اكتب لنا اكتشف مواقع الرياض عناوين الرياض اليوم الأرشيف بحث الرئيسية
Thursday 28 June 2001 No.12057 Year 37 الخميس 07 ربيع الثاني 1422 العدد 12057 السنة 37
مواضيع الصفحة
داينتكس "تغلب قوة العقل على الجسد" (34)
الانحراف معد كالجراثيم ينتقل من شخص لآخر
الزكام العادي ضمن قائمة الأمراض الجسدنفسية


رحلة العلامة من الصوت إلى الرمز (3/3)

عندما تصد القراءة العجولة عن القراءات المتأنية الجادة

الكتابة في زمن متغير 2/1

متعة التيه بين كليطو والمعري

مازالت تقدم إلى اليوم
"التلبيبة والتعتيمة" وجبات تجمع الأفراد في المناسبات السعيدة


قصةالسمكة والبحر

شمرة عصا

ربما ذهبنا بعيداً

غاليليو وتأسيس العلم الحديث

محمد مكية، شيخ المعماريين العراقيين لـ "الرياض":
.لديَّ ألف صورة وصورة لبغداد وأمنية واحدة لم تتحقق


مسألة الشعرية في قصيدة النثر

ليونة LENIENT (لينيانت)

داينتكس "تغلب قوة العقل على الجسد" (34)
الانحراف معد كالجراثيم ينتقل من شخص لآخر
الزكام العادي ضمن قائمة الأمراض الجسدنفسية

تأليف ل. رون هابردعرض وكالة الأهرام للصحافة

* عرضنا في الحلقتين الماضيتين لعدد مهم من المعلومات الدقيقة حول الداينتكس والتي تكشف دوره الكبير في فهم الكثير من الأشياء من حولنا. وفي هذه الحلقة نستكمل مشاهدات المؤلف.يؤكد ل. رون هابرد ان الأمراض الجسدنفسية هي تلك الأمراض العضوية التي لها اسباب نفسية، أي لها تأثير نفسي على الأعضاء الجسدية في الأمراض العضوية وهذه الأمراض تنشأ عن طريق العقل أو النفسية وعندما تحل مشاكل الانحراف النفسي تشفى هذه الأمراض، وقد ثبت انه بواسطة تقنية الداينتكس تم استئصال هذه الأمراض بشكل كامل، وهناك 70% من الحالات كان العلاج فيها عن طريق الداينتكس. وكثير من الأمراض الجسدنفسية التي تم تصنيفها واكتشافها لم تكن معروفة. لكننا لا نستطيع ان نعتبر كل الأمراض سببها نفسي لأن هناك شكلاً من أشكال الحياة يسمى جرثومة وهدفها البقاء.وأضاف علم الداينتكس ان الجرثومة لها ثلاث مراحل في الباثولوجي: الاستعداد، والتي يعني بها العوامل التي تهيئ للمرض، والاظهار، التي يعني بها العوامل التي تسبب ظهور المرض نفسه، والاستدامة، والتي يعني بها العوامل المؤدية لاستمرار هذا المرض.وهناك تصنيف ايضاً للأمراض: يسمى احدهما الأمراض الذاتية، وهي تنشأ داخل الكائن الحي وتتولد ذاتياً، والآخر الأمراض الدخيلة، وهي تنشأ خارج الجسم، ورغم ان هذا التصنيف جيد إلا أنه غير دقيق، لأن الأمراض العقلية خارجية في الأصل، ولكن طبياً الجسم يستطيع ان يولد الأمراض الخاصة به. أو ان المرض يأتي من مصادر خارجية مثل البكتيريا، ولكن الأمراض الجسدنفسية تكون أمراضاً ذاتية تتولد بواسطة الجسد نفسه.ويعدد المؤلف هذه الأمراض الجسدنفسية ويسأل: كم عدد الأخطاء الجسدية أو كم حالة للجسم يمكن ان تنتج عن عوامل موجودة في الانجرم؟ فقد اكتشف ان الزكام العادي من ضمن قائمة الأمراض الجسدنفسية. فالإنسان الكليير لا يصاب بالزكام، وقد ثبت ان الزكام العادي يأتي عادة عن طريق الانجرم فهو يقترحه ويصدق عليه من المخاط الموجود في انجرم آخر. ويقول المؤلف ان هناك آلية بواسطتها يمكن للعقل ان يسبب عجزاً جسدياً أو يجعل الجسم ميالاً للمرض ويديمه. ويمكن اجراء سلسلة من الاختبارات البسيطة على مريض منوم مغناطيسياً أو مخدر بدواء، ويعطى الايحاء الايجابي بأنه يستطيع ان يسمع بقوة وإذا تم التحكم في أساليبه الأخرى الخاصة بالحصول على المعطيات، فسيكتشف ان السمع سيتضخم عدة أضعاف سمعه العادي، وعند إزالة الايحاء فإن سمع الشخص يعود لوضعه الطبيعي. والعكس أي ان إذا أردنا أن نخفف حدة سمع هذا الشخص بالايحاء والتجربة يحدث ذلك وعند إزالة الايحاء يرجع الوضع الطبيعي لأصله.ولكن من الصعب اجراء هذه الاختبارات على وظائف الغدد الصماء، إذ ان الأبحاث في الغدد لم تتطور كثيراً في الوقت الحاضر ولكن بإزالة الانجرم ومشاهدة نظام الغدد الصماء يستعيد توازنه، وأصبح نظامها هو جزء من آلية التحكم التي يعالج فيها العقل الجسم. ولكن الآن اصبح من السهل اظهار اثر الايحاء الايجابي على نظام الغدد وفقر اثر الهرمونات الصناعية على المنحرفين.وهناك نظام الأعصاب الاتوماتيكية ويفترض أنه يعمل بدون صلة بالعقل ولكن بعض التجارب اثبتت ان بعض الأجزاء يمكن ان تتأثر بواسطة العقل، ويوجد اثر تقلص حلزوني الذي به تبدأ الانجرم بإساءة عملها في منظم وظائف الحياة، وينتج عن هذا اساءة عمل العقل ويؤثر على منظم وظائف الحياة، وهذا يقلل النشاط الجسدي. والعقل بصفته جزءاً من العضو، سينخفض نشاطه ايضاً فالنشاط الجسدي من ثم بكونه منخفضاً يجعل النشاط العقلي ينخفض. فيصبح الشخص مريضاً وبوجود انجرم يصبح مريضاً أكثر. لذلك الكليير ليسوا عرضة لهذا التقلص الحلزوني.والمرض النفس جسدي سطحي كلياً وهو أول شيء يستسلم ويمكن ان يخفف دون الوصول إلى مرحلة الكليير. وقد لقيت المعالجة بالأدوية نجاحاً غير مؤكد في هذا المجال، إذ ان العقل باحتوائه على هذا الانجرم التي من طبعها البقاء تعالج بانتظام وظائف الحياة، والعقل يقلب حركة النشاط بسرعة ويرجع المرض إلى مكانه مرة أخرى. أما المعالجة باستعمال الصدمة الكهربائية أو الضرب أو المعالجة الجراحية لمثل هذه الأمراض فلها تأثير آخر، وذلك بنقل نمط الانجرم إلى جزء آخر من الجسم.ويصنف المؤلف الأمراض الجسدنفسية إلى خمسة أصناف: (1) الأمراض الناتجة من التشويش العقلي لجريان سوائل الجسم ولها شقان: (أ) كبح جريان سوائل الجسم، (ب) زيادة جريان سوائل الجسم.(2) الأمراض الناتجة من التشويش العقلي للنمو الجسدي ولها شقان: (أ) كبح النمو، (ب) سرعة النمو.(3) الأمراض الناتجة عن الاستعداد للأمراض الناتجة عن الألم الجسدنفسي المزمن في المنطقة.(4) الأمراض الناتجة عن استمرار المرض بسبب الألم المزمن في المنطقة.(5) الأمراض الناتجة عن الأوامر اللفظية المتضمنة في الانجرم.ففي النوع الأول في الشق الأول تقع الأمراض الشائعة كالامساك والأمراض غير الشائعة كالالتهاب المفصلي، أما في الشق الثاني، فتقع أمراض أخرى مثل ضغط الدم المرتفع والاسهال والتهاب الجيوب وغيرها من الحالات الجسدية الناتجة عن وفرة في سوائل الجسم.أما النوع الثاني في الشق الأول فيمكن ان يسبب اشياء مثل ضمور الذراع وقصر الأنف ونقص النمو لعضو تناسلي ونقص النمو لأي غدة من الغدد الخاصة بمقدار الحجم، والشق الثاني بسبب اشياء أخرى عكسية مثل زيادة حجم اليد أو الأنف الطويل أو الأذن الكبير.أما النوع الثالث، فيحتوي على السل الرئوي ومشاكل الكبد ومشاكل الكلية والطفح الجلدي والزكام العادي.والنوع الرابع، يتضمن الأمراض التي تظهر بدون تأثير جسدنفسي مثل حادث في موضع الجرح السابق وبواسطة الاثارة يبقى الانجرم نشيطاً في تلك المنطقة حتى تصبح الحالة مزمنة وينضم إلى ذلك السل الرئوي والتهاب الملتحمة وجميع التقرحات وجميع الأمراض والأوجاع الشاذة التي لا يمكن الاستدلال عليها في علم الأمراض.النوع الخامس ويحتوي على فهرس واسع من الحالات وأي مرض منه يتداخل مع الأمراض من الأنواع الأخرى.يخلص من ذلك المؤلف إلى ان الانجرم يقلل المقاومة الجسدية للأمراض وكلما أثير الانجرم تقل قدرة الشخص على مقاومة المرض بشكل اتوماتيكي.ويقول ان الأطفال لديهم انجرم أكثر بكثير مما يفترض، فكل أمراض الطفولة تكون مسبوقة باضطراب نفسي، وكلما ازدادت الاضطرابات تكون الأمراض أكثر عنفاً مما يجب ان تكون عليه. فإن انحراف العقل والجسد بواسطة الانجرم لا يقود إلى الأمراض الجسدنفسية فقط بل إلى علم الأمراض الحقيقي وهو مستقل عن الحالة العقلية، وكما ثبت بالتجارب الاكلينيكية ان إزالة الانجرم له تأثير أكثر في إزالة الأمراض الجسدنفسية.* عدوى الانحرافكلنا يعرف ان هناك أمراضاً معدية حيث تنتقل الجراثيم من شخص إلى آخر ومن الوالدين إلى الطفل، حيث يوجد اختلال عقلي وراثي ولكنه محدود إلى الحالة التي في الواقع تفقد أجزاء منها، ومن أهم ظواهرها البلادة العقلية والفشل في التنسيق.ان عدوى الانحراف بسيطة جداً وتعلمنا في علم الداينتكس ان لحظات فقدان الوعي يكون سببه عادة تمثيل شخص ما لمحتويات انجرم الكليير، اذن يمكن ان يجعل فاقد الوعي بواسطة منحرف يمثل وتمثيل المنحرف لمحتويات الانجرم سيدخل كانجرم في الكليير.الطريقة سهلة حيث ان الناس تحت الضغط إذ كانوا منحرفين سيمثلون محتويات الانجرم مثل هذا التمثيل قد يتضمن ايذاء شخص آخر أو جعله فاقداً للوعي تقريباً، فالشخص المغمى عليه يتلقى التمثيل على شكل انجرم.هذه هي الطريقة الوحيدة لانتقال عدوى الانحراف، فالآباء يعدون ابناءهم حتماً بالانجرم كما لو كانت هذه الانجرم بكتيريا. هذا لا يعني ان البنك الانفعالي للطفل مؤلف من انجرم الوالدين فقط وهذا ايضاً لا يعني ان الطفل سيتفاعل لنفس الانجرم بنفس الطريقة التي سيتفاعل بها والداه ولكن هذا لا يعني انه من المحتوم تماماً ان الآباء المنحرفين سيحرفون ابنائهم بطريقة ما. من ذلك يسهل دراسة عدوى الانحراف في عملية الايصال لوضع الكليير لأي منحرف والداه يتشاجران. وعندما يولد الطفل ستبدأ بتمثيل محتويات الانجرم عليه وهكذا تضعه في حالة اثارة مستمرة. وتكون عدوى الانحراف أخطر بكثير ويمكن اعتبارها عاملاً حيوياً في ضعضعة صحة ذلك المجتمع.ففي مجتمع مليء بالمنحرفين قد يكون هناك شعور ان العقاب ضروري، ولا يوجد أي علاج سوى العقاب وتوفير العلاج للسلوك غير الاجتماعي من أعضاء من الجماعة يكون أكثر من اهتمام عابر للحكومة لتستمر في الممارسة الجسدية الخاصة بها، مضيفة إلى هذه الانحرافات المستمرة الماضية وينخفض احتمال البقاء لتلك الحكومة بشكل جدي ويوماً ما ستسقط هذه الحكومة بعد سقوط العديد من الحكومات بنفس الطريقة وشعوبها ايضاً فنت عن الأرض.ويعد الحكم بالاجبار هو انتهاك لقانون الالفة لأن الاجبار يولد الاجبار والحكم بالاجبار يقلل حرية الإرادة للأفراد في المجتمع ولذلك حرية إرادة المجتمع نفسه ايضاً عدوى الانحراف تكتسح مثل اكتساح النار للغابة فالانجرم يولد انجرم، والعكس فإن الكليير متعاون والمجتمع المتألف من كليير سوف يتعاون، وقد يكون هذا حلم بالمدينة الفاضلة.فالعائلة التي تسير على نظام اللاهية حيث يكون هناك شخص يجب ان يطاع من غير استفهام لا تكون ابداً عائلة سعيدة، ازدهارها قد يكون موجوداً في بعض الجوانب المادية ولكن بقاءها الواضح كوحدة يكون ظاهرياً. والجماعات المجبرة فعالة أقل من الجماعات التي تعمل من أجل المنفعة العامة، ولكن المجموعة التي تتضمن اعضاء منحرفين محتمل ان تصبح كلها منحرفة كمجموعة بوسيلة العدوى والجهد لكبح الأعضاء المنحرفين في مجموعة حتماً سيكبح المجموعة ككل وسيقود إلى كبح أكثر وأكثر.يرى المؤلف في النهاية ان الطفل انسان مؤهل ليحظى بكرامته وحرية إرادته، فالطفل من والدين منحرفين يكون مشكلة بسبب عدوى الانحراف وبسبب انه محروم من أي حق في التمثيل أو المقاومة، لكن بواسطة العدوى والعقاب والحرمان من حرية الإرادة أطفال اليوم قد يكونون حرموا كل الأشياء المطلوبة لعمل حياة عقلانية وهؤلاء هم عائلات وسلالة المستقبل.من ذلك نصل إلى ان الداينتكس تغطي التفكير الإنساني والتفكير الإنساني أرض واسعة عندما يحدق الشخص في الامكانيات المتأصلة في طريقة العدوى لا يستطيع إلا ان يظهر احتراماً لاستقرار الإنسان.* تنشيط الانجرمأشرنا من قبل ان المصدر الوحيد للأمراض العقلية اللاعضوية والأمراض الجسدنفسية العضوية هو تلك الانجرم الانفعالي، حيث ان العقل الانفعالي يرطم تلك الانجرم متى تتم استثارته بالعقل التحليلي والكائن الحي بعد أن تكون قد نشطت. ويمكن الاثبات بسهولة ان أي لحظة تعاسة في مستوى الوعي تحتوي على ضغط قوي أو انفعالات ليست هي المذنبة في وجود الشحنات المسببة للانحراف والأمراض الجسدنفسية. ولكن هذه اللحظات تلعب دوراً في القضية بالطبع، إذ انها المنشطات للانجرم. حيث ان تنشيط الانجرم ليست عملية معقدة.ان الناس الذين يحاولون مساعدة الآخرين على انحرافاتهم ولا يعرفون على الانجرم شيئاً فإنهم بالطبع يعملون ضد أي نجاح في المقام الأول فالاحساس بالمقاومة يتلاشى للأسفل داخل البنك الانفعالي هكذا نحصل على المريض، وهذا نكتشفه ويكتشفه المريض حين تنطلق الانجرم، ويمكن ان تتقدم الانجرم لعشرات السنين دون ان تنشط وأكثر الحالات تميزاً هي ان يقضي الشخص كامل فترة صباه من غير ان يظهر أي انحراف وقد يظهر فجأة انحراف بشكل مفاجئ، ويفسر هذا انه قد يكون معظم الانجرم الخاص به كانت متعلقة بزواجه وانجاب الأطفال، وحينما يتزوج وينجب للمرة الأولى ينشط انجرم ويبدأ التقلص الحلزوني بالعمل.ان عملية التنويم بالمخدر خطيرة، فحين يحاول الشخص ان يعالج المضطرب عقلياً تحت تأثير المخدر هنا ينشط الانجرم فهو يغلق المحلل وهناك البنك الانفعالي مفتوح ليثار بواسطة أي تعليق من الناس حول الشخص المختبر المخدر، التنويم المغناطيسي نفسه هو حالة تنشيط الانجرم الذي لم يتم تنشيطه من قبل. ان أي وقت يجعل في الجسم فاقداً للوعي من غير ألم جسدي مهما كانت درجة فقدان الوعي خفيفة فإن الانجرم ينشط وإذا تعقد فقدان الوعي بواسطة ألم جسدي جديد فإن انجرم جديد يتشكل والتي قد يجمع معه حزمة كاملة من الانجرم القديم التي تنشط الآن، وإذا نتج عن مثل هذا الانجرم فقدان الصحة العقلية فإنها ستسمى انجرم الانهيار.وإذا فشلنا في الوصول إلى الحل المثالي لإزالة الانجرم فإن هناك عدة أشياء يمكن عملها حول الانحراف والأمراض السيكوسوماتية وان كانت هذه الطرق غير مجدية، إلا انها سوف تلقى احياناً بعض الاستجابات المفيدة بشكل جيد. هذه الوسائل يمكن ان تصنف تحت عناوين تغيير البيئة والتعليم والعلاج الجسدي، فاخراج المنحرف من البيئة التي يكون فيها تعيساً أو غير فعال يمكن ان تؤدي إلى شفاء سريع بشكل مدهش، هذا العلاج يكون فعالاً، إذ انه يزيل المثير من الشخص أو يأخذ الشخص بعيداً عن المثير.ان المعطيات الجديدة أو الحماسة قد تخمد الانجرم جيداً عن طريق ترجيح العقل الانفعالي في ضوء تحليلي جديد، إذ اقنع الشخص انه يعلق خوفه على بعض الأسباب المشار إليها، فإن رفع احتمال بقائه بأي طريقة سيرفع مزاجه العام لمرحلة حيث لا يساوي للبنك الانفعالي. ذلك يتضح في العلاج الجسدي الناتج عنه تحسن الحالة الجسدية سيؤدي إلى أمل أو تغيير لردود فعل الشخص بنقله على المجرى الزمني وقد تخمد الانجرم. كل هذه الوسائل هي علاجات فعالة وعلى النقيض فإن الأشياء التي تجعل الانحرافات تظهر نفسها هناك طرق خاطئة للتصرف وأشياء خاطئة للعمل وطرق خاطئة لمعاملة الناس والتي في ضوء ما نعرفه هي أعمال انجرامية.على مستوى العلاج الجسدي أي شيء عنيف بعنف العملية الجراحية واقتلاع الأسنان على المستوى الجسدنفسي هو عمل بربري في ضوء الداينتكس، فالأمراض العضوية الكافية لتملأ عدة قوائم هي جسدنفسية لا يجب اللجوء إلى عمليات جراحية من أي نوع إلا إذا كان مؤكداً ان الوعكة ليست جسدنفسية أو ان المرض لا يختفي من تلقاء نفسه إذا كانت فعالية العقل الانفعالي قد قللت العلاج العقلي جسدي.ان كثيراً من الأشخاص الذين يحققون في علاج المرض العقلي من قبل الأطباء النفسيين والمسئولين عن المصطحات العقلية حثوا على شجب الطبيب النفسي بأنه لا يستحق الثقة واتهموه بعمل تجارب تشريح الكائن البشري الحي باستعمال هذه العملية، أي أمل بشفاء هؤلاء المرضى تعيسي الحظ عن طريق العلاج بعلم الداينتكس يمكن ان يكون قد ذهب في غالبية الحالات لا يجب ان يلام الطبيب النفسي أو جراح الأعصاب ان هؤلاء قد اتبعوا ما تعلموه في الجامعات المختلفة وقد مارسوا هذه الأعمال لمجرد انهم يعتقدون ان مشاكل العقل لا يمكن ان تحل بأي طريقة، ان الاشارة إلى حقيقة انهم قد قتلوا العقول التي من ناحية أخرى كان ممكناً شفاؤها وتلقيبهم بخاطفي العقول وعمل قصص مرعبة عن أعمالهم بعيداً عن السلوك العقلاني. على العموم ان هؤلاء الناس كانوا مخلصين في جهودهم لمساعدة المختلين عقلياً. وعن طريق عدوى الانحراف تعرض مثل هؤلاء الناس لضغط كبير في هذا العمل ولديهم الانجرم الخاصة بهم في اثارة مستمرة ويمكن ايصالهم إلى وضع الكليير وتجربتهم تكون قيمة التشريعات ضدهم مثل تلك التي ذكرت حديثاً بواسطة المطلع على الداينتكس والقصص المرعبة عنهم في الجرائد والكراهية العامة لهم وكذلك عدم الثقة بهم من قبل الأطباء الطبيين لن تؤدي إلا إلى حالة فوضوية الداينتكس علم مكتشف حديثاً وغير متحيز.* أنواعهيوجد لعلم الداينتكس فروع متعددة، حيث انه في الحقيقة أسرة من العلوم معالجة بمجموعة واحدة من المسلمات، فهناك علم الداينتكس التعليمي الذي يحتوي على مجموعة من المعلومات المنظمة الضرورية لتدريب العقول لتحقيق الفعالية والمهارة المثلى والمعرفة في مختلف الفروع للأعمال البشرية.ويوجد علم الداينتكس السياسي الذي يشمل نشاط المجموعة والمنظمات لتهيئة الظروف والخطوات المثلى للقيادة والعلاقات داخل المجموعة، يوجد ايضاً علم الداينتكس الطبي والاجتماعي، وهناك العديد من هذه التفرعات والتي هي علوم في ذاتها والموجهة بواسطة المسلمات الخاصة بها.اننا نعالج هنا بعلم الداينتكس كما يطبق على الفرد، هذا هو الأكثر اهمية بشكل فوري والأكثر قيمة للفرد، ولكن الأكثر اهمية من العلاج بالداينتكس هو الداينتكس الوقائي.يرى المؤلف ان علم الداينتكس الوقائي موضوع كبير إلا ان المبدأ الأساسي هو الحقيقة العلمية القائلة انه يمكن حصر الانجرم في أصغر محتوى أو الوقاية منه مع تحقيق مكاسب عظيمة بفضل الصحة العقلية والرفاهية الجسدية وكذلك التعديل الاجتماعي.ان الداينتكس الوقائية تجعل من الممكن تصنيف المنحرف الميال للحوادث ومنعه من الأنشطة التي تهدد الآخرين والجانب الآخر من المشكلة هو توصيل المنحرفين المعزولين بهذه الطريقة إلى حالة الكليير. فالوقاية من الانجرم وتعديل المستوى الاجتماعي والشخصي يمكن للفرد ان يحذف من المجتمع مسببات الانحراف في ذلك المجتمع وكأنه يحذف الانجرم من الشخص. وبنفس الطريقة يمكن للفرد ان يمنع المسببات الاجتماعية من الحدوث في المقام الأول. والوقاية من الانجرم أمر سهل حيث يمكن للفرد ان يمنع مصدر الانحراف من الدخول إلى الحياة. وإذا عرف ان المصدر قد دخل يمكن للشخص ان يمنع الخطوة التالية وهي التنشيط وبالطبع نصل بعد هذا كله إلى ان العلاج بالوصول إلى حالة الكليير. وللوصول لحالة الكليير الداينتكس الوقائية يقوم بدور على مرحلتين: اما منع الانجرم أو منع تنشيط الانجرم.نأخذ التنشيط أولاً، فهناك شيئان يمكن عملهما لمنعه، يمكن ان يعطى الطفل جواً هادئاً ومنسجماً والذي يساعد على الاثارة، وإذا أثير الطفل بالرغم من المعاملة اللطيفة، يمكن ان ينتقل إلى بيئة أخرى والتي ستكون خالية من المصدرين الأكيدين الوالدين والتي ستحتوي على مصدر حنان. ان اختبار الطفل المثار يكون سهلاً جداً. فهل هو حساس للمرض؟ هل يأكل جيداً. هل هو عصبي؟ يمكن ان يكون هناك بالفعل اشياء غير سليمة جسدية بالطفل ولكنها تحدد بسرعة من قبل الطبيب وهي تقع في صنف الاختلال الجسدي. والمصدر الأساسي للمنع يكمن بشكل غريب بما فيه الكفاية في حقل التقدير الذي يحمله شخص آخر لأمه.انه ليس حباً بيولوجياً الذي يجعل الأم تلعب مثل هذا الدور الضخم في حياة كائن بشري، بل انها الحقيقة الآلية البسيطة ان الأم هي عامل مشترك لكل ما قبل الولادة للطفل. ان (انجرم) قبل الولادة أخطر بكثير من بعدها. أي انجرم كهذه تتضمن الشخص وأمه أو أمه وشخصاً آخر. ولكن دائماً أمه. لذلك صوتها والأشياء التي تقولها والأشياء التي تعملها لها اثر هائل وواسع على الطفل غير المولود. من ذلك يقول انه ليس صحيحاً ان العواطف تدخل إلى الطفل عن طريق الحبل السري، كما يعتقد الناس دائماً، فالعواطف تتطور من نوع آخر من الأمواج الكهربائية أكثر منها جسدية، فإن الأشخاص العاطفيين المحيطين بالمرأة الحامل ينقلون هذه العاطفة إلى الطفل مباشرة، وعاطفة الأم بنفس الأسلوب تصل لعقله الانفعالي.منع هذا الانجرم هو الاعتبار الأول. ومنعها من ان يكون لها أي محتوى هو الاعتبار الثاني، ان النساء اللواتي يعشن الحياة الريفية ويقمن بجهد شاق، يكن عرضة لكل أنواع الحوادث، ربما ان مثل هذه الحوادث لا يمكن منعها بسبب الهدف الذي تخدمه هؤلاء النساء في المجتمع. ولكن عندما يعرف ان أي اصابة للأم ممكن ان تخلق (انجرم) في الطفل غير المولود. فإنه يجب ان يكون اهتمام كل الحاضرين خلال هذه الاصابة بما فيهم الأم المحافظة على الصمت الكامل والتام. أي تعليق يكون انحرافياً في الانجرم.ان التخلص من الانجرم يعني استعادة العقلانية للفرد علاوة على ذلك المعيار الحالي والاستقرار والسعادة أعظم بكثير مما فكر الإنسان انه سيملك على الاطلاق. هذا الانجرم قد تمت مصداقيتها بواسطة أخذ المعطيات من الطفل والأم والأب وفحص كل المعطيات. إذن نحن نتعامل مع حقائق علمية لا يهم مدى اجحافها فهي بالرغم من ذلك صحيحة.وهكذا فإن الداينتكس الوقائية على مستوى الفرد تتطلب ايصال الوالدين لحالة الكليير ومن ثم الاحتراس من انحراف الطفل اضافة إلى الاحتراس من تنشيط الانجرم في أي انحراف قد يكون الطفل قد تلقاه. ان تطبيق هذا سهل، وهذا بالمحافظة على الصمت عند الاصابة قم بما يجب ان يعمل للمصاب أو المريض وقم به بصمت حافظ على الهدوء عند الولادة لحماية الصحة العقلية لكل من الأم والطفل. لذلك فإن التزام الصمت حول شخص فاقد للوعي يكون له أهمية من الدرجة الثانية ولكن منع حدوث فقدان الوعي هو الأهم.(ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة)

بداية الصفحة

رحلة العلامة من الصوت إلى الرمز (3/3)

د. محمد ربيع

وهم الكتابة ودراسة العربية* مع أن ثقافتنا العربية بدأت شفهية في الأساس، ومع أننا أمَّةٌ أُميَّةٌ فَيُفترض بناءً على ذلك ألا يكون للكتابة وأوهامها من قوة التأثير ما يحوِّل مجرى التحليل الصوتي عن مساره الطبيعي، إلا أن علومنا اللغوية التي درست الأصوات وحللتها بوصفها مكونات الألفاظ المفردة والمركبة لم تسلم من طغيان أوهام الكتابة على حقائق الصوت. وهو ما أدى إلى معرفة مغلوطة بطبيعة بعض الأصوات للمفردة العربية، أو الخلط أحياناً بين مفاهيم نطقية وأخرى كتابية فيها. وسأكتفي في هذه الورقة للإيجاز بوصف بعض الآثار التي أصابت الأحرف الهوائية فقط من حيث تصور الصرفيين العرب لطبيعة الصوت، ومن ثم وضعه في موضعه المناسب له بين مكونات اللفظ الصوتية الأخرى.أدرك بعض العلماء العرب الحاذقين كابن جني تطابق الخصائص الصوتية بين ما سمي في الاصطلاح القديم بالحركات (الضمة والفتحة والكسرة) وما يسمى بأحرف المدّ (الواو والألف والياء)، وأن الفرق بين النوعين إنما هو الفارق الزمني في الأداء، أي: أن النوع الأول حركات قصيرة والنوع الثاني حركات طويلة. وهذا يوافق ما انتهت إليه الدراسات الحديثة التي تثبت للفرق بين النوعين اختلافاً في (الكمية) فقط، مع اتفاقٍ كاملٍ في المخرج والصفة (السمات المميزة Distinctive Features). هذا بالطبع في حال مجيء الحركة الطويلة تالية لأحد الصوامت مباشرةً ومن دون فاصل. أما إذا فصل بين الصامت السابق وبين الياء والواو خاصة فاصل بحركة قصيرة (وهنا لا بد أن تكون حركة غير مجانسة بالضرورة) فإنهما بالطبع يكونان حرفين من حروف الهجاء العادية يمكن أن يكون كلٌ منهما ساكناً مرّةً ومتحركاً مرةً أخرى، ويسميان حينئذٍ (حرفي لين). ومعلوم أن الألف لا يفصل بينها وبين السابق عليها حركة، لاستحالة النطق بها كذلك، فهي مدٌّ دائماً.ولما لم تدرج العربيةُ رموزَ الحركات في الترتيب المتبع بحسب تسلسل نطق الأصوات، بل جعلتها إن كُتبت جُعلت فوق الحرف أو تحته، ولما وقع الاختيار في تمثيل الحركات القصيرة كتابياً على الرموز المشابهة إلى حد كبير للحركات الطويلة، والتي تشبه بدورها المد واللين التي ليست حركات وتتقاطع معها، ولما كانت العربية لغة اشتقاقية في المقام الأول (أي: تعتمد بالدرجة الأولى وحدة الصوامت وتنويع الحركات الطويلة والقصيرة السابقة واللاحقة لها لأداء المعاني المتصلة بمعنى رئيس واحد)، استقر في أذهان الصرفيين تحتم الحكم بأولوية زيادة الأحرف الهوائية أينما وردت. حتى إن كان الحرف الهوائي مما لا دليل على زيارته من قريب أو بعيد.وقد ساعد على فرط الإمعان في توهم زيادة الحرف الهوائي ورودهُ مع ثلاثة صوامت، وذلك للقناعة التامَّة من لدن الصرفيين بانبناء المفردة على ثلاثة أصول، ومن ثم الحكم على ما تعدى الثلاثة بالزيادة. فإذا كان مع الأصول الثلاثة المحكومة بأصالتها أحد الأحرف الهوائية سارعوا إلى الحكم عليه بالزيادة دون تردد. وإن وجدوا بنية اللفظ نقصت عن الثلاثة احتالوا إلى البلاغ بها ثلاثة، وإن لم يسعفهم الدليل في جميع الأحوال، كما في مبحث (الإلحاق) الذي سيأتي بيانه بعد قليل. وقد أفضى بهم ذلك إلى إشكالات عديدة حين لم يستطيعوا الاستدلال القاطع على إثبات زيادة الحرف الرابع في مواضع كثيرة لا تكاد تحصى. غير أنهم إن كان لا مفر من إثبات الرابع أصلاً بأن كانت الأربعة جميعها صوامت أثبتوه في أضيق حدود العدد من الأبنية الرباعية، إما إن كان من الأحرف الثلاثة (الألف والياء والواو) فقد ألزموه الحكم بالزيادة حتى في حال تعارضه مع أدلة الزيادة المشهورة المقول بها في الدرس الصرفي. وخير مثال على هذا اختراع الصرفيين مقولة (الإلحاق) الآتي بيانها، والتي أزعم أنها لم تأتي إلا تسويغاً للقول بزيادة أحرف اللين التي لا دليل على زيادتها ولا يصح استناداً إلى أدلة الزيادة الحكم عليها بذلك.جعل الصرفيون وزن (دَحءرَجَ) مثلاً مما كانت أحرفه الأربعة من الصوامت:(فَعءلَلَ). لكنَّ البناء إذا اشتمل على أحد حرفي اللين (الياء والواو) لم يكن عندهم على تلك الزنة مطلقاً. فإنَّ (سيطر، وهيمن) مثلاً على زنة (فَيءعَلَ). وكذا (حَوءقَلَ) على وزن (فَوءعَلَ).ومن الأسماء جوهر، وكوثر (فَوءعَل) وهكذا. هذا مع أن لا دليل من الاشتقاق على زيادة الياء أو النون سواء من حيث الحذف في بعض في تصرفات الكلمة أم من جهة دلالة الاشتقاق المعنوية، كما يكون ذلك في زيادة المدود التي يستدل على زيادتها بالأمرين، أي: بسقوطها في تصرفات الكلمة المختلفة وبدلالة الاشتقاق المعنوية على زيادتها. إذ يبقى الحرفان في قولك مثلاً: سَيطَرَ يسيطرُ سَيءطرء سيطرةً فهو مسيطر، وكذلك ليس اشتقاق (سيطر) من (السطر) الخالية من الياء. وعلى هذا لا يجد من لم يطلع على مباحث الصرفين في موضوع (الإلحاق) ما يلجئه إلى أن يعد الأفعال (سيطر، وهيمن، وحوقل) جميعاً على غير الوزن (فعلل) ك (دحرج) تماماً، ولا ما يسوغ له المخالفة بين (كوثر، وجوهر، وكوكب، وفيصل، ودورق،.. إلخ) وبين (جعفر) التي يقول الصرفيون: إن هذه الأسماء ملحقة بها.ونظر الصرفيين المشار إليه هنا، أسهم في مجيئه على النحو بالإضافة إلى أصول منهجية أخرى سبقت الإشارة إلى بعضها اعتقادٌ ما بهيئة معينة يشدهم إلى معرفة طبيعة الأحرف الهوائية، فيدركون بعض وجوهها التي تستثمرها اللغة على أنحاء مختلفة ويذهلون عن إدراك بعضها الآخر. ذلك أن اللغة تعمد إلى الإفادة من جميع الصور الممكنة من تنوعات الصوائت، ومن بين تلك الصور الممكنة مجيء حرفي الواو والياء مستعملة استعمال الصوامت في مثل البنيات السابق ذكرها. وكان ينبغي التنبه إلى هذه الحالة الخاصة التي يكون فيهما الحرفان وظيفيا كالصامت تماماً.ومن عجائب المفارقات في الخلط في المعرفة والتصور الصحيح بين وجوه استثمار اللغة للحركات الثلاث القصار من حيث هي مكونات صوتية متنوعة استعانت بها اللغة على وجه الاختصاص لتوظيفها (مورفيمات Morphemes) إعراب، كما استعانت بها وبأخواتها الطويلة في مورفيمات أخرى، كالتصاريف المتعددة، أن الأعراب بالحركات الثلاث على آخر الكلمة حاز على عناية النحاة إلى أن أصبحت الدراسة النحوية تكاد تقتصر على الإعراب ممثلاً في هذه الحركات القصيرة. في حين أن الإعراب ليس إلا واحداً من بين مورفيمات مشابهة كثيرة، نحو الوقف، والمطابقة بين أجزاء العبارة أحياناً والعدول عن المطابقة أحياناً أخرى، والترتيب، والنبر، والتنغيم، ... الخ. وما ذلك إلا لأن علامة الإعراب رمز كتابي يوضع على نهاية الكلمة لفت الأنظار إلى نفسه بأكثر مما ينبغي.ولعلَّ من أوضح ما يمكن أن نلحظه من صور إيهام الحركات الإعرابية بخلاف ما ينبغي إدراكه من حقائقها الصوتية ما أورده ابن جني في (الخصائص) بعنوان: (محل الحركات من الحروف، أمعها أم قبلها أم بعدها؟). ( 323/2 329). ذلك أن مجرد شك واحدٍ من اللغويين في الترتيب بين حرف الكلمة المكتوب على هيئة رمز أصلي من رموز الكلمة والصائت الممثَّل في العربية بحركة فوق الحرف أو تحته، بأن اعتقَدَ أن الحركة القصيرة ليست بعد الحرف، يعني بكل تأكيد غفلةَ اللغوي عن إدارك أنها مكوِّنٌ لا يتخلف عن مكونات الكلمة الأخرى إلا من حيث الخصائص المميزة الخاصة، وعن أنه لو مُثِّل برمز كتابي مستقل لجاء ضرورةً بعد الحرف كالحركة الطويلة تماماً. ومع أن ابن جنبي بحذقه وفطنته لم يعجبه قولَ من اعتقد أن الحركة قبل الحرف أو معه، موافقاً في هذا القول الصائب إمام النحاة سيبويه، جاءت حججه في هذا الباب بعيدة عن لفت الأنظار إلى السبب الحقيقي للخلاف ومنبعه. وهذا يقودنا إلى الانتقال إلى الإشارة إلى بعض جوانب أثر أوهام الكتابة في الدراسة النحوية التي تُعنى على وجه الخصوص بتحليل التراكيب من جهة تضامّ المفردات، في مقابل عناية الدراسة الصرفية بتحليل بنيات المفردات معزولةً عن غيرها.لم تسلم دراسة التراكيب (النحو) مما لم تسلم منه دراسةُ البنية (الصرف) من التباس الحقائق الصوتية بفعل أثر الأوهام الكتابية. وسأكتفي في هذا الجانب اختصاراً أيضاً بالإشارة بإيجاز إلى التباس (النون) من حيث هو اصطلاح كتابي بصوت (التنوين) من حيث هو مكون بنائي يرمز له بالرمز الكتابي المشهور الذي على صورة ضمتين في الرفع وفتحتين في النصب وكسرتين في الجر. ومما لا شك فيه أن لفظ (تنوين) اشتقاق من (النون) يعني إلحاق الكلمة المعربة في الغالب نوناً ساكنةً من آخرها تاليةً حرف الإعراب، كما نص على ذلك القدماء.وينبغي بداهةً أن يُنظر في التحليل اللغوي إلى البنية الصوتية المقطعية الحادثة بصوت النون الساكنة مع حركة الإعراب السابقة عليها باعتبارها بنية إضافية زائدة متصلة ببنية الكلمة الأصلية، ومن ثم إلى مجموع المكونات المقطعية في الكلمة مفردة أو متصلة بغيرها من مقاطع الكلمات الأخرى في الجملة أو العبارة. وبناءً على ذلك يلتئم التحليل الصوتي مع التحليل التركيبي (النحوي)، لأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر.غير أن الاصطلاح الكتابي بموافقته الرمز الدال على الإعراب بتكرار الضمة والفتحة والكسرة أدى إلى طغيان التصور الإعرابي على بحث الأثر المقطعي الصوتي، سواء حين حضور النون الساكنة المتممة للمقطع أم في حال غيابها ونقص المقطع. فجاء باب (الممنوع من الصرف) مثلاً في مصنفات النحاة مقتصراً على التحليل الإعرابي خالياً من التحليل الصوتي لمقاطع الكلمة، ومن غير إشارة لأثر الغياب أو الحضور في تكوين المقاطع أو أثر المقاطع على لزوم الحضور أو الغياب.الكتابة بين مستويات اللغةتمر اللغة بمراحل تجعلها تُعد بالنسبة لما تعبر عنه في مستويات عدة، لعل أهمها المستوى الكتابي. غير أن أهمية الكتابة بقطع النظر عن تأييد وجهة النظر التي تقدم المستوى الكتابي عن المستوى المنطوق في الأهمية أو معارضتها لا تعني بحال من الأحوال كمالها المطلق، ولا تعني قدرتها على أداء ما لا يؤديه الصوت، كما أن ذلك لا يعني في الوقت نفسه استبعاد أن تكون الكتابة أحياناً لمجرد تمثيل المنطوق وتقريب صورته مثلما أنها قد تتعدى هذه المهمة في أحايين أخر. ولذا سنتجاوز استعراض المقارنة بين اعتبارات التمثيل اللغوي في المستويين الصوتي والكتابي إلى نقطة محددة ذات صلة وثيقة بموضوع أوهام الكتابة ونقص تمثيلها للأصوات في الحين الذي يعمد إليها لمجرد تمثيله، لما لذلك من الاتصال المباشر بما تنحو الورقة نحو بحثه ومراجعته تحديداً.لقد لفت الأنظار عالم اللغة الشهير (دي سوسير) إلى فرق جوهري بين مستويين من مستويات اللغة المعينة، هما المستوى الذهني المتصور (اللغة) والمستوى الفعلي المتحقق (الكلام). وجاء كذلك بعده بزمن عند الأمريكي (تشومسكي) ما فرق بناءً عليه بين البنية المنجزة (السطحية) والبنية المتصورة (العميقة). ومن الطبيعي أن يختلف المستويان في مظاهر جوهرية متعددة من حيث هما مرحلتان لا مفر من أن يطرأ على اللغة بكل تأكيد بُعءدَ ما بينهما بالقدر الذي يلحظه الباحثُ اللغوي المختص في شؤون التحولات اللغوية المعني برصدها ودراستها. ولنا أن نسمي هذه المرحلة من رحلة العلامة برحلتها من العقل إلى اللسان. ولنا أن نتأمل قدر ما تفقده العلامة في هذه المرحلة من الرحلة أو تكتسبه من مظاهر ليس هذا مجال الخوض فيها.أما مرحلتنا التي عنينا هنا بإبراز بعض ملامحها فهي المرحلة التي تلي الانتقال من العقل إلى اللسان، وهو انتقالها باليد حتى تكون مهيأة لالتقاطها بعد ذلك بالعين بعد أن كانت تلتقط في المرحلة السابقة بالأذن. ويتلوها مرحلة عودة العلامة من الصورة المرئية بالعين إلى العقل مرة أخرى، وربما باشراك الأذن في ذلك، فيما يعرف ب (القراءة) التي لا تكون إلا بعد (الكتابة) تاليةً لها، إما متممة لها وإما مقابلة إياها. ونلحظ هنا توسط هذه المرحلة بين مراحل لغوية حيوية ومهمة، لا مفر من تأثير إحداها على الأخرى وتأثرها بها، في حركةٍ لغويةٍ دائمةِ الامتزاج والتفاعل والتأثر والتأثير، وفي حركةِ تفاعلٍ دائم أيضاً مع العقل والحواس.لكن اللافت حقاً هنا وهو الأمر الذي عنيت هذه الورقة بإبرازه هو أن اللغة ما تزال تلح على مبدأ (الاختلاف Difference) والمغايرة بين المظاهر المصاحبة لمرحلةٍ ما من مراحل سيرورتها وتلك المصاحبة للمراحل الأخرى، مع أن القصد أصلاً إنما يكون للمطابقة لا الاختلاف. ولا مفر للعلامة من أن تفقد أو تكتسب في رحلتها ما لا يراد لها عمداً أن تفقده أو أن تكتسبه.

بداية الصفحة

عندما تصد القراءة العجولة عن القراءات المتأنية الجادة

د. معجب الزهراني

* للكتابة المقالية في المجال الثقافي وظيفة نوعية يفترض ان تميزها عن الكتابات المقالية الأخرى بمختلف أشكالها ومجالاتها. فكتابة كهذه ينتظر منها أن تنمي المعلومة وتحاور الفكرة وتعمق الأطروحة وتبلور التصور.. لكن أهم ما ينتظر منها هو تحفيز القارئ المفترض إلى المزيد من القراءات المعمقة للنصوص والمؤلفات المعرفية والفكرية في هذا المجال أو ذاك. هي ذي الوظيفة الأهم للمقالة الثقافية لأن كل ما يكتب عن انجاز ابداعي أو علمي في مقام كهذا يظل قاصراً عن كشف المحتويات الغنية واختزال الابعاد المتنوعة للنص المقروء ومهما كان كاتب المقالة مختصاً ملماً بما يعرض ويحاور وينقد. ولعل شيوع المقالات التي تدعي الاحاطة أو تمارس الوصاية على القارىء، أو تنفر من الكتاب والنصوص الجادة بدعاوي لا حصر لها، هو وجه من الوجوه الدالة على اشكاليات المعرفة والثقافة في مجتمعاتنا التي لم تدخل عادة القراءة الجادة بعد ضمن ممارساتها اليومية المنتظمة، وحتى في أوساط النخب المتعلمة أحياناً!راودتني ملامح هذه القضية الكئيبة وأنا اقرأ مقالة للصديق الباحث تركي علي الربعيو نشرت في (الرياض) بعنوان: "في الدعوة إلى اعادة كتابة التاريخ عندما يصبح التاريخ والتراث مرتعاً للهوى والأحكام الانطباعية" (الخميس 6من ذي الحجة 1421ه).فالمقالة تلك القضية المهمة حقاً والتي تتمثل في نزعة بعض الباحثين العرب المعاصرين إلى الكتابة عن ثقافة الماضي من منظورات ايديولوجية قطرية عادة ما تبرر الأحكام التعسفية والمواقف العدائية تجاه الذات الحضارية لأن الرؤية المغالطة سابقة لكل بحث وتأليف.أما النماذج التي ركز عليها الكاتب فهي بعض كتابات سيد القمني وخليل عبدالكريم اللذين وجد لديهما آثار دعاوي شعوبية تتلبس لبوس الوطنية الغيورة على التاريخ الخاص والهوية المتميزة الخاصة. وهنا لا أريد الخوض في موضوع متسع ومعقد كهذا لابد انه يحتاج إلى بحث معمق يشمل كل انجازات الباحثين ويفترض الا يقل عنها جدية لأن مقالة لهذا وعبارات لذاك لا تكفي. فقط أريد ان اناقش قراءة تركي في ضوء تجربة قراءتي الخاصة لكتاب خليل عبدالكريم "العرب والمرأة حفرية في الاسطير المخيم" (دار الانتشار العربي سينا للنشر، القاهرة 1998م).فالكتاب ينطوي على بحث جاد في ذاكرة الكلمات التي تؤسس للتصورات والمواقف الذهنية والعملية تجاه المرأة التي يتفق جل الباحثين الجادين على ان قضاياها تقع في المركز من اشكالياتنا المعرفية والاجتماعية والحضارية الراهنة، وهذا تحديداً ما يتطلب مقاربتها بأقصى قدر ممكن من روح المسؤولية العلمية والاخلاقية.وإذا كان ممثلو الخطاب التقليدي يدعون أن وضعيات المرأة هي في أحسن أحوالها في مجتمعاتنا بالأمس واليوم، فإن آخرين يذهبون إلى عكس ذلك ومنهم بالتأكيد خليل عبدالكريم الذي ما غامر باتجاه قضية حساسة كهذه إلا وعياً منه بذلك الوضع الاشكالي الذي تطال آثاره السلبية الرجل والمرأة والمجتمع، هذا مع العلم بأن الباحث مثقف أزهري تقليدي التكوين وليس ممن يوصفون بالعلمانية بمجرد اقترابهم من القضية لمقاربتها من منظور نقدي جديد.نعم قد يلاحظ ان البحث الراهن لا يندرج في اطار نظري محكم ولا يتبع خطة منها جيه متطورة كما هي حال كتابات المرنيسي على سبيل التمثيل لا الحصر لكن المؤكد انه يقدم مادة معرفية غنية يمكن للباحثين في الاجتماع والاناسة وتاريخ الأفكار وتطور الدلالات المعجمية الافادة منها أيما فائدة. ف "لسان العرب" يبدو هنا مترعاً بالتسميات والنعوت التي تؤكد تراسل وتداخل المعاني والتصورات فيما بين المرأة والناقد والفرس والغزالة وبقر الوحش وبعض مظاهر الطبيعة الصحراوية، ومن المنطقي تماماً ان يكون للتراسل والتداخل هذين أثر ما في سياق علاقات الرجل بالمرأة. وإذا كان لباحث آخر ان يرى ويقرأه هذا الاثر من منظور ايجابي فإن خليل عبدالكريم يقرأه باعتباره مفسراً للعديد من النظرات الغليظة والعلاقات العنيفة الجافية التي تحكم علاقات الرجل بالمرأة في سياق كهذا.أما تلك العبارات الساخرة، حد التشنيع أحياناً، فهي حقاً نابيه عن اسلوب الخطاب العلمي واعتبارات الذوق الأخلاقي، وبالأخص عند باحث أزهري وقور، لكنها لم تتحول عندي إلى دليل أكيد على "النزعة الشعوبية" لدى المؤلف. أكثر من ذلك فإن هذه العبارات يمكن ان تقرأ كتعبيرات هجائية تضفي على الكتابة سمات الطرافة والمتعة التي تخفف من وقع المحتوى الكئيب والصادم لتلك الذخيرة من الاسماء والنعوت التي تنفي المرأة من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان والجماد لتبرر الأفكار والسلوكيات التي تحقرها وتنال من حقوقها وكرامتها!هنا تحديداً لعل نظريات التلقي الحديثة تساعد على تفهم مواقف وأحكام تركي الربيعو دون أن تبررها معرفياً، على الأقل فيما يخص خليل عبدالكريم في هذا الكتاب حصراً وتحديداً. فهذه النظريات تكشف لنا ان قراءاتنا للنصوص تختلف ولابد باختلاف أجهزة التلقي وأدوات التحليل ومرجعيات التأويل، ومنها بالتأكيد تلك الاهواء الايديولوجية التي لا يمكن لأي قراءة أو كتابة أن تبرأ منها كلياً.من هذا المنظور أزعم ان "الحساسية العروبية" العالية لديه هي المرجعية الأهم لأحكامه الحدية ضد كتابه يعتقد أنها تنال من قيمة ومكانة الذات الحضارية العربية. ومع اننا أمام موقف أصيل نبيل نثمنه له ونتفهمه منه إلا انه لا يعود مقبولاً بمجرد أن يتحول إلى مبرر ومولد للمغالطات السجالية التي تعمي القضية وتظلم المؤلف وتنفر القارئ من كتابه هذا وربما من كتبه الاخرى في مجملها!.فمن المؤكد ان كتاب "العرب والمرأة" لا يندرج في سياق محاولات "إعادة كتابة التاريخ"، والمؤلف ذاته يبين في مقدمته أنه يخرج هنا تحديداً عن موضوع كتاباته التاريخية في مجال "الإسلاميات" ويعد قارئه المفترض بالعودة اليها تالياً (وقد عاد فعلا في كتابة فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" وهو آخر ما صدر وقرأناه له). انه يندرج قبل كل شيء في سياق الكتابات الاجتماعية والفكرية المتعلقة بالمرأة، كما أشرنا اليه من قبل، وهو ما يلمح اليه الربيعو عبر اشارة عابرة إلى كتاب "المرأة واللغة للغذامي". بناءً على هذه "المعلومة" كان من المفترض ان يقرأه ويحاوره في موضعه وسياقه ومجاله إذ أن مقاربته في ضوء كتابات الغذامي والمرنيسي وعبدالوهاب بوحديبه وجماعة "مقاربات" المغاربية، وغيرها، هي التي يمكن ان تكشف عن قيمة المعرفية ومدى اضافته الفكرية. بعد هذا، وبعده فقط، يكون من تمام حقه ان يحاوره أو يحاكمه على تلك التعبيرات النابية كما يشاء، وسيجد منطق المعرفة ذاته إلى جانبه لأن للبحث المعرفي لغته التي لابد من احترامها وإلا ارتدت ضد صاحبها. هذا ما لم يفعله صاحبنا وآمل ان يعود إلى ذات الكتاب وسيجد فيه، وهو الباحث الجاد، ما هو أهم واغنى من تلك التعبيرات الهجائية الدالة بحد ذاتها على أننا لا نزال أوفياء جداً لأسلافنا!وختاماً أعود فأوكد ان المقالة الثقافية إما ان تنجح في اغواء قراءها بالمزيد من القراءات المتأنية الجادة واما ان تتحول هي ذاتها إلى عامل معيق لكل معرفة وفكر وثقافة، ولا عبرة هنا بالنوايا الحسنة والمواقف النبيلة. وأظنه طه حسين الذي قال ان الجهل أساس كل مظاهر التخلف والضعف في حيوات الفرد والمجتمع والأمة، ولا بأس ان نتذكر هذا القول ونهتدي به وان صدر عن كاتب وجهت اليه أشنع التهم كما تعرفه مثلي وأكثر مني يا صديقي.

بداية الصفحة

الكتابة في زمن متغير 2/1

إدوار الخراط

* ما الصورة التي تنطبع في ذهني عن هذا العصر الذي نعيش فيه؟أي زمن هذا الذي أكتب فيه؟ياله من سؤال! هذا العصر وُصف ويوصف بالكثير من الخصائص ومازالت له صورة شديدة التعدد، لكثرة جوانبها، وشديدة التعقد من حيث كيفية هذه الجوانب، وسرعة إىقاعها، وتعاقب تغيراتها. ما هو العصر؟ حتى لو أخذنا حقبة زمنية محدودة مثل حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية فهذه الحرب ضيّقت الباب سنجد ايقاعات شديدة التغير وسريعة الخطو بشكل مذهل فما بالك الآن وقد انهارت نظم كان الكثيرون يظنونها شامخة باقية، وسقطت امبراطوريات، ونشبت حروب وصراعات ما كان متصوراً لها أن تسقط، أو أن تندلع. نحن الآن على وشك الدخول في القرن الحادي والعشرين ومازال هذا التغير السريع يمضي، بل يندفع في طريق لعلها ليست منظورة تماماً بعد.هل هو عصر القنبلة الذرية، أم هو عصر التلوث، أم هو عصر ما بعد الامبراطوريات الصناعية الضخمة، أم عصر الإعلام والسطوة الإعلامية الكاسحة؟ هل هو عصر تقهقر الارادات الشعبية في العالم الثالث أم هو عصر سيطرة الاحتكارات العالمية عبر القومية، أو التي تتجاوز القومية؟ هل هو عصر "النظام العالمي الجديد" أو عصر "العولمة" كما يقال؟ أو عصر أحادية السيطرة الأمريكية؟ وفي الثقافة هل هو عصر الإحياء لثقافات شعوبنا في العالم الثالث أم هو عصر الانجراف في تيار سيطرة المتربول الغربي. سواء كان هذا من لندن أو من نيويورك، من باريس أو من موسكو؟ هل هو عصر انحسار القيم التي ظلت راسخة لحقب عديدة، أم هو عصر ازدياد حدة الخيبات وظلامية التعصبات التي تزداد ضراوة يوماً بعد يوم في الشرق أو في الغرب سواء، أم هو عصر الدفاع المستميت عن حقوق الإنسان في الوقت نفسه؟هل هو عصر سقوط الأشكال التقليدية في فنون استقرت على هذه الأشكال فترات طويلة، كالشعر والرواية والقصة القصيرة، أم هو عصر تجاوز هذه الأشكال وتداخلها واستحداث الجديد منها الذي يمكن أن اسميه "كتابة عبر نوعية"؟ أم هو في الوقت نفسه عصر إحياء الشكل التقليدي لهذه الفنون في وسائط جديدة، كالتلفزيون والسينما والصحافة التي تزداد تقنيتها إتقاناً يوماً بعد يوم، ويزداد رواجها يوماً بعد يوم مما يؤدي إلى رواج وذيوع أشكال معينة في الفن هي أقرب إلى التسطُّح والكفاءة المظهرية مع ارتفاع الحرفية فيها إلى حد يكاد ينسيك أن المسألة ليست في النهاية مسألة إتقان الصنعة بل هي مسألة التعمق في الموضوع الذي هو بالطبع، كما يجري القول البديهي الذي كاد يصبح مبتذلاً، لا ينفصل عن شكله.ذلك سؤال يستدعي عندي مالا نهاية له من الأسئلة. ليست عندي صورة نهائية قاطعة واضحة. ليست عندي إجابة، بل عندي أسئلة لاعجة وبإلحاح طول الوقت، وهي أسئلة مفتوحة بحيث تحتمل تلك الإجابة ونقيضها، في الوقت نفسه.كان هذا السؤال دائماً قائماً، ومازال، ولكن لنقل: إن فترة الأربعينيات فترة الشباب المبكر كانت فترة الآمال المتوهجة، والوعود التي يخيل للمرء انها في المتناول، والآفاق التي لا حدود لها، وإمكانات الاقتحام والاختراق، وما يجري هذا المجرى، عقب انتهاء الحرب، واحتدام النضال الوطني من أجل الاستقلال، أو استكمال الاستقلال، أو تأكيد الاستقلال الوطني، وبالتالي تأكيد الهوية الوطنية والقومية.. في هذه الفترة، فترة الإمكانات البكر غير المفضوضة.. لم تكن الصورة بهذا التعقد، وهذا التعدد، وهذا الالتباس الذي حدث بعد خمسة عقود من التجارب العظيمة، والتجارب العقيمة، والتجارب التي أُنجزت والتجارب التي أُحبطت، على المستوى الوطني والقومي، وعلى المستوى العالمي في الوقت نفسه.كان هناك الحلم الذي يدخل في نسيج الأشياء، وكانت هناك الإرادة التي تقف وراء كل هذه الأشياء وتحركها. فهل أُجهض الحلم أو أُغتيل، وهل غُيبت الإرادة أو حوصرت؟لا يمكن للحلم أن يموت، ولا يمكن للإرادة أن تُحبطَ نهائياً.. لكن المهمة أصبحت أشق. إن نضج الوعي، ونضج الظروف الموضوعية في الوقت نفسه يُلقى على الحلم أعباءً لم يكن في أيام غضوضته ويفاعته يدرك ثقلها، ويتطلب من الإرادة صلابة وإصراراً وعناداً لم يكن متوقعاً منذ خمسة عقود، سواء كان ذلك على المستوى الذاتي أو على المستوى الموضوعي. انني لا أرجح هذا التغير لمجرد تغيّر في الوعي به، بل أيضاً لتغيُّر في الظروف الموضوعية التي تُملي هذا التغيُّر الداخلي، بمعنى أن الظروف الموضوعية أيضاً على كل المستويات: المستوى السياسي والمستوى الاقتصادي والمستوى الثقافي والمستوى الحضاري، بسرعة إىقاعها المتلاحق، وتعاقب تغيراتها، مرحلة بعد مرحلة أصبحت تفتقد إلى نوع من البراءة، أو السذاجة إذا صح إطلاق عبارات مثل هذه على ظروف موضوعية خارجية (سياسية واقتصادية وثقافية)، وأصبحت الآن بذاتها أشق وأعقد وأكثر تعدداً، مما يقتضي أن يكون الحُلءم والإرادة، على نفس هذا المستوى من التعقد والتعدد في الجوانب.لست أزعم أن الإنسانية مصيرها إلى الزوال، كما كان المتصوَّر في فترة ثنائية القطبية النووية والتهديد بالفناء الجماعي، لكني أزعم أنها تواجه اختبارات أو محناً شديدة الصعوبة من كل النواحي.إن براءة الحلم أو سذاجته قد انقضت، نوعياً، وليس ذاتياً فقط، مازال الحلم اليوم ممكنا ولكنه لابد أن يكون في الوقت نفسه، شديد الحكمة، وغني الجوانب.يبقى السؤال الأبدي وشديد الصعوبة، فلم يعد من الممكن القول ببساطة إن مهمة الكاتب هي تغيير العالم، والسعي نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.. وما يجري في ذلك السياق، وإن كان ذلك كله صحيحاً. ولكن ذلك نوع من العبارات المبسطة، أو من التجريدات التي أصبحت أقرب إلى السذاجة منها إلى الإجابة عن مثل هذا السؤال.أتصور أن السؤال سيظل قائماً باستمرار. أتصور أن مهمة الكاتب ستظل مطلوبة ومرغوبة وضرورية ومحتومة باستمرار، مهما كان الرأي في تأثيرها، في المدى القريب أو المدى البعيد، على المتغيرات الاجتماعية وعلى الأفراد بذواتهم وشخوصهم ومعاناتهم الفردية التي هي في مجموعها، في النهاية، تُكوِّن النسيج الاجتماعي كله. أتصور أن هذا قائم، وأن الضرورة قائمة، لكنني، في الوقت نفسه، يزداد يقيني بمقولة، أو بزعم، أو بدعوى أن الفن الحق هو ليس في الإجابة، ولا في تقرير القضايا العقلية، بل في كيفية وضع السؤال ومتابعة تقصي هذا السؤال.. أياً كان السؤال.. سواء كان السؤال ينصب على مُسَاءَلة الكون والمصير الميتافيزيقي أو القدر الإنساني والوضع الإنساني بشكل عام، (دون السقوط في التجريدات الفلسفية أو التغريرات العقلانية البحتة لأن هذا ليس ميدان الفن) أو كانت المُسَاءَلة تنصب على الظروف الاجتماعية وعلى افتقاد العدالة والكرامة الإنسانية وعلى توكيدها باستمرار دون إغفال ما يُتَحيَّف منها، ودون إغماض العين عن وجود الشر، (ميتافيزيقياً، خلقياً، واجتماعياً أيضاً أساساً) أو كان السؤال منصباً على المعاناة الحميمة للإنسان.. مكابدته وتجربته في الخبرات الحياتية التي تمخض حياته منذ وعيه بنفسه وبعالمه حتى انقضاء هذا الوعي.. (تجربة الحب، تجربة المرأة، تجربة الصداقة، تجربة الموت، أو معاناة الأقرياء والأحياء القريبين إلى النفس) أو ما يجري هذا المجرى من الخبرات التي تُكُون لحمة الحياة وسداها. هذه الجوانب الثلاثة كلها لا أستطيع أن أقول إن الشعر، أو الرواية الحداثية، أو القصة القصيرة الحداثية، أو غيرها من الفنون الحية التي تفترع لنفسها خبرات بكراً ومعاصرة وملاصقة للواقع انني أتكلم عن الواقع ولا أتكلم عن تهويمات تجريدية لا أتصور أن هذه الفنون وغيرها من الفنون تملك الإجابة أو تستطيع، كما لعله كان يحدث في الماضي، أن تقرر الإجابة.. بل أتصور أن هذا السعي المستمر نحو إجادة السؤال، جمالياً وفنياً، هو في ذاته سعي مستمر نحو الاقتراب من إجابات تزداد صحة يوماً بعد يوم، لأن الصحة ليست نهائية ولأن الحقيقة ليست دُرَّة نهائية محكمة موجودة في داخل محارة تُفَضَّ فإذا باللؤلؤة تتألق.. بل الحقيقة هي كيان يتخلق ويتجدد ويتغير، ويكتسب أبعاداً أخرى مادمنا نتكلم في نطاق الفن، وحتى في نطاق الفكر والثقافة طالما كان السؤال مستمراً، والركون إلى المقرر غير وارد.. لأن الركون إلى المقرر، أو المكرس، أو المسلَّم به، والاستنامة إليه، هو الزيف بعينه.ليست هذه التأملات مما يجري مجرى التفكير الفلسفي الذي يُطلب منه تحديد المعنى. هذه التأملات تنصب على العمل الفني، إن المعرفة الفنية غير المعرفة في الفكرة وإن كانت تمت اليها بصلة وثيقة، ولكن الوسيلة و"الأداة" وبالتالي "المحتوى" مختلف.

بداية الصفحة

متعة التيه بين كليطو والمعري

حسن إغلان

* عودنا الأستاذ عبدالفتاح كليطو، منذ كتابه الأول الصادر في بيروت 83"الأدب والغرابة" إلى الآن بالفتنة التي يوقع متتبعه فيها، فتنة حتى الانمحاء في حروفه أو بينها، وما يجعل هذا الافتتان هو ولوجه لفضاءات معروفة ومجهولة، معروفة من حيث رسميتها، ومجهولة في البحث عن مجاهلها وأبعادها القصية، فهو باحث، ولكنه لا يروم نحو تقاليد البحث الأكاديمي، بل يسخر منه، كأنه يكتب الحواشي على النصوص التي يستضيفها، ولا يختصر القول بالمرجع بدعوى ضرورات البحث وأشياء أخرى بل يخلخل هذه المواضعات ليجعل الحواشي نصاً افتتانياً، فيه متعة، فيه الأدب والغرابة، إنه يخفي المرجع بين ثناياه لا ليفصح بل ليعطيه بعده الإجرائي، لا ليتموقع في موقع من المواقع، بل لخلخلة هذه المواقع عبر تسخيرها نحو متعته ومتعة القارئ، حتى أضحت الطريقة تلك طريقة السهل الممتنع إنه يورطك في السهل كي تعود للمتنع والعكس صحيح، لا أدري لم تشدني كتابة كليطو، هل لأنه يدخل في صف المناشدين للنية بين عتبة وأخرى، حتى تضيع منك كل العتبات، أو أنه يدخل إلى فضاء المرايا لترى نفسك كقارئ مشارك ضمنياً في اللعبة، وليعطيك إمكانية البحث في المستتر منها، ولو كان عارياً وواضحاً.هل يستطيع الناقد الحفر عن ذاته في نصه، دون السقوط في حفرته هو أو في مرايا كليطو ذاته؟ أو هل يستطيع القارئ متابعة التناسل الذي يولده من بيت شعري أو نص قصير أوحكاية أو قول مأثور دون تحمل عواقب الفتنة كمصيدة يضعها له.تلك هي كتابة كليطو في كتابه "أبو العلاء المعري أو متاهات القول" الصادر عن دار توبقال للنشر أخيراً (ط: أولى) يحدد الباحث موضوع بحثه، وهو المعري، لا لينطلق من ما تعودناه في مثل هذه البحوث بل في موضوعة المتاهات كعنوان للكتاب، بحثاً عنها، في قول المعري شعراً ونثراً وما روي عنه، ويضم الكتاب سبعة عناوين بالإضافة إلى تقديم وكلمة أخيرة.رغم اختلاف العناوين وتصنيفها، واختلاف الحكايا والنصوص الموضوعة موضع سؤال، فإن لها ناظماً ينظمها، وهو في العلائق المتعددة التي نحصرها على شكل ثنائيات بين المرئي واللا مرئي، الظاهر الباطن، المليء، الفارغ، السر والجهر.. وغير ذلك، يحاول من خلالها كليطو البحث عن متاهات المعري في متاهات القارئ ناله سواء كان هو كليطو، أو قارئه المفترض والفضولي.. لا ليلعب معه فستق المعري، ولكن ليندخل في لعبة الفستق، وفي الرهان على أن هذا الفستق جميل ولذيذ.قد يتوقف القارئ عند عنوان الكتاب كعتبة، وفي لوحة غلافه، ولننظر إلى دلالة العنوان ونتساءل بدورنا لماذا لم يعنون كليطو كتابه ب "متاهات أبي العلاء" واختصر على الاسم أو متاهات القول؟ ماذا نختار كسبيل لتخليص المداد من سيلانه، بين الأول أو الثاني فهل نختار المتاهات أو المعري؟ أو نختارهما معاً لاعتبار أن المعري أعمى، والأعمى يعيش متاهات مزدوجة، قولاً ومعيشاً،.. وهنا يبدو أن المتاهات متاهات، والمتاهة فستق..يتساءل الباحث لم تم تهميش المعري كل هذا الوقت؟ لم تم الانتباه إليه بعد دانتي..؟ خصوصاً وان المعري لم يترجم إلى لغة أخرى، ولم يخلق نقاشاً في ثقافته، فكيف للآخر الاهتمام به؟ ويقرر "بدون مبالغة أن دانتي أثر في المعري" ص 30أي "أننا لم نعد قادرين على قراءة "رسالة الغفران" كمعزل عن الكوميديا الالهية ص 20.إن الباحث يدوم إلى تأكيد ذلك أو أنه وضعه كموقع لقراءة الغفران فابن القارح لا يلتقي بالشعراء العرب فحسب بل كذلك بدانتي.. هل هذا يعني أن عتبة رسالة الغفران هو دانتي ولم لا ينغمس بينهما معاً، تاركاً دانتي لبلاسيوس وغيره مكتفياً بالمعري.هل في المسألة لغز حتى أو أنه الرغبة في إيجاد مدخل مغاير للدخول للغفران تحليلاً.. وتفسيراً ومساءلة؟ بشكل برقي يلمح أكثر مما يفصح، وفي سؤال عن الغفران باعتبارها مقسمة إلى قسمين مختلفين دون أن تسمى أنها رد على رسالة ابن القارح. يقول كليطو في القسم الثاني يتخلى المعري عن الخطاب التخييلي ليتبنى الخطاب الذي نجده في الملل والنحل. محاولاً التساؤل عن مدى هذا التقييم ولكن يحيل أثناء القراءة تلك إلى مجموعة من الكتب، كقصة المعراج وكتاب التوهم للمحاسبي.. إلخ.هل بالضرورة قراءة هذه الكتب بحكم تلاقيها مع الغفران؟ أم أن المسألة فيها تناظر ضمني بين الموضوع المطهوة وهو المال الآخرة.فكثير من الشعراء انعلقوا من عذاب الجحيم، بيت شعري: هكذا تتحول المنامة إلى قول صحيح، متعود عليه في متخيلنا الجماعي.. وان كان المعري يحتقر المنامات وأصحابها، فإنه هو الآخر سقط في المنامات، سواء ما حكاه الجوزي أو القفطي.يجوب الباحث بنفس منطق المنامات لموضوعات أخرى كلعبة "الفستق" المعروضة في معرة النعمان قبل البحث في هذه اللعبة إن جاز القول يربط بين المعري والخيام من خلال بيت شعري متسائلاً هل هي سرقة يجيب اليوت "الشاعر الرديء يستعير أما الشعر الجيد فيسرق" مع اقتراضنا أن الخيام شاعر جيد، وان بيته أجمل لأنه انتشر غناء أكثر.. ويخلص أن الخيام اشعار عيني المعري المفقودتين مع ذكر التقائهما واختلافهما ليمر إلى لعبة الفستق، وهي حكاية تروي أن المعري أرسل فستقاً مصحوباً برسالة إلى أحد أصدقائه..تقول الرسالة أن الفستق فارغ.. يقول الباحث في ص 13"سيؤول الفستق في النهاية إلى الإثارة والهزج والأمل الخادع".إن هذا الأمل الخادع يروم في آخر المطاق إلى تقويض مبدأ اللعبة المتعارف عليه بين الناس. قد يكون هذا راجعاً إلى عماه المبكر احتمال ينطلق منه كليطو منذ الفقرات الأولى التي تربط بين المعري والخيام، من كون المعري يرفض الدين دائناً كان أو مديناً وبالمعنى فإنه يرفض الأبوة، فهو لا يرغب في الاتباع وغيرهم مثل ما لا يرغب في الوساطات الهبة ولا من يقوده في الطريق.والعصا للضرير خير من القائد فيه الفجور والعصيان ولكنه لا يستطيع الاستغناء عن الناسخ.. الهذا لم يعثر في كتابات المعري عن طفولته، باعتبارها مصدر جحيمه؟ ولهذا تبدو وصيته المعروفة إعلاناً على تلك الادانة المنطقية؟ أم أن الفستق يروم في آخر المطاف إلى منامة يلعب بها برهان صعب.. فارغة مليئة. أو ليس هذا ما يفسر نزوعه نحو الشك والارتياب..؟ أسئلة تتناسل في نص كليطو بين الخيام والفستق والعمى نصاً آخر ربما المعري نسيه في عكازته.إنه الشك تلك موضوعة أخرى يطرقها الباحث من خلال رواية تلميذ المعري وهو التبريزي تقول الرواية حسب ابن الجوزي "سأل المعري تلميذه عن معتقده فأجاب ما أنا إلاّ شاك فرد عليه الأستاذ وأنا كذلك.. يضع الباحث مجموعة من الافتراضات التأويلية حول التيريزي التلميذ القارئ والناسخ وحول الأستاذ معتبراً إياهما متشككان في اعتقاد بعضهما البعض وإلاّ لما كان الاستفسار خصوصاً وان التبريزي قارئ وناسخ لكتابات أستاذه أو أنه فضول التلميذ لمعرفة حقيقة أستاذه صراحة وليس ضمناً.. إذن هو فضول غير بريء لتظاهره بالشك لمعرفة سر المعري فالتيريزي حسب الباحث .....مرتين "مرة حين كذب عليه وأعلن أنه شاك، ومرة حين روى هذه الواقعة وأذاع سره" ص 31ليخلص أن التواطؤ بين التلميذ والأستاذ تواطؤ مغشوش، بيد أن تواطؤ المخاطب (التبريزي مع المخاطب تواطؤ صادق ويرى الباحث من خلال التواطؤ الثاني" أن التبريزي لم يتساءل على الكيفية التي يستعمل بها المخاطب كلاماً مبنياً على الإعلان عن حيلة خبيثة ص 32.ما علاقة الشعر بالكذب؟ أو بالأحرى ما علاقة المعري بالشعر؟ المعروف عن المعري أنه شاعر كونه ألف ديوانه "سقط الزند وهو ابن 13سنة راجعه في نضجه، صحيح أن أجمل الشعر أكذبه، ولكن لماذا يتهرب المعري من قول الشعر؟ هل لأنه اكتشف خدعة كتابه أم أنه لم يستطع الانصياع والانقذاف وراء ايقاعاته البلاغية؟وإن كان الأمر كذلك فهل المعري توقف عن الشعر؟ يرى الباحث أن هذا الادعاء غير صحيح.. وإن كان كذلك فالمعري ظل يعتني به دراسة وتحصيلاً ص 41.ولكن هل يجوز اعتبار نبذة قول الشعر والانطواء في الزهد وكتابة "لزوم ما يلزم" هذا الديوان الذي يعتبر صاحبه خارج الشعر بالمعنى التقليدي أي خارج الكذب.يبحث الباحث في هذه الموضوعة.. من خلال نص المعري المفتوح على شكل تأويلات مختلفة ويرى أن اللزوم ديوان ليس بالشعر وهو شعر بالنسبة لصاحبه، فهو من جهة ضحى بأهم خصوصيات ومكونات كتابة القريض من جهة أخرى محاولة المعري اقناع قارئه بكون شعره صادقاً.. وبين الكذب والصدق يروم الباحث لتفسير هذا التقابل، بتواجده داخل نص "لزوم ما يلزم" فهو بقدر ما يدعي الصدق فهو فيه قدر من الكذب، ورغم ما يقول عنها صاحبها كون "اللزوميات" وعظ ففيها قدر كبير من الهجاء.وهكذا يخلص الباحث إلى أن "سقط الزند" يروم في آخره حسب صاحيه إلى الكذب فإنه قوبل بالاعجاب والتقدير بينما أثار "لزوم ما يلزم" الذي يدين صاحبه بالصدق أو يدعيه، ردود فعل عنيفة بسبب ما فيه من أقوال مشبوهة ص 49.لا تنتهي ثنائية الصدق والكذب في حدود ما استخلصه الباحث. بل يسير بها نحو ثنائية أخرى ترتبط بها وهي "السر والجهر". لتتساءل مع الباحث لماذا يحتمي المعري وراء أسراره وهو بها عليم؟ هل لأن الكلام خطير ومميت؟ أم أن الصمت أمان وتأمين للذات؟ يورد الباحث جملة من أبيات شعرية للمعري محاولة منها كشف ثنائيته المفترضة مثل:إذا قلت المحال رفعت صوتيوإذا قلت اليقين أطلت همسيهل تعني هذه الثنائية تنبيه المتلقي لقول صاحبه؟ أم يفترض أن يبحث القارئ فيما سكت عنه صاحبه أيقوله بين سطوره بياضاً؟ لكن هل يلقى التنبيه بالقارئ عموماً؟ أم أن هناك قارئاً سيء النية؟صحيح أن المعري يقول أن "الكلام مبني على الغموض" ونيل هذا السر الغامض هو ما جعل معاصروه يتهمونه بأبشعالتهم. يتضح أن الاتهام سيجد وتيرته المتسارعة في الأدبيان العربية، وسيجد كذلك تأويلاً عبر الأعماد، على الرؤيا لادراك الحقيقة أن الاعتماد يتم حين يتعلق الأمر بالاعتقاد.. يورد المعري نفسه حالة "ديك الجن" والرؤيا المصاحبة لبيت من شعره الذي حاول البعض تكفيره.. ولكن.. تمة تلاعباً في الكلمات.. كأنه بذلك يستهدف نفسه ووضعه أمام القارئ.والمعري ذاته يصرح في أكثر من مرة أنه مؤمن في طويته وكافر في جهره. ودراسة كليطو لهذه الثنائية تروم لتوجيهها بين الباطن والظاهر. ليخلص في الأخير أن "نظرية المعري في القول تؤدي في آخر المطاف إلى التحفظ من كل خطاب" (ص 57).إن الثنائية التي يتلاعب بها الباحث من خلال تفكيكه لشعر وقول المعري ومجايليه بروم في آخر المطاف إلى عمق شاعر معرة النعمان .. بكونه أعمى، ولأنه كذلك، فإنه يرى ولكن ماذا يرى؟ وأية نظارات لحمل؟ إن هذه القضية يسير لها الباحث أهمية من خلال عنوان "الكلب الأعمى" العنوان تحريج في حق المعري، ولكن اختياره آت من هجاء القاضي أبو جعفر للمعري، لا يهمنا الآن ظروف النص الذي حددها الباحث، في تأويله للنص. ولكن الذي يهمنا هو ما يقوله المعري عن عماه "أنا أحمد الله على العمى كما يحمد غيري البصر. فقد صنع لي وأحسن بي، إذ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء".أو "أنا أعمى فكيف أهدي إلى المنهج والناس كلهم عميان"، إن العمى.. يظهره ويخفيه، قد وجد تأويلات وردود فعل متعددة بين المستحسن لسريره المعري، وبين المستهجن.. حد الوصف بالكلب، الأعمى والأجراب كما عند القاضي أبو جعفر الذي يشي هجاءه لطرد وعزل الكلب الأعمى (المعري) من معرة النعمان رغبة في تطهر قاطنيها، يتساءل الباحث لا يكون هذا الوصف مرتبطاً بالنزعة الكلبية كنزعة فلسفية تقوم على احتراق العرف والتقاليد والمتواضع عليه والاستخفاف بما درج الناس على اعتقاده.. مثل أكل اللحم وإراقة الدم بالنسبة للمعري.* ع الفتاح كليطو: أبو العلاء المعري أو متاهات القول ط 1 2000دار توبقال المغرب.

بداية الصفحة

مازالت تقدم إلى اليوم
"التلبيبة والتعتيمة" وجبات تجمع الأفراد في المناسبات السعيدة

عرض : فردوس ابو القاسم

تظل العادات والتقاليد لدى الشعوب إرثاً يتتابع من جيل لآخر فمنها مازال يعمل به ومنها ما اختفى وتلاشى لأسباب عديدة منها تغير النمط المعيشي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.. من تلك العادات التي ارتبطت بتناول الطعام ومسميات تلك الوجبات أو الأكلات غير الرئيسة.. هي التلبيبة والتعتيمة حيث عرفت هذه الوجبات بمسميات مختلفة في بعض مناطق المملكة.. ولكنها تعرف في المنطقة الغربية بهذه الأسماء.* التلبيبةعبارة عن وجبة بسيطة تقدم في مائدة يجتمع عليها أفراد العائلة وموعدها قبل الظهر أي الضحى.ولأنه بطبيعة الحال كان الناس في الماضي يستيقظون مبكرا لصلاة الفجر ثم يؤدون أعمالهم حتى موعد الافطار مبكرا وبعد راحة قصيرة يزاولون العمل. في الضحى تكون هذه الوجبة (التلبيبة) فرصة لاجتماعهم قبل الغداء، ويمكن أن تجتمع الجارات معا على هذه التلبيبة كل يوم لدى سيدة، وكل من تحضر من السيدات تأتي بطبق بسيط من الجبن أو الحلوى، ويمكن أن تحضر معها (الخضرة) كالملوخية او البامية او غيرها من الأصناف التي تود طبخها للغذاء وتقوم بتنظيفها وتجهيزها للطبخ بمساعدة الأخريات على وجبة التلبيبة.وتضم عادة هذه التلبيبة المشروبات من شاي أو قهوة والجبن والحلوى الطحينية والزيتون والفتوت أو الشريك، وهي أنواع من الخبز الخاص بمنطقة الحجاز.ويجتمعون حول هذه التلبيبة ببساطة متناهية ونفوس صافية، وتعد مثل هذه الجلسة من وسائل الاتصال الاجتماعي في ذلك الزمان.* التعتيمةمن أشهر الوجبات في الأفراح والمناسبات السعيدة وهي تقوم محل العشاء.ونظرا لأن مراسم الزواج في السابق كانت تبدأ مبكرا وتنتهي مبكرا تتضمن الاستعداد المتواصل منذ ايام.. ويوم الزواج يتجه الجميع لمكان الفرح للافطار ثم لتناول وجبة الغذاء حيث تذبح الذبائح وتقدم في شكل اصناف من الأرز كالبخاري او الكابلي أو البرياني أو العربي والسمبوسة واللبن والسلطات.ولذلك تكون وجبة العشاء خفيفة وتسمى بالتعتيمة وبعد تناولها من قبل المعازيم تنتهي مراسم الفرح بعد صلاة العشاء مباشرة، دون الاطالة في السهر.وتتضمن هذه التعتيمة انواعا واصنافا متعددة من الأطعمة اللذيذة توضع بصورة كبيرة على سفر طويلة تجمع كل المعازيم.ومن الأصناف الخاصة بالتعتيمة الهريسة، اللبنية، المربى، الحلوى الطحينية.. الجبن الأبيض بأنواعه خاصة البلدي، الزيتون، (مربى الششني) مربى تصنع من القرع أو الدباء.يقدم الخبز العربي (العيش الحب، الفتوت، الشريك) والجميل أن التعتيمة رغم التغيرات الحضارية مازالت تقدم لليوم في اشكال مختلفة في المناسبات حيث يخصص لها البعض ركنا خاصا في مأدبة الأفراح يكون أول أو وسط المائدة، يقبل عليه المعازيم بشكل سريع ومتعطش للماضي الجميل بنكهته السعيدة المقرونة بالأفراح.

بداية الصفحة

قصةالسمكة والبحر

شريفة الشملان

* أشتاقه..عنده فقط أغسل تعبي وإرهاق يومي.أريد أن أسير بمحاذاته، يرش روحي بنسيمه العبق، فيغسلني من الداخل..أنادي صديقتيّ ونذهب، في السيارة صامتة أنا، فالتعب أخذ طاقتي للكلام.. الكلام الذي دار هذا اليوم كثير ومتفرع، لكنه مخيف، وأنا أخاف الظلام، وأحاديث السحر والجن، وكلاهما دارا هذا الصباح، فالإنسان كان وما زال عدو ما يجهل لأن ما يجهله يخيفه، وأنا أخاف الجهل كثيراً، وأحاول أن أحاربه ما استطعت لذلك سبيلاً. حاولت أن أذهب بعيداً فلا أسمع شيئاً، لكني سيدة، البيت وواجب الضيافة يحتم عليّ البقاء، أحاول أن أزيل أثر الأحاديث قبل النزول من السيارة وهواؤه يلفح وجهي بندواته الجميلة وأظن أنني فلحت، ولكن..ننزل نحن الثلاث نسير بمحاذاته، تهب علينا ريحه التي غسلها لنا وعطرها برائحته، تستحثني الصديقتان على الاسراع.. أجر رجلي إنها تأبى الحركة، أجلس قباله وأدع صديقتي تكملان سيرهما، أرفع الغطاء عن وجهي وأدع الهواء الطري يداعبه، أشعر أن الريح الندية تدخل لأعماقي، تخدرني، تلغي كل شيء التعب، وهم الأبناء، والبيت ومتابعة نشرات الأخبار والمصارعة الحرة وغير الحرة، وكل شيء، لا شيء ألبته أنا وريحه العذبة وتكسر الموج على صفحاته أمامي كأنها كسر مرايا تتصادم، والألوان تتراقص على سطحه وأتساءل، ويقولون: ماذا تحبين في الدمام؟؟وأمامي كل هذا البحر، فكيف لا أحب الدمام!!،الهواء يسير الهويناء على سطحه، وبضع سمكات تتشاقى فتتقافز فأمتلئ فرحاً، وكأنني طفلة تشاهد الرسوم المتحركة.. وأصنع مدنا لهذه الأسماك وأهبها أسماء جميلة، ألاعبها في خيالي وأقفز معها وأبتعد وإياها عن شبكة الصياد، وأتذكر أنشودة قديمة للأطفال تقول:يا بط يا بطاسبح بالشطقل للسمكةأتت الشبكةميلي عنهاتنجي منهاعلى جانبي صيادون أضحك بسري، وأقول ماذا لو سمعوني أقول ذلك بصوت عال.. هل سننشب بصراخ، أم سيضحكون من امرأة تجلس وحيدة وتخاطب الأسماك.أمضي بتخيلاتي مع عالم البحر، قواقعه وأصدافه، واللؤلؤ والمرجان، وأشكل لوحات مبهجة لداخله، وموجه يعزف أمامي لحناً هادئاً.. وعن غير بعد تسير باخرة تتهادى ليلاً بأنوار تتماوج على السطح وتتشابك،، ثم تقفز سمكة كبيرة بجسم علوي نسائي، وأسفلها سمكة، قلت في خاطري ها أنا ذا وجهاً لوجه أمام عروسة البحر، ويقولون خيال بحارة يحلمون بامرأة طال الزمان والمسافات بهم عنها!!.. ألمس جسدها لزجاً ناعماً تتحرك أمامي، أتفحصها.عروس لها عينا غزال وشعر منسدل على ظهرها، عابثه الموج، رفعت نصفها الأسفل بيديها وجلست جنبي، وراحت تجاذبني أطراف الحديث، عرفت أنها تعيش عمراً كعمر البحر، وأنها سيدة هذا الشاطئ الممتد إلى ما شاء الله.أما والدها فهو ملك الشطآن كلها، ودعتني للنزول معها، فقلت لها: إنني لا أجيد السباحة إلاّ بضع مترات لا تتعدى أصابع اليد، وأني أشرق بالماء المالح. ضحكت عن أسنان لؤلؤية وقالت: سأحملك.تركت عباءتي وغطاي على الكرسي، وحملتني كان شعوراً لا أعرف كيف أصفه، وأنا في وسط الماء، هو شيء أكبر من الفرح، وألذ من الوسن قلت في خاطري سأكتب هذا الشعور وسأحاول أن أختزن لحظاته، وسأحكيه لأميمة الخميس فتأخذه لتضعه بقصة للأطفال، وتذيعه الإذاعة والتلفاز، لم يكن سباحة ولا طيراناً هو بين الاثنين كانت السمكة المرأة تلعب بزعانفها، وأنا أتماوج بسعادة داخل الماء، وأتنفس ولا أظهر فقاعات ولا أغرق، وروحي ترفرف، جناحان لها تخفقان كما خفقان فراشة شقت شرنقتها.تنزل بي، وتبحث عيناي عن قصص ألف ليلة وليلة وشهر زاد تجوب البحار بالسندباد، وجنيات البحر، لا أجد قصوراً إنما صخوراً ملونة وبينها تسبح آلاف الكائنات الجميلة، التي تعبر بين عينيّ ويلتصق بعضها على جسدي، وأعابثها وأنا أمد كفيّّ لأمسك شيئا منها، لكنها تهرب مني بزئبقية، وأنا تقهقه روحي كطفل معافى، أرى قوقعة ما مرت ببال نوخذة *، أمد يدي تتحرك بلزوجة كالهلام تحت أصابعي، يغمرني شيء بين الخوف والسعادة.. أستأذن صاحبتي بأخذها فتقول لي: دعيها سأمنحك أكبر لؤلؤة ما عرفها هارون الرشيد.قلت لها أو تعرفين هارون الرشيد؟!قالت: ومن ذا الذي لا يعرفه.قلت لها: أنا أحببته كثيراً، من درس التاريخ.قالت: أنا كنت سعيدة، وأنا أعيش عصره..سألتها: أ صحيح كل ما يُقال عنه..؟قالت: لا تصدقي كل ما يقال فأنتم يا أهل الأرض أكبر مزور للتاريخ.كنت أريد أن أستزيد منها لولا أنها أدخلت ذيلها تحت أحد الصخور، فتخرج لي لؤلؤة ما رأت عيني مثلها قط أمسكها جيداً إنها دليلي على الهبوط عليّّ أن لا أفرط بها. وربما أجعل منها قلادة لابنتي في زفافها.من بين الصخور الجميلة دخلت قصراً ليس كالقصور التي أحاطت بالبحر مؤخراً بعد أن تم دفن أجزاء كبيرة منه وكأن برارينا لا تكفينا فغزونا البحر!!قصور يداعبها البحر وتجملها الكائنات، من صخور ملونة مبنية، قلت في خاطري لابد أن أختزنها لأرسمها لابنة صديقتي التي تدرس التصميم الداخلي، لكنني تعبت وأنا أحتفظ بالمناظر الرائعة في داخلي، ثم قررت أن استمتع بما أرى، ولا يهمني لمن سأحكي فيما بعد.قلت ليتها تجعلني أسلم على أبيها، كنت أوسوس بذلك لنفسي، أريد أن أرى سيد الشطئان كيف يكون؟!، ومن يشبه ؟؟ لكنها التقطت ذلك وقالت سأجعلك ترين أبي للحظة ، انفتح باب كبير في القاع ولجناه. وإذا ببساط سندسي يتماوج بفعل هزهزة الماء فيتغير لونه عدة مرات، وأنا مأخوذة باللون الجميل وبالسحر الذي يحدثه في داخلي، ثم جاءت موسيقى خفيفة كأنها تأتي من بعد، شبيه بموسيقى (موزارت) *، ورأيت جسراً كالجسر الذي يربط مدينة (ستراسبورج) القديمة بالجزء الجديد، وأحسست نفس الاحساس الذي انتابني وأنا أسير عليه آن ذاك. وكأنني انتقل عبر بوابة للمستحيل. خرج رجل له رهبة لا كرهبة الرجال هو بين الرجل الحلم وبين الرجل الأب، له سماحة وجه بجمال وله طول فارع تكاد تنكسر رقبتي وأنا أنظر إليه، وأحسست كأن له نظرة أبي، ثم امتزج بشكل عمي، لكني عندما نظرت لأسفله، وللذيل السمكي الذي له تأكدت أن ليس أبي ولا عمي، ملابسه جميلة وغريبة عمامة يهفهفها الموج وصديرية بأزرار كأصداف مرمرية، في اصبعه الخنصر خاتم كبير له فص تتغير ألوانه وتتداخل حتى كاد يعمى ناظري من لمعانه، كنت أخمن أنه خاتم سليمان الذي يفركه فيكون كل شيء ملك يديه اللحظة، قلت بخاطري أي اللغات ترى يتكلمها؟!، قال لي بعربية فصيحة: كل لغات الله نعرفها.. ومد يده مسلماً كانت يداً دافئة أحسست بها وداً وسخاء، أجلسني إلى يمينه ورحب بي، وقال كلام جميل عن أهل الأرض، ثم التفت لابنته التي أشارت له بطرف لحظته، أن يقول ما بدا له قال: هل أُحملك رسالة؟.. قلت: نعم إن استطعت ذلك.قال: تستطيعين فأنت تكتبين في الصحف.وأصابني شيء من غرور حتى أهل البحار يعرفونني يا لي من مشهورة..قال: سأحملك رسالة قولي لهم يكفون عن أذية خلق الله.. إنهم يضايقوننا ويخربون مناطقنا.. غواصات ومدمرات وطاقات نووية، ألا يكفيهم خراب ديارهم.. اكتبي عن ذلك.قلت له والله العظيم كتبت مرات كثيرة.قال: أعرف، لا تيأسي اكتبي واكتبي وراسلي منظمة السلام الأخضر.يا لله هذا الرجل يعرف كل ما يحدث على الأرض. سأطلب منه أن يساعدنا في الانتفاضة الفلسطينية. وجمعت كلماتي لأقولها له عن محمد الدرة وإيمان حجو وعن أطفال ماتت أحلامهم الصغيرة، انتهكت الرصاصات أجسادهم الغضة. أطفال بلا أقلام ولا دفاتر تلوين، إنهم لا يرون البحر ولا يعرفون قفزات الأسماك.وقبل أن أفتح فمي ضحك حتى كاد يستلقي على زعنفة ذيله، وقال: يا ابنتي، لا أستطيع أن أساعدكم، إذا لم تساعدوا أنفسكم.. اليهود أقوياء عليكم إنهم يستغلون ضعفكم وتفرقكم.. وثلاثة أرباعكم غير جادين في خلاص الفلسطينيين من اليهود، بل إنهم يساعدونهم.. قلت كيف؟؟ كنت وقتها أفكر بسفارات الأرض المغتصبة في ديارنا العربية، والأبواب المغلقة التي فتحت لها لتلج ديار الله، وبالمكاتب الاستخبارية التي يطلقون عليها مكاتب تجارية،، وأقول في خاطري كل ذاك معروف لا بد لديه ما هو أكثر، سأنشر كل ما يقوله لي سأكشف المخبأ. لكن صوتاً كان بالقرب من رأسي يقول همساً. (يا حليلها * نامت..!!).فتحت عيني، لم يكن سوى صوت إحدى صديقتيّ، لم أفرك عيني كنت أشد على اللؤلؤة بيدي ولكني عندما ألقيت نظرة كانت يدي تشكو الفراغ..تمنيت أن أعود لداخل البحر، أعيش أجواء جميلة لكني تذكرت كلام ملك الشطآن عن المدمرات والقنابل النووية.. وقلت كلنا بالهم سواء.* نوخذه: اسم خليجي يطلق على سيد غواصي اللؤلؤ.* يا حليلها: كلمة تعجب وتحبب نجدية وخليجية.* موزارت: موسيقي نمساوي، كذا ستراسبرج مدينة نمساوية جميلة جداً ولد وعاش بها موزارت.

بداية الصفحة

شمرة عصا

خالد المعالي

* كل الطبيعة الفرحة أو التي تبدو كذلك، لم تعد تعطيني خيطاً أمسك به، فها أنا حجرة ملتهبة في قيظ الصيف هذا.يدي الممدودة وروحي المعلّقة فوقي تنتظر لكي تهبّ كل الأرواح الشاردة، العائدة إلى بلادها، تاركة روحي هناك، حيث أتكلّم وأصغي لذاتي، حياتي تنام على وجهها وروحي مصغية لذات الألم الراكض خلفها، مبتعداً، عائداً في أجواء لا تُعرف ولا يتعرّف عليها كل هذا الألم المتروك فوق راحتي وتحت لساني.لم أتكلم. كلُّ حياتي مأخوذة بالصمت وبالأوهام، بكلّ الكلمات المخفية التي نتردد في الوصول إليها، لكي نعتاد هذا الأمر، ولكي نجد لنا أمراً آخر لنذهب ولكي تدور دوامة الحياة من أجلنا.. ليلتي هنا مقيمة، مثيرة، والحياةُ التي أقيم اليوم عند حدودها!ها هي الحياة أتكلّم عند حدودها، مُصاغة عند هذا الوهم.. اللحظات التي وقفت اليوم عند الباب تنتظر وتنادي.. هل أتكلّم من جديد وأصيح بصوتي عالياً: اسمعوني! فحياتي هنا عبارة عن ركام مكبّل بصيغة الأمل الكاذبة، حياتي ركض وضحك وآهات عرفت بعضها وأنا في طريقي إلى تلك الذاكرة التي تدمّرت وأزيحت من طريقي تماماً.كلُّ كلامي إذن، صيغ بعبارات مذهبة والحياة فيه صبغت بالذل وأُعيدت إلى الطريق القويم، حيث الخراب جالس ينتظر.لقد فقدنا وذهبت الأوهام إلى مقاعدها والألم يضحك من كل هذا!لقد أديرت دفّة الحياة وذهب الأثر إلى نهايته! لقد تعلّمت شيئاً من الأوهام وارتحت إلى نهاية النهار، تكلّمت، وذكرتُ حياتي! أجد المأوى والذكريات والأوهام التي تصرخُ كثيراً وتذهب بعيداً وتهجرنا لكي ننام.استديرُ مصغياً لصخب الحياة، موحياً بالانفعال، دون أن أعي طرفاً من الحكاية، لقد عميت البصيرة وأُدغمت حولنا، حيث تراكض الناسُ وعلّقت أرواحهم على الأشجار المحيطة.. تعلمتُ أن آخذ من الوهم خيطاً رفيعاً مصغياً لكل هبات الحياة التافهة التي يتصاغر أمامها الرعب المُبطن بالهول والعواصف.. لقد ارتحت كثيراً وتراكمت حولي الأسرار الكثيرة التي لا تجد طريقاً إلى الهول.. لهذا بقيت تُسمعُ وعليها يموت الرحيل.فقد فقدت اللذائذ وأديرت دفة السفينة لكي تمرّ على اليابسة.. الاجهاد يزعمُ غير ذلك واللحظات الدائمة تدفعني من رحيل إلى رحيل! عجلة الحياة تدق مسمارها وتتركنا نلاعب الهواء! ها هي تطيرُ وتطير أكثر! كل حياتي فقدت الضوء واللحظات الكسيرة، الموهومة، سحبتُ جزءاً من رصيد الانتظار وذهبت أباعد فيما بين الخُطى لكي أصل إلى المجرى! لقد فُقدتُ كثيراً وذهبت اللحظات أبعد وبهذا فقد فُقدنا وأعيدت إلينا الذكريات معبأة في كيس من الجوت!لقد أُوقفَتء الحياة وذُهب برصيدها بعيداً في الأرض النائية.. لقد زحف الوهم ومعه الهواء، ها هي تعودُ كذاكرة بلا مأوى وبلا أرض تذهب بها بعيداً!لقد ذهب وهمي وجرّت أفكار حياتي من مكمنها ولم أعد أراها إلا لماماً، حينها أكون سائراً وتدلهم الطرق فجأة!إني أجلس، الكلمات مجرورة ورائي، قوسي دائم، موتر وضحكتي لعب بحالها هبوب العواصف ودفنها التراب عميقاً.تهاونت ولم خيطاً لأمسكه، روحي ضحكت ويداي ارتفعتا بالإشارة، التوى عنق العنقاء وانهارت الأصفارُ أرقاماً راكضة من مكمن ضحية إلى أخرى! الظلام يتكلم، ساحباً قطاره وراءه، باكياً من النوح، راعياً ليلنا، شاطباً على كل فكرة لكي نسكت الآن أو قبل الآن.. لقد نُسيت اللحظة وذهبت بعيداً.

بداية الصفحة

ربما ذهبنا بعيداً

ترجمة: صالح الحميدانقصة: ري براد بري

* كان شيئاً غريباً لا يمكن التعبير عنه. لامس شعر رقبته بينما كان مستلقياً يقظاً مغمض العينين، ضغط بيديه على التراب. أكانت الأرض ترج نيراناً عتيقة تحت قشرتها، متقلبة في نومها؟ أكانت الجواميس في صحارى الغبار، في العشب الصافر، تنقر المرج، متحركة بهذه الطريقة كطقس شرير؟لا، ما الأمر إذن؟فتح عينيه وكان الصبي هو أوي، المسمى باسم قبيلة سميت باسم طائر على متن تلال سميت باسم ظلال اليوم، قرب المحيط العظيم نفسه، في يوم كان منحوساً بلا سبب.حدق هو أوي بأغطية الخيمة التي كانت تنتفض كحيوان عظيم يتذكر الشتاء. وتفكر، أخبرني عن الأشياء الفظيعة، من أين تأتي ومن سوف تقتل؟رفع الغطاء وخرج متجهاً إلى قريته، صبي ترى عظام خديه الغامقين كجنبي طائر صغير محلق. رأت عيناه السماء المليئة بالسحب وعظمة الله، سمعت أذناه الكوبيتان أشواكاً تقرع طبول الحرب، ولكن السر الأعظم مازال يجذبه إلى حافة القرية.تقول الأسطورة مضت الأرض كالجزءر إلى بحر آخر، وهنا وهناك كان هناك قدر من الأرض، كقدر النجوم المنتشرة عبر السماء. وفي مكان ما من تلك الأرض قضت عواصف من الجواميس السوداء على العشب. وهنا يقف هو أوي سئما، متعجباً، باحثاً، منتظراً، خائفاً.قال ظل صقر: أنت أيضاًَ.فاستدار هو أوي.كان ظل يد جده التي كتبت على الريح.لا، فالجد صنع علامة الصمت. ترك لسانه في فم أدرد، كانت عيناه جدولين صغيرين يجريان خلف القيعان اللحمية الغائرة، والرمل الأجش يمسح وجهه.رجل عجوز فعل كما قد فعل الصبي. استدارت أذنه المحنطة، واختلج أنفه، وكذلك ابتأس العجوز بسبب صدى هدير من أحد الاتجاهات الذي عادة ما ينبئهم عن جو عاصف من سماء بعيدة.ولكن الريح لا تعطي أجوبة وإنما تتحدث مع نفسها.صنع الرجل العجوز العلامة التي تشير إلى انهم يجب أن يواصلوا القنص الكبير.قالت يده كالفم، هذا كان يوماً للأرنب الصغير والأجرد الكبير، الأرنب الوحشي والنسر الميت يجب أن يطاردا معاً، لأن الصغير جداً فقط هو من يرى الحياة مستقبلاً، والكبير جداً هو من يرى الحياة ماضياً، أما من هم بينهما مشغولون بالحياة فإنهم لا يرون شيئاً.دار الرجل العجوز ببطء في كل الاتجاهات.نعم! لقد علم، بل لقد كان واثقاً ومتأكداً ان هذا الشيء من الظلام سيأخذ براءة الوليد وبراءة الأعمى من أن يريا جيداً.قالت الأصابع المرتعشة، تعالى!الأرنب الضابح والصقر الدنيوي سحبا ظليهما من القرية إلى الجو المتقلب.بحثاً في التلال المرتفعة ليريا إن كانت الحجارة متماسكة جوار بعضها بعضا ولقد رأوها منتظمة، مسحوا البراري ولم يجدا هناك سوى الريح تلعب كأطفال القبائل طوال اليوم.وجدا نصال السهام من الحروب القديمة.لا، يد الرجل العجوز تتحرك تجاه السماء، رجال هذا الشعب خلف الدخان قرب نيران الصيف بينما الهنديات يقطعن الخشب.إن ما نسمعه ليس سهماً طائراً.أخيراً بعد ما غطست الشمس نحو شعوب صيد الجواميسشخص العجوز بطرفه إلى السماءصرخت يداه فجأة: الطيور تحلق جنوباً!، انه الصيف.قالت يدا الصبي. لا، ان الصيف لم يبدأ بعد أنا لا أرى طيوراً.قالت أصابع العجوز. إنها على ارتفاع شاهق جداً، فقط الأعمى يستطيع الشعور بطريقها لأن ظلها في القلب أكثر منه على الأرض.أشعر انها تتجه جنوباً في دمي، إن الصيف ليمضي، ربما نذهب معه، ربما أننا ذاهبان بعيداً.صرخ الصبي عالياً، بخوف مفاجئ، لا، إلى أين نذهب لماذا ومن أجل ماذا؟قال الرجل العجوز: من يعلم؟ وربما أننا لن نتحرك، نقف بلا أية حركة، ربما أننا ذاهبان بعيداً.صرخ الصبي لا، نذهب إلى الخلف، إلى السماء الشاغرة، الطيور التي لا ترى، الهواء بلا ظل، أيها الصيف امكث.قالت يد الرجل العجوز متحركة بنفسها. لا فائدة، لا أنت ولا أنا ولا أحد من شعبنا يستطيع تحمل هذا الطقس، انه تغير الموسم، تعالى لنعيش على الأرض كل الوقت. لكن من أين يأتي؟قال العجوز أخيراً هذا الطريق.وفي الغسق نظرا إلى الأسفل إلى مياه الشرق العظيمة العابرة فوق حافة العالم حيث لم يذهب أحد هناك.هناك، قبض الرجل العجوز يده وأشار بها انه هناك بعيداً إلى الأمام.كان هناك ضوء وحيد يومض على الشاطئ، ومع بزوغ القمر كان العجوز وصبي الأرانب يخطوان على الرمال سامعين أصواتاً غريبة في البحر شامين رائحة وحشية من النار المفاجئة عن قرب.زحفاً على معدتيهم ثم تمددا يرقبان الضوء،وكلما هو أوي زدا النظر كلما أصبح أكثر برودة، وعلم أن كل ما أخبر به الرجل العجوز كان حقيقة. للانجذاب لهذه النار المبنية من الأعواد والطحلب تتقد متوهجة في الريح الليلية اللينة التي صارت أكثر برودة الآن في قلب الصيف حيث هكذا مخلوقات لم يرها من قبل.كانوا رجالاً بوجوه مثل الفحم الأبيض المتقد وعيون في تلك الوجوه زرقاء كزرقة السماء، وعلى خدود كل هؤلاء الرجال وذقونهم شعر لامع نما بحدود.وقف رجل طويل وبرق صاعد في يده، وضوء عظيم من شيء حاد على رأسه كأنه وجه سمكة، أما الآخرين فتكسوهم قشور رنانة من مواد قد شقت إلى صدورهم.وترن بخفة إذا ما تحركوا.بينما لاحظ هو أوي أن بعض الرجال قد رفعوا الأشياء اللامعة الرنانة عن رؤوسهم وقوالب السلاحف عن صدورهم وأذرعهم وأرجلهم وقذفوا بتلك الأغلفة الفاسدة إلى التراب. كذلك ضحكت تلك المخلوقات على ما فعلته بينما هناك في الخليج انتصب شكل أسود في المياه، زورق نهري غامق مع أشياء كالسحب الممزقة معلقة فوقه على أعمدة.غادر الرجل والصبي بعد برهة طويلة فيها كتما نفسيهما، والآن من على تل يرقبان النار التي ليست أكبر من نجم، برمش عينك تستطيع لمحها وان اغمضت عينك تكون قد انتهت.لكنها لازالت باقية.وسأل الصبي.ما هذا الحدث العظيم؟ كان وجه الرجل العجوز كوجه نسر متهاو مليء بأعوام مرعبة وحكمة ليست مرغوبة، عيناه تألقتا بوهج كما لو قد تدفقتا بنافر من ماء بارد فيه يرى كل شيء، أو كنهر قد سَفّ السماء والأرض واستوعبهما بصمت غير مغفل ما تراكم من تراب، والزمن، والشكل، والصوت والمصير.هز الرجل العجوز رأسه مرة واحدة. إنه الطقس الفظيع.إنه كيف سينتهي الصيف، انه يجعل الطيور تتجه جنوباً، بلا ظلال عبر أرض بائسة، وتوقفت الأيدي المتعبة عن الحركة، وانتهى زمن الأسئلة.وبعيد تواثبت النار، وتحرك أحد المخلوقات وومض الشيء اللامع على جسده السلحفائي وكان ذلك كسهم يقطع جرحاً في الليل.ثم تلاشى الصبي في الظلام تابعا النسر والصقر اللذين عاشا في جسد والده الصخري. وتحتهم هدر البحر عالياً وصب موجة عظيمة مالحة أخرى بملايين الشذرات التي ترتطم وتصفر مثل السكاكين عبر سواحل القارات.

بداية الصفحة

غاليليو وتأسيس العلم الحديث

بقلم : هاشم صالح

* صدر أخيرا كتاب عن "غاليليو" في السلسلة المشهورة باسم "ماذا أعرف؟".وقد قدمت آلاف الكتب حتى الآن عن مختلف الموضوعات والشخصيات العلمية والفلسفية وسواها. وهي السلسلة الصادرة عن المطبوعات الجامعية الفرنسية، ومؤلف الكتاب هو الباحث جورج منيوا، أستاذ علم التاريخ في احدى الجامعات الفرنسية، وكان قد أصدر منذ بضع سنوات عدة كتب مهمة عن تاريخ العلاقات بين الكنيسة المسيحية والعلم منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.وأصبحت هذه الكتب مراجع للباحثين والطلاب وفي كتابه الأخير هذا يقول الباحث بأن غاليليو يعتبر شخصية مركزية في تاريخ الثقافة الأوروبية، ومهما قلنا عنه فلا يمكن أن نبالغ في أهميته، والحقيقة انه يقع على مفترق طرق لعدة علوم: كعلم الفيزياء والرياضيات،والفلسفة، وعلم اللاهوت، وعلم التفسير (اي تفسير النصوص الدينية)، في الواقع انه رجل علم بالمعنى المحض للكلمة قبل كل شيء. ولكن بما أنه كان يعيش في عصر يتميز بوحدة المعرفة التي تقتضي وجود توافق عميق بين كل المجالات وذلك تحت المراقبة اليقظة للكنيسة الكاثوليكية، فان بحوثه انعكست بالضرورة على الفلسفة وعلم اللاهوت، ففي ذلك الوقت لم يكن هناك فصل بين العلوم الدينية، والعلوم الدنيوية.ينبغي أن نعرف أن العلم حتى ذلك الوقت لم يمارس من قبل رجال الدين الحريصين قبل كل شيء على اقامة التوافق بين كتاب الطبيعة وكتاب الوحي، فلا يمكن في رأيهم أن يجيء العلم بشيء يناقض التوراة أو الأناجيل، صحيح أن غاليليو كان مسيحياً كاثوليكياً مثله مثل جميع الايطاليين، ولكنه كان قبل كل شيء عالم رياضيات وفيزياء وفلك، وكان يمتلك أفكارا واضحة وعقلانية، وكان يعتقد بقيمة العلم وبالحقيقة الاجبارية للبراهين الرياضية.وفي ذلك الوقت كان يعتقد بضرورة كشف الحقيقة لجميع البشر، ولهذا نشر اكتشافاته باللغة العامية (اي الايطالية لأن اللغة الفصحى في ذلك الزمان كانت اللاتينية، وكانت الايطالية محتقرة، ووحدها اللاتينية كانت تحظى بالاحترام لأنها لغة العلماء ورجال الدين والنخبة المثقفة في كل أنحاء أوروبا، بعدئذ سوف تتحول اللاتينية الى لغة ميتة وتزداد أهمية اللغات القومية كالايطالية، والفرنسية، والانكليزية، والألمانية، الخ حتى تحل كليا محلها) .. ان حداثة غاليليو تتجلى في حرصه على النشر بلغته الأم، اي لغة الناس العاديين و الحياة اليومية، وكان يهدف من وراء ذلك الى أن تصل أفكاره إلى جمهور عريض، وهذا يعاكس موقف المثقفين، الآخرين الذين كانوا يقولون بأن الحقيقة ليست للعامة، ولا ينبغي أن يطلعوا عليها لأنها تشكل خطراً على عقولهم وقد تسبب متاعب كبيرة للعلماء، وهذا هو موقف ديكارت في الواقع الذي كان يزعجه جدا موقف غاليليو الجريء الى حد التهور.أما ديكارت نفسه فكان حذرا إلى حد الكتمان واستخدام الأسماء المستعارة أو نشر كتبه دون أي توقيع.. فالعامة في رأيه تكفيهم المواعظ الدينية ولا داعي لأن يطلعوا على الفلسفة أو على العلوم الرياضية والفيزيائية.. وعلى اي حالة فهم حتى لو اطلعوا عليها فانهم لن يفهموها..ويرى جورج مينوا انه تجتمع في غاليليو ثلاث شخصيات: أي غاليليو في حياته الخاصةوتصرفاته مع عائلته وأقاربه، وغاليليو العام الذي اكتشف بعض القوانين الفيزيائية أو الفلكية، وغاليليو الذي اندلعت الفضيحة الكبرى بسببه عام 1633، فهذه الفضيحة التي شوت سمعة الكنيسة الكاثوليكية لقرون عديدة برهنت على شخصية غاليليو أو كشفت لنا عن حقيقتها، وأصبح غاليليو رمزا على حرية التفكير والتعبير، وشهيدا من أجل الحقيقة، ومضطهدا سبب جرأته وثباته على المبدأ ولكن قصة غاليليو كشفت أيضا عن مدى تزمت المسيحيين في ذلك الوقت، ومدى استبداد كنيستهم وكهنتهم، وقد اعتذر البابا حنا بولس الثاني قبل بضع سنوات عن الدور المظلم الذي لعبته الكنيسة، آنذاك، وأعاد الاعتبار لغاليليو وأزال عنه تهمة الزندقة، أو الانحراف عن الدين، في الواقع أن محاكمة غاليليو عام (1633)، أي قبل حوالي الأربعمائة سنة، الا قليلا، كشفت عن حجم التناقض بين العلم والدين، وبخاصة إذا كان التفسير السائد للدين هو ذلك التفسير المتزمت والمنغلق، والمتوارث منذ مئات السنين في الواقع ان المسألة هي مسألة تفسير حرفي أو مجازي للنصوص المقدسة، فمن الواضح أن هناك آيات كثيرة في هذه النصوص تتحدث عن دوران الشمس حول الأرض وليس العكس، وفي الواضح أيضا أن الملاحظة العيانية المباشرة تدلنا على أن الشمس هي التي تتحرك، وأن الأرض التي نقف عليها ثابتة أو على الأقل هذا هو احساسنا يضاف الى ذلك أن نظرية ارسطو وبطليموس الفلكية تقول نفس الشيء، وكانت معتمدة من قبل الكنيسة بصفتها حقيقة مطلقة لا يرقى اليها الشك، ثم يجيء الآن السيد غاليليو لكي يثبت لنا العكس ويبرهن على صحة نظرية كوبرا نيكوس! ماهذا الهراء؟.. هكذا ينبغي أن نوضع المناقشة ضمن سياق ذلك الزمان لا ضمن سياقنا نحن، وإلا فلن نفهم شيئا من شيء. ولكن الأخطر من ذلك هو أن غاليليو راح يتدخل في مجال التفسير الديني، وهو من اختصاص رجال الدين لا من اختصاص الناس الدينويين أو العلمانيين، صحيح أنه ولد في عائلة كاثوليكية مسيحية مثله في ذلك مثل معظم أبناء قدمه. ولكنه لم يدخل سلك الرهبنة ولم يكن رجل دين، وبالتالي فلا يحق له أن يتدخل في الشؤون الدينية. وقد نصحه الكثير من أصدقائه بتحاشي ذلك، والا فانه يعرض نفسه للخطر.ولكن بما أنه كان جريئاً إلى حد التهور وواثقا من نفسه الى أبعد الحدود فانه لم يستمع إلى هذه النصائح والواقع أن الحل الذي قدمه لتحاشي التناقض بين العلم والدين كان ذكياً جداً، ويمكن القول بأنه حديث بالمعنى الحرفي للكلمة، يقول مثلا في رسالة مشهورة: "إن التمسك بالمعنى الحرفي للتوراة والأناجيل يعرضنا لمخاطر الزندقة، بل والتجديف والكفر، فالقصص والصور الواردة فيهما لا ينبغي أن تؤخذ على حرفيتها، وانما كمجازات يستخدمها الكتاب المقدس لمخاطبة عقول الناس وافهامهم في تلك الأزمان الغابرة، وبالتالي فكل ماهو وارد في التوراة والانجيل عن نشأة الخليقة والطبيعة ومظاهرها المتعددة كالبرق والرعد والرياح ينبغي أن نفهمه على أساس أنه مجازات وصور رائعة ليس الا.. وأما بالنسبة لدراسة الطبيعة بشكل علمي دقيق واكتشاف القوانين التي تتحطم بظواهرها فان الله وهبنا العقل، والعقل قادر وحده على اكتشاف، الحقائق العلمية. وبالتالي فلا ينبغي أن نبحث في الكتب المقدسة عن قوانين الأرض والسماء، ومكتشفات علم الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وانما ينبغي أن نبحث فيها عن التربية الأخلاقية والهداية الروحية التي تؤدي بنا الى النجاة في الدار الآخرة، وهكذا تكون لكتب الدين مهمتها، ولكتب العلم المحض ووصف الطبيعة واستخراج قوانينها مهمتها، ولا ينبغي الخلط بينهما، وهكذا نستطيع أن نتحاشى التناقض، أو حتى في الصدام المروع بين العلم والايمان.كم هو رائع هذا الموقف، كم هو قوي!؟ لقد استبق على موقفنا الحديث بثلاثة قرون على الأقل، وهذا أكبر دليل على عبقرية غاليليو، وانه كان سابقا لعصره وأهل زمنه ككل الرواد الكبار في التاريخ، ثم تجرأ غاليليو ايضا على قول مايلي: اذا ما حصل تناقض بين ما يقوله العلم عن ظواهر الطبيعة وبين ما يقوله النص الديني فانه لا ينبغي ان نكذب حقيقة العلم، وانما ينبغي ان نعيد تأويل النص المقدس نفسه، لكي يتوافق مع الحقيقة العلمية وقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية هذا الموقف متعجرفاً وغير مقبول، فعلم اللاهوت هو أم العلوم، وكل العلوم الأخرى بما فيها الفلسفة ينبغي أن تكون خادمة له، وبالتالي فلا يحق لأحد مهما علا شأنه أن يقول لرجال الدين كيف ينبغي أن يفهموا النصوص المقدسة أو لا يفهموها، وهكذا أصبحت المواجهة محتدمة بين غاليليو وبين الفاتيكان، وكانت النتيجة محاكمته، وادانته ووضعه تحت الاقامة الجبرية لمدة عشر سنوات، اي حتى وفاته عام 1642عن عمر يناهز الثامنة والسبعين عاما ( 1564 1642).ولولا خوفهم من الفضيحة لصفَّوه جسدياً، ولكن كانت شهرته كبيرة وله صداقات، وبالتالي فقتله يمثل عملية غير مضمونة العواقب.هذه هي قصة غاليليو استعرضناها باختصار شديد. والآن ماذا يمكن أن نقول عن صدى هذه المعركة وانعكاساتها على القرون التالية؟ في الواقع انها شغلت الناس طيلة ثلاثمائة سنة على الأقل وأحرجت الكنيسة ورجال الدين احراجاً شديداًً.يرى الباحث جورج مينوا في هذا الكتاب الممتع والواضح والمكثف ان ردود الفعل على محاكمة غاليليو كانت متنوعة. فالكثير من رجال الدين صفقوا لهذا القرار الذي اتخذته أعلى هيئة لاهوتية في الفاتيكان.. واما ديكارت الذي كان ينوي نشر كتابه عن وصف العالم الطبيعي والذي يعترف فيه بصحة نظرية كوبرنيكوس فقد سحبه من الطبعة وألقاه في أدراج مكتبه بانتظار أيام افضل.. واما العالم "غاسندي" فقد دافع عن غاليليو عام 1647قائلا: "ان هدف الكتابات المقدسة جعل الناس فيزيائيين أو علماء رياضيات، وإنما جعلهم أتقياء ومتدينين.." و"في عهد نيوتن" اي حوالي (1700)، لم يكن هناك أي عالم إلا ويقر بنظرية الأرض حول الشمس هذا يعني أن غاليليو انتصر بعد موته بحوالي النصف قرن، ومع ذلك فان جريدة اليسوعيين الفرنسيين ظلت مصرة على القول بأن "فرضية كوبرنيكوس" وغاليليو خاطئة من أساسها!"، ولكن الكنيسة راحت تشعر بمرور الزمن أن موقفها المعادي لتطور العلم أصبح لا يحتمل أكثر فأكثر، فقررت التراجع ولكن ببطء شديد وبنوع من الحذر والسرية لكيلا ينكشف تناقضها، أو فضيحة محاكمتها لغاليليو.ففي عام 1757، اي بعد مرور أكثر من مائة عام على موت غاليليو، أجاز البابا بينوا الرابع عشر التفسير الرمزي، أو المجازي لتلك المقاطع من الكتاب المقدس والتي تتحدث عن دوران الشمس حول الأرض، وفي عام 1893، أي بعد مرور أكثر من قرنين ونصف على موت العالم الكبير، راح البابا ليون الثالث عشر يتخذ موقفا مطابقا تماما لذلك الموقف الذي اتخذه غاليليو وأُدين بسببه. فغاليليو قد قال بما معناه: إن الكتاب المقدس (اي التوراة والانجيل بالنسبة للمسيحيين، أو العهد القديم والعهد الجديد) لا يعلمنا القوانين الفيزيائية والرياضية التي تتحكم بظواهر الطبيعة، وإنما يعلمنا كيف نهذب أنفسنا ونصفي قلوبنا ونحظى برضى الله في الدار الآخرة، والكتاب المقدس استخدم اللغة التي كانت شائعة في زمنه لكي يفهمه الناس، وبالتالي فلا ينبغي أن نأخذه على حرفيته، فهل قال البابا ليون الثالث عشر شيئا آخر؟ لنستمع اليه: ينبغي أن نعترف بان نساخ الكتاب المقدس يصفون الأشياء أحيانا بطريقة مجازية رمزية، اي طبقا للغة الشائعة في عصرهم.. وبالتالي فينبغي تأويل كلامهم لا أن نأخذه على حرفيته الظاهرية، وهكذا نتحاشى التناقض بين العلم والدين..لقد أحدث غاليليو انقساماً داخل الكنيسة المسيحية، وبالأحرى الكاثوليكية لأن البروتستانت كانوا مؤيدين لغاليليو ولتقدم العلم والنظريات الجديدة بشكل عام، والبروتستانت هم المذهب الثاني في اوروبا (الأول في امريكا) وهم الأعداء الألداء للكاثوليك، في الواقع أن الكاثوليك انقسموا الى قسمين: قسم متزمت، أو متحجر، ظل متشبثا بالموقف القديم المعادي لنظرية كوبرنيكوس وغاليليو. وقسم اصلاحي مستنير يقبل بالتطور ويعترف بصحة هذه النظرية المدانة لاهوتياً منذ القرن السابع عشر، وقد ابتدأ التغيير في الموقف الجماعي للكنيسة الكاثوليكية عندما نعقد المجمع الكنسي الشهير المعروف باسم الفاتيكان الثاني ( 1962 1965) ومعلوم انه اتخذ قرارات جريئة، واعترف بالاستقلالية الذاتية للعلوم المحضة من فيزيائية وكيميائية وفلكية ورياضية. ودعا رجال الدين الى عدم التدخل فيما لا يعنيهم، أو في مجالات لا يعرفونها وتخرج عن دائرة اختصاصهم، وأما اللاهوتي الألماني المجدد هانز كونغ فقد اعتبر أن الكنيسة الكاثوليكية ارتكبت ثلاثة أخطاء كبرى (أو حتى كوارث في تاريخها) وهي: الفتنة الكبرى، أو الانشقاق عن الكنيسة الشرقية الارثوذكسية، ثم معاداتها للوثر والاصلاح البروتستانتي، ثم محاكمتها لغاليليو الذي كان على حق.. وبالتالي فينبغي على الكنيسة، أن تكفر عن ذنوبها..في ختام كتابه يقدم الباحث جورج مينوا تقييماً عاما لغاليليو ويقول: ليست الاكتشافات العلمية هي التي صنعت مجد غاليليو وعظمته فمن وجهة النظر هذه يمكن القول بان كيبلر ونيوتن أهم منه، ومن الناحية الشخصية، أو الانسانية لا يمكن القول بأنه يجذب التعاطف والمحبة بسهولة. فقد كان جافاً، قاسي القلب، وقد أجبر ابنته الصغرى على دخول الدير "أي سلك الراهبات" غصبا عنها وعانت الكثير بسبب ذلك وجُنَّت في نهاية المطاف ولم يرق قلبه لها ابدا، ولم يشفق عليها.. يضاف الى ذلك انه كان عنيداً ومتهكماً، كان كثير الاعتداد بنفسه وينظر الى الآخرين من عل نظرة احتقار..ولكن عظمته تكمن في مكان آخر، انها تكمن في منهجيته العلمية، وفي تصوره العام للعالم، أو في فلسفته اذا شئنا، ان منهجيته تكمن في تطبيق، المحاجة الرياضية الصارمة على دراسة الظواهر الفيزيائية أو الطبيعية، وكن يعتقد اعتقادا جازما بالطابع العقلاني والمتماسك للكون، فالكون بالنسبة له كان عبارة عن آلة ضخمة تشبه الساعة من حيث دقتها، وكان يعتقد بان حركة الكون أو آلياته مسيرة من قبل قوانين رياضية، لا تعرف الخطأ، ولا المعجزات، ولا أي تدخل للقوى الغيبية، وكان يرى أيضا أن الاكتشاف التدريجي لهذه القوانين هو هدف العلم الذي يلتحق عن طريق العقل بالحكمة الإلهية المدبرة لجميع شؤون الكون، بهذا المعنى فان غاليليو هو الأخ الروحي لديكارت، انهما أستاذا الغرب بدون منازع لأنهما قدما له المنهجية العقلانية التي جعلته يتفوق على جميع شعوب الأرض..

بداية الصفحة

محمد مكية، شيخ المعماريين العراقيين لـ "الرياض":
.لديَّ ألف صورة وصورة لبغداد وأمنية واحدة لم تتحقق

فاطمة المحسن لندن:

* يبدو محمد مكية وهو معتكف زاويته الصغيرة في كاليري الكوفة، وكأنه من بقايا ذلك التاريخ البغدادي الذي أمحى أو كاد من ذاكرة الثقافة العراقية المهاجرة. وكاليري الكوفة الذي أسسه مكية في لندن العام 1986أنشط المراكز الثقافية العربية اليوم ويتميز بمعماره الإسلامي الذي أضفى على المكان دفئاً وحميمية: الشرفة والمشربيات التي تطل على الحوش العربي، والمستراحات الصغيرة في المداخل، زخارف الستائر الخشبية التي يخترقها النور على نحو أليف. نحاسيات الزينة التي تتوزعها الزوايا. كنز مكية التشكيلي الذي يحفظ أعمال الفنانين العرب والعراقيين على وجه التحديد منذ مرحلة الريادة إلى اليوم. مكتبة التراث التي يستعين بها الدارسون، وأرشيفه المعماري، وبينهما نظرة الشيخ الودود التي تشع أبوية وطيبة، كلها تذكر بالبيت العربي القديم الذي غادر موقعه ليحط على عش آخر، حاملاً معه زوادة المحبة والحنين لأزمنة العز والأصالة والترف.ولد مكية ببغداد في العام 1914ودرس العمارة في جامعة ليفربول في انكلترا وحصل على الدكتوراه من جامعة كمبردج لعام 1946م. عاد إلى العراق ليفتح مكتباً استشارياً كان يعد من أكبر المكاتب العربية، وحاز صاحبه على شهرة عالمية من خلال الأعمال التي تولاها وعبر المؤتمرات واللقاءات الدولية التي كانت تنظمها يونسكو وغيرها من الملتقيات العالمية. دعي مكية محاضراً في فن العمارة الإسلامي إلى جامعتي كاليفورنيا وهارفارد، في وقت استمر في تصميم مجموعة من الأعمال منذ خمسينيات القرن المنصرم، لعل أشهرها جامع الخلفاء ومصرف الرافدين في بغداد الستينات، ومسجد الدولة الكبير في الكويت، ومجمع المحاكم الشرعية في السعودية ومقر الجامعة العربية بتونس، ومقر المنظمة العربية للعلوم والثقافة في الكويت، والجامع والمركز الثقافي الإسلامي في روما، ودار الضيافة الخاص بالسلطان قابوس في مسقط... ومكية اليوم خبير المعمار الإسلامي في الأمم المتحدة وعضو المجلس الدولي للمواقع الاثارية.الحديث مع مكية، أشبه برحلة استكشاف في تاريخ المعمار العراقي الذي يعد من بين رواده، فلم تسبقه سوى مجموعة قليلة ماتركت الأثر الذي خلفه، فناناً ومعلماً لهذا الفن حيث انشأ فرع تدريس العمارة في كلية الهندسة جامعة بغداد نهاية الخمسينات ليصبح مركزاً تعليمياً مهماً يستقطب المحاضرين الأكفاء عالمياً والطلبة من أصحاب المواهب. وكان مكية قبلها قد أسس جمعية الفنانين العراقيين في 1955التي انتمى إليها جواد سليم وصحبه وتوجت جهود تلك الصحبة التي ربطت بين أجناس التشكيل الأخرى في مشاريع عمرانية مشتركة. وكانت نوع علاقة مكية مثل الكثير من المعماريين العراقيين، بالرسم والنحت أحد الأسباب في جعل فن العمارة أوثق صلة بالتيارات والاتجاهات الفنية والثقافية العراقية الأخرى في حركة استقطاباتها. ومكية وما بعده رفعة الجادرجي نزاعين إلى منهج يجمع العمارة بالثقافة عموماً، وطموحهم الأكبر يتطلع نحو صياغة نظرية معمارية يود كل واحد فيهم أن تنسب إليه، وهو طموح في أحيان، يتجاوز حجم ما مُفكر به عراقياً، وما يسمح به سقف الانجاز والمعرفة والتطور في العراق، ولعله كان أحد عيوب التداخل في المهمات الثقافية وترجيح المسعى الفكري على الممارسة المعمارية.حضارة الطين والمدرسة المعمارية العراقيةالسؤال الأول الموجه إلى مكية تركز حول امكانية الحديث عن مدرسة عراقية للفن المعماري، ما هي معالمها ومن هم ممثلوها؟ يجيب مكية: "هناك الكثير من الاجتهادات المعمارية التي بدأت في العراق مطلع القرن الماضي، فقد كان الاحتلال البريطاني فاتحة الاهتمام بالعمران الحديث، ومع أنه ارتبط بفكرة الهيمنة والاستغلال، غير أنه من جهة أخرى لم يجلب عسكره وجنده ومرتزقته فقط، بل المهتمين بالعمارة والآثار، أولئك الذين لديهم فكرة مسبقة عن الماضي العريق لبلاد ما بين النهرين بحضاراتها القديمة، وبما خلفته الدولة العباسية من بقايا ذلك الماضي، ممتزجاً مع خيالاتهم عن بلد ألف ليلة وليلة. ومن أولئك المعماريين الذين وفدوا مع جيش الاحتلال كان ارنولد ولسن قائد الجيش وهو معماري تأثر بسكرتيرته مس غرترود بيل الشخصية التاريخية المعروفة التي كانت آثارية ومهتمة بفن العمارة ولها مجموعة من الكتب بينها كتاب عن قصر الاخيضر، فضلاً عن جاكسن وكوبر وميسن وهم معماريون اسهموا في التخطيط والتصميم لبعض المعالم المعمارية في بغداد والأخير بينهم واقصد ميسن كان يقف وراء إرسال الدفعات الأولى من الطلبة العراقيين للدراسة في الخارج. بدأ أحمد مختار وسامي قيردار وحازم نامق وغيرهم أول خطوات المعمار العراقي بعد عودتهم إلى العراق أما الوجبة الثانية التي عادت من بريطانيا وامريكا فتألفت من مدحت علي مظلوم وجعفر علاوي وعبدالله احسان كامل ومحمد مكية، ثم تبعتها الموجات الجديدة، ولعل من أبرز المعماريين بينهم رفعة الجادرجي.كل هؤلاء اشتغلوا باجتهادات منوعة حول فن العمارة وكانت مرجعياتهم تتراوح بين الأصول المعمارية لحضارة وادي الرافدين ومقومات العمارة الإسلامية مع الأخذ من المدارس الحديثة في المعمار الغربي".الانتماء إلى البيئة والمكانليس من السهولة أن نقول إن العمارة العراقية الحديثة استطاعت تجاوز الفجوة بين عهود التراث المعماري القديمة والمرحلة المظلمة التي تحولت خلالها بغداد إلى قرية صغيرة تقطنها الأمية والأمراض والتخلف، كان علينا أن نعرف تلك الفجوة التي فصلت بين عهدين في فن المعمار الحديث والقديم منه، غير أن مكية ضمن اجابته لا يريد الجزم بهذه الفجوة بل يرى أن كلا في العهود نلمس قوة الاستمرار حتى ولو على نحو كامن وأقل فاعلية، مؤكداً على أن من المجدي قبل أن نتحدث عن خصوصية عراقية أن نفهم ما تعني العمارة نظرياً أو فن العمران، عندها نستطيع أن نحدد نوع الاختلاف. فهو يقول: "العمران هو قبل كل شيء انتماء إلى المكان أي البيئة والزمان. والواقع الجغرافي هو المسرح الطبيعي للبيئة، وهو بتصوري أهم من التاريخ، فالتاريخ تصنعه الجغرافيا والمعمار يحدد تضاريس بيئته. اخترت لدراستي حضارة البحر المتوسط لأننا نقع جنوبه في خط الاستواء الأفقي من أطلس العالم، خلفيتنا تحدها الصحراء والبوادي في حين تحدنا الجبال في الشمال والشرق. في العراق نجد وحدة المختلف على أبرز ما تظهر في تنوع المناخ والتضاريس بين الشمال والوسط والجنوب. ولكن هناك وحدة الوادي التي تتحقق عبر اعتماده على قنوات الري التي تشكل وشيجة لامتداده، كل المدن العراقية تقع على امتداد النهرين وترتبط ببعضها من خلال تكامل وجودها. هذا النوع من التضاد والتفاعل أثرا على نوع السلطة في الحضارات العراقية القديمة منذ السومريين والبابليين والآشوريين، فهناك مركزية لنوع هذا النظام وعقيدته، ليس اتخذت أبعاداً جديدة تختلف عن استخدام الخطوط والتزيين عند السومريين، وان كانت قريبة منها. بقيت المدرسة المعمارية تعتمد على تدرج في وظائف التنفيذ من العامل إلى الأسطى ثم الأستاذ. ولم يأت الفنان المعماري بجديد إلا في تقنياته وتطلعه إلى مزج المنجز الحداثوي الغربي مع التراث. والحق أن الأسطى في العهود السابقة كان يعيش بالبداهة مع التراث وهو يمارسه دون وعي، في حين أصبح التراث لاحقاً شبه مقحم في الكثير من تصميمات المعماريين وهنا تبرز علة فشله بتصوري ان المدرسة المعمارية العراقية الحديثة رغم مضي ما يقرب النصف قرن على انبثاقها، لم توجد بعد، وهي تشمل محاولات واجتهادات كثيرة ولكننا لا نستطيع أن ننسب إليها هوية مستقلة".يستطرد مكية في معرض نقده للمعمار الحديث مؤكداً أن فن العمارة في العراق فقد مدلوله الاجتماعي عندما أصبح فناً فردياً، يبغي المعماري فيه أن يحقق انجازاً يعود عليه بالمجد دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المكان واحتياجاته. تلاشي المدرسة المعمارية الاجتماعية كما يقول مكية، أحد أسباب فشل المعمار في العراق الحديث، ويؤكد أن الأسطى في السابق كلمة لها مدلول اجتماعي مهم، فهو لا يصمم فقط، بل ينفذ والتزاماته مبنية على الأعراف والتقاليد الاجتماعية وبين تلك الأعراف أن لا يبني بناية أعلى من جيرانه. أهم مفصل منهجي في العمارة هو الجمع بين الخاص والعام، فالخاص ينبغي أن لا يأتي على حساب العام، نحن نشاهد اليوم عمارة تجاور الجامع وتتطاول عليه، وهي في النهاية تشكل اختراقاً وتشويهاً لجماليات المكان. علو البنايات واصطفافها في شارع الرشيد مثلاً في بغداد رغم جمالها، تبدو منفرة، فهي تعكس ظاهرة جديدة في الإعلام المعماري والاستفادة النفعية لصاحب المشروع أكثر ما تأخذ بالاعتبار الحاجات الاجتماعية والضرورات الجمالية. الكثير من البنايات المعمارية الحديثة في العراق، كما يؤكد مكية، تدل على نوع من المدرسة المعمارية المنفتحة على المنفرد، والمنفرد هو بالتالي تجميع لمفردات جميلة ولكن تلك المفردة عاجزة عن تكوين هارموني التناغم والتكامل الذي يحدد هوية المدينة الحديثة، وهذه المشكلة ليست مقتصرة على العراق. مدينتا القدس ورام الله مثلاً تعانيان من مشكلة تنظيم الفضاءات الإنسانية، فليس هناك من ضوابط تفرق بين حقوق السيارة في وقوفها وتنظيم حركتها مع حركة المدينة. كل مدننا هي عبارة عن مبان مصطفة ومطلة على الشوارع. وتلك المباني تزاحم المناطق الأثرية وتقضي عليها. القدس الإسلامية مثلاً لم تخضع إلى عناية تقيها زحف البناء الفوضوي الذي يكاد يطمس معالمها الجميلة في حين تمت المحافظة على الاماكن الآثارية الأخرى في المدينة ذاتها.ويضيف مكية: "مشكلتنا مع الحداثة والمعمار الحديث أننا لا نعرف كيف نتعامل مع فضاء السماء كسقف يحل في المبنى إن كان بيتاً أو شارعاً أو ساحة، وبدل أن تكون لنا أبنية عالية، بل شاهقة كما هي الحال في مدينة مثل نيويورك علينا أن نفككها كي نزيل عنها طابع عنفوانها الذي لا يناسب طبيعتنا ومناخنا. تفكيك تلك البنايات يقضي على الكلاسيكية والجمود فيها. حاولت مثلاً التعامل مع البنك الإسلامي الذي بناه اليابانيون في جدة من خلال التداخل بين العمودي والأفقي كي لا أجعل منه بناية مثل أي بناية في سان فرانسيسكو أو غيرها من المدن الغربية، كذلك عملت مع فكرة بناء المحاكم في الرياض التي استوحيتها من البيئة ووضعتها على هيئة برج. علينا أولاً التعامل مع مفردات العمارة مثل الجدار والبوابة والضوء والفضاء المحيط بالبناية، بطريقة تختلف عن التعامل الغربي معها، وهي تتأثر بثلاثة عناصر: الانتماء إلى الانسان، والمكان، والزمان.والانتماء إلى الإنسان يعني القيم الاجتماعية والروابط والضوابط الروحية التي تجمع الناس حول فكرة العمران".ألف صورة وصورة لبغدادحلم عمران بغداد أو المدن العراقية يراود كل المعماريين العراقيين، ولعله الحلم الأكثر لوعة لمن غادر العراق اضطراراً، وكان مكية بينهم. ولمغادرة مكية قصة بدأت في العام 1978م حين وصله أمر بإخلاء داره ليستولي عليها عدنان خيرالله طلفاح. كان مكية قد بنى هذه الدار وفق مزاجه في الكرادة على دجلة حيث تلامس الدار مياه النهر بمنحدر حسب التصميم العباسي الذي بقي إلى عهود متأخرة متداولاً في المدن العراقية. ولم تنجح جهود مكية في الاحتفاظ بها، ولم يأخذ وزير الدفاع طلفاح بالاعتبار مكانة مكية العلمية والثقافية، فاستولى على الدار وطرده منها، فانهارت زوجته عصبياً من عملية السلب اللاحضارية التي مورست ضدهم، فهاجر مكية من العراق وقرر عدم العودة. غير أن الرئيس العراقي بعث بعد فترة له رسالة خاصة عبر السفارة في لندن يدعوه فيها للعودة إلى العراق ووضع تصميم لإعادة تعمير العاصمة، فكان مكية أضعف من أن يقاوم هذا الحلم الذي طالما راوده. وذهب بين مصدق ومكذب يسكنه هاجس الخوف، لم يمكث طويلاً فقد قرعت طبول الحرب مع ايران وأغلقت الحدود ومنع الناس من السفر، ففر مكية عبر الطريق البري مستعيناً برسالة صدام التي ضمن فيها له حق العودة متى يشاء، انطلت الحيلة على حرس الحدود ونجا مكية من الفخ.كل من يعرف مكية يخمن أن سبب قبول الدعوة تلك رغم المخاطر، هو ذلك الحلم الأمنية التي بقيت طرية إلى اليوم تقدح ذهنه بالبشائر كلما تقدم به العمر. ولكي يتخيل بغداد المسافرة في مخيلته دائماً، قام بتهيئة مسودات كتاب عن بغداد العمران ماضياً وحاضراً، يقول مكية عنه إنه يقوم على فكرة تجميع الصور والأفكار عنها، وعندما يتحدث مكية عن هذا الأمر تلمح تلك النظرة الطفولية التي تملؤه حماساً "تخطيط بغداد هي الفرصة التي لم تتوفر لي طول عمري، ربما لو قيض لي أن أصبح أمين عاصمة في عهد من العهود لقمت بتنفيذ هذا المشروع". كنت أقول لنفسي وأنا ألمح تلك الرغبة، ان أمانة العاصمة لم تسلم طوال سنوات زادت على الثلاثة عقود إلا إلى الأميين والجهلة، فكيف لمكية أن يفكر بهذا الأمر؟ بيد أن مكية مازال يحلم وفق ما تعز الأحلام البسيطة ليستطرد قائلاً: "حفظت هذه الأمنية في كتاب جمعت فيه تاريخ بغداد العمراني من خريطة بطليموس إلى الخرائط والصور والتخطيطات التي وضعها الجوابون ورسموها. لدي 100لوحة عن بغداد العصور السحيقة و 50إلى 60خريطة رسمها البلدانيون العرب. ولدي مجموعة صور الواسطي عن بغداد، ثم معالم المدينة في عشرينيات القرن المنصرم: صور لأسواق بغداد وجوامعها ومواقعها الآثارية ومقاهيها وخاناتها وبيوتها ومحلاتها وساحاتها ونهرها الجميل وسواقيها. ثم لدي تعريفات عن من هم البغداديون وكيف يسلكون ويعيشون. البيئة النهرية البغدادية كانت جزءاً من حياة الناس ومعيشتهم وكتابي المقبل يتحدث عنها أيضاً. هذا الكتاب التصويري هو مشروعي العزيز لأنني مازلت أعيش مع بغداد، وكلما تقدم بي العمر زاد تعلقي بذكريات محلتي القديمة التي عرفت باسم صبابيغ الآل، واسمها الأقدم المأمونية، فدار الخلافة اتي كانت داراً للمأمون تقع في هذا الجزء العزيز وإليها كانت تفد الوفود من كل أنحاء العالم. أهم جوامع الدولة في تلك المنطقة كما تحوي سوق الغزل وهو سوق لبيع وصياغة النسيج ومنه انحدر اسم محلتنا.صبابيغ الآل لم يبق منها إلا بعض معالم بعد أن زحف إليها العمران القبيح الذي خرب أجمل المنجزات المعمارية القديمة".يطول الحديث مع مكية ويتشعب بل بتشتت بعد أن يلوح تعب العمر على وجهه، ولن يجد استراحته إلا في العودة إلى الطفولة التي تكون أوضح ما تكون عندما يتقدم بنا الزمن فتختلط الأوقات وتتداخل مع الأمكنة التي تقف معلقة في ذهن من بَعُد به الوقت طويلاً عن وطنه.

بداية الصفحة

مسألة الشعرية في قصيدة النثر

د. عبدالملك مرتاض

* إني أوثر، مطلع هذه المقالة، استعمال مصطلح "الشعرية" المرتبط بالشعر، بدل مصطلح "الشاعرية" الذي قد يستعمله بعض النقاد العرب المعاصرين، ذلك بأن المصطلح الأخير مرتبط في الحقيقة بالشاعر لا بالشعر، فبينهما، حتماً فرق، وأما مصطلح "البويتيقا" الأجنبي، والمنصرف إلى "مجموعة المبادئ والقواعد العملية المتمحضة للشعر" فنجنح إلى أن نطلق عليه نحن "الشعريات"، على غرار "اللسانيات".والحق، أننا قد لا نعدم شعرية ما، في أي كتابة أدبية راقية، سواء اتمحّض الشأن للمقالة الأدبية، أم للوصف النثري، أم للسرد الأنيق.ولعل من بين المقومات الكبرى للشعرية المسألة الايقاعية.. ويبدو أن هذا الايقاع، بنوعيه الداخلي والخارجي، هو أعدى أعداء قصيدة النثر، وإن لم تبلغ العلاقة بين كتّاب هذا الشكل الأدبي والايقاع إلى درجة العداء، فإن العلاقة الايقاعية بينهما تتدنى إلى مستوى النثرية الفجة. وإذا كنا نُقر بأن الشعرية ليست هي تلك التي كانت تقع تحت التعريف النقدي القديم، لدى قدامة، وابن رشيق، والمرزوقي، وابن طباطبا وكثير ممن اشتغلوا على الشعرية من قدماء النقاد العرب؛ فإن ذلك لا يعني إهمال الإيقاع في كتابة قصيدة النثر إلى درجة الازدراء. ولعل انعدام الايقاع الداخلي في معظم الأطوار يعود أساساً إلى أن كثيراً ممن يكتبون هذا النثر الذي يدعي له أصحابه الشعرية، هم غير متضلعين في العربية فتراهم ينحتون من صخر بأظافرهم، من حيث كان يجب أن يغترفوا من نهر بأدلائهم.إننا نعتقد أن الايقاع ضعيف جداً في هذه الكتابة الموسومة ب"قصيدة النثر". وهنا تقع المشكلة المركزية في تصنيف هذه الكتابة. فإذا كان الشعر المعاصر تنازل عن استعمال الوزن الدقيق، أو العروض، أو قل: إذا كان النقد الجديد تنازل عن حقه في مطالبة الشعر باستعمال هذا الوزن، فلا أقل من أن الاتفاق غير المعلن وقع بين الشعر الجديد والنقد الجديد على ضرورة عدم التفريط في الإيقاع، فالإيقاع هو الذي حفظ ماء وجه الشعر، وجعل الناس يظلون مرتبطين به فلا يصطدم ذوقهم بما لم يألفوا من القول.. وهو أيضاً الذي حمل النقد على التغاضي عن بعض المعايير الصارمة في تحديد ماهية الشعر التي حُددت، على غير حق، منذ القديم، كما سلفت الإشارة، بمجرد الوزن والقافية، أو على أن الشعر هو كل كلام مقفى؛ وهو قصور جمالي باد في تحديد ماهيات الأشياء.وإذا كان الوزن والقافية لا يحددان ماهية الشعر، وإذا كانت قصيدة النثر لا وزن فيها ولا قافية، أليست، إذن، هي لمجرد ذلك، الشعر الحق؟ وواضح أن هذا السؤال ساخر، وان الشعر إذا لم يكن مجرد وزن وقافية، فإنه أيضاً لا يمكن أن يكون مجرد "قصيدة نثر"، فلعل الشعر أن يكون تصويراً عبقرياً للمعالج، بلغة غجرية وحشية (وأقصد بالوحشية هنا الجدة، لا الحوشية)، كأنها تُستعمل لأول مرة، وكأنها خالصة للشاعر الذي اصطنعها فلم يعرفها أحد قبله فهو أبوعُذرها، وكأن هذه اللغة، في الوقت ذاته، يعرفها، مع ذلك، جميع المثقفين، فهم يجدون أنفسهم وعواطفهم وهواجسهم في نسوجها. فهي مرآة لهم بمقدار ما هي مرآة للشاعر الذي ابتدع بها شعره.. وما عدا ذلك من الوزن والقافية، ومن مشكلة البحث عن ايجاد اسم لهذا المولود غير الشرعي، فمجرد فضول.السؤال السادس: قصيدة النثر، قديمة جديدة، منذ نصوص الكاهن الكنعاني إيلي ملكو، مروراً بالنفري ومحيي الدين بن عربي، وحتى آخر كاتب قصيدة نثر سنة .2001.فإذا اعترفنا بتعددية الأشكال في قصيدة النثر، فلماذا يبحث البعض عن قوانين صارمة لقصيدة النثر مرة؟ ولماذا يرى البعض أن الحرية في تطور قصيدة النثر غير محدودة، مرة أخرى؟وعلى أن من أصحاب قصيدة النثر من لا يرعوي في الذهاب إلى أن هذا الشكل من الكتابة أنواع متعددة، وهو الأمر الذي كان زعمه أنسي الحاج فصنف "قصيدة النثر" تصنيفات مفتعلة لا تقوم على تأسيس نظري صارم. وقد لخص الدكتور إبراهيم خليل رأي أنسي الحاج (المجلة الثقافية، ع42، عمان، 1997، ص151) فذهب إلى وجود أنواع لهذه القصيدة منها: "القصيدة الغائية، وهي ضرب من النثر الايقاعي الذي يهتم بضروب التحسين اللفظي كالتجنيس، والطباق، والمقابلة، وتوازن الألفاظ والتراكيب. والقصيدة التي تشبه الحكاية، وقصيدة النثر العادية التي بلا إيقاع، كالذي نجده في "نشيد الإنشاد"، وهو نثر غير شعري".والحق أن تقسيم أنسي الحاج، كما زعمنا من قبل، غيرُ مؤسس وما ينبغي له، ويفتقر إلى الصرامة النظرية لكي يستقيم، ذلك بأن هذه التصنيفات، أو هذه التقسيمات، بعضها ينصرف إلى الشكل، وبعضها ينصرف إلى غير الشكل، في حين أن بعضها الآخر ينتمي إلى التقسيم التقليدي للشعر من منظور المدرسة النقدية الكلاسيكية مثل مصطلح "القصيدة الغنائية". أما أن هناك قصيدة نثر تشبه الحكاية فهذا أمر ليس وقفاً عليها وحدها، فهناك عدد كبير من القصائد التقليدية نفسها تشتمل على حكاية ولا إثم عليها ولا حرج. وإذن، فأسلوب الحكاية لا يتعلق بالشكل بمقدار ما يتعلق بالإجراء، وحتى إذا تعلق على هون ما بهذا الشكل فقد رأينا أنه مشترك بين جميع الكتابات الشعرية الحديثة، فذلك إذن تأسيس، لا تأسيس.وأما أن القصيدة الغنائية المنتمية إلى الكتابة الشعرية النثرية، والمشتملة على المحسنات اللفظية "كالتجنيس، والطباق، والمقابلة، وتوازن الألفاظ والتراكيب" فهذه صفات يشترك فيها كل الكلام العربي في كثير من مظاهره، بل نجد هذه الخصائص البديعية تقع حتى للعوام في أحاديثهم اليومية كأن يقول قائل منهم "النهار والليل"، و"الصبح والمساء" (فمثل هذا القائل يصطنع هنا الطباق دون أن يدرك أنه يصطنع الطباق، مثله مثل شخصية من شخصيات موليير، وهو السيد جوردان الذي ظل طول عمره يتكلم النثر، وهو لا يدري أنه كان يتحدث النثر..) ونحن نعرف أن أخص الخصائص الفنية للقصيدة العباسية، خصوصاً لدى ابن المعتز وأبي تمام، تنهض على المحسنات اللفظية، وهذه الخاصية النسجية التي زعموا أن قصيدة النثر تنفرد بها فتصنفها، فنياً، في خانة خاصة نجدها قديمة في الأدب العربي وهي أشيع وأعم في المقامات وشعر عصور الانحطاط، وأما "قصيدة النثر العادية" التي لا إيقاع فيها، ولا شعرية، فليت شعري كيف يمكن أن نطلق على نثر رتيب سمج اطلاق الشعر ونحن لا نستحي؟ وهلا أطلقنا مصطلح الكيمياء، على الفيزياء، ومصطلح الفقه على الشعر؟!وأياً كان الأمر فنحن نسلّم لأنسي الحاج واصحابه هذا التصنيف الأخير الذي يعترف بالنثرية الفجة لما يكتبون.إن لكل جنس أدبي حداً أدنى من القواعد والأنظمة والمبادئ التي تحكمه فينطلق منها، ثم من بعد ذلك يقع التطور العام عبر اتجاهات مختلفة تعود في أصلها إلى المنطلق الغني المؤسس. فقصيدة النثر نحكم بشعريتها، أو بعدم شعريتها، انطلاقاً مما في أذهاننا من مرجعية شعرية مكرسة للقصيدة العمودية أساساً. فلا يزال الناشئة، والحمد لله، يحفظون شيئاً من الشعر لامرئ القيس، وجرير، والمتنبي، وابن زيدون، وشوقي، قبل أن يصطدموا بهذا الكلام الذي لا علاقة لشكله بما يحفظون. وليس بنبغي أن يفهم من هذا أننا لسنا مع تطور الفنون والأجناس الأدبية، ولكننا فقط نريد منطلقاً مؤسساً، ومؤسساً معاً، لهذا الفن. وقل: إننا نريد الحد الأدنى من ذلك التأسيس فتقع الاجابة عن جملة من المُساءلات المعرفية الضرورية مثل: لماذا لا يكتب الشعر أصحاب قصيدة النثر عمودياً أو تفعيلياً؟ وهل كان ذلك لأنهم يرفضون الأشكال القديمة، أم لأنهم لم يتمكنوا من قرض الشعر الكبير القائم على اتقان قواعد العروض، فالتمسوا السهولة والسطحية (وذلك على أساس أن قصيدة النثر لا تستدعي من صاحبها إلا أن يحمل قلماً وقرطاساً ثم يكتب كيفما شاء له هواه، ولو لم يكن من الكاتبين الذين يكتبون) فراحوا يركبون لغتهم تركيباً يشبه التركيبات الأعجمية؟ ثم هل لما يكتبون أسس نظرية يرتكزون عليها، ويستندون إليها، أم أن كلاً منهم يهيم في واديه وهو يزعم، أثناء ذلك للناس، أنه أديب يكتب أدباً جميلاً وهو به زعيم؟ وإذا كان للقصيدة العمودية أسس فنية ومدرسية تقوم على الوزن، والقافية، واللغة الأنيقة، والتصوير البديع للمتصور، ثم إذا كانت قصيدة التفعيلة تنهض على التفعيلة، والايقاع، والاحتفاظ بالشكل الجميل الأنيق للغة، والنسج البديع للأسلوب، فما الأسس التي تقوم عليها قصيدة النثر؟ وإذا كان أنسي الحاج يتعصب لكتاب قصيدة النثر فيزعم أن "الشاعر" فيها يجب أن يمارس ما يطلق عليه الجنون، و"التخريب" (لن، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، ص17) فإننا كنا وجدنا أبا تمام يمارس هذا الجنون في تشكيل القصيدة العربية إلى حد أن معاصريه قصروا عن فهمه، وقالوا له: "لم لا تقول ما يفهم؟". فأفحمهم حين أجابهم عاكساً تركيب السؤال: "ولم لا تفهمون ما يقال؟". لكن أبا تمام كان يدمر الشعر بالشعر، واللغة باللغة، وليس أنه كان يدمر الشعر الجيد بالشعر الرديء، والغلة الجميلة باللغة الركيكة. فهذا التخريب المدنس (ولا نحسبه مقدساً، ولا داعي لاصطناع اللغة الدينية في وصف هذا الشكل من الكتابة وأمّا نحن فقد اصطنعنا "المدنس" من باب التناص المليح معه، وليس من باب تقرير حُكم حقيقي لهذا الأمر) الذي يتحدث عنه أنسي الحاج، يقوض ولا يشيد، أو هو يشيد شيئاً على انقاض مهدمة هو أسوأ شأناً وأقل هوناً.السؤال السابع: مهما قيل حول "الهوية المفتوحة" لأي جنس أدبي فهو محدود بمواصفات وخصائص عامة تميز هوية هذا الجنس الأدبي عن ذاك. فالرواية غير القصيدة، والمسر يختلف عن قصيدة النثر.. ولا أعتقد أن جنساً أدبياً يوغل في الحرية إلى درجة فقدان الهوية. ولكن بعض كتاب قصيدة النثر إلى درجة هدم هويتها العامة؛ عندئذ ماذا يمكن أن تسمى؟ وما مستقبل قصيدة النثر لجهة حرية الشكل؟كنت أود لو أن السؤال عبّر "والمسرح يختلف عن القصة" أو ذكر أي جنس أدبي آخر مؤسس قائم الأركان عوض التعبير: "والمسرح يختلف عن قصيدة النثر".. وذلك على أساسين اثنين: أولهما أن قصيدة النثر لا تبرح تنشد هويتها في آفاق الأرض؛ فهي لما تتأسس فنياً. وآخرهما، وحتى على افتراض أن هذا الشكل من الكتابة ينتمي إلى الشعر حقاً، فهو جزء من الشعر. وحينئذ لا نعتقد أنه يستطيع أن يقوم جنساً أدبياً مستقلاً بذاته.ويكابد هذا الشكل من الكتابة الافتقار إلى الارتباط بالتقاليد الأدبية العربية المتمحضة للانشاد الشعري، فمن العسير انشاد هذا الشكل الأدبي في جمهور المستمعين أو الحاضرين على غرار القصيدة العربية العمودية والحرة معاً. وعلى الرغم من أن قصيدة النثر لا تبرح تنعى على الشعر العمودي منبريته وجماهيريته، ولكنها لم تلبث أن حاولت أن تقتحم مجاله فتخاطب المهور في المهرجانات الشعرية.. ولعل ببعض ذلك يقع كتاب هذا الشكل الذي يطلقون عليه شعراً فيما يعيبونه على الآخرين! فهم لا يزالون يُعنتون أنفسهم إعناتا شديداً للترويج لمنتوجهم الذي لا يكاد المتلقون في عامتهم على كل حال، يرتاحون له ويستنيمون إليه، ولذلك تراهم لا يفتؤون يُلقون كتاباتهم النثرية على مسامع الناس الذين لا يكادون يصفقون إلا للعموديات والتفعيليات.وأما مسألة اعتراف هذا الشكل من الكتابة من اللغة اليومية فذلك ديدن لم يصدر عن التقاليد الأدبية العربية، ولا كان تطوراً عربياً نابعاً من الذات العربية؛ بل وجدنا الشاعر الفرنسي فيرلان الذي قل أن يشار إليه حول هذه المسألة (ويقع الاقتصار في مألوف العادة على ذكر زميليه بودلير ورامبو وحدهما) كان أول، أو من أوائل من عمد في القرن التاسع عشر إلى استعمال اللغة غير الشعرية التي يشيع استعمالها في الشوارع والأسواق وفي الأحاديث اليومية العادية.. فلم يزد أولئك الذين يعتقدون أنهم يكتبون شعراً حقيقياً على تقليد بعض الشعراء الفرنسيين العابثين فقلدوهم.والحق أنه من العسير على كل شاعر يحترم نفسه أن يرتضي بلغة سوقية ركيكة مبتذلة ممزقة الأوصال، مبتورة الأواخي، يحشو بها أسطار كتابته؛ ولعل من أجل ذلك نجد "الحميّة الشعرية" تستيقظ لدى بعض شعراء النثر فتراهم يتخلون عن سوقية اللغة إلى لغة صوفية مثقلة بشيء من الشعرية.ونحن نفترض أن عدد هؤلاء الشعراء، أو هؤلاء الناثرين الشعراء، أو هؤلاء الشعراء الناثرين، هم في تزايد بحيث لا يكاد الحصر يأتي عليهم في زماننا هذا، لتوهمهم أن هذا الشيء الذي يقال له قصيدة النثر هو أيسر كتابة من كل من قصيدة التفعيلة، والقصيدة العمودية معاً، وذلك على أساس أنها ضرب من المقالة القصيرة المضببة اللغة التي تتيح لصاحبها التعبير عمّا في نفسه بشيء من الحرية الفنية كبير، ولكن الشعر الحق يجب أن يكون غير ما يكتبون.وبعد، وبغض الطرف عن الجانب الشكلي، والمظهر السطحي، لهذه الكتابة الجديدة التي لم تعد، في الحقيقة، جديدة، فإن الذي نود المطالبة به أن يكتب هؤلاء شعراً جميلاً مفعماً بالصور القشيبة، ومنسوجاً بلغة جميلة أنيقة، تتلاءم مع شعرية الشعر، وتبتعد عن نثرية النثر، دون أن نطالبهم، على وجه الضرورة، بالتزام الوزن والقافية، وإلا فليس من سبيل لهم إلا أن يكتبوا النثر فيستريحوا ويُريحوا.

بداية الصفحة

ليونة LENIENT (لينيانت)



* الكلمة من أصل لاتيني، جاءت عن كلمة LENIRE، ودخلت الى الإنجليزية في العام .1652.كما يقول عنها معجم الجذور "ويبستر".والملاحظ أن النطق مع المعنى العربي قريب جداً، والكلمة الإنجليزية صفة، وتعني الرقيق، اللين، المتساهل.

aalthukair@hotmail.com

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم


مواقع الرياض
جريدة الرياض
الرياض إكسبرس
الرياض@نت
دنيا الرياضة
الرياض الاقتصادي
الصحفي الإلكتروني
منتدى الكتّاب
دليل المواقع