اكتب لنا اكتشف مواقع الرياض عناوين الرياض اليوم الأرشيف بحث الرئيسية
Thursday 02 August 2001 No.12092 Year 37 الخميس 12 جمادى الأولى 1422 العدد 12092 السنة 37
مواضيع الصفحة
اكتبني يا قلمي

أصدرته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة.. د. سمير عبدالحميد:
الشعب الياباني لا يعتبر الدين عقيدة يتمسك بها
الشنتوية الديانة القومية.. والبوذية رحب بها المثقفون ولم يهتم بها العامة


جناحا الفراشة

صدور آخر إشعار الراحل الخاطر

كيف سينتهي العالم؟

صورة العالم المعاصر
على مشارف الألفية الثالثة والعولمة


د. حسن الصميلي ل "ثقافة اليوم":
التعريب في المغرب لم ينجح إلا قليلاً لأنه اقتصر على المدرسة


الاستعارة واللغة"حسن الاستعارة من حسن الإدراك"(أرسطوطاليس)

الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة

من حياة المبدعين
(أديسون) مجنون وبيضة فاسدة في نظر أساتذته وعالم ياباني يبلور أفكاره تحت الماء


مساءلات فكرية
السلطة الخامسة


لا شيء خارج الحكاية (2/1)

نسغ الكلام
صالح الحميدان


لميعة الموغلة في السر وفي السحر!

ملاحظات متأخرة عن معرض:
أدونيس ..شاعر في عالم اليوم، 1950ـ 2000


البنيقة

اكتبني يا قلمي

شعر إبراهيم محمد شحبي

قلمٌ يكتبني من قال: أنا أكتب بالقلمِقلمٌ يسفحني قولا مخذولاونشيجا من كبواتوحروفا لا تتعاطى غير دمي* * *قلم يكتبني وأنا أزعم أني سيدهأني أرسم بالكلمات حوافرهأزعم أني أكتب للناس وللدنياوإذا قلمي يغريني بالموتيرتد أزيزا في جمجمتيونصالا في جوف من لهبِ* * *قلم يأخذني للتيهِويزرعني عنوانا للحدءسِموالا لغثاء الوعثاءءيزرعني صرحا دون عمادءومنابت للشدو الراسخءيزرعني دانة إرث قبليّوشغاف قصيد مختالِيزرعني عقم ندىولذيذ نداء مفلولِيزرعني حتى تنثال بروقوتلهث نار اللحن وراء اللوذِيزرعني جحفل حزن معجون بالبوحِ* * *أعود وقد خان الليل صبيحتهُوتأبط وجد الموج خمائلهُوفكَّ الأفق غلائلهُوأعود وقد مدّ الظل أريكتهُوتوشح طفلٌ حسرتهُوبكى بين الجوعِ وبين الموتأقام على وعدٍ شقوتهُ* * *وأعود وأنا ساقيةٌ مسبلةوأنا طوفان من حلموأنا موال من شجنأعود أنا قافلةأعود أنا أجنحة من ركب تاه بلب الزرقةأعود خواطر من طير مأخوذ ...وأعود أعود..قلمي ينكرنيينكر نوباتيوغنائي المصعد في الآتيونشيدي المذبوحولوني المبهم في ذاتي* * *قلمي ينكرني ينكر رسف غلالاتيوسلالة صوتي الراسخة القهروتدلّه حزنيينكر فرط التعزيماتهواجس ذاتي عابرة في النسغيسلخني من بؤسيوحواضن حسي بالموعوديلغيني من ذاتي ودلالاتييناقض كل ركامات مدارتييفشيني مفاصل شوقنكهات مواعيد* * *أنقصف الآن نوايا من لبسأنقصف الآن معينا من نصأنقصف الآن مصاريع بكاءومفاتيح غناء..وأفر إلى قلمي يكتبنيفأنا الآن نشيج من كبواتوأنا الأن شظايا من كلماتوأنا من هول اللحظة منقصف* * *أعود إلى قلمي يرسمنيموالا من أصداءدوائر عتمة أمشاج تصلانيأتوثب خلف حروفيأتوحد في جمر النجوىأقترف الوهم وأتشح الخسران* * *أعود إلى قلمي يكتبنيوقدة عشق ضاعت في الألحانكينونة غيب في الأشياءهجسا مسفوحا من لأواءنبشا مغلولا من ذكرى* * *أنفرط الآن قرابين مدادوبدايات سوادونهايات بياضأنكفىء الآن حروفا تنفضها اللواءوجراحا تتكسر في السراءودموعا تعبت من حمل الجدران المترعة النوحتسكب نيران عبوديتناتشعل يا قلمي روحي بالبوحفاكتبني ذاكرة البدء(مبتكرا آخر أشكال البؤس)اكتبني ميراثا من عشقنبض كرامة إنسان مغلوبحشد معان تنسى النسياناكتبني كونا من شجر العمر.. وبستانا من أولى الأشياءاكتبني شدوا تتطاول أعناق الدنيا عن قولوتحط على مثواي الأسماءاكتبني طقس العالم.. ومواعيد فصول تمتد فضاءلتخيط الريح حقولا.. وتذر على الدنيا الأضواءاكتبني قامة حرف ينتصب النبض جواري.. مرسوما بالحبر ومصهورا بدمائي..اكتبني سيفا للحق.. جالد دون الطهر فتجلوه الشمس شهيدااكتبني سيرة شعر ممتد من عمر الموج إلى طفح الصمت..* * *اكتبني يا قلمي اكتبني..لا تتركني أتسلل من ذاتي للموت.

بداية الصفحة

أصدرته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة.. د. سمير عبدالحميد:
الشعب الياباني لا يعتبر الدين عقيدة يتمسك بها
الشنتوية الديانة القومية.. والبوذية رحب بها المثقفون ولم يهتم بها العامة

عرض عبدالله الطلحة:

* يرى الدكتور سمير عبدالحميد إبراهيم أن المجتمع الياباني يقبل ما يراه مفيداً لأفراده، واليابانيون كأفراد يقبلون ما يرونه مفيداً لهم وللمجتمع من حولهم.هذه الحقيقة استلهمها الدكتور سمير وأكدها من خلال دراسته التي قام بها وأصدرتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في كتاب اطلق عليه "الإسلام والأديان في اليابان".ويشير المؤلف إلى أن الشعب الياباني بدأ منذ العصور الأولى عبادة مظاهر الطبيعة نتيجة للخوف منها مثله مثل بقية الشعوب البدائية، ويؤكد أن عبادة السحر قد ازدهرت حيث كانت جزءاً من الطقوس الزراعية وأصبحت فيما بعد أساساً لمذهب الشنتو، الديانة القومية الحالية، ويعد المؤلف "الشنتو" عقيدة خاصة تقتنص من الأفراد ولا يدعو إليها أحد لكن هناك منظمات ومؤسسات (Kosha) تضم أعضاء من عبدة الكامي هي نموذج آخر شبيه بوكالة الدعاية للعقيدة أو الدعوة الدينية للإيمان بالكامي طبقاً لمفهوم الشنتو، وقامت هذه الوكالات بالدعوة إلى عيادة كامي أو إله بعينه، والدعوة إلى ممارسات دينية معينة بالإضافة إلى الدعوة لجمع الأموال والتبرع بما يجود به الناس حتى يتمكن غير القادرين من الحجاج المؤمنين بالشنتو من السفر إلى بعض المزارات ويوضح أن هذه الوكالات أو المنظمات قد تطورت رغم كونها منظمات محلية محدودة لم تكن لها علاقة بأي مزار معين، ولذا والحديث للمؤلف حين أهمت حكومة ميجي المزارات فان بعض هذه المنظمات وخاصة تلك التي كانت تقدس المزار الكبير في أزومي أصبحت فرقة تعرف اليوم باسم (الشنتو الطائفية أو الطوائف الشنتوية) إضافة إلى غيرها ويؤكد أن لهذه الفرق أثرها في نشر الشنتو وخاصة في العصر الحاضر حيث تطورت وسائل الاتصال والمواصلات، مشيراً إلى أن المزارات قد اعتمدت أساساً على تطوير ودعم العلاقة بين أهل الحي أو الدائرة السكانية لدعم عقيدة الكامي وكانت المشاركة في الاحتفالات ذا أثر قوي، ويضيف المؤلف أنه نتيجة لما حدث في الحرب العالمية الثانية وانهاء إشراف الحكومة على المزارات صارت المزارات في حاجة إلى تدريب بعض الناس على أداء شعائر وطقوس خاصة بها ومن هنا دعت الحاجة إلى نشاطات دعوية وظهرت كتابات تهم الكهنة أنفسهم وأخرى تهم الناس العاديين، وبدأت المزارات تستخدم ما لديها من إمكانيات وتسهيلات فانشأت مؤسسات خاصة بها كدور الحضانة والمدارس ويؤكد أن ما يجري اليوم من خلال هذه الأنشطة يمثل حقيقة مهمة تفتح العيون على ما يمكن أن تحققه المزارات في سبيل نشر عقيدة الشنتو.(البوذية)أما البوذية فيفرد المؤلف لها الحديث مؤكداً أنها دخلت اليابان قبل بعثة الرسول ~ بنصف قرن تقريباً مشيراً إلى أن المثقفين اليابانيين قد رحبوا بالبوذية لكن عامة الشعب لم يهتم بالأمر حيث أنهم لم يروا هناك تناقضاً إذا ما وصلوا في مزاراتهم الشنتوية لتهدئة غضب آلهتهم أو التمسوا رحمة بوذا من خلال طقوس المعابد البوذية.ويوضح أن أهم ما يميز تاريخ تطور البوذية في اليابان هو العلاقة الوثيقة بين الحياة الدينية والحياة الوطنية حيث أن البوذية عكست دائماً الحركات السياسية والاجتماعية إن لم يكن في مجال الفكر الديني فقد كان ذلك في مجال الحياة العامة وكان الدين في اليابان هو مخزن أو مستودع الثقافة والفن تأخذ منه جميع المدارس والحركات التي كتب عنها ودرست أكاديمياً وبقيت جزءاً من الدين الذي استمر حتى اليوم.ويشير المؤلف إلى أنه ومع حركة ميجي عام 1868م وسحب الاعتراف والتأبيد للدين كان على البوذية أن تواجه عالماً جديداً فقد وجدت نفسها بين يوم وليلة مضطرة أن تتعامل مع تعقيدات التقنية الحديثة بينما الأديان الأخرى كانت قادرة على تطوير واستنباط العلاقة بالتدرج السريع كما أن على البوذية أن تواجه تحديات المسيحية وحركة التنصير التي دخلت اليابان حديثاً آنذاك.ويؤكد أن هذه التحديات كانت سبباً في تقوية البوذية من خلال إعادة تقييم مثالياتها ونماذجها ومنظماتها وهكذا كانت البوذية الحديثة رد فعل لكسر اللاشعور واللامبالاة لدى الأجيال الأخيرة في اليابان، ويوضح المؤلف أن قادتها لم ينجحوا في هذا وما لا يمكن انكاره هو عدم الرضا عن البوذية كدين منظم على المستوى الشعبي وعلى مستوى غير المثقفين.(النصرانية)ويردف المؤلف حديثه حول النصرانية مؤكداً أن النصرانية في اليابان دخلت على يد بعثة الجزويث الشهيرة التي قادها القديس فرانسيس زافير عام 1549م إلا أن اليابانيين ظلوا خلال القرن التاسع عشر الميلادي في حالة عداء عميق مع النصرانية ثم بدؤوا باتباع سياسة التسامح الديني الكامل سنة 1873م، ويؤكد المؤلف على حقيقة نقلها الشيخ علي الجرجاوي نقلاً عن أحد القساوسة في اليابان سنة 1906م أن اليابانيين لم يثبتوا على حالة واحدة من جهة الدين وأنه رغم النفقات الهائلة التي كلفت النصارى فإن اليابانيين كانوا سرعان ما يتركون النصرانية بعد فترة وجيزة والاحصاءات الحالية تثبت هذه الأرقام التي تحتاج منا إلى تفكير عميق.ويقول المؤلف إذا كان تعداد سكان اليابان 121مليون نسمة وإذا سألت أحداً عن ديانة السكان فستكون الإجابة على النحو التالي: 95مليون نسمة يدينون بالشنتو و 87مليون بالبوذية و 750ألف بالنصرانية و 25ألف نسمة بالإسلام ومليونان بديانات أخرى ومن هذه الديانات الكونفوشية وديانة تنريكو وكونكوكيو والأوموتو وديانة تنشو كوتاي جينجوكيو وديانة أناناي كيو وديانة ستيتشو نواية وديانة سيكاي ميشي وغيرها من الديانات الحديثة في اليابان والتي اتجه إليها البعض شعوراً بالحاجة إلى الدين إلى المعتقدات الخرافية أو إلى حركات شعبية لها طابع ديني.ويعتبر المؤلف من خلال هذه الاحصاءات التي أوردناها أن ذلك يدل على أن الشعب الياباني في العادة لم يعتبر الدين عقيدة يتمسك بها وأن من اعتنق ديناً ما يكون على استعداد لقبول دين آخر، تتداخل تعاليمه مع تعاليم دينه الأول.ومما ساعد على ذلك طبيعة الشعب الياباني ذاته، فهو مجتمع شديد التميز بتجانسه ونظامه لا يتعرض لانقسامات جادة تمزقه وقد يرى البعض أنه مجتمع متماثل بصورة تدعو إلى الملل وبما كان ذلك نتيجة العمل في جماعات بالإضافة إلى روح الفريق وتجنب المواجهات الصريحة بين أفراد المجتمع،ويرى المؤلف أن الشعب الياباني بدأ فعلاً يفكر هذه الأيام في الغيبيات وضرورة انتماء الإنسان إلى عقيدة ما أو دين ما.أما الإسلام فيشير المؤلف أن بعض المسلمين قد بذل جهداً في سبيل دعوة اليابانيين إلى الإسلام ولا يزال البعض يؤدي هذا الواجب الجليل وقد بذل بعض المسؤولين يقدمون الدعم لنشر الدعوة الإسلامية.أما تاريخ الإسلام فيذكر المؤلف أن هناك شبه اتفاق حتى الآن على أن تورا جير ويا مادا رئيس لجنة تجارة الشرق الأدنى في اليابان والصحافي المشهور شوتار نودا هي أول مسلمين يابانيين.ويذكر المؤلف ما قدمته المملكة العربية السعودية من دعم لنشاطات الدعوة الإسلامية في اليابان كنموذج فقط ليدرك القارئ صحة الرأي القائل ان الدعوة الإسلامية في اليابان لا تسرح الخطى بقدر ما يقدم لها من دعم، ويورد جهود الملك عبدالعزيز رحمه الله في ذلك وأبناؤه الملوك فيصل وخالد رحمهم الله ، وما يقدمه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حفظه الله إضافة إلى ما يبذله صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، وما يفعله ويقدمه أهل الخير في المملكة.ويشير إلى أن هناك حاجة ماسة لوضع خطة للدعوة تقوم على أساس من العلم والمعرفة بتاريخ اليابان وبعقائد أهلها وعلى أساس فهم الشخصية اليابانية. مشيراً إلى أن الإسلام يجد طريقه اليوم في قلوب الكثير من اليابانيين بعد أن قارنوا بينه وبين الديانات الأخرى فوجدوا البعد شاسعاً من حيث يسر العقائد وقرب تناولها وعقلانية تعالميه السمحة وعرفوا أن الإسلام الذي نزله رب العباد الواحد الذي لا شريك له على نبيه محمد ~ خاتم المرسلين والنبيين ليكون ديناً للبشرية هو السبيل إلى تحقيق الأمن والسلام في ربوع الأرض في الحياة الدنيا وهو السبيل إلى نيل رضا الله والفوز بالاخرة، كما فهموا أن الإسلام دين سماوي وشرعة ربانية ومنهاج قويم ليس من أفكار البشر، ويقول المؤلف إذا كان عدد المسلمين الذين قدموا للحج في عهد المغفور له الملك عبدالعزيز لم يتجاوز أربعة حجاج فإن عددهم في حج عام 1420ه قد تجاوز الأربعين حاجاً مما يبشر بالخير لأنه يمهد الطريق أمام الدعوة الإسلامية في اليابان على يد أبنائها المسلمين.

بداية الصفحة

جناحا الفراشة

قصة: وفاء العمير

* عندما كانت تتأمل جناحي احلامها وهي ترف حول طيفه الذي يفاجئها كالحلم.. كانت تحط كيمامة فوق اغصان فرح عبق كأوراق الشجر المغسول برائحة المطر.. في قلبها عاصفة حنين، وانغام قصائد تعد حروفها لتنبت كسرب من الغمام فوق التفاصيل الصغيرة لوجوده في حياتها.. كانت تعلم انها تحبه بكل جوانحها، كان كوناً يتأجج فرحاً مضيئاً في جمود ايامها.. ثمة ياسمين يتفجر من رحيق ابتسامتها العذبة عندما تشرق الذكرى في خيالها، من فجر مشاعرها ينبع ذلك الاحساس.. غير انها كانت تعلم انه لا يكفي ان تعيش احلامها به لتكون سعيدة!!.. كان هدوءها يرسم لوناً للحزن يباغت عينيها كلما اطلت الذكرى عائمة كليل طويل يرمي بعباءته السوداء فوق دهشة رؤاها، حالمة بالربيع الذي ربما لا تمنحه الفصول.. يا ابنتي، عمر الفتاة فراشة تطير لزمن يركض نحو السقوط، خذي عمرك من بين جناحيها قبل ان تحترق بلهب مصابيح الافول!! أمي.. زمني ليس جناحي فراشة تهوى السقوط في برك الاضواء اللامعة، لكنه عمر يشرق من وجنتي الورد الذي يورق في حدائق قلبه.. كانت تعلم ان حوارها ذاك يخرج من دمعة تسترق من احساسها مطر الحب لتروي به رغبة يتيمة بتصديق ما ينبت على حافة جرحها.. الايام تعدو حولها وتصهل في جنبات احلامها، يزداد صهيلها حرقة.. رسائلك تصلني، لكنني لا اقرأ فيها شمساً على وشك الاشراق في عتمة ليلي الطويل كلماتك تصافح عيني لكنها لا تصل الى الابتسامة لترسمها على شفة آمالي اخيراً. انني لا املك لك سوى الحلم يا غالية ذكراي، اتوهم ان للحياة اكثر من ذراع تحتويني احضانها، واسترد عافيتي بمشهد الذكرى اتلوه على مسامع الغربة، لعلني انجو بشيء مني، لعلني انال قسطي من الفرح بابتهاجي الاثيري لوجودك الى جانبي. لكن للاحلام لصوصها، وانا قد سأمت الاحتفاظ بأحلامي في ادراج الذاكرة، مشددة عليها الحراسة، محاولة حمايتها من اقرب الناس الي، الذين يخافون على واقعي من احلامي، ويرونها ستسارع في تحطيم شبابي، والاسراع بي الى العنوسة باكراً!!. تلّم عباءة الايام حول مشاعرها المرتبكة، لم تعد تعرف اذا كان ذلك الحب سيمنح مشاعرها مدناً للدهشة ام انه فأس آخر تنهال به على جدار سعادتها!! نحن لا نعيش في جزيرة مغلقة على مشاعرنا وحدنا، ثمة نظرات تغرس تفاصيلها بمرارة مفجعة في اعماقي، انت هناك تعيش حياتك بعيداً عن الضغوط التي تحط بثقلها فوق كاهلي وحدي، انني اميل بأحزاني في كفة لا يترجح فيها سوى همي!.لم تعد تدري كيف استحال ذلك الشعور المرهف وتلك السعادة الجميلة بحب مباغت كالنسمة الربيعية الى غمامة تنشر في سمائها اضطراباًَ ينغص عليها زهو ذلك الشعور، وتلك الحميمية المبهجة بترنيمة احلام كالزهر تحلّق خلف عصفورها المهاجر. صار على السؤال ان يكبر في هاجسها، وان يحتل جزءاً من مخيلة احلامها تلك التي كانت تأخذ مساحتها كاملة دون منازع!!.. (الى متى سأظل انتظر داخل دائرة مغلقة لا يسكنها سواي؟!!).وشعرت انها تخون حلمها به، وشعرت ان جناحي الفراشة يلتفان حول قامة خوفها دون ان تدري.. وشعرت ان لصوت امها خيوطاً تشدها الى حلقة السؤال بغفلة منها، وبدهشة فاجأت ارتباكها، كانت تردد هذه العبارة في اعماقها وهي ترفل بثوب عرسها من سواه: (لا يكفي أن تعيش احلامك لتكون سعيداً).

بداية الصفحة

صدور آخر إشعار الراحل الخاطر

كتب محمد الهويمل:

* صدر عن مكتبة وهبة مجموعة شعرية للراحل مبارك الخاطر رحمه الله تحت عنوان (الصَّك) التي بدأ في اعدادها في اواخر حياته.في مستهل المجموعة عرف الشاعر في توطئته شعراء الكلمة وشعراء التشكيل واشاعرية وشاعرية الكلمة وقسم الديوان الى نماذج بدايات ومحتوياتها (النهر... والقارب) و(مفازة) و(بين القبور) ونماذج ساخرة وقصائدها (قيرى.. رمضان) و(واعظ... وتحاس) و(الصك) و(صلاة) و(مقايضات) و(لجنة الوفيات) و(أعطى الكواسر) و(إبانة) و(ريادات انسانية قصوى) و(ربابنة.. في.. سفين) و(أين عيدي) و(ردّ) ونماذج عامة ومنها أين من يصفي) و(يكفيني) و(رايتي) و(نجمات) و(ذكرى) ونماذج صور تراثية وهي (عقيلة) و(بين القلعة والحنينية) ونماذج نثريات وهي (اللحظة) و(الريح) و(الفأر) و(بالخنجر... أحبوك) ونماذج غزل ومنها (غريمتي.. السمراء) و(في ذكر الهوى) و(عودها.. جوفاء) و(عتابها) و(برالحسن) و(مشفى الورد) ونقتطف بعض الأبيات من قصيدة تخييل:الآن أستقري دقيم مشاعريفيبين لي عما سأكتب... أوبماالآن.. أبصره عموداً موصلاًمن مفرقي حتى يراعى.. مُعلماالآن تهمى مفردات مشاعريبين الأنامل... ثم أكتب من انهمىوالديوان جزء من سلسلة (شيء من الاصغاء يا سادة).

بداية الصفحة

كيف سينتهي العالم؟

محمد علي شمس الدين

* في مقال أخير في مجلة تايم Time، بحث علمي عن احتمالات نهاية العالم، ويتضمن استقراء حول النهايات المحتملة، من خلال افكار علماء ذرة وطبيعة، وفيزياء ورياضيات، من نيوتن مروراً بانشتاين وصولاً الى العلماء الراهنين.الملفت في هذا الاستقراء العلمي، هو ادخال آراء وأبيات من الشعر لشعراء معدودين يتخيلون النهايات يقول ت.س. اليوت بأنه ينتظر نهاية هادئة وتدريجية للعالم، الذي لن يقضي أو يزول بضربة مفاجئة، ويقول شاعر آخر ان البعض يتصورون النهاية بالنار، وآخرين بالماء، والبعض بالرغبة... اما هو فيتصور نهايته النار.ولا تختلف كثيراً رؤى او تخرصات النهايات هذه، بين العلماء والشعراء. فثمة رؤية تجمع بين الطرفين، لا شك فيها. ويروى بأنه كان ثمة علاقة صداقة تجمع بين العالم اينشتاين وشاعر الهند الاكبر طاغور. وكانت تجمعهما جلسات تأمل مشتركة. يدخن اينشتاين غليونه متأملاً، وأمامه طاغور.. وبينهماالصمت. وقد سئل ذات مرة عن العلاقة التي تربطه بطاغور فقال انه يصنع هو في الرياضيات ما يصنعه طاغور في الشعر.فإنه، مع نهايات هذاالقرن، وعلى الرغم من صعود بعض الاهازيج هنا وهناك، لتمجيد النظام العالمي الجديد، يظهر لنا ان سقف العالم صار اشد انخفاضاً على الكرة الارضية، وعلى رؤوسنا، مما كان عليه في اي وقت مضى من التاريخ.إنه اشد انخفاضاً حتى من سقف الامبراطوريات القديمة.. المسماة بربرية، وحتى في سقف امبراطوريات القرون الوسطى؟والمتأمل في بنيان هذاالسقف، سيلاحظ انه جاء في نتيجة حروب وصراعات طويلة على امتداد قرون، ربما اقربها بالعهد يعود الى نابوليون بونابرت والاشد قرباً يعود الى سقوط النازية، والراهن منها يعود بعد تفكك الامبراطورية السوفياتية، الى ذاك الغليان الاقليمي بين الشعوب، والاقليات، والصراعات الشرسة التي مازالت قائمة بل محتدمة لاثبات الكيان الوطني... من جمهوريات البلقان وبقايا الاتحاد السوفياتي المفكك الى فلسطين.ومع تقدم التقنيات الهائل، ازداد التلوث في الطبيعة كما ازداد في النفوس.. ان تمركز القوة والسلطة في العالم اليوم أمر مخيف.. أمر يدعو للريبة. والنهايات التي يخاف منها العلماء والشعراء معاً، هي جزء من هذا الخوف. لأنه، على رقعة شاسعة من الارض، تمتد من صقيع سيبيريا الى شواطىء الخليج، ومن ناغورني كاراباخ الى فلسطين المحتلة وأخواتها، يظهر ان الليبرالية المنتصرة لا ترغب لانتصارها هذا ان يكون اقل من الموت عينه.. اي من انتصار يقفل ابواب الحياة والتطور الحر امام الشعوب والحضارات، سواء المنهزم منها امام الليبرالية المنتصرة او الساعي في ركابها.يظهر هذا الانتصار وكأنه يتجه ضد تفتّح الابداع البشري، وتخيفنا منه الرغبة في مصادرة المستقبل.. مستقبل الشعوب.انه سقف العالم الجديد، ولابد لنا من اختراقه.عناصر الخوف من الثقافة الجديدة المنتصرة تأتي من امر جوهري فيها هو رغبتها، لا في مصادرة الواقع بكامله لصالحها، بل من مصادرة الامل والخيال ايضاً... وانه، كما نعلم، دون هذه المصادرة الاخيرة... اهوال. اهوال انتفاضات وتمردات.. اهوال حريات مكبوتة مهيأة للانفجار، ونفوس حية ومكبلة ومهيأة للثورة.. ان دون ذلك دماً غزيراً سوف يسيل من اعراق الشعوب.. ومن عرقنا العربي بالذات.. ومن شريانه الأشد توتراً.. الشريان الفلسطيني.حسناً.. وممّ الخوف ايضاً في النهايات؟الخوف ايضاً يأتي من عناصر العلوم والتكنولوجيا المتطورة التي تضعها هذه الثقافة في خدمتها، ومن بينها وسائل التدمير الهائلة. واذا كان لابد من ابتكار خصوم لها في سبيل تدميرهم، فلا بأس من ذلك، مادام تدمير هذا الخصم المصنوع يعزز القوة المركزية من جهة، ويروج لسوق السلاح المستهلك من جهة ثانية... إذ ان ثروات المتمولين الكبار، خلال ازمنة التاريخ، يظهر انها مصنوعة من كلفة الشعوب للحروب... ولا يختلف الأمس عن اليوم لهذه الجهة، بل لعل هذه الكلفة في مطالع القرن الحادي والعشرين اغلى واصعب.الهراوة العسكرية للراعي الجديد للعالم، ستجعل شعوباً كثيرة تدخل في صراع الحرية المرير من اجل عدم الانتظام في الحظيرة. وإلا فإنها ستكون مطرودة الى الخارج، بعنف، كما يقول المفكر الفرنسي "بروكز" في رده على مقولات فوكوياما، في كتابه المعروف عن "نهاية التاريخ" والانسان الاخير على الأرض.ومن عناصر خوفنا ايضاً، ان الثقافة الجديدة المنتصرة، تأتي بانتصاراتها وهي راكبة على حصان من دم، فالظاهر من هذا الحصان، هو: ليبرالية وديمقراطية، اما الباطن فبطش. انها.. جحيم مكيف بعبارة هنري ميلر. فكل تفتت للنظام القديم في العالم، هو تفتت عنفي ودامٍ، وتصحبه حروب أهلية، وصراع اعراق وأديان وانتماءات. ان قشر الكرة الارضية يتفسخ بسكانها بقوة، وتسيل دماء كثيرة في الشقوق، وتصعد تأوهات مخيفة في أرجاء المعمورة. انتصار النظام الجديد ليس انتصاراً زاهياً، تحيط به الزغاريد والاحتفالات، وتزينه أكاليل الورود، وألحان الموسيقى والاناشيد.. هو انتصار مأساوي في الكثير من جوانبه، إن لم يكن انتصاراً كوارثياً.وثالث عناصر الخوف او رابعها، هو عدم اكتفاء هذه الثقافة الجديدة بما التهمته من حطام الشعوب والحضارات الاخرى، ابتداءً من البائد منها من اكثر من نصف قرن، كالنازية، وصولاً الى المتحطم منها على صخرة جبروتها كالماركسية، فإلى حركات الشعوب التحررية القومية... بل شهيتها الكبيرة لالتهام اي شيء قد يقف في طريقها، اليوم، وغداً..انهم لا يرغبون في أن يكون انتصارهم حاسماً وكفى، بل يرغبون في ان يكون انتصاراً أخيراً ونهائياً أيضاً.ونسأل: أليس ثمة من قوى احتجاج على هذه الثقافة الجديدة الكاسحة؟ أليس ثمة ما ينقذ النهايات من نهاياتها؟.نحدّق في اعماق ذاتنا، ونلتفت حوالينا، فنجد ان اهم ظواهر الاحتجاج تأتي من ناحية حيوية الاسلام في اكثر من منطقة من العالم... الإسلام في ما هو ثقافة محررة للانسان من كثير من ارتهاناته، وظروف العسف والعبودية المحيقة به، وفي ما هو محرّض للقوى الابداعية فيه التي تستدعيه لكي يحضر حضوره الانساني الحر والعادل على الارض وبين الشعوب، مثلما تستدعيه لكي يتصل بغايته الاخيرة اعني بذلك الله عز وجل.. وعلى امتداد الزمان.حيوية الاسلام، اليوم، عنصر جوهري من عناصر "ثقافة الضد"، التي تنتشر اكثر ما يكون، في التربة الخصبة للشعوب العاثرة والمضطهدة، وفي الهوامش ومجتمعات الاستلحاق والاستهلاك. وعين ثقافة العالم الجديد المنتصر، ليست بغافلة او ذاهلة عما يدور حولها في نقاط من خريطة العالم. فهي تعتبر ان ما يجري إنما يجري على مرأى ومرمى منها في كل حال. لكن ذلك لا يمنعها من الشعور بالخطر الزاحف من جهة الاسلام وأن هذا الخطر مؤكد وإن كان احياناً ملتبساً. وسبب التباسه ان عناصره مفاجئة في بعض الاحيان، وهي بعيدة (جغرافياً) عن الارض المباشرة للنظام العالمي الجديد (امريكا واوروبا). يقول فوكوياما إن الخطر يبدأ بالفعل حين تبدأ الالمانيات بلبس الحجاب".وعند النظام الجديد عينان: واحدة على ثروات الشعوب، وواحدة على الإسلام.يطلقون اليوم على حيوية الإسلام تعابير كثيرة. ولعلهم يدرسون هذه الحيوية جيداً في معاهدهم ومراكز الدراسات، مثلما درسوها في الماضي. والنقاش حولها محتدم ومحموم. لا شك في انهم يعرفون جيداً، وعلى سبيل المثال، ان جزءًا من حيوية الاسلام قد حرر الجنوب اللبناني... وانه جزء من ثورةالداخل الفلسطيني.. بعضهم يرى ان هذا الخطر ضئيل، مادام الإسلام محصوراً في حدوده وعلى أرضه، ولم يخرج من القمقم، بحيث يبقى في الامكان ضبطه وتكييفه.. آخرون يرون ان الاسلام قادر على ان يشيع ويفيض من ارضه خارج الحدود الى اراض اخرى ولو بعيدة. انه قادر على العدوى والمفاجآت.سقف العالم الجديد سقف معدني وضاغط لقد استلزم صنعه فناء نصف البشرية تقريباً، ودمار نصف العالم. لذلك فإن اي ثقب فيه او اختراق له، لن يحدث من خلال احلام تسقط في نقطة ما حائرة بين الخرافة والماضي. ولن يحدث ذلك من دون دم يراق على أطراف التكنولوجيا.إنه هكذا ينبغي حفظ العالم من البوار. بيروت

بداية الصفحة

صورة العالم المعاصر
على مشارف الألفية الثالثة والعولمة

هاشم صالح

* أصدرت "جامعة كل المعارف والعلوم" كتاباً ضخماً في باريس تحت عنوان: ما هي الثقافة؟ وقد ساهم في تأليفه عشرات الباحثين والمفكرين العالميين، كل في مجال اختصاصه. وتجاوز الكتاب الثمانمائة صفحة من القطع الكبير. نذكر من بين المشاركين: الفيلسوف بول ريكور، والشاعر ايف بونفوا، والباحث برتران بادي الأستاذ في العلوم السياسية، والمفكر مارسيل غوشيه، والناقد جيرار جنيت، الخ.. وقد افتتح الكتاب المؤرخ البريطاني الشهير اريك. ج. هوبسباوم الذي كتب دراسة طويلة ومهمة تضيء لنا الكثير من النقاط.. وكان مما قاله: إن عام (1945) يمثل قطيعة كبرى في تاريخ البشرية. فهو يختم ثلاثين سنة من الحروب العالمية التي ابتدأت عام (1914). ولم تكن النتيجة فقط هزيمة المانيا واليابان من خلال انتحار هتلر وإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وإنما أدت أيضاً إلى نهاية بريطانيا وفرنسا كقوة عظمى. فمنذ القرن السادس عشر راح البحَّارة والجنود الأوروبيون يتوسعون ويستعمرون العالم، ومن ورائهم أفواج المستوطنين.. وحتى الحرب العالمية الثانية كان العالم محكوماً من قبل أوروبا التي لم تكن الشمس تغيب عن مستعمراتها. ولكن بعد عام 1945م، أصبح محكوماً من قبل قوتين تقعان خارج أوروبا: القوة السوفييتية التي هي أوروبية وآسيوية في آن معاً، ثم القوة الأمريكية التي تقع خارج أوروبا تماماً. ولكن نهاية بريطانيا وفرنسا كقوتين عظميين لا تعني أن العالم لم تعد تحكمه موازين القوة، والتحالفات، والتنافسات، والصراعات بين القوى العظمى.فالواقع ان تاريخ العالم بعد عام 1945م لم يكن إلا تاريخ الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وهو ما يدعى بالحرب الباردة التي انتهت أخيراً بانتصار أمريكا وحلفائها وانهيار المعسكر الشيوعي عام (1989). وبالتالي فالقرن العشرون هو من أقصر القرون لأنه ابتدأ عام (1914) وانتهى عام (1989)، أي أنه دام خمسة وسبعين عاماً فقط. إن الحرب الباردة التي دامت أربعين سنة ونيف كانت تشبه الحروب المذهبية أو الدينية التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت في القرون الماضية. ولكن بدل الايديولوجيا اللاهوتية، والدينية حلّت الايديولوجيا السياسية. فكل طرف كان يعتبر نفسه وكأنه يمثل الخير والآخر الشر. ولا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد وصف ريغان للاتحاد السوفييتي بأنه يمثل امبراطورية الشر. وفي الماضي كان الكاثوليك (أي اتباع البابا) يعتبرون أنفسهم في صف الخير المحض والدين والحق، وينعتون البروتستانت بالزندقة والهرطقة، والانحراف عن الخط المستقيم للدين المسيحي، وبالتالي فهم كفار في نظرهم وتنبغي محاربتهم واستئصالهم. ويمكن القول بأن البروتستانت كانوا يردون عليهم بالصاع صاعين ويعتبرونهم بمثابة أتباع الشيطان! هكذا نجد أن الحرب الايديولوجية القائمة على الدعاية والبروباغنده لا تقل أهمية عن الحرب العسكرية. وانتصار الغرب على الشرق عائد إلى هذه المسألة وانحسار الايديولوجيا الشيوعية وفقدانها مصداقيتها وليس فقط إلى الفشل الاقتصادي للاتحاد السوفييتي.. فالغرب الليبرالي انتصر فكرياً على الشرق الشيوعي.. ولكن لا ينبغي أن ننسى دور الدبلوماسية أثناء الحرب الباردة.. فالحرب تكون أىضاً دبلوماسية.. وقد لعب هنري كيسنجر في بداية السبعينات دوراً كبيراً في اضعاف الاتحاد السوفييتي عندما نجح في إقامة تحالف أو هدنة وفاقية على الأقل مع الصين الشيوعية. وكان ذلك في عزّ حرب فيتنام. والواقع أن كيسنجر مثله في ذلك مثل كبار الدبلوماسيين في التاريخ لم يكن أبداً عبداً للمسبّقات الايديولوجية.. فكل الوسائل التي تؤدي إلى اضعاف عدوك ينبغي أن تستخدمها حتى ولو اضطر الأمر إلى التحالف مع عدو آخر بشرط أن يكون منافساً للأول.فالغاية تبرر الواسطة بالنسبة لماكيافيلي وتلامذته من الدبلوماسيين المحترفين والأذكياء.لقد لعبت الدبلوماسية الذكية أو الماكرة دوراً مهماً في عدم حصول الحرب العالمية الثالثة التي كانت تهدد العالم بالدمار الشامل.. نقول ذلك ونحن نعلم أن القوتين العظميين كانتا مسلحتين حتى العظم، وقد أوشكتا أكثر من مرة على اللجوء إلى القوة.ويرى هذا المؤرخ البريطاني الكبير أن منتصف القرن العشرين يمثل قطيعة كبرى في تاريخ البشرية. بل انه أكبر قطيعة حصلت منذ عشرة آلاف سنة!.. فمثلاً كان عدد سكان العالم عام 1950مليارين ونصف المليار، فأصبح عام 2000ستة مليارات. يضاف إلى ذلك ان الانتاج المادي للبشرية تضاعف خلال الثلاثين سنة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية. إن الانعكاسات الاجتماعية والثقافية المترتبة على هذه الانقلابات الاقتصادية الديمغرافية هي أكثر من ضخمة. ولم نستخلص منها كل الدروس بعد. وبالتالي فيمكن القول ان نصف القرن الماضي دشَّن المتغيرات الأكثر سرعة وثورية في تاريخ الكوكب الأرضي.. ولكن لا يمكننا أن نفهم ما حصل في العالم بعد عام 1945م، إلا إذا اعتبرنا الحرب العالمية الثانية بمثابة آخر حلقة في سلسلة الكوارث التي ابتدأت عام (1914) في سراييفو.. فالذي حصل آنذاك هو عبارة عن انهيار حقيقي للحضارة التي كانت الرأسمالية البورجوازية والليبرالية قد شكلتها طيلة القرون السابقة في أوروبا. وقد انتشرت عندئذ حركات بربرية جديدة تحت اسم النازية والفاشية، ثم توسعت في كل أنحاء أوروبا. وهي حركات تحتقر الإنسان وفكر عصر التنوير وقيمه. ومن المعلوم ان هذا الفكر كان مفخرة أوروبا وحضارتها. ولكن النازيين، والفاشيين داسوا عليه ومرَّغوه في الوحل، واستهزأوا به لأنهم ما كانوا يؤمنون إلا بالقوة والبلطجية وعمليات السطو والعنف.. على هذا النحو انهارت الحضارة الأوروبية ودخلت في نفق مظلم منذ عام (1914)، ولم تخرج منه إلا عام (1945). وقد حصل تحالف غريب من نوعه بين الرأسمالية الليبرالية والشيوعية من أجل محاصرة الوحش النازي والقضاء عليه في نهاية المطاف.لقد استطاعت أوروبا أن تخرج من هذه المحنة الرهيبة وتعيد بناء نفسها بفضل صلابة بنيتها الاجتماعية والمؤسساتية الموروثة عن القرن التاسع عشر، وكذلك بفضل الاحتياطي الضخم للقوى الإنتاجية، وامكانيات الاقتصاد الرأسمالي. إذا لم تأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار فإننا لن نفهم سبب انطلاقة أوروبا بعد عام (1945) حيث خرجت منهكة ومدمرة بعد الحرب العالمية الثانية. في الواقع ان الرأسمالية، استطاعت أن تجري تغييرات عميقة على ذاتها، ولهذا السبب تمكنت من النجاح وتجاوز عصر الكوارث في أوروبا. ولو انها ظلت مصرة على طريقتها القديمة في استغلال الناس واحتقار الطبقة العاملة لكانت قد فشلت في عملية البناء والتحديث ولربما أدت إلى حرب عالمية ثالثة.. لقد عرفت الطبقة السياسية والاقتصادية القائدة في أوروبا كيف تنقذ نفسها وممارساتها السابقة التي أدت إلى الكارثة.فالتجربة النازية أرعبت المانيا وأخرجتها من نطاق الحضارة. ولذلك راح الألمان بعد الحرب العالمية الثانية يتساءلون: كيف حصل ذلك؟ لماذا حصل ما حصل؟ ولماذا مشى معظم الشعب الألماني وراء هتلر في هذه المغامرة النازية الطائشة؟ وهل تُجنّ الشعوب وتفقد صوابها كما يُجنّ الفرد؟ لهذا السبب راحت الطبقة السياسية تستخلص الدروس والعبر مما حصل وتحذر الناس من التطرف والمتطرفين.. بل ظهرت الكتب الجديدة التي تنتقد الايديولوجيات المتعصبة التي تتحدث باسم الشعب والجماهير وتجيّش الناس بالملايين، ثم تقود الشعب إلى حتفه كالنعاج.. وهكذا نضجت الشعوب الأوروبية وأصبحت عاقلة ومتزنة.. ولم تعد تنجرّ وراء هؤلاء القادة المجانين الذين يتحدثون باسم الشعب ثم يدمرون الشعب أو يسوقونه إلى الهلاك.. وهنا يكمن الفرق بين الشعوب الأوروبية وبين شعوب العالم الثالث التي لا يزال يغامر بها بعض القادة المغرورين أو الحمقى الذين يضربون حتى قبل أن يفكروا.. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الشعوب تصفق لهم وتتبعهم بالملايين! انظر ما حصل في العالم العربي أثناء غزو الكويت، شيء لا يكاد يصدق.. إن المسألة هي مسألة نضج سياسي وفكري وعقلاني في نهاية المطاف.. وشعوبنا لم تنضج بعد من هذه الناحية على عكس الشعوب الأوروبية.. مهما يكن من أمر فإن الرأسمالية الليبرالية راحت تتبنى البرامج الاجتماعية للحركات العمالية الاصلاحية.. وهكذا قطعت الطريق على اندلاع الثورات والاضطرابات.. فتحسين مستوى العمال والطبقات الشعبية وقبول الرأسمالية بتقديم بعض التنازلات، كل ذلك أدي إلى الحفاظ على السلام الاجتماعي في دول أوروبا الغربية. ثم خطت الرأسمالية الليبرالية خطوة أخرى في اتجاه المصالحة لكي تقطع الطريق على الثورة العمالية فتبنَّت مبادئ الاشتراكية، الديمقراطية التي قدمت الكثير من الامتيازات للطبقة العاملة. وهكذا اتخذت الرأسمالية الليبرالية لأول مرة وجهاً إنسانياً إلى حد ما، وتخلت عن وجهها الجشع والبشع الذي ساد طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.. ولهذا السبب نعمت المجتمعات الأوروبية بالاستقرار والسلام منذ عام (1950) وحتى اليوم.. وهذه هي المرة الأولى التي يمر فيها نصف قرن دون أن تحصل حرب واحدة بين دول أوروبا.. بل ان هذه الدول انخرطت في عملية تشكيل الوحدة الأوروبية لكي تقيم التضامن بين شعوبها ولكي تقطع الطريق على أي مغامرة عسكرية أو حرب جديدة قد تدمر أوروبا كما حصل سابقاً أكثر من مرة. هكذا نجد ان الشعوب الأوروبية تنعم بالسلام والأمان منذ خمسين سنة وحتى اليوم. ولهذا السبب نقول ان عام (1945) يشكل قطيعة في تاريخ أوروبا والعالم.لكن المأساة لا تزال مستمرة خارج أوروبا والغرب.. فحروب آسيا وافريقيا ومنطقة البلقان حصدت أكثر من ثلاثين مليون شخص منذ عام 1945وحتى اليوم.. ينبغي أن نذكر هنا بشكل خاص حرب كوريا ( 1950 1953)، حرب فيتنام ( 1945 1975)، ثم حرب انغولا وموزامبيق الطويلة والبربرية وبخاصة بعد الاستقلال ثم حرب رواندا مؤخراً. وينبغي أن نذكر أىضاً حروب جنوب آسيا والشرق الأوسط. وجميع هذه الحروب تحصل في العالم الثالث. وهو الاسم الذي أطلقه الاستراتيجيون الغربيون على جميع الشعوب الواقعة خارج نطاق العالم الأول (أمريكا الشمالية + أوروبا) والعالم الثاني (الاتحاد السوفييتي وتوابعه).. ولكن العالم الثالث ليس موحداً على عكس ما توحي به هذه التسمية الظاهرية أو السطحية.. فهناك فروقات كبيرة بين شعوب أمريكا اللاتينية، والشعوب العربية الإسلامية، والشعوب الافريقية السوداء، والشعوب الهندية، الخ.. وبالتالي فلا يمكن أن نضع الجميع في سلة واحدة هكذا.. نقول ذلك على الرغم من أن هذه الشعوب تتشابه في بعض النقاط: كسوء التنمية، والتخلف، والفقر، والاستبداد السياسي، وانعدام الحريات الديمقراطية بشكل متفاوت من منطقة إلى أخرى.. ولكن ينبغي أن نعلم أن انعدام الديمقراطية أو الحريات السياسية والعقائدية عائد أىضاً في جزء منه إلى ضعف النمو الاقتصادي وانتشار الفقر في شرائح واسعة من السكان.. فالواقع أنه منذ عام 1945م وحتى اليوم ما انفكت الهوّة تتسع بين غنى بلدان الشمال/ وفقر بلدان الجنوب. وقد كانت نسبة التفاوت (19/1) عام 1950، فأصبحت (30/1) عام 1971م، ثم (72/1) عام 1990، وذلك بحسب احصائيات البنك الدولي.. ولذا نقول بأن مسؤولية الدول الصناعية الغنية تجاه العالم الثالث كبيرة. ولا يمكن للعالم المتقدم أن يقف مكتوف الأيدي أمام ذلك البؤس الهائل الذي يكتسح بلدان الجنوب. فهو يهدد توازن العالم وقد يشعل الفوضى والاضطرابات والأعمال الإرهابية في السنوات المقبلة. بل ان هذا الشيء حاصل منذ الآن.. فالحركات المتطرفة والأصولية سوف تستغل الوضع بتفجير الموقف في أكثر من مكان. وفي نهاية بحثه يحاول المؤرخ البريطاني الكبير أن يقيم محصلة ختامية للقرن العشرين فيعدد النقاط الايجابية والنقاط السلبية.. ففيما يخص الأولى يرى أن نهاية الحرب الباردة بشكل سلمي ودون اللجوء إلى الحرب الذرية يمثل خاتمة سعيدة فعلاً.. فالاصلاحيون في الاتحاد السوفييتي، وعلى رأسهم غورباتشيف، أدركوا أن اقتصادهم سوف يصل إلى الكارثة إذا ما استمروا في سباق التسلح مع أمريكا.. وأما النقطة الايجابية الثانية فهي تراجع الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية وانهيار الأنظمة الشيوعية. وعلى الرغم من استمرارية الظلم واللا مساواة بين الشمال/ والجنوب إلا أنه حصل نوع من إعادة التوزيع العالمي للإنتاج الصناعي وذلك لصالح مناطق العالم الثالث.. يضاف إلى ذلك تراجع الأمية والجهل وازدياد عمر الإنسان في مناطق عديدة من العالم ما عدا افريقيا السوداء ودول الاتحاد السوفييتي السابق.. ويمكن أن نضيف إلى النقاط الايجابية التسارع الهائل للثورة المعلوماتية والتكنولوجية العلمية في العقود الأخيرة من القرن العشرين.وأما النقاط السلبية فتتمثل أولاً في زوال الاتحاد السوفييتي بالطبع فإننا لا نأسف لزوال ذلك النظام الديكتاتوري الكاذب والفاسد الذي قضى على الحرية الفكرية لمدة سبعين سنة.. ولكن زواله بدون تقديم بديل لشعوبه غير الرأسمالية المتوحشة يعتبر كارثة.. وأما النقطة السلبية الثانية فتتمثل في انتصار النسخة المتطرفة في الليبرالية الجديدة على المستوى الاقتصادي والعالمي. باريس

بداية الصفحة

د. حسن الصميلي ل "ثقافة اليوم":
التعريب في المغرب لم ينجح إلا قليلاً لأنه اقتصر على المدرسة

بيروت مكتب "الرياض"من جهاد فاضل

* هل بدأت المطالبة بالامازيغية لغة وطنية ثانية في منطقة القبائل بالجزائر، لتمتد لاحقا الى المغرب؟ في المغرب قد يكون المشكل على درجة من الخطورة يتجاوز ما هو عليه في الجزائر نظرا لان الامازيغ موجودون في كل مكان في المغرب بعكس ما هو عليه الوضع في الجزائر. ثم ان الامازيغ في المغرب، ومنذ ايام المرابطين والموحدين زمن العصر الاندلسي، والى اليوم، لعبوا دورا تاريخيا مشرفا في الذود عن الاسلام وثقافته وحضارته. وهم في الوقت الراهن، سواء عبر مجلتهم "أمازيغ" المحتجبة اليوم، او عبر منابر ثقافية ووطنية اخرى، يطالبون بالتعامل مع لهجتهم، او لهجاتهم على الاصح، على انها لغة او لغات وطنية لها كل الحقوق الثقافية التي للغة العربية.في هذا الحوار مع الدكتور حسن الصميلي عميد كلية الآداب (بنمسيك) في الدار البيضاء، حديث عن العربية والامازيغية واللغة الفرنسية والتعريب.يعرض الدكتور حسن الصميلي في هذا الحوار لتعدد اللغات واللهجات في المغرب. وعنده ان هذا التعدد قابل للمعالجة عن طريق الانصات الى الاخصائيين، ولكنه "ليس مشكلا في العمق لان فيه اغناء للثقافة المغربية، لفعاليات تتفاعل وتنتج عنها ثقافة غنية".ويقول الدكتور حسن الصميلي ان التعريب في المغرب لم ينجح الا قليلا لانه اقتصر على المدرسة ولم يكن هناك تصور لدور اللغة في المجتمع. "كما ان قرار التعريب، بداية، لم يؤخذ بصورة متروية تسمح بالتأمل والتفكير والتصميم والتخطيط والاستعداد". فالفرنسية هي اللغة الاساسية في حين تبقى العربية مجرد لغة، او لغة لتدريس بعض المواد التي تدرس باللغتين. ولكن تبقى روح هذه المدرسة هي نمط التعليم الاجنبي وثقافة وعقلية التعليم الاجنبي. وهكذا لم ينجح التعريب، بل انه اساء الى وضع العربية في المغرب.عن المشكل اللغوي في المغرب كان هذا الحوار مع الدكتور حسن الصميلي عميد كلية الآداب (بنمسيك) في الدار البيضاء بالمغرب.قال الدكتور حسن الصميلي ل "الرياض": يطرح الحديث عن اللغة العربية في المغرب العربي عدة جوانب منها ما هو لغوي محض كتواجد مختلف اشكال اللغة العربية وعلاقة هذه الاشكال بعضها ببعض كاحتكاك اللغة العربية باللغات الاخرى المتواجدة في المغرب العربي، ثم التمييز بين اللغات التي يمكن نعتها باللغات الوطنية واللغات الاخرى التي دخلت مع الاستعمار كالفرنسية والاسبانية والانكليزية. ومنها ما هو ثقافي وحضاري يأتي من الحمولات الثقافية لهذه اللغات ومن الصراع الذي تنتجه والذي لم يحسم بعد.وعندما نتحدث عن تواجد اللغات في المغرب العربي لابد من التمييز بين المؤسسة التعليمية والحياة العامة. كما انه لا يمكن الحديث عن اللغات داخل المدرسة دون التطرق الى التعريب لانه في كل بلدان المغرب العربي، وبخاصة الاقطار التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي، حاولت في وقت من الاوقات الدخول في مسلسل التعريب. وفي كل الحالات، وهذا ما هو ثابت، لم يهم التعريب سوى المدرسة، بينما ظلت الادارة، الا في حالات نادرة، والمؤسسة التجارية والصناعية تشتغل باللغة الفرنسية.واذا كان التعريب لم ينجح بصفة كاملة، او لم ينجح الا قليلا على الاصح، فان اهم الاسباب هو قصور التعريب على المدرسة، وقد اضعف هذا القصور من نجاح التعريب لانه انعكس على تصور دور اللغة العربية في المجتمع المغاربي. وعندما دخلت هذه البلدان في مسلسل التعريب كان عند الجهات التي كانت تدعو اليه حماس وطني وقومي يعتبر ان التعريب سيعيد للغة العربية مكانتها في هذه الاقطار ويوثق عرى الوحدة والاخوة بين المغرب العربي والمشرق العربي الذي تختلف فيه الوضعية اللغوية اختلافا كبيرا.في كل لحظة من لحظات القرار لم يحدث في كل اقطار المغرب العربي ان تخذ قرار التعريب بصورة متروية تسمح بالتأمل والتفكير والتصميم والتخطيط والاستعداد. كلما قرر التعريب كانت اسباب القرار ايديولوجية وسياسية ولم تغيّر بصورة كافية ومنطقية الجوانب العلمية والتربوية وكذلك الجوانب الثقافية التي يمكن ان تنعت بها كل ما يهم الحداثة والتحديث لانه اذا اخذنا مثال تعريب العلوم الانسانية يمكن مقارنة محتوى المقررات قبل التعريب وبعده ويظهر واضحا من هذه المقارنة ان اهداف التكوين تغيرت بتغير اللغة وكذلك طرق التدريس تغيرت بتغير اللغة مثال الفلسفة والتاريخ. عندما كانت تدرس هذه المواد باللغة الاجنبية كان الهدف الاساسي هو اذكاء روح النقد واذكاء حاسة التأمل والتفكير، واذكاء طرق التعلم، واذكاء حس الاعتماد على النفس في التعليم، اي استقلالية المتعلم. كل هذا مرتبط باللغة ومرتبط باساليب التكوين ومضمونه. في ذلك الحين كان يجب ان نكوّن الاطر التي كانت سوف تقبل على تدريس هذه المواد بالعربية. كان يمكن مثلا ان نوجه الى بعض الدول سواء العربية او الاجنبية مجموعة من الاساتذة للتدريب، كذلك كان يمكن ان ننظم دورات تدريبية مطولة واعداد اساتذة لهذه الغاية قبل ان نخوض معركة التعريب وهذا لم يحصل. وكل هذا ادى الى ان الاساتذة عندما فرضت عليهم لغة التدريس، كما حصل سنة 1973م بالنسبة للتاريخ والجغرافية والفلسفة، كان انشغالهم اساسا بمشاكل التبليغ باللغة العربية وكثيرا ما خضعوا لسهولة تلقين الدرس واملائه. ومن هنا جاء التغير الذي وقع حتى في اساليب التدريس، اي كثيرا ما صار الاستاذ يملي درسه ويأخذ الطلبة والتلاميذ درسا تحت الاملاء ولا يفكرون فيه وليس لديهم وقت طرح الاسئلة او الملاحظات او الانتقادات. وتمر السنة هكذا في دروس الاملاء واستهلاك الدروس وحفظها استعدادا لردها ايام الامتحان. هذا الى جانب التخلف التربوي الذي فرضه تعريب قُرّر بدون تخطيط واستعداد.* وما هو وضع كل من اللغتين العربية والفرنسية في المدارس الاتبدائية والثانوية؟ كل مدارسنا الخاصة تعمل باللغة الاجنبية وبثقافة اجنبية واعني بذلك ان كل ما يتعلق بالوسائل غير اللغوية كالاناشيد واللعب تعمل بالثقافة الغربية. بصفة عامة وبالفرنسية بصفة خاصة وهذا شيء يجعل الطفل الذي يأتي من وسطه العائلي الى هذه المدرسة يلاحظ بصفة تدريجية وتلقائية ولغوية ان كل ما يتعلمه داخل المدرسة وكل ما يساعده على النمو فكريا يأتي بلغة اجنبية وبثقافة اجنبية وهذا ما يكبّر في عينه صورة هذه اللغة وهذه الثقافة. وبطبيعة الحال يتساءل ولو بصفة ضمنية لماذا لا يتعلم كل هذا باللغة التي يتداول بها مع ابويه. وهكذا ترى اننا في سن مبكرة، اي ما بين الثالثة والسادسة، نعدّ الطفل لتبنّي الثقافة الغربية واكبارها على حساب ثقافته الاصلية.بالنسبة للمدرسة الابتدائىة هناك في الاقطار المغاربية وخاصة بالنسبة لتونس والمغرب توجد المدرسة العمومية والمدرسة الخاصة. في الاولى تبدأ الدراسة بالعربية وتدخل الفرنسية في الثالثة بنسبة عشر ساعات في الاسبوع، بينما تدخل الفرنسية في المدرسة الخاصة ابتداء من السنة الاولى الى جانب العربية كلغة كتابة وقراءة كذلك كلغة تدريس بعض المواد. اكثر من هذا. ففي بعض المدارس الخاصة تدريس بعض المواد بالفرنسية فقط. ونظرا لتخلف مناهج التدريس باللغة العربية والتي هي مناهج عصرية شكلا ومحتوى، جاء اكبار اللغة الاجنبية على حساب اللغة العربية ليستمر في هذا الطور من التعليم بالنسبة للقطاع الخاص.في المرحلة الثانوية نجد استمرارا للتجربة الابتدائية بالمحافظة على اللغة الفرنسية كلغة اساسية سواء كلغة تدرس او لغة تدريس وتبقى اللغة العربية. فقط كلغة، وفي بعض الاحيان كلغة تدريس لبعض المواد التي تدرس باللغتين. ولكن تبقى روح هذه المدرسة هي نمط التعليم الاجنبي وعقلية التعليم الاجنبي وثقافة التعليم الاجنبي.* وفي التعليم الجامعي؟ لغة التدريس الوحيدة في التعليم الجامعي بشقيه العام والخاص هي اللغة الفرنسية باستثناء العلوم الانسانية. ان التعليم الخاص العالي تسيطر عليه هذه الروح الاجنبية التي تعتبر ان سر النجاح في الحياة هو الاحتكاك وتقمص اللغة والثقافة والشخصية الغربية ومحاكاتها. وكل هذا في سياق منظور لا يعتبر الا ما هو علمي بحت وتقني وتكنولوجي في التنمية في اطار مفهوم ضيق للتنمية، اي تنمية لا تعترف الا بالتكنولوجيا والمردودية الآنية، ولا تعترف الا بكل ما هو انساني وكل ما يسعى الى تنمية الانسان كانسان اي العلوم الانسانية والثقافية العامة.* ولماذا لم ينجح التعريب في المغرب؟ لم ينجح التعريب بل اساء الى وضع العربية في المغرب العربي. اساء اليها لانه اولا في ميدان العلوم البحتة تعرب الى حدود الباكالوريا ثم يستمر في الدراسة العالية بالفرنسية وهي وضعية تحدث عند الطالب احد موقفين: اما انه يستطيع ان يستمر بالفرنسية، وفي هذه الحال ينسى كيف تعلم باللغة العربية وتصبح الفرنسية هي لغة التكوين ولغة التخصص ولغة المهارة المهنية. اذن ترسخ عنده الاعتقاد بان اللغة العربية هي لغة قاصرة. اما لا يستطيع متابعة تعليمه العالي باللغة الفرنسية فيغير اتجاهه العلمي ويتسجل اما في شعبة الاقتصاد مثلا واما في شعبة ادبية او في الدراسات الاسلامية وفي هذه الحالة يحدث هذا الاختيار عنده نوعا من الخيبة والحسرة لاضطراره الى اختيار اتجاه اقل اعتبارا.* وما هو وضع التعريب في الحياة العامة وداخل الادارة بالذات؟ كانت هناك محاولات لتعريب الادارة في السنوات الاولى للاستقلال في اقطار المغرب، ولكن تم تدريجيا التراجع عن هذا الهدف باستثناء بعض الادارات كادارة العدل وادارة التعليم التي تشتغل باللغتين. تشتغل ادارة العدل باللغة العربية على مستوى المراسلات وعلى مستوى جلسات المحكمة والمرافعات. لكن هذه الادارة التي هي احدى المرايا التي تنعكس فيها اوضاع المجتمع تعطيك وجها آخر عندما تدخل في دقائق الامور. فعندما نضع السؤال مثلا على هيئة الدفاع يظهر انه لا يمكن لاي محام ان ينجح في عمله اذا لم يكن يتقن اللغة الفرنسية او يستعين بمن يتقن هذه اللغة. محاضر الشرطة مثلا تحرر بالفرنسية، كل الوثائق التي يمكن ان يتضمنها ملف معين بين فرد ومؤسسة، فرد وادارة تأمين، فرد وبنك او شركة، كل هذه الوثائق محررة بالفرنسية ولهذا نجد ان كبار المحامين الذين يشتغلون مع الشركات ودوائر الاعمال مكونين باللغة الفرنسية.واذا كنا قد لاحظنا تأخرا نسبيا للغة الفرنسية على المستوى الجماهيري وعلى مستوى المتتلمذين باعتبار تعريب المواد التي كانت تدرس من قبل اللغة الفرنسية، فان هذا التأخر استدرك بدخول الفرنسية الى المنازل عبر وسائل الاعلام السمعية والبصرية. فمنذ ما ينيف عن عشر سنوات احدثت اذاعة دولية موجهة الى المغرب العربي مزدوجة شكلا ولكنها غربية مضمونا وتعطي الاولوية الى الفرنسية والى الثقافة الغربية. كذلك منذ ثلاث سنوات احدثت القناة الثانية بالمغرب وهي كذلك مزدوجة شكلا ولكن في الواقع تطغى عليها البرامج الفرنسية ونمط الحياة الفرنسية. اضف الى هذا ان القناة الوطنية الاولى تبث ثلثي الوقت باللغة الفرنسية وكل الافلام الموزعة بالمغرب العربي باستثناء الافلام العربية والهندية تعرض في نسختها الفرنسية بدون دبلجة او ترجمة مكتوبة. وكان لكل ذلك رد فعل لدى الاسر المغربية التي صارت تسعى الى تقوية مستوى اللغة الفرنسية حتى ولو كان مستوى الابوين ضعيفا في هذه اللغة. وكل هذا اذكى عند الجميع الاقتناع بان استعمال اللغة العربية لا يؤدي الى شيء، وان الاجدى اتقان اللغة الفرنسية اساسا واللغات الاجنبية.* وما العمل برأيكم؟ بالنسبة للاجراءات التي يمكن ان تُتخذ، هناك اجراءات تدخل فيما يمكن ان نسميه بالقرار السياسي، وهي اجراءات اولية تتبعها اجراءات علمية هدفها خلق امكان تطبيق القرار السياسي في احسن الظروف وضمان شروط نجاحه.هذا العمل العملي يمكن ان يكون طويل المدى ينفذ الى العمق ويستلزم تكوين خطاب مقنع وجديد يعهد تحضيره الى اخصائيين في اللسانيات وعلم النفس وعلم الاجتماع ومجالات علمية اخرى، وينطلق من ضرورة تحديد وظائف كل لغة انطلاقا من الواقع وبهدف انعاش وتطوير مختلف اشكال اللغات الوطنية، بالنسبة للغة الامازيغية يجب الاعتراف بها كلغة موجودة في بعض اقطار المغرب العربي. وعندما نقول الاعتراف نعني تمكينها من القيام بوظيفتها داخل المؤسسات التي تلعب فيها اللغة دورا معينا. كما يجب الاعتراف بان ثقافتنا في المغرب العربي هي ثقافة تتميز بتنوعها وبخصوصيات تحملها لغتان وطنيتان لهما وظائف متكاملة واسهامات وفعاليات ايجابية في هذه الثقافة. هذا الموقف الذي يمكن ان يعتبره البعض ايديولوجيا هو في الحقيقة موقف علمي مستنبط من الواقع اللغوي لبلدان المغرب العربي يفرضه هاجس البحث عن سبل الوصول الى تنمية حقيقية يكون فيها الهدف الرئيس هو تنمية العنصر البشري.ان اللغة هي اهم رافد للثقافة ولهذا لا يمكن اثارة القضية اللغوية والعمل على حلول اللغة العربية بشكليها في الحياة العامة وفي القطاعات الحديثة وفيما يمكن تسميتها جدلا بالقطاعات النافعة اي القطاعات ذات المردودية الملموسة والآنية ولو تطلب منا ذلك جهدا كبيرا. وعلى مستوى المدرسة بالذات يجب التفكير في اعادة النظر في اجبارية اللغة الاجنبية الاولى واعطاء التلميذ حق الاختيار بين لغتين او ثلاث وارجاء ادخال اللغة الاجنبية الى الاولى من الثانوي (اي السنة السادسة) حتى تُعطى للتلميذ فرصة التمكن اكثر من اللغة العربية. والهدف من هذا هو ارجاع اللغة الفرنسية الى مكانتها كلغة اجنبية من بين اللغات الاجنبية الاخرى.* عندكم في المغرب في الاساس ثلاث لهجات امازيغية، ولهجة عربية عامية، ولغة عربية، ولغات اجنبية اساسية في طليعتها الفرنسية، وهو وضع خاص لا يشك ان له تأثيرات مختلفة؟ انا لا اضع مشكل تعدد اللغات في نفس المستوى. ان قضية اللغات الوطنية في المغرب هي مشكل وطني يمكن معالجته وحله بالانصات الى الاخصائيين: رجال اللسانيات، جماعة علم النفس، علم الاجتماع، الى آخره.قضية اللغات الوطنية من جهة، واللغة الاجنبية من جهة اخرى، هذا موضوع آخر وموضوع خطير لانه داخل في اطار هيمنة غربية، حاضرة على المستوى الاقتصادي وحاضرة ايضا على المستوى التكنولوجي وعلى مستويات اخرى، وحاضرة كذلك على المستوى الثقافي بثقلها الكبير. واعتقد ان هذا الحضور الاخير، اي الحضور الثقافي هو اكبر حضور واخطر حضور.بالنسبة للغة الامازيغية في اشكالها الثلاثة، ونحن نعلم ان اللغة الامازيغية هي اولا لغة شفوية وظائفها معروفة: عندها وظيفة اساسية هي وظيفة التعبير ودعم الانتساب الى مجموعة ثقافية حضارية معينة هي المجموعة الامازيغية لها بطبيعة الحال تراث ادبي شعبي، لها موسيقى، لها جوانب حضارية معروفة.هذا هو واقعنا، وانا لا ارى فيه اي مشكل. بالعكس، ان فيه اغناء للثقافة المغربية بصفة عامة، لفعاليات تتفاعل وتنتج عنها ثقافة غنية. وهو امر معروف في بلدان اخرى كثيرة.الثقافة العربية موجودة ما يزيد على اثني عشر قرنا، والثقافة الامازيغية اقدم في بلادنا من الثقافة العربية الاسلامية وهي كما ترى غير دخيلة. اثنا عشر قرنا من الوجود العربي الاسلامي لم يمح الثقافة واللغة الامازيغية.انه واقع اظن ان علينا ان نراعيه كظرف للمستقبل، بما ان اللغة الامازيغية تواجدت مع اللغة العربية ومع الثقافة العربية الاسلامية منذ اثني عشر قرنا، فهذا وضع لا يمكن ان يُمحى بقرار.ان المطلوب منا كمثقفين ان نأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار عند اللغة الامازيغية وظيفة اساسية هي التعبير عن الانتساب الى مجموعة ثقافية حضارية معينة. ولكن اللغة العربية بشكل الدارج تلعب دور الربط بين هذه اللهجات الثلاث التي هي نسبيا متباعدة. في الشمال مثلا، الريفيون لا يتفاهمون باللغة الامازيغية مع السوسيين في الجنوب، فلغة الربط هي الدارجة العربية. وكذلك الامر بالنسبة لامازيغ الاطلس المتوسط، في وسط البلاد، فهم يتفاهمون بصعوبة مع السوسيين، ولا يتفاهمون مع الريفيين. تأتي اللغة الدارجة لتشكل لغة الربط.. وهذه وظيفة مهمة للعربية الدارجة.فقضية اخرى هامة هي قضية تواجد الشكلين العربيين: الشكل الشفوي والشكل الكتابي. ربما في المشرق لا يوجد هذا المشكل. لقد حليتم هذا المشكل، ليس عندكم صراع بين العامية والفصحى.نحن في المغرب العربي محافظون اكثر من اللازم وفينا من يحلم وهو حلم لا اساس علمي له بان العربية في شكلها المكتوب ستصبح في يوم من الايام هي لغة العرب الوحيدة، اي اننا سنعدم اللهجات. وهذا اولا خاطئ علميا، ثم ان التفكير فيه خطير بالنسبة للغة العربية لانه لا يوجد لغة متواجدة بهذه السعة يمكن ان تستمر فيها لغة واحدة متداولة شفويا اكثر من خمسين سنة.ومع الاسف هذه فكرة تظهر غريبة في المغرب العربي مع اننا مدينون لاشكالنا الشفوية باستمرار اللغة العربية بشكلها المكتوب وباستمرار التفاهم عبر المكان والزمان منذ ايام الجاحظ الذي عاش قبلنا بعشرة قرون. انت لبناني وانا مغربي ونتفاهم باللغة العربية، وبفضلها فقط.. ولم يكن هذا التفاهم ممكنا لو لم تكن اللهجة الشفوية.* ثم ان اللهجات الدارجة واللغة العربية تتقارب الآن فيما بينها، فلم يعد هناك هذه الفجوة الواسعة فيما بينها.. تماما.. انه تقارب على المستوى التركيبي، على المستوى المعجمي وعلى كل مستوى آخر..* وحتى لو اعتمدنا فصحى معينة وقضينا على اللهجات الدارجة فان هذه الفصحى سوف تنتج في يوم من الايام لهجات دارجة اخرى.. تماما، هذه عملية معروفة جدا عند اللغويين، وهي ان كل لغة تتفرع مع الزمن ومع التغيير الى لغات. والشيء الذي يحفظ اللغة هو تطورها البطيء، فاذا كانت بطيئة التطور تحافظ على نفسها، واذا لم يكن هناك بطء في التطور، فالمحافظة شاقة او متعذرة وقد امكن للغة العربية ان تبقى لانها ليست لغة تداول شفوي. فلو كانت لغة تطور شفوي لتطورت ككل اللغات كالفرنسية مثلا، فاذا انت اخذت نصا اصليا لرابيليه مثلا، لما فهمته اذا لم تكن متخصصا. رابيليه عاش في القرن الخامس عشر، وحتى راسين الذي عاش في القرن السابع عشر، فان الفرنسيين المعاصرين اليوم لا يفهمونه الا اذا اعيدت كتابته بلغة فرنسية حديثة.اعتقد اننا اذا فكرنا بواقعية وبموضوعية حول طبيعة اللغة العربية ولم نتعصب للجانب الميتافيزيقي لانه ليس هو الاساس بالنسبة للغة في الحقيقة، لامكن القول ان اللغة العربية لغة عادية طبيعية ككل اللغات وتتطور ككل اللغات بموجب عوامل داخلية وعوامل خارجية ولم يكن عندها هذا الجانب الفريد، جانب الشكلين لما احتفظت بهذا التراث الممتد في القدم والذي لا يتصور وجوده في لغة اخرى.* تعايشت العربية والامازيغية الشفوية في اقطار المغرب العربي قرونا طويلة، وكان هذا التعايش طبيعيا لان العربية عرفت مثله في بلدان كثيرة في الشرق والغرب ولكن ما اريد ان استوضحه هو طبيعة المحاولات التي تجري منذ سنوات في باريس وغير باريس لانشاء نوع من "اكاديمية" للغة الامازيغية والثقافة الامازيغية والتراث الامازيغي. تعرف انه في الفترة الاستعمارية للشمال الافريقي حاول الفرنسيون تحويل الامازيغية الشفوية الى امازيغية مكتوبة محاولين بذلك التأسيس لمشروع انفصالي سياسي. فهل تعتقد ان مشروع الاكاديمية اليوم يختلف عن مشروع الامس؟ وما هي الاهداف الحقيقية للاكاديمية التي يرعاها الفرنسيون في باريس اليوم؟ هذه الاكاديمية انا اعرفها منذ عشرين سنة كانت فعلا اكاديمية امازيغية وراءها في الماضي شخص فرنسي كان مسؤولا سياسيا، كان مستشارا للرئىس بومبيدو، واسمه فوكاد، وفوكاد هذا كان اختصاصيا في الشؤون الافريقية بما في ذلك شمال افريقيا واظن انه كانت عنده رواسب مما ادى الى "الظهير البربري" في 1930م بالنسبة للمغرب كانت سياسة الفرنسيين كما تعرف هي سياسة "فرّق تسد" وكان هو بالبذات يظن انه باذكاء العصبية البربرية في الجزائر يمكنه ان يحقق شيئا لفرنسا.في سنة 1973م كان هناك في باريس ندوة حول الامير عبدالكريم الخطابي وثورته وقد حضر بعض المدافعين عن الاكاديمية الامازيغية وكانوا كلهم جزائريين فيما اذكر وكانوا متعصبين فعلا. كانوا يقولون لنا: اننا سنشن حربا وطنية وسنحرر بلادنا تحريرا وطنيا.. وكنا نقول لهم: وما هو التحرير الوطني هذا؟ حرروا الوطن من الفرنسيين لقد اخذتم الاستقلال سنة 1962.وكانوا يقولون: لا. التحرير الوطني هو اخراج العرب من الجزائر وباقي الشمال الافريقي.انه موقف لا اقول انه خاطئ، بل اقول انه كاريكاتوري ومضحك لانه من منا يستطيع ان يقول في المغرب العربي وبخاصة في الجزائر وتونس انه عربي او امازيغي؟ فمنا الناطق بالعربية ومنا الناطق بالامازيغية ولكن اثني عشر قرنا خلقت بامتزاج دمائنا وحياتنا ما يكفي لصهر حياتنا الوطنية والاجتماعية. عندنا مثلا في المغرب عائلات باكملها كانت بالاصل ناطقة بالبربرية واصبحت عربية، والعكس ايضا صحيح.ثم ان هذا لا يصح بالنسبة للمغرب، فالامازيغية موجودة في كل المغرب، (وليس في "منطقة قبائل" كالجزائر)، من الشمال الى الجنوب، والعرب موجودون ايضا في كل المغرب من الشمال الى الجنوب. واذا قمنا بتحليل اجتماعي وتحليل طبقي، نجد ان هناك في كل الطبقات الاجتماعية عربا وامازيع. هناك مصالح مشتركة وغير ذلك. والهدف السياسي لابد ان يكون وراءه اهداف اقتصادية اساسا. اذا لم يكن وراء "المشروع" السياسي اهداف اقتصادية واجتماعية فانه لا ينجح.. واعتقد انه بسبب غياب هذه الاهداف فان اي مشروع انفعالي او سياسي سيكون مصيره الفشل.. ويبقى المشكل اساسا هو مشكل ثقافي، مشكل تعبير عن ثقافة متميزة وهذا امر مشروع كما تحدثنا.

بداية الصفحة

الاستعارة واللغة"حسن الاستعارة من حسن الإدراك"(أرسطوطاليس)

د. عبدالملك مرتاض

* تعود فكرة هذه المقالة القصيرة الى كتاب قرأته اخيراً للفيلسوف والمنظر الفرنسي "بول ريكور" وعنوانه: "الزمن والعمل السردي" والحق ان هذا الكتاب ضخم جداً، ويقع في ثلاثة اجزاء تناول فيها الكاتب كثيراً من قضايا السرديات والزمنيات والانزياحيات ممثلة خصوصاً في الاستعارة التي تنشط الاستعمال اللغوي وتجدده، وتبعث فيه حيوية يطلق عليها ريكور "التجديد" "السيمنتيقي" او "الدلالي" (Innovation semantique).لقد عني العرب عناية شديدة بالنظرية البلاغية وتعمقوا في تفريعاتها الى حد التعقيد والاغراب. غير انهم لم يتفطنوا فيما يبدو، (وذلك بحكم الظروف الحضارية والتاريخية التي لا ينبغي لها ان تحملنا على ان نلتمس من الناس ان ينشئوا ما في غير زمانهم، فيجعلوه في زمانهم)، الى التطبيق على تلك النظريات، وتوسعتها الى الممارسة اللسانية؛ وخصوصاً في مجال الشعريات. فظلت النظرية البلاغية، كالنظرية النحوية، (واكاد أقول: النظرية العروضية ايضاً) بعيدة عن مجال الاستعمال، وحقل الممارسة. فقبع ذلك العلم في الاوراق، ولم يستطع البروز الى مجال الاستعمال الحي للغة بكل ما تقتضيه من تجديد وتجدد يومي.واذا كان المعلم الاول، الفيلسوف اليوناني ارسطوطاليس نفسه، كان لا يزال يقول: ان حسن الاستعارة من حسن الادراك؛ تبين لنا ما للمجاز بعامة كيف يستطيع تسخير اللغة لانزياحات ينزاح بها عن الاستعمال اليومي المبتذل الى الاستعمال الجديد الطافح المفعم بالحيوية والجدة، لا يستطيع ان يخوض لا في حقل المعرفة، ولا في حقل الابداع الادبي فيمسي في عجز مما يستقبحون.واذا كنا لا نعدم من يعترض على تكلفنا في توسعة فهم مقولة ارسطوطاليس بحيث يمتد تأويلها الى مجال المعرفيات، بدل الوقوف بها لدى الابداعيات وحدها؛ وذلك على اساس ان المعرفة نظريات ومنهجة، ومنطق وبرهنة على سلامة الاشياء؛ فإننا نزعم، مع ذلك، ان العالم او حتى الفيلسوف وان كان في غنى في الاطوار العادية، عن الالتحاد الى استعمال الاستعارة والمجاز والانزياح اللغوي في صوغ نظرياته؛ فإن العالم الذي يعرف اللغة معرفة واسعة، مع ذلك، افضل من العالم الذي لا يعرف الا اللغة الوظيفية المقتصرة على حقله المعرفي. ولا يقال الا نحو ذلك في بقية العلوم الاخرى. فالامام الشافعي رضي الله عنه ساعده تبحره في اللغة، وادراكه العميق لدلالاتها وانزياحتها، على فهم عميق لقضايا الفقه واصوله وعلومه؛ فكان اماماً في الفقه والاصول، بمقدار ما كان اماماً في اللغة.فاللغة هي المفتاح الاول للمعرفة. ولذلك، ليس من الخطل في شيء ان يذهب المعلم الاول الى عد حسن استعمال الاستعارة اي التحكم في اللغة الى درجة الانحراف بها عن مجاريها التعبيرية المألوفة والرتيبة الى مجالات من التعبير ارحب واجد ترقى بها الى مستوى الابداع من حسن الادراك، فلا ادراك الا باللغة، ولا لغة خارج الادراك، بل لا يوجد هذا الخارج نفسه خارج اطار اللغة؛ اي اللغة حاضرة في حالتي وجود الاشياء والقيم وعدمها. وذلك هو سر عدها مفتاحاً للمعرفة، بمقدار ما هي مفتاح للتواصل الاجتماعي بين الناس.من اجل ذلك يعسر على اي كاتب روائي او قاص، ومن باب اولى، على اي شاعر، ان يتعامل مع اللغة بمعزل عن الانحراف بها الى الانزياحات والاستعارات والكنايات والمجازات بأنواعها العقلية والمرسلة، والا فكلامه سيكون مشكلاً من الالفاظ المعجمية المحنطة التي لا تعني شيئاً كثيراً الا في نفسها. وقد يفضي به ذلك الى ان يخرج من طبقة الكتاب والادباء، الى طبقة الذين لا يكتبون. فعلى الرغم، كما يذهب الى ذلك ريكور، من ان الاستعارة هي، في التقاليد المألوفة، من قبيل الانزياحات، او "صور الخطاب" وان السرد هو من قبيل "الاجناس" الادبية؛ فإن مفعولات المعاني التي يولدها هذا او تلك، هما معاً، من قبيل الظاهرة المركزية نفسها للتجديد الدلالي الذي يظل مفتوحاً الى يوم القيامة بفضل اللغة. والاستعارة في الحالين الاثنتين لا تتولد الا على مستوى الخطاب؛ اي على مستوى افعال اللغة المساوية للجملة، او المتجاوزة الى ما فوقها.(ريكور، الزمن والعمل السردي، مقدمة).والذي يلاحظ ان المنظرين من النقاد والمفكرين الغربيين، على عهدنا الراهن، امسوا يحترصون على تجديد اهاب النظرية البلاغية، والافادة من جهود الاقدمين للانطلاق منها، من اجل تأسيس نظرية اصيلة للكتابة الجميلة دون السقوط في مجرد ارسال الالفاظ الجوفاء باسم الحرص على التعامل مع اللغة وحدها، ولا في مجرد ترقيع الالفاظ ترقيعاً ميكانيكياً فجا يشبه البناء الجاهز الحقير. فالكتابة بناءً باللغة وحدها حقاً؛ ولكن ليس اي شخص يعرف اللغة يستطيع ان يهتدي السبيل الى البناء بها، كما يراد للبناء اللغوي الجميل، كما انه ليس باستطاعة اي مهندس يعرف خصائص مواد البناء، يتيح له مجرد معرفة ذلك، ان يبني بمفرده صرحاً جميلاً.فكأن تجديد المعاني وابتكارها، وتوسعة الافكار وتوليدها، امران لا يتمان الا بواسطة تجديد اللغة والتبحر في معانيها؛ على حين ان تجديد اللغة نفسه لا يتم بتحنيطها والمحافظة عليها كما هي قابعة في المعاجم، وكما هي جاثمة في الصياغات الشائعة، والتراكيب القائمة. دون توليد او تجديد؛ ولكن بتزييح اللغة، او الانحراف بها عن التعابير الرتيبة، والتوسع في استعمالات الاستعارة والمجاز لتفجير معان جديدة منها، وبثق افكار لم تكن من قبل قائمة فيها.ولقد يتولد عن هذا اننا حين نكتب كأننا لا نكتب، الا اذا اضفنا الى اللغة باللغة، والا اذا حرفنا اللغة عن اللغة، داخل اطار اللغة، وما تقتضيه استعمالاتها المألوفة لدى الناس جميعاً. وهي الاستعمالات التي يقع الانطلاق منها لتكون مرجعية للصياغة؛ ولكن دون الاجتزاء بمجرد الاجترار، والاقتصاد على مجرد التكرار.فالصورة الجميلة لا تتم الا بواسطة الانزياح، ولا يتم الانزياح الا بواسطة التحكم الكبير في اللغة، كما لا يمكن ان يتم ذلك التحكم الكبير في اللغة دون ان ينتج مظاهر من التصرف الواسع في انتاج لغة جديدة على مستويات مختلفة؛ وخصوصاً على مستوى التوليد في ألفاظ اللغة، ومستوى ابتكار المعاني.. وتظل الاستعارة اثناء ذلك تطفح على كل هذه المستويات.ولعل الحبكة السردية، في القصة والرواية والصورة في العمل الشعري اذا جاز لنا حقاً وضع الحدود بين الاجناس الادبية من العوامل التي تقضي الى توليد اللغة الجديدة من وجهة، واثناء ذلك الى الفزع الى توليد استعارات تمنح اللغة الادبية رئة جديدة تتنفس بها لم تكن فيها، من وجهة اخرى. ولعل الكتابة الادبية الجديدة حقاً ليست تلك التي تتسم بمجرد ترقيع الملفوظات باستعارات مبتذلة ومكررة وممجوجة، ولكن باختراق السقف اللغوي والامعان في آفاق عطاءات اللغة من اجل الرقي بمستوى الكتابة الى درجة الابداع الكريم.

بداية الصفحة

الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة

حفر الباطن قاسم دغيم الظفيري:

* الألعاب الشعبية هي جزء من ميراث أي شعب، وقد تفتقت عنها خيالات الناس في الماضي لقضاء أوقات الفراغ. ويمكن وصف الألعاب الشعبية بأنها حصيلة ثقافية موروثة ذات جذور وذات فوائد ومزايا، وهي إما جماعية تحتوي على أسس وقوانين أو أنها فردية تتميز بالبساطة.والألعاب الشعبية ملف للأمم والشعوب وفيها لكل أمة ومجتمع مرآة صادقة لكل الظروف التي مرت أو تمر بها المجتمعات.وتمارس الألعاب بأسلوب وطريقة معينة تعكس الجو النفسي لمحيط اللعب وتمارس الألعاب بدافع المتعة والتسلية.وفي اللغة فإن اللعب ضد الجد، واللاعب هو الشخص الماهر الحاذق في الأمور، وفي اللعب تنمية للقدرات الذهنية التي تقوي موهبة التفكير والابتكار والتخمين.وتراث دولة الإمارات العربية المتحدة يزخر بعدد وافر من الألعاب الشعبية التي تنمي قدرات الأطفال الذهنية والحركية وتجسد روح التعاون والألفة بين الجماعة، ويؤكد الباحث الإماراتي راشد الشوق، من إدارة الآثار والتراث، على أنه توجد في دولة الإمارات العربية المتحدة ما بين 200 250لعبة شعبية متوارثة في المدن والقرى والجبال والبادية تعبر في مجموعها عن البيئة الخليجية التي تربى فيها أطفال دولة الإمارات العربية المتحدة.وللألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة مواسم ومواقيت، فهي تمارس في وقت الفراغ خاصة بعد صلاة العصر عندما ينتهي الناس من أعمالهم اليومية أو في الليالي المقمرة، وهناك ألعاب صيفية وأخرى شتوية.وتختلف الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة وفق البيئات الأربع المكونة لطبيعة الإمارات الجغرافية وهي الساحلية والريفية والبدوية والصحراوية، وإن كان الباحثون يصنفون الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة وفق عمر اللاعبين وحسب الجنس أيضاً.وذكر كتاب صادر عن جمعية النخيل للفنون الشعبية ان للبيئة والمنطقة الجغرافية دورا هاما في تنوع المأثور. ويرى الباحثون بأن لكل منطقة فنوناً ومعتقدات وقيماً وملامح حياتية وسمات معينة ولهجة معروفة وهذا ما ينطبق على الألعاب الشعبية التي تتنوع حسب المنطقة التي تنشأ وتمارس فيها.* فالألعاب الريفية: تتميز بأنها أكثر تعبيراً ومحاكاة للبيئة والحياة الاجتماعية والتقاليد والمعتقدات السائدة، وترتبط بمحيطها البيئي ولا يمكن ممارستها في بيئة أخرى كون معظمها أو قسم كبير منها يعتمد على مخلفات أشجار النخيل والسمر وغيرها من عناصر البيئة الريفية.وتتميز الألعاب الريفية بأنها نهارية تمارس في فترات النهار، كما أنها ألعاب بسيطة جاءت لتعبر عن بساطة الحياة المعيشية والاجتماعية، وأحياناً لا تختلف بعض الألعاب التي تمارس في الريف عن مثيلاتها في المدن، وقد يكون الاختلاف في التسمية نظراً لاختلاف اللهجة.ومن بين الألعاب الريفية (الصقلة، القفة، أم البيت، الكونة، الخزراء، مجلاع، الهبة، الفرارة، التبة، الحرب، المقصة، الهول، النيبوة، السقلة).* أما الألعاب الساحلية: فتعتمد بشكل رئيسي على البحر الذي كان يمثل للصبية أهمية كبيرة ومحيطاً خصباً لممارسة معظم ألعابهم المفضلة. عدا كونه مصدراً للرزق ومحيطاً لأهم المهن التي زاولها إنسان دولة الإمارات العربية المتحدة منذ فجر التاريخ، ومن بين الألعاب الساحلية: ديك ودجاجة وهي للصبيان، اليغيرة وصاقف لاقف وهي للفتيات. أما الكبار فقد لعبوا الجحيف والحبل وغيرها مثل كرة السيطان وسيب حي، وتبين الدراسات والأبحاث التي أجراها المهتمون بتراث دولة الإمارات العربية المتحدة بأن الكثير من الألعاب الشعبية، قد اندثر بفعل انتشار الألعاب العصرية الدخيلة التي صاحبت الطفرة الاقتصادية. وتتميز بفردية ممارستها واعتمادها على الأجهزة والآلات. ويظهر ذلك جلياً في المدن والتجمعات الحضرية في إمارات الدولة.أما المناطق الريفية فلا يزال أبناؤها يمارسون ألعابهم الشعبية حتى اليوم، ومثل هذه الألعاب: القبة، والحلة، والمريحانية وغيرها من الألعاب، وفي المناطق الجبلية كمصفوت يمارس الأطفال عدداً من الألعاب الشعبية وهي: السكون والصقلة والتبلة.ويعزو الباحثون أسباب اندثار الألعاب الشعبية إلى انتشار وسائل الإعلام التي استحوذت على معظم وقت فراغ الأطفال والفتية، كذلك إلى فقدان روح الجماعة التي كانت سائدة في الماضي بين الصبيان وابتعاد الوالدين عن دورهما الأساسي في تثقيف الأبناء وتدريبهم على الألعاب كما كان الأجداد يفعلون سابقاً، واقتصار دور الأندية الرياضية على الاهتمام بالألعاب الحديثة دون الاهتمام بالرياضة الشعبية التقليدية.ويضع الباحث الإماراتي عبدالله الطابور تقسيماً للألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة يهدف إلى التمييز بين مختلف الألعاب الشعبية، ومساعدة الباحثين والدارسين على دراسة الألعاب الشعبية بأسلوب علمي يعتمد على المنطق والموضوعية. وقد قسم الباحث الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ثلاثة أقسام هي:* الألعاب الفردية: وهي الألعاب التي تمارس من قبل فرد واحد فقط وتتميز بالسهولة والبساطة في الشكل والأداء والتكوين وكثيراً ما يمارسها الأطفال دون سن العاشرة، ولا تشتمل على قوانين أو شروط محددة، كما أنها تفتقر إلى عنصر المنافسة ولكنها تساعد الطفل على الاعتماد على نفسه وذلك حينما يقوم بصناعة لعبته لوحده ومن نماذج الألعاب الفردية:خيل يريد عربانه، سبابير، قرقعانة، كراصيف، الرنج والصوارة.* الألعاب الجماعية: هي تلك الألعاب التي تمارس بواسطة الجماعة ولا يتأتى لعبها ومزاولتها بواسطة فرد واحد، وتمتاز بأنها تنمي روح الجماعة والتعاون ويمارسها أكبر عدد من اللاعبين المشاركين وبأنها ألعاب حماسية تتطلب من اللاعب القدرة على التحمل والصبر والقوة العضلية وسرعة الحركة والخفة وتحتوي على قوانين وضوابط تحكمها وتنظمها ومن نماذج الألعاب الجماعية: (الصوير، الحلة، كرة السوط، الدسيس، القبة، الهشت، الضبة).* أما القسم الثالث فقد أسماه الباحث الألعاب الفردية الجماعية: وقال: إنه يتألف من ألعاب متنوعة ومحددة وهي الألعاب الحركية وتعتمد على النشاط البدني والحركي ومن أمثلتها (القفه الحبيل الحبل) وأيضاً الألعاب الذهنية: وترتبط بالعقل والذهن والتفكير واعجال الخاطر وسرعة البديهة واستخدام الحيلة، وتتميز بقلة لاعبيها وهي مقصورة على الشباب ومن نماذج هذه الألعاب: (الصبة، الحالوسة، الطولة) وهناك ألعاب البنات وتتسم بالسهولة والرشاقة، وحينما تتقدم البنت في العمر فإن اهتمامها يقل باللعب، وذلك لعوامل اجتماعية تخضع للعادات والتقاليد التي تحتكم إليها طبيعة المرحلة العمرية التي تبلغها الفتاة في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة ومن نماذج ألعاب البنات: اللقفة، اليغيرة، الأرجوجة، وعرائس.وأما ألعاب الصبيان فهي تتسم بالعنف والصعوبة والقوة البدنية وتعكس طابع الرجولة وتتطلب كثيراً من المهارات ومن نماذج هذه الألعاب: الحرب كرة السوط الضبة وديك ودجاجة حسن ديك عظيم السرا والتينية.غير ان ألعاب الأطفال دون سن العاشرة هي ألعاب بسيطة وجميلة تعكس قدرة الطفل الذهنية والحركية والثقافية، وتتميز بالفردية والذاتية ومن نماذجها: الشنكعانة، كوكسرى، قاف قاف، القرقعانة، المروحة، الصواوة، خوصة بوصة.كما يحتوي القسم الثالث من الألعاب الشعبية وفق ما يحدده الباحث على الألعاب البحرية، ويختص بها سكان المناطق الساحلية وتمارس في حياة البحر أو على ظهر السفينة أو على الشاطئ ويمارسها الناس من كافة الأعمار والفئات ومنها لعبة (المزاحط) ولعبة (المشابكة) ويمارسها الغواصون، وهناك لعبة (شنبوت) ولعبة القنفذ ولد علي، وتمارس على الشواطئ، ولعبة جر الحبل وتمارس داخل السفن.كما ان هناك الألعاب النطقية والألعاب ذات الأهازيج الغنائية والألعاب التي تحتوي على أدوات والألعاب التي لا تحتوي على أدوات.وإذا نظرنا إلى الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة من الناحية الاجتماعية فنجد أنها قد ساهمت وبشكل كبير في صياغة أسس مجتمع الإمارات عكست مقدار التطور الاجتماعي للمجتمع نفسه، حيث انها ساهمت في الحفاظ على صيغة المجتمع بعاداته وتقاليده وقيمه وسلوكيات أفراده وموروثاته.كما يلاحظ ان جميع هذه الألعاب أو معظمها على الأقل مستوحى من ظروف البيئة المحلية وعناصرها الرئيسية، ذلك ان الخيال الشعبي إنما يستمد مادته من العناصر المحيطة التي تدخل فيما بعد في أغانيه وأهازيجه وألعابه، وسواها من أشكال النشاط الروحي والاجتماعي.

بداية الصفحة

من حياة المبدعين
(أديسون) مجنون وبيضة فاسدة في نظر أساتذته وعالم ياباني يبلور أفكاره تحت الماء

إعداد محمد الطميحي

* إذا رأيت شخصاً فاشلاً في دراسته او لاحظت غرابة في تصرفاته او هندامه فلا تستعجل في الحكم على ذكائه وعبقريته فربما يكون يوماً ما مبدعاً او مخترعاً.والعالم الأمريكي توماس اديسون ( 1847 1931)م اكبر دليل على ذلك، فلقد كان اديسون ينسى كثيراً وخصوصاً في شبابه ولذلك كان دائماً يأتي في مؤخرة زملائه من حيث الدرجة، حتى يئس منه أساتذته وصرحوا بأنه خفيف العقل وان رأسه مملؤ بالتراب وانه أبله ولا فائدة من تعليمه، اما الأطباء فتكهنوا بأنه مصاب بمس من الجنون نظراً لشكل رأسه الغريب، كما ان آخرين وصفوه بأنه كالبيضة الفاسدة!! مما جعل امه تتولى تعليمه بعد ان قضى ثلاثة اشهر في المدرسة طوال حياته. ولكنه وبالرغم من ذلك اصبح من اشهر المخترعين الذين عرفهم التاريخ ولقد سجلت باسمه (1093) براءة اختراع وقدرت إحدى لجان الكونغرس الأمريكي ذات مرة قيمة اختراعاته بمبلغ (5،15) مليون من الدولارات.ومن اشهر اختراعات اديسون الآلة الكاتبة والفوتوغراف والمصباح الكهربائي وآلة تصوير سينمائية، وجهاز لاقط للراديو.ويشارك العالم الياباني نكاماتس اديسون في الغرابة اذ انه ذو منهج غريب في الابداع، حيث انه عندما يرغب في ابداع او اختراع شيء ما فإنه يدخل ابتداء الي (غرفة الطبيعة) والتي زودها بأشياء من الطبيعة وليس لها سقف ثم يبدأ يفكر فتأتيه بعض الافكار ثم ينتقل الى (غرفة الازعاج) حيث تحتوي على جهاز يحول الذبذبات من اربعين ذبذبة في الثانية الى اربعين الف ذبذبة فتأتيه افكار اخرى، ثم يبلور كل هذه الافكار وهو غاطس في حوض السباحة. ولانه في الماء فهو لا يستطيع كتابتها وكان يخشى ان ينساها فاخترع قلماً يستطيع به الكتابة في الماء!!

بداية الصفحة

مساءلات فكرية
السلطة الخامسة

د. عبدالسلام المسدي

* لقد تغيرت طبيعة العلاقة بين الخطاب السياسي ومقومات البلاغة، لم تعد الصورة الشعرية حلية خارجية يزدان بها القول السياسي إذا حضرت نفعت وإذا غابت لم تضر. لم تعد طلاء في العبارة إذا أطل ازدان بها القول وتجلى بهاؤه وإذا انحجب لم يتعطل الكلام في أدائه فيواصل تأمين وظيفته حتى ولو تناقص جمال العبارة فيه.إن الصورة الشعرية هي في البلاغة الجديدة التي جاءت بها السياسة الجديدة جزء محايث لمضمون الخطاب السياسي سواء جاء خبراً، أو تراءى موقفاً، أو صيغ صوغ القرار، أو سيق مساق الفعل ورد الفعل.لقد انصهرت آليات الصورة البلاغية في حيثيات الخطاب السياسي فكفت الصيغة الشعرية عن أن تكون تسلية للسياسي، وكفت السياسة عن أن تكون تسلية للأديب أو للناقد أو للباحث في اللغة وفي أسرار الدلالات.في مطلع شهرأفريل 1994كان الأمريكيون متوترين جداً من الموقف الروسي حيال المسألة اليوغسلافية، وكانت بعض المساعي الجارية قد أدت إلى تنظيم لقاء بين وزير خارجية روسيا يومذاك كوزيريف، ووزير خارجية الولايات المتحدة وارن كريستوفر، وذلك في فلاديفتسق، وعند اقتراب موعد اللقاء أدلى كوزيريف بتصريح حول آفاق الحوار وحظوظ التفاهم مع الأمريكيين فقال: "يبدو أن شهر العسل قد انقضى".لسنا هنا أمام صورة بلاغية من تلك التي كان يقال لها انها "محسنات بديعية" فالمسألة خرجت من تاريخ "التحسين" لتدخل تاريخ "الإدلال" والصورة الشاعرية هنا بمثابة القرص المضغوط الحامل لحقيبة كاملة من الرسائل ومن الافادات. فالدلالة البلاغية كانت تقع في نسيج اللغة وفي جسور الأعراف القائمة بين اللغة ومستخدمي اللغة من مرسلين ومستقبلين، أما هنا فالجسور مثلثة الأبعاد فيها قرائن المجاز وفيها قرائن الحدث السياسي بكل مؤشراته وفيها أيضاً الطاقة الاستقبالية الجديدة التي هي "شفرة" إما أن نلم برموزها فنفتح مغالقها وإما أن نمسك إمساكاً عن تناولها ونستعصم استعصاماً عن كل فضول في قراءة السياسة.في مجال تفكيك شفرة الخطاب لن يغنينا كثيراً الحديث بشأن هذا النص عن المجاز المرسل الذي ينتظم بتمثيل صورة بصورة، ولا عن أسلوب الكتابة ولا عن صيغ التورية، فكل ذلك مفيد فقط داخل دائرة اللغة مع اللغة، وداخل سياج البلاغة "التحسينية" التي أقرتها أعراف شرح النصوص. فالأوجب هو استنباط الذي هو في نفس الوقت وبنفس درجة الاقتضاء مقصود لذاته ومسكوت عنه.ليس بوسعنا أن نقدر الصورة البلاغية حق قدرها إلا إذا استدعينا إلى ورشة التحليل بعض مخزونات الحدث السياسي. فالأمريكيون في ظل رئاسة بيل كلينتون قد وضعوا رهانهم الأكبر على بوريس يلسين: ساندوه في صراعه مع الدوما يوم ضرب مبنى البرلمان بالمدافع في 28سبتمبر 1993، ونصروه يوم حيكت له المحاولة الانقلابية في 4اكتوبر 1993، ثم أرادوه على مؤازرتهم في السياسة التي انتهجوها لحل الأزمة اليوغسلافية فلم يجدوا منه الانصياع الذي كانوا يرتقبونه.وتأتي عبارة كوزيريف مغلفة بطلاء المجاز: "يبدو أن شهر العسل قد انقضى". فإذا بها تحمل صندوقاً من الرسائل الرقمية: منها الجلي الواضح، ومنها المبطن الذي يتعمد استبقاء اللبس الخصيب والغموض المعطاء. فقد يذهب الظن إلى الإيذان بالفراق كأنه الطلاق السريع بعد انجلاء الوهم بالزواج السعيد، وقد يقف الفهم عند حدود أخرى هي انتهاء فترة البهجة الغائمة وانقضاء ساعة الانتشاء الرومنسي إيذاناً بالرجوع إلى الواقعية واعتناق العقلانية من جديد، وبين دلالة "الطلاق" و"دلالة" "الاستقرار" تنوس أبعاد النص الذي صيغ على طراز الصورة الشعرية.ويتواصل تعدد الأبعاد لأننا أمام مشهد من الشعرية المفتوحة على التأويل:من أي تاريخ يبدأ شهر العسل: أمن إعلان يلتسين عن سيادته المطلقة على روسيا في 27جويلية 1990، وكان مفتاح البيت الأبيض يومها بيد الرئيس جورج بوش (الأب)، أم من استلام بيل كلينتون مقاليد الولايات المتحدة في 20جانفي 1993؟ثم من الخاطب ومن المخطوب؟ ومن المتزوج ومن المتزوج به؟ وبيد من منهما العصمة في عقد القران؟لقد تغيرت مراسم الارتباط بين خطاب السياسة ولغة الابداع، فانتقلنا إلى مشاهد جديدة كثيراً ما تمر علينا دون أن تستوقفنا أو نمر عليها دون أن نستوقفها، والحال أنها جزء لا يتجزأ من قوانين "اللعبة" السياسية المعاصرة.لعبة السياسة في معناها العقلاني أصبحت لازمة من لوازم شطرنج الكلام، ومن لم يحسن قواعد هذا أفلتت منه قوانين تلك.عندما حضر الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة احتفال الأمم المتحدة بمطلع القرن في ما يسمى بقمة الألفية في نيويورك عقد ندوة صحفية يوم 15سبتمبر 2000، وكان من السائلين مَن بالغ في الاستفسار عن الوضع الاقتصادي في الجزائر، فرد الرئيس الجزائري قائلاً: "ان ضرع البقرة الحلوب قد جفّ" فهذه استعارة قد تأخذنا بعيداً على درب التحليل البلاغي بين تصريحية أو مكنية، ثم بين مرشحة أو مجردة أو مطلقة ولكنها على درب التحليل السياسي تتحدانا أن نفهمها وأن ندرك أغوارها الوظيفية، إن نحن لم نتهيأ لها بعدتها الملائمة. فالرئيس بوتفليقة صعد إلى سدة الحكم في 16أفريل 1999، فورث أوضاعاً خلفتها احدى عشرة سنة من المتاعب، بدأت بأحداث 10اكتوبر 1988فعرف الخاص والعام، محلياً ودولياً، ان ديون الجزائر وهي البلد الغني بثرواته تبلغ 26مليار دولار، ولم ينته عقد التسعينيات حتى كانت الجزائر تنفق ما قيمته مليار دولار لتسديد فوائض الديون التي بلغت بفعل التراكم 30مليار دولار. جاء الرئيس بوتفليقة مراهناً على الوئام الوطني الذي استفتى بشأنه الشعب الجزائري. وتأتي استعارته البلاغية برسالتها السياسية المشفَّرة: فالجزائر ما انفكت تكتشف ثروات من الغاز الطبيعي، لذا يتعذر تشبيهها بلاغياً بالبقرة العجفاء، بل هي سمينة حلوب، وما جفاف الضرع إلا طارئ يطرأ على كل أنثى مُرضع إذا تألب عليها من الراضعين ما يفوق طاقتها من الإدرار.إنها الصورة البلاغية في خدمة المقاصد السياسية المتناهية في اللطافة والتلميح. وفي تلك الندوة الصحفية نفسها طاف بعض السائلين بموضوع العنف والتشدد، خالطا خلطا ماكراً بين اللجوء إلى القوة في استرجاع الحق واحتراف الإجرام في الاعتداء على حقوق الآخرين، ثم سأل عن موقف الرئيس الجزائري من الإرهاب فأجابه قائلاً: "الإرهاب مثل الكوليسترول بعضه سيئ وبعضه حميد".ها نحن إذن أمام أنموذج من الصور التمثيلية ذات الوظيفة السياسية النافذة، فمهما قلبت الاحتمالات على وجوهها لن تجد مسوغاً واحداً يتيح لرئيس دولة أن يقول: "إني اؤيد بعض أنواع الإرهاب" ولكن أسلوب الصورة التمثيلية حوّل المحظور إلى مستساغ لأنه أسبغ عليه قرائن التمييز التي يفوه بها الواقع المعيش.من قبل في مجال الخطابة السياسية كان القانون الناظم هو التناسب الطردي بين مساحة الخطاب وقوة التأثير: كلما اتسع مجال الكلام قويت حظوظ الابلاغ بغية الاقناع أو بغية الاستهواء فكان الشحن الدلالي قرين الإفاضة في المدى والتركيز في الكثافة. أما مع ناموس التواصل السياسي الجديد فالأمر أصبح قائماً على التناسب العكسي: كلما كان الكم اللفظي أوجز كان فعل التأثير أوقع وأنجع. وبهذا تم تقليص فضاء الخطاب وانتقلت البلاغة من فصاحة الخطبة إلى فصاحة القرص اللغوي المضغوط.مع مشهد البلاغة السياسية الجديدة نحن بحضرة نص مغاير لطبيعة النصوص كما كنا نعهدها، نحن بحضرة ما قد نسميه "النص الومضة" إذ هو بمثابة اللوحة الخاطفة المستقلة بنفسها، هو "النص اللقطة" عماده الصورة الفنية الآسرة التي تعبر بنا من حقل المجاز الغنائي حيث يصفق المستمع لفصاحة الخطيب المصقع، أو يرسل آهاته، أو يطلق زفرات في قالب تكبيرات وتهليلات، إلى حقل الاستيعاب الذهني والتركيز الادراكي.إن الصورة الشعرية لهي اليوم أسّ من أسس المعمار الذي تتشيد عليه استراتيجية الخطاب السياسي، ويعلو به صرح الفعل الإجرائي، لأنها الجسر الذي تتهيأ عليه آليات التخييل. ففي مطلع عام 2000 والدولار الأمريكي يواصل ارتقاءه على درجات سلم الأسواق النقدية كان بعض الخبراء الأمريكيين يرون أن الخزانة العمومية في الولايات المتحدة كان بوسعها أن تستفيد أكثر بكثير لو لم يسبق انتهاج المبادئ النقدية الجديدة عند تحرير الدولار، وكان على وزير الخزانة أن يشرح السياسة المالية، وفي ندوة صحفية واجهه بعض المحاورين مؤكدين على فرصة الولايات المتحدة لمراجعة جملة القرارات النقدية السائدة، فرد بالقول: "إن القرار المالي كمعجون الأسنان إذا أخرجته من مزوده تعذر عليك إرجاعه فيه".إنه النص اللماح ذو الومضة النافذة عبر الصورة التشبيهية الرشيقة. ولك أن تبحر في الكشف عن المخفيات الدلالية ثم تتساءل: أين مكمنها؟ وكيف صارت عند أهل الذكر يقينية والحال أنها عند النظر اللغوي البسيط افتراضية تماماً؟ وما الذي تضيفه الصورة إذا ما قيست إلى الكلام الذي يخلو من الصورة؟ ثم منذ متى تتعطل أداة التواصل باللغة امتثالاً لحيثيات المرجع الواقع خارج سياق اللغة؟فالنص يتحدث عن القرار المالي تخصيصاً وهذا دال على أن ما ينطبق عليه قد لا ينطبق بنفس الضرورة على القرار السياسي رغم أن المتحدث هو وزير، ولا يستلم الوزير حقيبته في نظام الولايات المتحدة إلا بعد موافقة مجلس النواب على قرار تسميته.والنص يتحدث عن تعذر إرجاع المادة اللزجة إلى وعائها ويسكت عن طبيعة هذا التعذر أهو بحكم مجرى العادة ومؤالفة الأعراف، وهذا وارد، أم بحكم الاستطاعة العملية والحال ان الآلة التي سكبته بوسعها أن تعيده ثانية إلى موضعه وهو ما يجعل التعذر مجازاً لأنه ليس على الاستحالة الرياضية؟ والسياسي عندما يقرأ أبعاد الدلالة في النص من خلال ايحاء الصورة التمثيلية ليس في حاجة إلى تبرير فعله، ولكن الرشيق في سياق الحال هو أن ذلك الوزير قد كان واعياً تمام الوعي باللبس الخلاق الذي كان يمارسه من خلال لعبة اللغة عبر شطرنج الكلام. فقد ختم ندوته الصحفية قائلاً: إذا ما فهمتهم مقصدي فاعلموا أني قد اسأت التعبير" ومَن مِن الأدباء أو الشعراء من لا يتمنى أن تكون له هذه القدرة على استرقاق اللغة كي يحقق امتلاك الأذهان؟إن البلاغة الجديدة تعلن لك عن نفسها في اللحظة التي تعلن فيها أنت عن التسليم بانحسار سلطة المصرح به مقابل تضخم سلطة المسكوت عنه.وإن أبواب الإدراك الجديد لآليات السياسة الجديدة تنفتح لك واسعة فسيحة حتى تتقن مهارة القراءة الجديدة فتعرف كيف يتم تسريب القناعات، وحقن الولاءات، وتهيئة النفوس باختراق أسوارها شيئاً فشيئاً.إن اللغة بصورها الشعرية الفاتنة لهي ألين المطايا لانجاز الامتلاء في غياهب اللاشعور، وهذا هو فاتحة الوعي الجديد بدلالة عديد العبارات التي يحملها الناس محمل الكلام الايديولوجي الخاوي من المقاصد المتعينة بينما نقوم في حقيقتها مقام المصطلحات المدققة المضبوطة: التوجيه النفسي، والتحكم الادراكي، والغزو الذهني. إنها حقائق وليست من الأوهام في شيء.ذاك شيء نزير من ملحمة فائضة، هو قطرة تبللنا عند الوعي بها والحال أن أنهاراً منها تغمرنا صباح مساء فلا نشعر بابتلال لأننا غافلون عنها.لقد حولت السياسة الجديدة وظيفة اللغة القديمة فجعلتها دائرة على المخاتلة: في الأدب في الشعر كما في النثر الفني نأتي بالصورة ونحن راغبون في أن نقول اننا أتينا بالصورة، ولولا حياء اللغة والأدب لتسابق الأدباء والشعراء إلى الاعلان عن مواطن الصورة في كلامهم، ولتوسلوا بألف مسلك كي ينصوا على سياقات الجمال ومنعرجات الفن ونتوءات الفصاحة في صميم كلامهم الذي هو أدب وجمال وفن. أما في السياسة فصناع الخطاب المهرة ينتجون الصورة الشعرية وكلهم رغبة في أن يتكاسل الوعي عن ادراك أنها صورة، فوظيفة الأداء تزداد إلى كلامهم بقدر ازدياد غيبوبة الإدراك لدى المستقبلين لرسائلهم من عامة الناس وفيالق الجمهور.فهل نقول ان البلاغة الجديدة هي بلاغة الخطاب المرآوي؟ ليكن. فلسنا في سياق يبيح لنا إرسال الأوصاف الأخرى من خطاب ماكر، أو خطاب خادع، أو مخاتل، أو مضلل، أو مراوغ. وإن كانت كلها من الألفاظ التي قد يحولها العقل إلى مصطلحات علمية بحثية عقلانية بعد أن ينزع عنها ايحاءاتها المزاجية أو حيثياتها القيمية المرتبطة بمعيار الأخلاق المطلقة.ليكن. ولتكن معه لدينا قناعة راسية دائمة هي كالقانون الجازم: ان تصنيع الواقع يمر عبر تصنيع الخطاب.ثم ليكن لدينا أيضاً قناعة أخرى: أن السلطة الجديدة في عالم السياسة الكونية هي بعد السلطة الدستورية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ثم السلطة الإعلامية سلطة صناعة الخطاب المطبوخ داخل ورشات انتاج الخطاب.إنها السلطة الخامسة. تونس

بداية الصفحة

لا شيء خارج الحكاية (2/1)

د. محمد ربيع

* أقمت زمنا طويلاً على الاعتقاد عن قناعة بصدق مقولة "لا شيء خارج اللغة"، كما يعتقد ذلك الكثيرون بقناعة خالصة ايضاً. وما زلت مقيماً على الاعتقاد بصحة ذلك، لأنه، كما يقول الدكتور عبدالسلام المسدي: "لا شيء يدرك إلا باللغة، ولا شيء يدرك إلا من خلال اللغة. اذاً لا شيء يدرك خارج سلطة اللغة". (الرياض 1422/3/29ه).غير اني اعتقد بالقدر نفسه من اليقين الجازم بأن صدق هذه المقولة ينطبق تمام الانطباق على الحكاية ان استبدلنا بلفظ "اللغة" لفظ "الحكاية". بل لا اكون مبالغاً اذا قلت: ان ذلك انما ينطبق تمام الانطباق مع الحكاية لا اللغة. ذلك ان اللغة نفسها لا تكون إلا بالحكاية، ولا شيء يدرك منها إلا بالحكاية، ومن خلال الحكاية، واذاً لا شيء يدرك خارج سلطة الحكاية، اذا شئنا تغيير الفاظ المسدي السالفة الذكر.ما اللغة؟ وكيف لا يكون شيء خارج اللغة؟ واذا كان عدم ادراك شيء من غير اللغة مرجعه الى علائق الفكر باللغة فما طبيعة علائق الفكر بالحكاية؟ سنرى.اللغة من حيث هي نظام خطي، اي: بوصفها ذات نظام تركيبي محدد، انما هي قوالب وقوائم. القوالب نظام والقوائم نماذج تملأ النظام. القوالب نظام افقي، والقوائم رأسية. كل نوع من انواع التراكيب الافقية له حكاية، بل حكايات. ولا يكون على هيئة ما معينة يعد بها تركيباً إلا بحكاية. وكل نموذج من محتويات القوائم له حكايات وحكايات. وتقاطعات النظم الرأسية والافقية ينتج ما لا يعد ولا يحصى من الحكايات. والاهم من ذلك انك لا تجد لكل ما تقدم تصوراً واضحاً الا في ضوء حكاية. إما ان تنسج له انت حكاية او تتعرف على حكاية نسجت من قبل عند آخرين.المكون الفعلي: "ضرب زيدٌ عمراً" المتصور فيه اسناد فعل الى فاعل، ووقوع الفعل من فاعل على مفعولٍ، لم يأت على هذه الشاكلة إلا بتصور حكاية منظمة لهذا الاسناد، ولهذا الوقوع واحواله، ومستوعبة ما يكون كذلك. والمكون الاسمي: "محمد مجتهد" و"عمرو منطلق" وما الى ذلك هو بالطبع على هذا النحو. ولهذا اختزل الدكتور عبده الراجحي مرة وهو محق عمل النحاة العرب في اشتغالهم بنموذجين شهيرين فقط هما: "ضرب زيد عمراً" و"زيد قائم". ذلك انهم شغلوا بحكايات المثالين وما يمكن ان يتوالد من حكايات عنهما وعن متمماتهما من (الحال والظرف والتمييز والاستثناء ودخول النواسخ،.. الخ).وكما هو معلوم يمكن استبدال كل لفظ في كل مكوّن. إذ "ضرب" يمكن ان يأتي مكانها "ذهب" أو "قام" و"زيد" يمكن ان يحل محله "خالد" أو "عمرو"، وهكذا. وكل احلال للفظ مكان آخر يتهيأ منه احلال حكاية او حكايات مكان اخر. هذا فضلاً عن حكايات كثيرة متداخلة تطل من وراء الاقدام على اختيار لفظ ما معين من بين بدائل مناسبة، كحكايات النحاة مع فعل الشراسة والعدوانية: (ضرب) وما يمكن ان يتكأ عليه ان نظر الى هذا الاختيار دون غيره. وحكايات اختيار "زيد" للقيام بهذه المهمة في مقابل استعداد "عمرو" لتقبل وقوع الحدث عليه في كل مرة. وهو ما يمكن ان يظهر اسساً وملامح ثقافية غير لغوية. ويقابل ذلك حكايات اخرى تظهر فيها براءة الاختيار، وانه مجرد تمثيل بوقوع حدث من فاعل على مفعول به.اللغة من حيث هي مفردات: اسماء وافعال وحروف. اذا سمي الشيء حتى تتعين هويته وتتحدد في الاذهان ملامحه فإما تنسج له الحكاية وتصنع. وكأنه قبل صناعة الحكاية وتشكلها كالمعلق في الهواء، او كأنه لا شيء.واثبات الافعال للمسميات اثبات لحكاية، فإما ان الحكاية حدثت فالفعل واقع، والا فلا. وان لم تحدث فنفي الفعل بادوات النفي فإن ذلك حكاية اخرى ايضاً. واقتران الفعل بالزمان وبالفاعل وبمتممات الخبر دلالة على استشعار الاساس الحكائي. ولهذا ربط النحاة بين "الخبر" قرين "الانشاء" بالزمان والمكان والفاعل، وهي من لوازم الحكاية ومن أسسها المتينة.والحرف لا يربط بين انواع الالفاظ الا بحكاية معينة يكون له بها معنى من معاني الحروف. وله بها القدرة على تحويل حكايات الالفاظ الاخرى المتصلة به من حال الى حال.. وذلك بالحكاية التي تخصه هو في المقام الاول، وتلك ايضاً حكايته.ولا يتصف الشيء بصفة معينة وينتفي عنه الاتصاف بغيرها إلا بحكاية. وقد يستطيع الوصف المسبغ على موصوف والآتي الينا بحكاية ان يخفي عنا حكايات كثيرة لو ظهرت لنا وسردت علينا لتبدى لنا ذلك الموصوف بملامح اخرى وصورة مغايرة مختلفة.التركيب النحوي للجملة لا يمكن ان يكون على هيئة ما معينة ذات دلالات مقبولة ومعان مستساغة إلا بحكاية مبينة فاصلة، بها تقترب حكايات وتنزاح حكايات اخرى لتراكيب مقابلة ذات دلالات مقبولة ومستساغة ايضاً. بالحكاية المعينة يكون التركيب ذا مغزى، وبحكاية اخرى يحل محله مغزى آخر. والتخريجات المتعددة والتوجيهات المتباينة ليست غير تقريب حكاية وازاحة اخرى في مقابلها. ولا يعدو صراع النحاة والمؤولين للتراكيب ان يكون صراعاً بين حكايات، بالتكريس لبعضها وتهميش بعضها الآخر. او قل: هو اتاحة الفرصة لحكاية ان تقترب ولاخرى ان تنزاح.والبنية الصرفية للالفاظ لا ينعقد في الذهن تصورها بمعزل عن الحكاية التي تثبت للبناء هيئة ما، وتحدد ماهية الاصوات المكونة للالفاظ ووجودها في اللفظ من حيث الاصالة والزيادة او الثبات والتحول، او الاتصال والانفصال، او نحو ذلك.أما الدلالة اللغوية لمفردات اللغة وتراكيبها فإنها هي الحكاية والحكاية هي. حضور الدلالة هو حضور للحكاية، وغيابها غياب للحكاية او احتمال وتأرجح بين عدد من الحكايات. واذا اتسع الاحتمال لورود عدد اكبر من الحكايات اتسع فضاء الدلالة وتعددت احتمالاتها بتعدد الفرص الحكائية. وفي مقابل ذلك يشكل التحديد الدلالي الاوحد ما يشبه سيطرة الحكاية الواحدة واستبعاد العدد المتوقع من الحكايات الأخر.لا مناص في فهم النص وسبر دلالاته من استحضار الحكاية التي يتأسس عليها ذلك النص وينمو في فضائها، وكل منهما ينحو نحو الاكتمال بالآخر. تفسير النص وتأويله على نحو مقبول في العقول والاذهان يستند الى ربطه بسياقه والفضاء الذي يحتويه. وما ذاك إلا بنسج الحكاية له. معرفة سبب نزول النص القرآني، واظهار المعنى في ضوء المناسبة، معناه التعرف على كامل الحكاية. وان مقولة استناد الشعر على السرد، والتي تنطلق من الحكم بحتمية عدم تشكل الشعر على غير سياق، وانه لا ينبت في غير فضاء السرد بالضرورة، مبنية على الوعي بأن لا نص يكتمل دون اكتمال ملامح حكايته على نحو ما. وبالمثل لا مفر من ان يكمل هو من جانبه حكاية، او يكمل بعض دوائر حكاية ربما تنتهي الى حكاية اخرى. لأن الشعر بما انه لغة هو اذا حكاية في اصله، بالاضافة الى كونه يتأسس على حكاية او يحيل الى حكاية.المجاز حكاية، لكن الحقيقة حكاية اخرى. لأننا اذا قلنا بحكائية واحدة منها فلا سبيل الى تصديق ذلك والقبول به الا بالقول بحكائية الاخرى. اذ كيف يمكن نشوء الحكاية التالية ان لم تنشأ الاولى؟ كثير من المعاني المجازية بحسب تصورنا طبعاً انما جمع في اذهاننا تصور الفرق بينها وبين المعاني الحقيقية المقابلة احساس بحكاية ما على نحو ما. ولذلك يمكن ان يقترن لفظ "الكرم" بالولائم على نحو نفهم منه ان ذلك حقيقي، وبغيرها على نحو نفهم منه انه مجازي، بحكاية منسوجة في الذهن لا غير. وهنا نستعيد حكم ابن جني على لفظ "الضرب" في مثال النحاة المشهور (ضرب زيد عمراً) بالمجاز. ليس من باب التأييد او النفي، بل لأن ما ذكره في ادلته على المجاز ما يكفي لكشف الزيف في الحكاية الفاصلة بين المجاز والحقيقة، بمعنى امكان انزياح الحكاية الفاصلة والاستبدال بها اخرى. وان علوم اللغة والبلاغة التي ادعت رسم حدود الحقيقة والمجاز انما راحت تدور في احدى دوائر الحكايات التي لا تنتهي ولن تنتهي يوماً ما.ان العلاقة بين "الدال" و"المدلول" والتي هي الحكاية الكبرى لجدلية "اللغة والفكر" الثنائية، يتأسس عليها القول بأن لا شيء خارج اللغة. وهي علاقة حكائية صرفة، لا يتأتى شيء منها إلا بالحكاية ومنها واليها. ذلك ان تصور اي نوع من العلاقة بين الدال ومدلوله معناه فهم لحكاية رابطة بينهما على نحو ما. واذا تغيرت الحكاية تغير التصور. وان عدمت الحكاية عدم التصور بالكامل. ولهذا لابد ان نعد فهم الشيء هو فهم لحكاية الشيء. والحكاية هنا مرادف الفهم. وتفسير الاشياء ليس غير سرداً لحكايتها. والتعبير عنها لا يكون الا بعبارات ساردة لحكايتها في كل حال. ولهذا السبب قال الاستاذ عابد خزندار مرة: ان اللغة لا تكون إلا سرداً، وان لم يبد في الظاهر انها كذلك. وعندي ان ذلك يكفي لكشف السبب في صلاحية ان يحل لفظ "الحكاية" ومشتقاتها مكان لفظي "اللغة والكلام ومشتقاتهما معاً، ولا يصلح العكس بالعكس. وللسبب نفسه صح ان تستفهم عن الشيء بالسؤال عن حكايته.وعندي كذلك ان تعليل الظواهر بالتوصل بعد تأملها الى علة مناسبة لا يعدو كونه اختياراً لحكاية مناسبة من بين حكايات اخر محتملة. ومناسبة العلة هنا لا تعني غير مناسبة الحكاية واستساغتها والاختيار لها بناء على ذلك من بين اخرى واردة ومحتملة. ولذلك اجد ان الفرق بين من يتجه في تفسير الامور الى تفسيرها بالمؤامرة وبين من يتجه الى تفسيرها كما تبدو في الظاهر انما هو فرق في اختيار الحكاية. لان كل واحد من المذهبين يفترض في تصوره حكاية. فحكاية كل منهما تزيح الاخرى وتحتل مكانها.الصورة، التشبيه، الاستعارة، الكناية حكاية، والاصل الناشىء عنه جميع ذلك لابد انه حكاية. البلاغة كلها حكاية، بل حكايات في بطن حكاية.النحو، الادب، الشعر، القصة، البلاغة، العروض، التأريخ، كلها حكايات. العلوم كلها حكاية. نشأة العلوم حكاية، وان كان ما يصور لنا من حكايات عن نشأتها ليست هي الحكايات الصحيحة او المقبولة بصورة مطلقة بالضرورة. لكن تصوير نشأتها في قالب الحكاية يعكس لنا مدى الاحساس الضروري باستحضار الحكاية عند الكلام على النشأة. وفوق ذلك لم تنته الحكاية عند النهاية التي حثنا عنها الحكاؤون عن النشأة، بل الحكاية مستمرة، وحتماً لا بد انها ما تزال مستمرة. وللحديث بقية.د. محمد ربيعmrabeea@hotmail.com

بداية الصفحة

نسغ الكلام
صالح الحميدان



* تقوم نظرية التحليل النفسي أو تصوراته أو فرضياته ـ وكل له تعبيره ـ على تقسيم بنية الشخصية أو مكوناتها، إلى ثلاثة نظم أو أجهزة أساسية هي: الهو، الأنا، الأنا العليا وكلها "تتفاعل معا تفاعلاً وثيقاً، بحيث يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، فصل تأثير كل منها، ووزن إسهامه النسبي في سلوك الإنسان، إن السلوك يكون دائماً ـ في الغالب ـ محصلة تفاعل بين هذه النظم الثلاثة، ونادراً ما يعمل أحد هذه النظم بمفرده دون النظامين الآخرين" كالفين هول.

فإذا ما عرفنا الطبيعة البيولوجية القاهرة للهو، وغموض معنى الأنا الذي يحتاج أكثر من تأمل، فالذي لا شك فيه أنا ما يمثل اللاحق وتأثير الخارج في تكوين الشخصية والحياة النفسية هو الأنا الأعلى. وهذا ما يهمنا لأنه يمثل دور الاجتماعي في تكوين السيكولوجي.

فنشوء الأنا الأعلى يبدأ منذ الطفولة وتجاوز المرحلة الأوديبية ويمثل الضمير الخلقي والمؤثر الثقافي في التكوين النفسي "وإذا كان تكوين الأنا الأعلى يقوم على التخلي عن الرغبات الأوديبية الغرامية والعدائية (في آن معا) فإنه يغتني لا حقا من خلال مدد المتطلبات الاجتماعية والثقافية ـ أي التربية والدين والأخلاق". وبما أن التكوين البيولوجي ثابت أو متجانس عند كل بني البشر فان الخطورة تأتي من هذا المؤثر المتغير بين الشعوب المختلفة.

وخطورة الأنا الاجتماعي أنه قد يكون ذا أثر تعميري على الحياة النفسية، "ذلك أن الأنا العليا حين لا تكتمل نشأتها على نحو صحيح يغلب عليها المنطق الفج وتتسم بالسادية في تعاملها مع الأنا" صلاح مخيمر.

وعلى ضوء هذه العلاقة بين الجوانية والبرانية يمكنني أن أفهم مقولة فرويد بأن النزعات قد أفضت بالشيء الكثير القيم إلى ما أنجزه العقل البشري من آثار ثقافية وفنية واجتماعية رفيعة. "فإذا أردتم أن تعرفوا كيف يفسر أصحاب التحليل هذه الواقعة، ذكرت لكم أننا نعتقد أن الحضارة قامت في زحمة تنازع البقاء على تضحيات قام بها الإنسان إذ حد من إشباع نزعاته البدائية" فرويد.

كل هذا يعني أننا معنيون بالبحث عن النفسي عبر الاجتماعي ويقودنا هذا بسلاسة إلى رأي أحد المساهمين في التحليل النفسي "وفي ما يتصل بالتأثيرات البيئية، فتنبغي دراستها بالتفصيل في واقعها العلمي. فليس هناك علم نفس للإنسان بمعنى عام، وفي فراغ إن جاز القول، بل فحسب علم نفس في مجتمع عياني بعينه، وفي مكان اجتماعي بعينه ضمن هذا المجتمع العياني" أوتو فينخل.

وهذا يعني أننا بحاجة إلى علم نفس سعودي وسوري ومصري الخ..؟؟ وأن تكرار تدريس النظريات دون تطبيق عملي زرع في الريح.

بداية الصفحة

لميعة الموغلة في السر وفي السحر!

جهاد فاضل

الأمر المستغرب في الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، انها شاعرة وجميلة معاً. ذلك ان الجمهور اعتاد على الشاعرة، أو الأديبة، التي ليس لها حظ من الجمال، فإذا كان لها مثل هذا الحظ، صُنفت في باب الشذوذ عن القاعدة. ومع ان لميعة عباس عمارة تجاوزت الخامسة والسبعين من العمر ـ وهذا مؤكد ـ فإن من يشاهدها، سواء كانت متبرجة أو غير متبرجة، لا يحسب انها تجاوزت الستين، وربما الخمسين، ولاشك ان وسائل التجميل الحديثة تهب سيدات عصرنا ما لا يوصف من أساليب التنكر، إلا ان سمة الجمال التي كانت للميعة في صباها. لم تنسحب حتى الآن ذلك الانسحاب الكامل. فمازال في الوجه وفي القوام ما يدل على أن هذه الشاعرة التي ماتزال تنظم الشعر، كانت احدى الوجوه البغدادية الجميلة في الاربعينات، كما كانت بلاشك فتنة أروقة وباحات دار المعلمين العليا ببغداد التي جمعتها بنخبة من رواد الشعر الحديث في الخمسينات وعلى رأسهم الشاعر الكبير الر احل بدر شاكر السياب.

ومما يلفت في هذه المفارقة، وهي الجمع في الصبا والجمال والشعر المتين في ذات واحدة، ان هذه الشاعرة لم تقم عمارتها الشعرية على قصيدة نثر، أو على قصائد نثر، كما لم تقمها على قصائد تفعيلة من نوع القصائد التي ثار ومازال يثور إلى اليوم جدل واسع حول أول من توسلها: أهو بدر أم نازك الملائكة أم سواهما. وإنما اقامت عمارتها الشعرية على قصائد متينة موزونة ومغناة، وذات نفس عاطفي في الأعم الأغلب. وهذا أمر ينبغي ان يحسب لصالحها. ففي الوقت الذي انصرفت فيه نازك الملائكة إلى التنظير، بعد موسم شعري جميل انقطع لاحقاً، لم تُعن لميعة عباس عمارة بالتنظير للشعر. فلا نظريات الحداثة لفتت نظرها، ولا أية نظريات أخرى وإنما كان كل ما صنعته هو انها عندما كانت تعبّ من دنان الحب وأويقاته اللذيذة، كانت تعمد إلى تسجيل تلك العاطفة البشرية الخالدة بواسطة الشعر. فالشعر، كما كان قديماً ديوان العرب، كان ديوانها هي وترجمان عواطفها ومشاعرها وأشواقها وأحزانها ودموعها. فإلى الرجل كان اشتياقها، لا إلى نظريات ألتوسير ونعوم تشومسكي وجاك ديريدا وبقية هؤلاء المنظرين الذين جلبوا النعاس إلى العيون. وفي الوقت الذي قلدت فيه الكثير من النساء، المتأدبات أو غير المتأدبات، الرجال في أمور كثيرة، أمعنت هذه الشاعرة في تقليد حواء القديمة، من حيث الوفاء لما خلقت له أصلاً، وهو أن تكون أنثى، وأن تغني للرجل، إذا ما ذهبت نعمة الغناء، ما يفيد شوقها إليه، أو لوعتها لغيابه.

ولكن مازال في نفس هذه الشاعرة الصبائية التي قدمت فن العمارة إلى بغداد في الأربعينات، حياء شرقي لا تتمكن من الانتصار عليه رغم انها باتت في الهزيع الأخير من ليل الحياة، فعندما تسأل عن زيارتها لزميلها في دار المعلمين العليا في بغداد، بدر شاكر السياب، في قريته جيكور ذات صيف، تحرص على القول ان عمها أو خالها كان يرافقها، وانها عندما التقت بدر في منزله في جيكور، كان هناك بالاضافة إلى قريبها، بضعة أفراد من أقرباء بدر. بل انها عندما صحبها بدر بعد ذلك في نزهة في قارب بحري في الخليج، لم تكن وحدها معه، بل كان هناك آخرون. ولكنها لا تنكر أن بدر تسلل إلى قلبها ذات يوم، بعد فترة طويلة من الزمالة والصداقة المدرسية البريئة. ولكننا نفهم من حديثها ان صيغة الحب في تلك الأيام لم تكن كصيغ اليوم. فقد كانت صيغة العواطف الجوانية السجينة في النفس والتي لا يتاح لها إلا القليل من أو الانفراج. كما نفهم ان أكثر لقاءات القلب ولواعجه مع بدر كانت تتم عبر القصائد والرسائل. فالاحتشام والعفة كانا رداء المحبين في ذلك الزمن الرومانسي الجميل.

وقد تكون لميعة عباس عمارة هي البقية الباقية من "شعراء بغداد" في الخمسينات. فبعد رحيل بدر وبلند الحيدري وعبدالوهاب البياتي وسواهم من الشعراء الكبار والصغار في تلك الآونة، لم يبق سوى نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة. ولكن نازك تقيم في أكثر من سجن من سجون النفس والجسد. ومن يراها الآن في منزلها، أو في عيادة هذا الطبيب أو ذاك، لا يصدق انها هي نفسها تلك العصفورة النضرة التي كانت ذات يوم. في حين أن لميعة مازالت تحيا وتسافر وتدخل في حوارات لا تنتهي حول الشعر والذكريات، فتكتب الشعر ايضاً. وشعرها يدور في أغلبه، كما أشرنا حول الحب وما إليه.

ومن الظلم للميعة ان يقال ان أهميتها تكمن لا في كونها شاعرة، بل في كونها الهمت بدر شاكر السياب ذات يوم، أو أوهمته، أو أحبها واحبته. ففي شعرها أبيات رائعة، وأفكار يحسن التأمل فيها لأنها قادمة من قلب أنثى شرقية وفية لطبيعتها. وفي حديثها العذب ما يدل على ثقافة عميقة وعلى تجربة تختلط فيها المرارة بالحكمة، وهي تبتسم عندما يذكرها أحد بما قاله لها ذات يوم نزار قباني، وهو انه من الأحرى لها ان تنصرف إلى كتابة ذكرياتها مع بدر شاكر السياب واصدارها في كتاب.. فهذا الكتاب سيوهب له حظ الانتشار أكثر مما يمكن ان يوهب هذا الحظ لديوانها أو لدواوينها ولكنها لا تقتنع بنصيحة نزار قباني السهلة، وبدليل ان بدر شاكر السياب لا يؤلف عملياً في حياتها سوى ليلة واحدة من ألف ليلة، بدليل ايمانها الحار بالحب وبضرورة عدم تقنين هذا الحب في اطار الزواج لأن الزواج، كما توجز، يقتل الحب.

لتجربة لميعة عباس عمارة الشعرية أهميتها بلاشك، ولكن لتجربتها الحياتية أهمية لا تقل عن أهمية الأولى، لقد اتيح لهذه السيدة أن تعايش عبدالإله ونوري السعيد في العراق وان تعايش بعدهما عصر عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، وصولاً إلى أيام العراق البائسة الحالية، واتيح لها قبل كل شيء ان تتعامل مع هذه الحياة بشفافية وشعرية بالغتين. فمن حقها علينا أن نطالبها ببسط تجربتها كلها في كتاب لاشك انه سيكون ملحقاً من ملاحق كتاب شرقي قديم موغل في السر وفي السحر معاً..

بداية الصفحة

ملاحظات متأخرة عن معرض:
أدونيس ..شاعر في عالم اليوم، 1950ـ 2000

خالد المعالي

أقام معهد العالم العربي بباريس معرضاً شاملاً عن الشاعر السوري أدونيس وذلك بمساهمة أساسية من جامعة برنستون الأمريكية، وقد أقيم المعرض للمدة ما بين 11ديسمبر وحتى 18شباط ـ فبراير 2001م وقد صدر بهذا الخصوص كاتلوغ خاص وقيِّم ضم عشرات المقالات والتعقيبات والصور التي تؤرخ سيرة هذا الشاعر السوري المعروف.

وبمناسبة هذا المعرض الشامل والأول من نوعه ربما، والذي يقيمه معهد العالم العربي عن شخصية ثقافية عربية، يتمنى المرء لو أن المعهد قد أقام معارض أخرى قبل هذا المعرض، وذلك عن حياة مثقفين عرب لا يقلون أهمية إن لم يكونوا أهم من المحتفى به حالياً، أمثال: طه حسين، نجيب محفوظ، بدر شاكر السياب، يوسف الخال، كاتب ياسين، توفيق صايغ وغيرهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فنحن نجد من المناسب والمفيد لو أن مؤسسة فرنسية محضة، كمركز جورج بومبيدو مثلاً، قد أقامت هذا المعرض، وذلك لأسباب عديدة، أولها الشهرة الواسعة التي يتمتع بها أدونيس في فرنسا حالياً، والتي تفوق بالتأكيد شهرته الاهتمام به في العالم العربي اليوم. وذلك لأن المعرض هناك سيجلب أضعاف ما يجلبه معرض المعهد من زوار ومشاهدين، ولكونه سيكون غير مخصص للمهتمين بالعالم العربي فقط وببعض السياح الذين تحملهم الصدفة والفضول على زيادة معرض المعهد!.

الملاحظة الأخرى، فيبدو أن اندونيس قد تدخل بنفسه في كل شيء بالمعرض، وفي الكاتلوغ، فهو قد استبعد مثلاً كل الشخصيات التي علاقته بها غير جيدة اليوم، ولم يستبق إلا بعض الصور في حدود ضيقة، والتي تجلب له فائضاً من الشهرة، وحاول أن يضم بكل ثمن صور ومقالات (شهادات) من هب ودب، أغلبها سطحي، واستبعد كل الاشارات النقدية الجادة، وأضحت كل هذه الاضمامة من المقالات والشهادات وكأنها جوق يلهج بالمديح الطويل الذي لا ينتهي، وكل هذا لا معنى له ولا طعم ولا رائحة.

والشيء الأغرب أيضاً، أنه لم تُنشر في الكاتلوغ أي مساهمة لأي شاعر أو مثقف عراقي، إلا إذا استثنينا قصيدة شوقي عبدالأمير والتي ترجمها فرانسوا زبال إلى الفرنسية، والكل يعرف علاقة أدونيس وتأثره وتأثيره مع الشعر في العراق، وهي علاقة مثيرة للارباك، بالنسبة لأدونيس كما يبدوا.

ولا يسع المراقب المطلع هنا إلا أن يعتبر أن هذا المعرض الذي أقامه معهد العالم العربي بباريس لهذا المثقف العربي المشهور، بأنه معرض حسب مزاج أدونيس، أي معرض يريد أن يرينا كيف يود أدونيس أن يرى نفسه في التاريخ! وهذا شيء مؤسف، لأن هذا يعني الاضطرار إلى التزوير والإلغاء! لهذا كان حرياً بالمعهد أن يعرض لحياة أدونيس ونشاطه الواسع كما كان، لا كما يريد أدونيس أن يُعرض، لا أن يلجأ المعهد إلى التاريخ الافتراضي الذي حاوله أدونيس من خلال هذا المعرض!.

بداية الصفحة

البنيقة



* مفردة من مفردات الخياطة المنزلية قديماً. وتعني الجزء من الثوب.والبنيقة كسفينة وردت في القاموس المحيط على أنها فصحى. وتعني لبنة القميص. قال الشاعر:يضم على الليل أطفال حبهاكما ضم أزرار القميص البنائقوقد جاءت في معجم الألفاظ المعربة على أنها فارسية.عبدالعزيز محمد الذكيرaalthukair@hotmail.com

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم


مواقع الرياض
جريدة الرياض
الرياض إكسبرس
الرياض@نت
دنيا الرياضة
الرياض الاقتصادي
الصحفي الإلكتروني
منتدى الكتّاب
دليل المواقع