في "ماغ" في الجنوب الفرنسي معرض فني للتشكيلي الروسي كاندينسكي، رائد التجريدية
باريس مكتب "الرياض" من عيسى مخلوف:
* يقام حاليا في مؤسسة "ماغ" في مدينة "سان بول" في الجنوب الفرنسي معرض استعادي شامل للفنان الروسي كاندينسكي الذي يعد من رواد التيار التجريدي في الفن الغربي الحديث.قبل التوقف عند هذا المعرض، وهو من بين أبرز الأحداث الثقافية حاليا في فرنسا، لابد من الالتفات الى مؤسسة "ماغ" الفنية التي تقع على تلة مرتفعة في اطار طبيعي رائع، بالقرب من مدينة "فانس" التاريخية، قام بتأسيس هذه المؤسسة عام 1964الزوجان مارغريت وايمي ماغ اللذان كانا من مشجعي الفنون الحديثة. وفي منطقة "فانس" التي تذكر طبيعتها كثيرا بطبيعة جبال لبنان، اشتريا أرضا واسعة وشيدا عليها مركزا فنيا يضم نتاج بعض أهم الفنانين المعاصرين، ولقد لاقى هذا المركز، منذ تأسيسه، نجاحاً عالمياً حتى أن الأديب ووزير الثقافة السابق اندريه مالرو كتب عنه قائلا: "هنا في مؤسسة "ماغ"تم تجريب شيء لم يجرب ابدا من قبل: ابتكارفضاء يستطيع الفن ان يجد فيه موقعه.."في مؤسسة "ماغ" يطالعنا زواج رائع بين الطبيعة والفن، والمؤسسة في الواقع لم تبن على الأسس نفسها التي تطالعنا في المتحف الأخرى لأن الفنانين أنفسهم قاموا بتزيين الأماكن التي ضمت أعمالهم مما أضاف على المؤسسة طابع المشاركة بين الفنانين وأصحاب المشروع.تضم مؤسسة "ماغ" اليوم أكثر من ستة آلاف عمل فني حديث، وبذلك تكون مع "مركز بومبيدو الثقافي" أهم تجمع للفن الحديث في فرنسا، وقد ساهمت بعض الأسماء الفنية الكبيرة في اعطاء المؤسسة شهرتها العالمية ومنها الفنان الاسباني ميرو، والسويسري جياكوميتي وله ساحة كبيرة في المؤسسة تحمل اسمه وتمتلئ بنماذج من منحوتاته، والفرنسي جورج براك الذي قام بتصميم زجاجيات المؤسسة.بالاضافة الى المجموعة الدائمة، تقام باستمرار المعارض المؤقتة التي تعرف بمراحل مهمة من مسيرة فنون القرن العشرين، ضمن هذا الاطار يقام حاليا المعرض الاستعادي الشامل للفنان كاندينسكي، نشير الى أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي تكرم فيها فرنسا رائد التجريدية، ففي عام 1963أقيم لأعماله معرض كبير في "قصر طوكيو" في باريس، وفي عام 1979أقيم ايضا معرض في "مركز جورج بومبيدو". غير ان المعرض الذي يقام حالياً في مؤسسة "ماغ" هو الأكمل والأشمل لأنه يضم أكثر من خمسين لوحة بعضها يمثل علامة بارزة في مسيرة الفن الغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين.كان كاندينسكي المولود في موسكو عام 1866في الرابعة والأربعين من عمره عندما أنجز أول لوحة تجريدية وقد جاءت امتدادا لتجاربه في اطار تجمعات فنية منها فريق "الفارس الأزرق" الذي ضم مجموعة بارزة من الفنانين الألمان الرواد.وكان كاندينسكي الذي ولد في كنف عائلة بورجوازية ومثقفة قد تعلم الألمانية في طفولته، وقرر أن يتابع دراسته في ميونح التي وصل اليها عام 1896وهو في الثلاثين من عمره، كانت المدينة وقتها تعج بالنشاطات الفنية الطليعية التي يفتقر اليها المجتمع الروسي الذي كان خاضعا لسلطة القياصرة. وبسبب هذ النشاط الفني قرر كاندينسكي الاستقرار في ألمانيا ودرس في محترفاتها، ثم أسس عام 1901تجمعا يدعى "فلنكس" وكان يهدف إلى الجمع ما بين الفنون الشعبية والفنون الحديثة، وكانت أعمال الفنان الأولى قد أظهرت تأثرا واضحاً بالفنون الشعبية الروسية، وفي الأربعين من عمره تمكن كاندينسكي من بلورة توجهاته الفنية التي قادته الى التجريد بعدما اقتنع بضرورة الغاء صور الأشياء المستوحاة من الواقع في لوحاته، لوحته التجريدية الأولى كانت مائية وقد رافقتها كتابات عدة تحدث فيها كاندينسكي عن أسباب تبنيه للتجريد. وقد نشرت هذه الكتابات في كتاب له بعنوان "عن الروحي في الفن"، ويمكن الاطلاع على أول طبعة منه في المعرض المقام حاليا، كما يمكن زائر المعرض التعرف على اللوحات التجريدية الأولى للفنان وقد أنجزها ما بين عام 1910و 1914وهي جعلته أحد أبرز الوجوه الطليعية في ألمانيا.غير ان اندلاع الحرب العالمية الأولى أجبر كاندينسكي على مغادرة المانيا والعودة الى روسيا حيث التقى بالفنانة نينا اندريفسكي التي أصبحت زوجته، لكن تبدل الأوضاع في روسيا بعد حدوث الثورة البولشفية وعدم قدرته على التكيف في المجتمع الجديد الذي ولدته هذه الثورة دفعاه الى الهجرة من جديد الى ألمانيا حيث أصبح من ابرز المساهمين في معهد "البوهوس" الذي أسسه المهندس المعماري والتر كروبيوس ودعا الى صهر نشاطات الفنانين التشكيليين والنحاتين والمعماريين والحرفيين في بوتقة واحدة، خلال هذه المرحلة وعلى الرغم من تفرغه للتعليم في "البوهوس"، تابع كاندينسكي نشاطه الابداعي وركز في لوحاته التجريدية على الأشكال الهندسية مثل الدوائر والمكعبات والمثلثات، لكن سيطرة النازية على السلطة في المانيا ادت الى اغلاق معهد "البوهوس"، مما دفع بالفنان الى الهجرة إلى باريس عام 1933حيث يبدأ مرحلة فنية جديدة تمثلت في تركيزه على الألوان الحارة وعلى مزيد من التكثيف، مع بروز أشكال مستوحاة من العالم النباتي والعضوي، وتطالعنا بعض اعمال هذه المرحل في لمعرض.أخيرا، على الرغم من الاعتماد على التجريد الهندسي والتخلص كليا من محاكاة الواقع، فان كاندينسكي ظل يركز على الابعاد الروحية في فنه.
|