والأسلوب الروائى الشيق مما شجعه على ترجمتها لوضعها بين أيدي القارئ العربي ايماناً منه ان الترجمة عاملاً أساسياً في عملية التواصل بين الحضارات المختلفة ودافعاً رئيسياً للتلاقح الثقافي الخصب. هذا علماً أنها أول ترجمة عربية كاملة لرواية الحمار الذهبي لصاحبها "لوكيوس ابوليوس".. بعد تلك التي قدمها المفكر الليبي علي فهمي خشيم الذي عمد إلى حذف فقرات بكاملها وهو ما يعتبره الدكتور أبوالعيد دودو خيانة للنص الروائي الأصلي.وفي اللقاء الذي جمع "ثقافة اليوم" بالدكتور أبوالعيد دودو مباشرة بعد التكريم الذي حظي به من قبل رابطة كتّاب الاختلاف التي تولت نشر الترجمة ضمن سلسلتها "اللغة الأخرى" التي تقترب من الروايات والأعمال الأدبية المهمة وتنقلها إلى اللغة العربية.. تحدث الدكتور أبوالعيد دودو عن أسباب اهتمامه بالرواية التي يرجعها إلى قيمتها الفنية إلى جانب كونها جزءاً من التراث الإنساني الذي اكتسى شهرة كبيرة وبعداً عالمياً مميزاً. وإن لا يخفي الدكتور أبوالعيد انه ثاني من يقوم بترجمة هذا العمل الروائي الرائع إلى اللغة العربية بعد الليبي الدكتور علي فهمي خشيم فإنه يعيب على هذا الأخير حذفه لبعض المشاهد الجنسية من ترجمته من باب ان العمل الروائي تراث إنساني لا ينبغي التصرف فيه حفاظاً على الأمانة الأدبية.. ليذكر ان ترجمة فهمي خشيم التي صدرت العام 1980لا تخلو باعترافه هو نفسه في المقدمة.. من الصياغة والحذف والتصرف كما لا تخلو من الأخطاء المطبعية ليستطرد قائلاً فيما يخص اختياره لعنوان الرواية "اظن ان حماراً يتمتع بالحكمة والفحولة والرقة الإنسانية ليس جحشاً لذلك فضلت في ترجمتي التي انتهيت منها العام 1992وكنت قد ترجمت "آمور وبسيشة" العام 1982أيام إقامتي في منحة دراسية بفيينا وفضلت استعمال كلمة "الحمار الذهبي"."الحمار الذهبي" هذه الرواية التي تختلف المصادر التاريخية حول الزمن الذي كتبت فيه.. اكبتها أبوليوس في أيام شبابه أم في أيام نضجه.. يرجح الدكتور دودو ان يكون قد كتبها في أيام شبابه مستدلاً على ذلك بقوله أن أبوليوس ما كان ليعتذر في المقدمة عن قلة معرفته باللغة اللاتينية التي يرى بعض الدارسين انها لم تكن في وقته كثيرة الانتشار بين أهالي افريقيا الشمالية.. إذ هو كما يضيف لم يفخر بتمكنه منها ومن اليونانية على حد سواء إلا في مرحلة متأخرة من عمره ويستبعد أن يكون قد كتبها بعد محاكمته بتهمة قيامه بأعمال سحرية.وإن نقرأ فوق الغلاف الخارجي للعمل المترجم العنوان التالي (الحمار الذهبي.. أول رواية في تاريخ الإنسانية) يفاجئنا الدكتور أبوالعيد دودو في ثنايا مقدمته التي امتدت إلى أكثر من خمسين صفحة بقوله "ليس هناك ما يمنعنا من اعتبار رواية "الحمار الذهبي" ثاني رواية ظهرت في العالم إن صح حقاً ان رواية "غايوس بيترونيوس اربيتر" الموسومة ب "ستيريكون" (satyricon) الساخرة التي وصلتنا ناقصة واشتهر منها القسم المعروف تحت اسم "مأدبة تريمالخيو" هي الأولى فعلا! لكن ليشير من جهة أخرى في محاولة منه لإزالة اللبس ان رواية أبوليوس تعتبر علي أية حال أول رواية قديمة وصلت إلينا كاملة وشلت نوعاً أدبياً جديداً هو النوع الذي يعرف اليوم بالرواية الاطارية التي تضم مجموعة من القصص من جهة وبالرواية الأنوية أو الرواية التي يرويها المؤلف عن نفسه بضمير المتكلم من جهة أخرى."الحمار الذهبي" هذه الرواية التي اجتازت العصور الوسطى وعصر النهضة ووصلت إلينا دون أن تفقد شيئاً من ذهبيتها كما يقول المترجم أبوالعيد دودو والتي عرفت منذ القديس أوغوستينوس باسم الحمار الذهبي (asinus aureus) بل قد يكون هو الذي أطلق عليها هذا الاسم مثلما يشير إليه في مقدمته.. عرفت باسم "التحولات" في حالة الجمع في الدراسات الأوروبية. وقد ترجم اسمها الأول إلى العربية تحت عنوان "تحولات الجحش الذهبي" بينما ترجم العنوان الثاني في بعض الدراسات بكلمة أخرى غيرما عرفت به لا يفهم منها التحول الجسمي بحال من الأحوال هي "الحلوليون". ويرى المترجم أبوالعيد دودو انه كان من الأولى لبطل الرواية ان يسمى بالحمار الوردي، فلون الورد كما يوضح.. ألصق بالرواية من لون الذهب، فقد ذكر الورد أكثر من مرة.. فوصف البطل بأنه وردي البشرة.. ووصفت حبيبته بأنها وردية اليد تتزين له بها وتغمره بأكاليلها.. وأكثر من ذلك انه كان يحلم بالورد طيلة فترة تحوله ويفز كلما رأى الورد أو ما يشبه الورد لأنه يجسد الخلاص بالنسبة إليه!وإن يرى بعض الدارسين ان الرواية لم تصل إلينا كاملة لأهميتها الأدبية وإنما وصلتنا على صورتها هذه لأهميتها الدينية والتاريخية يرجع الدكتور أبوالعيد دودو فضل الاحتفاظ بهذه الرواية من القرن الثاني والثالث للميلاد إلى العصر الحديث إلى الرهبان والراهبات خاصة اللواتي حرصن على قراءتها والتمتع بمحتواها لتناول المسكوت عنه.. ويوضح الدكتور أبوالعيد دودو ان حديث أبوليوس عن حياته الخاصة ونزعته الدينية في روايته هو الذي أوحى للقديس أوغستين بكتابة اعترافاته ووضع كتابه.. ولقد حاول النقاد يضيف المترجم تفسيرها دائماً تفسيراً رمزياً فاعتبرها بعضهم رمزاً إلى العلاقة بين النفس الإنسانية والحب السماوي والظاهر ان "ابوليوس تأثر فيها بفكرة الحب عند أفلاطون وقد لا يستبعد هذا أحد، فالمؤلف يصف نفسه بالفيلسوف الأفلاطوني ويعترف به استاذاً.ويرى الدكتور أبوالعيد دودو ان كتب التاريخ الأدبي التي تلخص الحديث الرئيسي في الرواية على انها قصة إنسان يهتم بالسحر ويحب ان يتحول إلى طير ولكنه يتحول إلى حمار.. خلاصة تعتبر اجحافاً في حق هذه الرواية الفريدة ليرى من جانبه ان رواية الحمار الذهبي في واقع الأمر هي محاكاة ساخرة تقوم على مراعاة ما لأسلوب النص الأصلي من مميزات وسمات خاصة ولكن هذه المحاكاة الساخرة لا تنتهي كما يبينه في مقدمة الترجمة إلى طبيعة القصة اليونانية الهجائية.. وإنما هي تنتمي إلى أنموذج قصة المغامرات أو قصة المخاطرات كما يحلو الغنيمي هلال أن يسميها. ومن ثم يقول الدكتور أبوالعيد "يبدو ان التحول الساخر من إنسان إلى حمار قد تكون له صلة أيضاً بتغيير الجنس الأدبي من الملحمة الشعرية إلى الملحمة النثرية.. وعلى هذا فهي ليست رواية هجائية بأتم معنى الكلمة إذ هي تجمع بين السخرية والاستعراضية الفكاهية والهزلية الماجنة والنكات الخلفية والهجائية اللاذعة اضافة إلى مراعاة الحالات الوجدانية المتصلة بالمواقف المختلفة لشخصياتها الفاعلة. ومن مميزات الرواية ايضاً أسلوبها الماليزي وهو أسلوب متنوع يتراوح بين عدد من المستويات واللهجات الخاصة والعامة يتجلى في بناء لغوي فني محكم.أبوليوس.. هذا الذي وصفه الدارسون لآثاره بأمير خطباء افريقيا وأكثرهم نفوذاً معتبرين إياه ممثل اللاتينية الافريقية وسيد السرد وشيخه بلا منازع مثلما قال "ميخائيل باختين" وهو أكبر ناقد عرفه النقد الأدبي في العالم.. هو ابن منطقة (مادور سابقاً.. (مداوروش) حالياً بولاية سوق أهراس الواقعة أقصى الشرق الجزائري.. هذه المنطقة التي كانت مدرج طفولته وصباه والتي كانت توجد بها أكبر ثاني جامعة بعد جامعة روما بعد أن عمرها ارستقراطيون رومان.. ويرى الدكتور أبوالعيد دودو في اسمه شك لانعدام ما يؤكده في مؤلفاته بصورة قاطعة فهو أي (لوكيوس أبوليوس) يسمي نفسه في مخطوطاته كما يذكر المترجم أبوليوس المداوري الأفلاطوني حينا.. والفيلسوف الأفلاطوني حينا آخر ولعله اتخذ هذه النسبة كما يضيف تمييزاً له عن غيره من الحكام والمحامين والرومان فقد كان هناك عدد منهم يزيد على عشرة يحملون اسم "أبوليوس".. ومن آثاره "الدفاع" Apologia وهي مرافعة أو خطبة مطولة كتبها دفاعاً عن نفسه خاصة من تهمة السحر.. و"الأزاهير" Florida التي تضم مجموعة من الخطب والملخصات النثرية التي صنعت مجد أبوليوس وصلت إلى 23خطبة مقسمة إلى أربعة كتب و"عن سقراط" De den Socrates وهي رسالة عن القوى التي يطلق عليها اسم الشياطين.. و"عن أفلاطون وتعاليمه" De platone et eius dogmate لكتاب أرسطو عن الكون لكن أبوليوس يقدمه وكأنه من تأليفه.. و"أحد عشر كتاباً في التحول" Metamorphoseon Libri XI وهو ما يعرف برواية الحمار الذهبي.هذا ونذكر ان الدكتور أبوالعيد دودو.. هو واحد من المترجمين الجزائريين القلائل جداً الذين ينقلون الآثار الغربية إلى اللغة العربية بالأخص عن الألمانية باستعمال لغة وسيطة هي اللغة الفرنسية.. وهو في السابعة والسبعين من عمره مايزال يشرف على الرسائل الجامعية بالأخص رسائل الدكتوراه بجامعة الجزائر قسم اللغة العربية وآدابها.. له من الأعمال الابداعية أربع مجموعات قصصية وصور سلوكية من ثلاثة أجزاء.. وكتب المسرحية والدراسة النقدية والدراسة المقارنة وقصيدة النثر.. أما فيما يتعلق بالترجمة فقد مارسها إلى العربية من أكثر من لغة كما ترجم إلى الألمانية بعض قصصه وبعض المقطوعات الشعرية للشاعر الجزائري المعروف "محمد العيد آل خليفة نشرت في المجلات العربية والجزائرية.. وكذا المجموعات القصصية المترجمة من لغات عديدة إلى الألمانية.. وله إلى حد الآن أكثر من 23عملاً مترجماً آخرها "الحمار الذهبي" (2001) و"القط والفأر" لغونتر غراس (دار الجمل 2001) و"العالم الجميل" لألريش بك (دار الجمل 2001).. وقبلهم بقليل "العمل الفني اللغوي "لفولفغانع كايزر نهاية 2000".

بداية الصفحة

الدكتورة فاطمة موسى تقوم بترجمة رواية إبنتها
أهداف سويف "خارطة الحب" إلى العربية

مكتب لندن يسري حسين:

* صدرت في القاهرة عن الهيئة العامة للكتاب الترجمة العربية لرواية "خارطة الحب" التي كتبتها الأديبة د. أهداف سويف بالانجليزية، ونشرتها في بريطانيا حيث تقيم، وقد أظهرت طبعة أمريكية للرواية التي أعطت "سويف" شهرة عالمية، بعد ان تمكنت الوصول إلى القائمة المختصرة لجائزة "بووكر" الأدبية في بريطانيا. وكان يمكن لأهداف الفوز بالجائزة الأولى والحصول على 20ألف جنيه استرليني، وشهرة عالمية، بسبب طبيعة ونفوذ هذه الجائزة. وكانت كافة التوقعات تشير إلى احتمال فوز د. أهداف، بعد ان تمكنت من دخول القائمة المختصرة، والتي تضم ست روايات فقط. وقال أعضاء في لجنة التحكيم ان اختيار سويف الحديث عن الموضوع الفلسطيني وإدانة واضحة للمشروع الصهيوني، قد أقلق بعض أعضاء اللجنة من اليهود. وأشهرهم هو جيرالد كوفمان، الذي تولى منصب المتحدث الرسمي للحزب الحاكم في بريطانيا للشؤون الخارجية، عندما كان "العمال" في صفوف المعارضة.وتشير "سويف" في لقاء معها إلى ضغوط واضحة منعتها من الفوز بجائزة "بووكر" وان هذه المواقف ضد فوزها تم الحديث عنها في صحيفة "الجارديان" البريطانية. غير ان وصول "خارطة الحب" إلى المحطة الأخيرة في التصفية لجائزة كبرى أعطى الروائية ميزة الانتشار على الساحة البريطانية مع الاهتمام بعملها الروائي، وتحقيق معدلات توزيع، تعطي "سويف" مكانة على خارطة الأدب الروائي البريطاني، الذي يصنعه مجموعة من الأدباء الوافدين من عرقيات مختلفة، وينتمون إلى أصول ثقافية ترتبط بالشرق وآسيا وافريقيا. وقد باعت "خارطة الحب" في طبعة شعبية حوالي مائة ألف نسخة. وهذا عدد كبير، يعطي د. أهداف سويف مكانة متميزة على ساحة الأدب الروائي البريطاني الجديد، كما ان هذا النجاح يدشن اهتمام الدائرة النقدية بأعمالها المكتوبة الانجليزية. و "خارطة الحب" العمل الروائي الثاني للأديبة المصرية التي تعيش في بريطانيا وتكتب بالانجليزية. وكان أول اتصال لها مع ساحة لندن الأدبية هو صدور مجموعتها الأولى "عائشة" تم نشر روايتها الأولى في "عين الشمس" التي انطلقت من أحداث حياتها الجامعية للدراسة في القاهرة ثم لندن. وبعد الرواية الأولى صدرت مجموعة قصصية "زمار الرمل" ثم جاءت "خارطة الحب". وتتمرد الكاتبة على أسلوب إصدار مجموعة قصصية عقب صدور رواية لها وهي تتحدث الآن عن تفرغها لكتابة رواية جديدة.وقد صدر للكاتبة بالعربية مجموعة "زينة الدنيا" وهي عدة قصص مترجمة لأعمال صدرت بالانجليزية لها. ويعد نشر رواية خارطة الحب بالعربية أول لقاء كامل مع أهداف سويف من خلال لغة الضاد وقد جرت محاولات لترجمته في "عين الشمس" غير ان الفصول التي تم نشرها، لم تعبر بالكامل عن أجواء رواية طويلة، تستخدم عدة لهجات لغوية داخل تيار الانجليزية المتطور دائماً. وتكتب أهداف سويف بانجليزية حية، تحتاج أكثر من الاعتماد على القواميس للترجمة. وقد اختارت الروائية أمها د. فاطمة موسى للقيام بالترجمة، حيث جرت لقاءات وتعاون مشترك بين الكاتبة والمترجمة لإخراج هذا العمل قريباً من نصه الانجليزي والروح المسيطرة عليه. ويمكن القول ان "خارطة الحياة" بالعربية أول لقاء مع د. أهداف سويف للدخول إلى عالمها بأمانة شديدة، عبر ترجمة قريبة للغاية من روح النص، وطريقة كتابته. وقد التقيت د. فاطمة موسى الصيف الماضي، عندما كانت في لندن وحضرنا معا محاضرة لأهداف سويف في مجلس اللوردات البريطانية حول العلاقة بين الثقافتين العربية والانجليزية. وقالت فاطمة موسى، إنها في لقاءات مستمرة مع ابنتها حول نص "خارطة الحب" للوصول إلى المعنى الأكثر اقترابا من بناء النص الروائي الانجليزي. وعندما التقيت أهداف سويف في لقاء حضره، الروائي الطيب صالح، أعربت عن ارتياحها لوصول روايتها إلى العربية إلى القراء عبر ترجمة أمها د. فاطمة موسى. وأعتقد انها المحاولة الأولى لقيام الأم بترجمة نص للإبنة، ولعل التجربة تكشف عن الامتزاج بين النصين العربي والانجليزي. وتآلف هذه العلاقة بين المترجمة والناقدة والأستاذة الجامعية د. فاطمة موسى، والإبنة الروائية د. أهداف سويف. وقد سألت د. موسى إذا كانت مارست الكتابة الروائية. فقالت ببساطة شديدة، ان أهداف تكتب الرواية وهذا يكفي وكأن حلم كتابة الرواية تجسد في الإبنة بهذا التألق وجاءت الترجمة من الأم تكمل تجربة مثيرة في عمقها الروحي وتواصلها الأدبي والإنساني. وقد اتيح لي الحديث مع د. فاطمة موسى وأهداف سويف ورغم ان والد الروائية وزوج الناقدة، د. مصطفى سويف التقيته في جامعة القاهرة، إلا انه لم تجر لقاءات حول أدب الإبنة وتميزها على ساحة رواية مكتوبة بالانجليزية. وخلال اللقاء مع د . أهداف، أبدى الروائي الكبير الطيب صالح إعجابه الشديد بروايات سويف خصوصا "خارطة الحب". والطيب صالح علامة خارقة في أدبنا العربي، وهو رجل متواضع قال كلمته الروائية وبلورها في عدة أعمال كافية للغاية، للشعور بالاحترام والتقدير لتجربة مثيرة في عالمنا الروائي العربي.والجلوس مع الطيب صالح يمثل اطلالة بالغة الثراء على الرواية والأدب والشعر والتصوف. وهو اختار في هذه الجلسة الحديث عن روايات أهداف سويف والاهتمام بها. وقالت الروائية انها قرأت مبكرا الأدب العربي وانها أحبت يوسف إدريس أكثر وشعرت بتوهج أعماله، ورغم اطلاعها على أعمال نجيب محفوظ وحبها والاستفادة منها غير ان قصص يوسف إدريس، كانت تمثل توهجا مثيراً في عالم القص العربي. وقد سألت د. أهداف عن ترجمتها للانجليزية لنص الشاعر مريد البرغوثي "رأيت رام الله" فقالت، ان التجربة كانت صعبة للغاية لكنها أثمرت هذا النقل إلى النص الانجليزي. وقد قامت بهذه المهمة لتقديرها للشاعر الفلسطيني واهتمامها بالعمل الذي قام به وأهمية تقديمه إلى القارىء الأجنبي. وقد انشغلت الروائية بالترجمة في اتجاه جديد يعبر عن ثراء، تتألق حروفه في النص الروائي، الذي يعطي أهداف سويف مكانة خاصة تحدث عنها الروائي الكبير الطيب صالح.

بداية الصفحة

القضاء عند البدو

إعداد: مطر عايد العنزي رفحاء

* يخضع القضاء عند البدو للعرف والعادة ويتوارثه الأبناء عن الآباء الذين يكتسبون خبرة القضاء من مجالسة سابقيهم بهذا المجال. وتعد مجالس القضاء عند البدو مدارس يتخرج فيها القضاة الذين يحرصون على حضورها. ويستمد القضاء عند البدو في أساسه من الشريعة الإسلامية، لكن مع مرور الزمن أدخل عليه كثير من العادات والتقاليد والأعراف الموروثة، ولكنه لا يخلو من التنظيم ويبقى قريباً من المعقول في بعض أحكامه.ويعتبر شيخ القبيلة هو الرئيس الأعلى للقضاء فإن أراد فصل من لدنه في الأمور المتنازع عليها، وإن شاء ساق أصحاب القضية إلى احد القضاة ليحتكموا إليه كما يوجد عند القضاء البدوي متخصص في أنواع القضايا المعروضة، فهناك قاض للجنايات وقاض للحقوق وقاض للنساء والخيل يسمونه (قاضي المقلدات) ويعنون بالمقلدات الخيل والنساء فكل منها وضع في رقابها القلائد للزينة. كما يوجد في القضاء البدوي ما يشبه الاستئناف والتمييز فيحق لأحد الخصمين أن يطلب من القاضي السماح له بعرض القضية أمام قاض آخر إذا رأى أن في المسألة غبناً له وهذا ما يشبه الاستئناف وذلك بأن يقول للقاضي: سقني على غيرك. وهنا يختار القاضي الأول قاضياً آخر يتوسم فيه المعرفة والقدرة على البت في هذه القضية. ولكل من الخصمين الحق بتوكيل من ينوب عنه بعرض قضيته أمام القضاء والدفاع عنه إذا كان ضعيف الحجة، لا يحسن شرح قضيته أمام القاضي، وذلك بأن يختار رجلاً ممن يحسنون الدفاع والمحاجة، ويقول له العبارة المتعارف عليها عندهم (أنا ملبسك عباتي) ونادراً ما يقابل هذا الطلب بالرفض وهذا بديل عن المحامي، وللقاضي حق معلوم من مال أو حلال إذا بت في المسألة من عنده، ويساوي هذا الحق ثلث قيمة القضية إذا كانت القضية مالية أما إذا كانت غير ذلك فله مبلغ يتفق عليه ويسمى ما يأخذه القاضي (الرزقة) أما جلسة القضاء فتسمى (الطلابة). ويبدأ عرض القضية أمام القاضي بوجود الخصمين أو من ينوب عنهما فيعرض كل منهما قضيته ويحضر الشهود الجلسة إذا استدعى الأمر ذلك ولا تقبل شهادة من سبق له أن حلف يميناً كاذبة، ويستمع القاضي ومن بمجلسه لأقوال الطرفين فإن كانت القضية من القضايا المعروفة لدى القاضي في كيفية الحكم فيها أو سبق ان مرت عليه مثيلة لها بت فيها بالحكم بعد أن يختار كل من الخصمين كفيلاً لضمان حقه وان اختلط الأمر على القاضي ولم يستطع ايجاد حل للقضية يطلب من المدعي البحث عن قضيتين مشابهتين لهذه القضية وكيف تم القضاء بهما ليقضي له على قياسهما. وقبل النطق بالحكم يطلب أحد الخصمين من خصمه الآخر المساح له بأن يختار كفيلاً يضمن له حقه وذلك بأن يقول لخصمه (هدني على كفيلي) فيقول له خصمه (هديتك) أي سمحت لك فيقول: أنا منهد على فلان ويسمي اسم الكفيل وليس بالضرورة أن يكون حاضراً وعليه القيام بالالتزام بجميع ما يترتب على الحكم متى علم ذلك، فإذا امتنع الخصم عن تأدية ما حكم به القاضي عليه يكون الكفيل مسؤولاً عن تحصيل الحق منه بالقوة وفي القضايا الجرمية يعين من أجل ذلك كفيلان أحدهما يسمى كفيل (دفا) والثاني كفيل (وفا) فكفيل الوفاء لتحصيل الأمور المالية وكفيل الدفا لضمان عدم مطالبة أهل المقتول أو الذين وقع فيهم الجرم بحقهم في العقاب أو الثأر وإذا ادعى شخص على شخص آخر ورفض المدعي عليه الاذعان للحق أو لضعف خصمه أو قلة عشيرته، ففي هذه الحالة يلجأ الخصم الضعيف إلى أحد الرجال الأقوياء ذوي النفوذ في العشيرة فيعقد أحد طرفي شماغه ويقول له (أنا بوجهك على الحق) ويشرح له مشكلته. ومن العيب على الملتجأ إليه رفض الطلب. وعندئذ يرسل هذا الأخير إلى المدعى عليه يطلب منه الإذعان للحق ومقاضاة صاحبه فإذا حصل ورفض الخصم التقاضي فإن المستجار به يجبره على الإذعان للحق بالقوة. ومن جملة الإجراءات المتخذة في مثل هذه الحالة أن يستاق المجير إبل الخصم فيحتجزها ويضع العقل في أيديها حتى يذعن الخصم للحق ولا يحكم القاضي البدوي بالإعدام على القاتل لأن أهل المقتول لا يقيمون دعوى في مثل هذه الحالة ويقومون بتحصيل حقهم وأخذ الثأر بأيديهم ونادرة جداً هي الحالات التي يحكم فيها بالقتل على القاتل ولا يحدث ذلك إلا عندما يهدر دمه من قبل العشيرة كلها وكأن يرتكب الجاني أعمالاً مشينة تمس شرف العشيرة وسمعتها.ويتميز القضاء البدوي بما يعرف بالبشعة حيث يعمد القاضي إليها إذا طلبها المدعي حين تنقصه البينة والشهود وذلك بأن يستدعى المتهم فإذا انكر عرض عليه أن يبشع، والبشعة هي أن يؤتى بالمدعي والمدعى عليه إلى خيمة القاضي الذي يقوم بإحماء على النار قطعة من حديد رفيعة الشكل كيد محماسة القهوة حتى تصبح حمراء الطرف ثم يشير إلى المتهم بمد لسانه لكي يلمسه بها يبشعه، فإذا لم تؤثر بلسانه كان بريئاً وإلا فهو مجرم. والبشعة بهذه الطريقة يستعين بها القاضي كطريقة نفسية يبني حكمه على ما يستنتجه من تصرفات المتهم وسلوكه تجاه المؤثرات وطمأنينته إذا كان بريئاً بحيث لا يظهر عليه الخوف ولا يجف ريقه فلا تؤثر اللدغة السريعة بلسانه. وإذا كان بالفعل مجرماً فمن الطبيعي ان يخاف ويجف ريقه ويظهر الوجل على وجهه وتؤثر الحديدة المحمية بلسانه.المراجع: 1 البدو والبادية لجبرائيل جبور 2 البدو لحسين الخضير. 3 مقابلات شخصية للكاتب مع كبار السن.

بداية الصفحة

بيتي فور



* من المعجنات التي دخلت على ثقافة الأسرة الغذائية هذه الأسماء. وحلت محل "لقمة العروس" والجوزية والمعمول والكليجا إلى آخره. ويستعملها المعجبون والمعجبات بكل جديد من الأسر المتوسطة وما فوق أقصد اللفظ والأكل.والكلمة فرنسية PETIT BEURRE.وتعني الزبدية.. أو المعمولة على زبد. والكلمة اللاتينية الأخيرة تعني بالفرنسية الزبدة.عبدالعزيز محمد الذكيرaalthukair@hotmail.com

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ اسماء | تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم


مواقع الرياض
جريدة الرياض
الرياض إكسبرس
الرياض@نت
دنيا الرياضة
الرياض الاقتصادي
الصحفي الإلكتروني
منتدى الكتّاب
دليل المواقع