اكتب لنا اكتشف مواقع الرياض عناوين الرياض اليوم الأرشيف بحث الرئيسية
Thursday 21 June 2001 No.12050 Year 37 الخميس 29 ربيع الأول 1422 العدد 12050 السنة 37
مواضيع الصفحة
رحلة العلامة من الصوت إلى الرمز (3/2)

مساءلات فكرية
فن السياسة وفن الخطاب


موقف المثقف من انتفاضة الأقصى

غيداء المنفى: عودة الشاعرة

التأويلية: مفتاح لفكّ ألغاز النص

حمد الجاسر والتحول باتجاه الخطاب المعرفي الحديث 2/2

الملابس الشعبية في جنوب المملكة خلال الفترة من 1200ـ 1351هـ

قراءة في كتاب "الرياض " "العمى والسيرة الذاتية"
ترجمة الدكتورة لمياء محمد صالح باعشن..


لأ.. لأ.. لأ.. آي.. آي.. آي

رحلة الشاعر

اللغة العربية وعلوم العصر

تفعيلاً لتوجيهات سمو ولي العهد
الجامعة الإلكترونية السعودية: حلم قابل للتحقق عبر بوابة المقرر الإلكتروني


"الرياض" تنشر القواعد المنظمة لها
وزارة المعارف تنشئ مكتبة مركزية لخدمة الباحثين والمتخصصين في التربية والتعليم


قلووز = قلاويز kilavuz

من خلال ما تبدعه يداها من مصنوعات وأزياء
المرأة في فيفا تتكيف مع الطبيعة الجبلية


رحلة العلامة من الصوت إلى الرمز (3/2)

د. محمد ربيع

رحلة رسم الأصوات الآتية:* ينطق الناس ألفاظ لغتهم بيسر وسهولة، منتقلين من نطق صوت إلى آخر ومن مقطع إلى غيره، دون أن يدركوا مقدار تأثر كل صوت منها بما يجاوره، قبله أو بعده، ومن غير أن يعوا مدى تشكل كل مقطع من الألفاظ تبعاً للمقاطع الأخرى فيه أو في الألفاظ الملاصقة له. إذ ينطقون مثلاً فيما يعرف في الدور الهجائي ب (النون)، غير متنبهين إلى أن المتكلم لا يمكن له بحال أن يأتي بهذا الحرف الممثل به في جميع الألفاظ المشتملة على النون بشكل واحد مطلقاً. بل صورة النون صوتياً في (نمر) تختلف اختلافاً جذرياً عنها في (يستنشق، عنبر، ينأى، ناظر، نداء، ينفجر، ينبر، نادي، من لا يدري، من رأى،.. إلخ). غير أن العقل (وهنا نتقاطع مع رحلة اللغة من العقل إلى اللسان) يعمد إلى معاملة صور النون كأنها سواء. وهذا الجزء من "الهجاء" الذي يدمج صور النون مثلاً في صورة واحدة هو الجزء المتحقق بالقوة لا بالفعل. أما المتحقق بالفعل صوتياً ويعجز الدور الهجائي عن نقله رسماً كما هو فيتمثل في صُوَر النون الكثيرة جداً، مظهرة ومقلبة ومخفاة ومدغمة، ومتأثرة بتفخيم الحركة أو ترقيقها التالي لها أو السابق عليها، وتكون درجة ترقيق الحركة أو تفخيمها خاضعة أيضاً للملاصق لها سبقاً أو لحاقاً، وهكذا. فإذاً ليس لدينا صوتياً نون حقيقية واحدة يمكن الاتفاق على صورتها ومن ثمَّ الاتفاق على رسمها، بل لدينا صور عديدة وتنوعات لها، كل منها في سياقه وفي مكانه من اللفظ.ومن أجل هذا التفصيل الذي تقدَّمَ فرَّق علماء اللسانيات اليوم بين (الفونيم phoneme) بوصفه الصورة (العقلية) للحرف عموماً في هيئته المطلقة غير المتحققة في الواقع، وهو ما يسمى ب (الحرف) كالنون مطلقاً والميم مطلقاً والباء، .. إلخ، وبين (الألوفون All phone) بوصف كل ألوفون تنوعاً واحداً من تنوعات الحرف لا يتحقق إلا في موضع محدد من كلمة ما معينة، وهو ما سمي قديماً عند بعض اللغويين العرب ب (الصوت) في مقابل (الحرف).والرسم الكتابي لا يمكن له بحال من الأحوال أن يفرد لكل (ألوفون) رمزاً خاصاً به. إذ من المحال أن يخصص لكل موقع تقع فيه النون مثلاً رمز خاص مخالف لنون أخرى في موقع آخر، فضلاً عن إمكان إدراك المتكلم الفرق الواضح بين كل تنوع وآخر. ولهذا لا تعترف الكتابة إلا برسم الفونيم (الحرف) فقط. فهي إذن لا ترسم ما ينطق فعلاً، بل ترسم الصورة العقلية المطلقة الجامعة لأسرة الفونيم بكاملها. وتخضع الكتابة في هذا الجانب لسيطرة قوة العقل الخفية في الجمع بين عدد من الصور الحادثة في هيئة صورة واحدة متخيلة غير واقعية. ومن المعلوم أن الرسم الإملائي العادي لا يسعف في تقديم الوصف العلمي الدقيق لأصوات اللغة، ولهذا تلجأ الكتابات العلمية التي تُعنى بتقديم وصف كامل مفصل لأصوات لغة ما إلى إملاء خاص باستعمال ما يعرف ب (الأبجدية الصوتية الدولية)؛ من أجل وصف كل ألوفون على حدة عن طريق تخصيص رمز خاص به.ويعجز الرسم الإملائي أيضاً عن تمثيل التنوعات الصوتية المصاحبة لأصوات اللفظ الرئيسة، كالنبر (Stress)، والتنغيم (Intonation) والترقيق والتفخيم، والتنوعات الصوتية اللهجية، والإمالة، والإشمام، والروم،.. إلخ. وقد تبذل الكتابة جهوداً مستميتة لسد هذا العجز، كاللجوء إلى علاقات الترقيم المبينة للوقف والاستفهام والتعجب ونحوها، غير أنها لا يمكن أن تنجح في ذلك بصورة نهائية. ولهذا السبب لم يكتف القراء في قبول القراءة الصحيحة بالقراءة من المصحف المكتوب، بل اشترطوا تلقي القراءة بالمشافهة؛ لعدم كفاية الرسم الكتابي مهما كان متقناً في نقل الهيئة الصوتية الكاملة للقراءة بمظاهرها المتنوعة المختلفة، مادام ذلك يتعلق بنص القرآن الكريم الذي ينبغي نقل تلاوته كما وردت وتليت صوتياً.لقد لحظ بعض علماء العربية أن الحرف الهجائي ليس هو صوتياً في مختلف المواضع التوزيعية التي يرد فيها مفرداً ومركباً، متقدماً حرفاً آخر معين أو متأخراً عنه، وإن كانت الصور جميعاً لا يمثلها غير رمز كتابي واحد. ومن نماذج النصوص الدالة على إدراك الظاهرة ما ذكره ابن جني من أحوال الحرف الساكن في كتابه (الخصائص)، وهو قوله: "الحرف الساكن ليست حاله إذا أدرجته إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليه؛ وذلك لأن من الحروف حروفاً إذا وقفت عليها لحقها صويت ما من بعدها، فإذا أدرجتها إلى ما بعدها ضُعف ذلك الصويتُ وتضاءل للحس، نحو قولك: (اح اص اث اف اخ اك) فإذا قلت: (يحرد ويصبر ويسلم ويثرد ويفتح ويخرج) خفي ذلك الصويتُ وقلَّ، وخفَّ ما كان له من الجرس عند الوقوف عليه". (58/1). ومنه على سبيل المثال أيضاً ما أورده هو أيضاً في شأن الفروق بين أنواع الحركات التي لا تشبه الصورة منها في موضع الصور الأخرى التي تتحقق في المواضع الأخرى المختلفة. (انظر 336/3 337).إن ما سبق عرضه من المظاهر الصوتية الكثيرة التي يعجز الرسم الكتابي عن تمثيلها فيغيّبها قسراً بالضرورة يعد جزءاً فقط إلى جانب أجزاء أخرى مما تفقده العلامة في رحلتها من النطق إلى الكتابة. ولابد هنا من الإشارة إلى أننا نلحظ كذلك إلى جانب فقد أجزاء مهمة من العلامة في هذه الرحلة شيئاً من تغيير وجه العلامة وتبديل صورتها عن طريق كتابتها. ذلك أن الكتابة شبه ثابتة عند مستوى اصطلاحي معيَّن لشكل العلامة، في حين أن العلامة التي يمثلها ذلك الرسم الاصطلاحي متحركة متطورة بتطور النطق في المراحل التعاقبية عبر الأزمنة وفي مختلف الأمكنة. فيكون الرمز الكتابي في حقيقة الأمر ممثلاً لحالة نطقية محددة في زمن محدد في مكان محدد (أي: لغة أو لهجة مفترضة لجماعة معينة في وقت ما)، ثم يتجاوز النطق الصوتي ذلك إلى حالة أخرى في مقابل ثبات الرسم على حاله، فيمثل الرسم عندئذ حال اللغة في عمومها لا لغة جماعة محددة. ولهذا السبب ظهر إلى الوجود في إملاء لغات الشعوب كلمات لا يطابق إملاؤها نقطها. وهي ظاهرة حتمية مادام أمر النطق إلى تطور، ومادام المتكلمون ينطقون المفردة بطرق أو لهجات متعددة. أما إذا حافظ المتكلمون في نطق المفردة على اتباع مستوى مشترك معين متفق على هيئته (كمستوى الفصحى في العربية مثلاً) فإن فجوة عدم المطابقة بين الرمز الكتابي وما يقابله من الصوت تقلُّ قليلاً، وإن كانت لا تمُحى كلياً.ومع أن العربية بصفة خاصة قد يبدو عليها أنها بالنسبة إلى غيرها من اللغات، كالانجليزية مثلاً، أقل درجة في المخالفة بين حروف المكتوب وأصوات المنطوق، مقارنة بالهجاء الغريب لكلمات انجليزية مثل (right, debt, laugh, psychology, rough. night) والذي يسمونه (الهجاء المجنون)، ومع أن العربية في الوقت نفسه بالمقابل تحتاج في أكثر من موضع من هجائها المتسع من أجل تحديد الطريقة القريبة من النطق المعين الصحيح إلى أن تُكتب بالحروف اللاتينية التي تُرسم بها الانجليزية وبعض اللغات الأخرى، فإنها في حقيقة الأمر في هذه السمة على وجه الخصوص تحديداً تؤكد حقيقتين أشرتُ إليهما في السطور السابقة، إحداهما: ثبات المكتوب وسكونه في مقابل تطور المنطوق وحركته، والأخرى: قدرة المكتوب على التخفي وإيهام القارئ بصحة تمثيل ما ترسمه اليد لهيئة ما ينطقه اللسان. وسيكشف إيضاح ارتباط هاتين الحقيقتين باللغة العربية ملامح ما نحن بصدده هنا.إن نظام الرسم الإملائي المتبع في العربية يقود القراء إلى جملة من الأوهام الخاصة به، بالإضافة إلى الأوهام التي تؤدي إليها الكتابة عموماً في جميع اللغات. فهو إلى جانب اشتراكه مع غيره من أنواع الرسم الإملائي لسائر اللغات في مسألة الاقتصار على رسم الحرف لا الصوت، فيعدُّ لذلك السبب مغيراً وجه اللغة، وإلى جانب القصور عن تمثيل النبر والتنغيم والوقف.. إلخ، والاستعانة بدلاً عن ذلك بعلامات الترقيم والفصل أو الوصل الخطي بين المفردات، ونحو ذلك من الإشارات غير الوافية، ينفرد إلى جانب ذلك كله ببعض الخصائص الموهمة. إذ إن الإملاء العربي كما هو معلوم يعتمد على رسم الحروف الصوامت (Consonants) المكونة للجذر، ويتجاهل الحركات (الصوائت Vowels)، القصيرة منها بصفة شبه دائمة، والطويلة أحياناً. (وسأبين لاحقاً أثر هذا النظام في تشكل التصور المعين عند علماء العربية لطبيعة صوت الحركة نفسه من حيث هو صوت يدخل في تكوين بنية اللفظ). وبما أن الصوائت هي أكثر الأصوات عرضة للتطور والتنوع اللهجي فإن استبعادها من الرسم يسهم في استيعاب الرسم الواحد لكثير من التنوعات، دون تأثير في شكل المرسوم. وقد أسهم بلا شك ثبات المرسوم على هيئة مستوعبة عدداً من التنوعات اللهجية مع ثبات النموذج الفصيح للكلمة (أي: بوحدة نطق الكلمة على هيئتها المعتاد على نطقها بها في الفصحى) في قيام القارئ بسد النقص الحاصل في الرسم الكتابي بما يختزنه في ذاكرته من النطق الفصيح الموحد. هذا في حين يظن أكثر قراء العربية أن ما يتحقق لهم من تعرف على الصورة المنطوقة بسهولة لما يقرؤون إنما هو من خلال مجرد رؤية الرمز الكتابي دون تدخل من أطراف أخرى، مع أن الأمر في حقيقته لم يكن على هذا القدر من السهولة إلا عن طريق اختزان نموذج موحد معتاد عليه في المستوى الصوتي المنطوق، متعارف على طرق انتقال النبر بين المقاطع واتصال أجزاء الكلمات بعضها ببعض وبأجزاء الكلمات الملاصقة لها أو انفصالها عنها. ولذلك يجد الكاتب صعوبة في كتابة النص العامي، ويجد قارئه قدراً مماثلاً من الصعوبة في التعرف على النطق العامي الصحيح في لهجة ما محددة لما يكتب، وربما احتاج القارئ والكاتب على السواء إلى رموز كتابية إضافية تعين على تقريب الصورتين الواحدة من الأخرى. وليس ذلك إلا بسبب غياب الصورة المسموعة الموحدة.قد تجد مثلاً كلمة على وزن لا يحتاج في الفصحى إلى ضبط بالشكل؛ لأن له في الأذهان صورة لا يشركه فيها غيره كوزن (مفعول) بفتح الفاء وسكون العين، ولكن بلهجة عامية محلية، فلا يُدرى كيف تُنطق حتى يضاف إليها من الحركات ما يوضح نطقاً ما أو نطقين أو أكثر لها. فنحو (محبوب) تُنطق في بعض اللهجات كالفصحى، وفي لهجات بالبدء بالساكن، وفي لهجات بالابتداء بما يشبه همزة الوصل، وفي لهجات توصل بنحو همزة الوصل إن هي التصقت بكلمة قبلها. ففي عبارة (الطفل محبوب) يمكن تقريب نطق بعض اللهجات برسمها (الطفل امءحَبوب) بتحريك اللام وتسكين الميم وفتح الحاء. مع الأخذ في الحسبان أن حركة اللام ليست فتحة خالصة ولا هي بالكسرة الخالصة. وهمزة الوصل يُستغرب رسمها في مثل هذا الموقع، ولكن لا يمكن تصور المنطوق بغيرها. وهكذا. وهذا يبين أهمية تأكيد صعوبة كتابة العاميات المحلية لفقدان شرط الاتفاق المسبق على الهيئة الموحدة للنموذج الصوتي تبعاً لتعدد النماذج واختلافها باختلاف الأقاليم. ويكشف من جهة ثانية أن ذلك نابع من أوجه النقص التي تحيط بالمستوى الكتابي في تمثيله للمستوى الصوتي، وأن سبب عدم الإحساس بأوجه النقص تلك فيما نقرؤه بالفصحى هو أن المسكوت عن رسمه في الفصحى مائل في العقول متصوَّرٌ في الأذهان.أما التباعد بين صورتي المنطوق والمكتوب في اللغات التي تعتد برسم الحركات الطويلة والقصيرة (الصوائت) فواضح أن الفروق اللهجية والتطورات النطقية التي تصيب الصوائت في المقام الأول هي المسؤولة عن سرعة المباعدة بين المستويين. هذا إلى بعض التطورات الطبيعية التي تصيب بعض الصوامت اختفاءً وظهوراً وتغييراً بسبب إتاحة الفرصة لتداخلات لهجية بصورة أسرع مما يحدث في العربية. يقابل ذلك وحدة في التمثيل الكتابي كما مرَّ.ولعل فعل وهم الكتابة المنوَّه عنه أعلاه، والغفلة عن إدراك حتمية خداع الكتابة وعدم وفائها بما يبدو ظاهرياً أنها تفي به، واستحالة مطابقة المنطوق للمكتوب مطلقاً، قد غاب أغلبه عن أذهان الداعين في أواسط القرن العشرين إلى إصلاح الكتابة العربية عن طريق إضافة رموز خاصة بالحركات في ضمن الرموز الرئيسة للفظ أسوة باللغات الأخرى. ذلك أن عدم إدراج الحركات القصيرة في ضمن رموز الكلمة في العربية، مع ماله من عيوب ظاهرة، يحقق لها ميزة تفتقدها اللغات المعتدة بإدراجها، هو قدرة الرسم الواحد على استيعاب تطور النطق دون تغيير، هذا إلى تمكُّن الكاتب من كتابة الكلمة دون حفظ هجائها المعين مثلما يحدث في الانجليزية. ويحقق هذا النظام الإملائي قدراً من الإيجاز والاقتصاد؛ إذ يمكن اللجوء إلى إثبات الحركات القصيرة فقط عند خوف اللبس وتركها عند أمنه. ثم إنه تبعاً لقيام العقل بحفظ نموذج معين للحرف (مكتوباً أو منطوقاً) في وضع ما وتعميمه له في الأوضاع الأخرى يستحيل أن تتفق صورة المكتوب مفرداً في موضع وموصولاً بغيره في موضع آخر في جميع الأحوال؛ فلذا لا يمكن القول بالمطابقة على إطلاقه حتى لو تطابقت الصورتان في أحد هذه المواضع. لو نظرنا إلى رسم الياء في كلمة (في) إذا قلت: (في بيتنا)، فإننا حتى على فرض مطابقة الرسم للياء المنطوقة قد نجدها في قولنا: (في البيت) لابد أن ترسم مع أنها لا تنطق (إذ يكون النطق بفاء مكسورة بعدها لام ساكنة، أي: فلءلَبيءت)؛ حيث لا يقبل العقل إلا تصوراً واحداً يعممه على جميع المواضع، فإن طابق في مرة خالف في أخرى. ولهذا يمكن أن نقول: إن ما نقرؤه في أحيان كثيرة إنما هو المختزن في العقل لا المكتوب في الورقة.ومن صور الحيل والخدع التي تميل الكتابة إلى إيقاعنا في شباكها دوماً وقد أوقعت في مثلها أسلافنا القدماء كما سيأتي تضليلنا أحياناً عن معرفة موقع الصوت الذي تمثله بالنسبة إلى غيره، أو تحجب في أحيان أخرى عن أعيننا الرؤية الكاملة والمعرفة الصحيحة لطبيعته وخصائصه. فإننا لو تأملنا نظام الرسم في العربية الذي يغفل رسم الحركة منفردة ويضعها فوق الحرف أو تحته لوجدناه في واقع الأمر مسؤولاً عن إيقاعنا جميعاً في قدر غير يسير من اضطراب الرؤية وضبابيتها فيما يخص المعرفة الحقة بترتيب الأصوات التي تشتمل عليها المفردة العربية، والوعي بطبيعة الصوت من حيث كونه أحد مكونات بنيتها. وسيأتي بيان ذلك في الحلقة المقبلة.

بداية الصفحة

مساءلات فكرية
فن السياسة وفن الخطاب

د. عبدالسلام المسدي

* مضى زمن كان وجيهاً فيه الجدل بين قائلين بأن اللغة ان هي إلا أداة للتفكير ثم أداة للتعبير وقائلين بأنها هي التفكير من حيث انها العقل إذ يفكر. مضى ذلك الزمن لأن نظرة ولو عجلى في مسيرة الفكر الإنساني منذ تجددت فلسفاته الحديثة ومنذ تعاقبت الرؤى التفسيرية أو التأويلية لعلاقة الإنسان بالكون الخارجي تطلعنا على سلك خفيّ لاحم مداره التسليم بأنه لاشيء يدرك إلا باللغة، ولاشيء يدر ك إلا من خلال اللغة، إذن: لاشيء يدرك خارج سلطة اللغة.ولكن الجديد الأجد هو أن تصريف المسألة بهذا الصوغ لم يعد أحد يحمله على أنه من فقاقيع نرجسية العلم اللغوي، ونكاد نجزم بعد طول استبصار وامتداد الأناة أن السبب الذي من أجله وبفضله زالت عن اللسانيات تهمة التسلط وجريرة الاستحواذ هو استسلام حقلين عملاقين لسلطتها: حقل العلوم الحاسوبية وحقل العلوم السياسية، رغم أن هذا التسليم قد تم إذعانا للاعتراف بسلطان الآلة اللغوية.. ولكن العقل العاقل لا يمكنه أن يقر لموضوع العلم بالسلطة ثم ينكر على علم الموضوع سلطته.. فالجميع على يقين اليوم بقوة سلاح اللغة، بل بجبروت توظيف الإنسان لها، وعلى يقين بتحكمها المطلق في التواصل والمعرفة، وليس بوسع الجميع إلا التسليم ولو على وجه المصادرة بسلطة العلم اللغوي الذي هو اللسانيات لأن موضوعه اللغة.إن اللغة هي نواة المركزية الجديدة للكون، وللظواهر التي في الكون، ولادراك الوجود المتعين في الكون، ولتفسير علاقة الإنسان بالوجود في الكون.. إنها مركز "الفعل" الذي يتحول فيه الإنسان من واقع الإدراك والتأمل إلى ساحة تغيير ما يتأمل فيه.فلم لا تكون اللغة بناءً على ذلك هي مركز السياسة؟إننا نطرح السؤال وفي مرامنا أن يكون سؤالاً انكارياً حسب مفهوم نحو المعاني بحيث يحمل جوابه في نصه، ومقصده في صيغته:إن اللغة هي مركز الفعل السياسي.وإن السياسة هي تتويج للفعل اللغوي.ولكن هل كل فعل لغوي هو الفعل السياسي الفاعل؟وهل مرمى السؤال هو اللغة المطلقة أم الكلام المتعين؟وهل القول هو على عموم دلالته بحيث يشمل كل مستويات الأداء أم هو على الخصوص يتحدد بتحويل القول السياسي إلى فن قولي؟ها نحن وجهاً لوجه وفي اللحظة الواحدة بحضرة ضيفين وافدين كأنهما بالأصل متعاجمان: فن السياسة وفن الكلام، هما: القول السياسي والقول الابداعي.. بل هما: صورة الفعل السياسي وصورة الفعل الأدبي.. ولمَ لا يكونان في مختبر الصناعة المعرفية والاحتراف اللساني علم السياسة وعلم الكلام.. فإن صح أن يكونا كذلك فليكونا علم السياسة من خلال علم الكلام وعلم الكلام من خلال علم السياسة.وأول ملمح يطالعنا هو أن الخطاب السياسي الراهن ما انفك يتزين بالصور اللغوية الوافدة إليه من جماليات الأدب وإلهامات الابداع.. إنه في وئام متدرج مستديم مع الصورة الفنية التي هي في مجال النثر السياسي قائمة مقام الصورة الشعرية في النثر الأدبي.في يوم من الأيام ( 3افريل 1993) كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون متجهاً من واشنطن نحو قمة فانكوفر ليلتقي بالرئىس الروسي بوريس يلتسين، وكان الغرض مساعدة روسيا على إعادة جدولة ديونها البالغة ثمانين مليار دولار، وكان الرئىس كلينتون متحمساً للمساعدة ولكنه كان يواجه في بلاده رأياً عاماً محترزاً جداً حيال الخيار الديمقراطي الذي أعلنه يلتسين.. نزل رئيس الولايات المتحدة في لندن لاستراحة فنية فأدلى بالتصريح التالي:"إن آلام روسيا ليست آلام ولادة الديمقراطية وإنما هي آلام احتضار الدكتاتورية".وإذا بنا أمام تصريح سياسي ارتدى ثوب النص الأدبي بكل حيثيات المجاز البلاغي، ومقومات النثر الفني، ومستلزمات الصورة الشعرية المتكاملة.. ولكن الخصوصية القصوى في هذا المقام الذي هو سياق الخطاب السياسي تتمثل في أن الوظيفة المنشودة ليست النشوة الأدبية، ولا هي الالتذاذ بشعرية القول، وإنما هي تجهيز الآليات الداعمة لإيصال الرسالة الدلالية، وذلك من خلال مستويين اثنين من التواصل: مستوى ما يتم التصريح به عبر الافضاء المتحقق، ومستوى ما يتم تضمينه، فهو لذلك يستنبط استنباطاً بواسطة القرائن المحتجبة وراء الصورة الشعرية.فإذا أردنا أن نستشف أبعاد الوظيفة التي يؤديها حضور الصورة الفنية في هذا الخطاب تعيّن علينا أن نقيس المسافة الأدائية بين صيغة هذا النص كما جاء في ثوبه "السياسي الأدبي" والصيغة التي كان من المفترض أن يرد عليها لو كان نصاً سياسياً ليس إلا، أي نصاً سياسياً عارياً من البعد الفني البلاغي، وليكن على سبيل الافتراض الاستنباطي كما يلي: "إنني أدعو الرأي العام الأمريكي إلى أن يثق بحسن نوايا بوريس يلتسين في ارساء قواعد الديمقراطية في روسيا".. أو ليكن: "لنثق جميعاً في مستقبل الديمقراطية في روسيا ولنترك لها الوقت الضروري لإدراك ذلك".أما الصيغة الواردة على لسان بيل كلينتون فإنها نص محبوك كأنه الحوليُّ المحكَّك.. ومن رام تحليل بنيته تحليلاً يستجيب للأعراف التي يقوم عليها شرح النصوص فسيلزمه استحضار الجهاز النقدي الذي أنتجته العلوم البلاغية من تشبيه واستعارة، ومجاز مرسل وغير مرسل، ومن كناية وتورية وتمثيل صورة بصورة.. إلى غير ذلك من عدّة نقدية محتشدة.. ولن نفعل شيئاً من هذا ولكننا نكتفي بابراز ما واءم بين الوظيفية الفنية والمقاصد السياسية:فالخطاب تبريري ينتصب فيه كلينتون مرافعاً عن روسيا في المصرح به، ومرافعاً عن يلتسين من وراء ذلك، ثم هو فيه يدافع عن نفسه حيال الرأي العام الأمريكي. ولتحقيق هذه الغاية المركبة توسل بالتصوير المولد للاشفاق والرحمة عن طريق لحظة الطلق عند المخاض ولحظة النزع عند إسلام الروح، ثم عهد إلى إقامة تصوير ثلاثي فيه صورة الواقع الروسي، وفيه صورة يوردها لينفي مشابهتها لها، ثم فيه الصورة التي يريد ارساخها في الذهن.. وكل ذلك يقوم على مخاتلة بلاغية بين النفي والاثبات لأن الصورتين الولادة والاختصار هما في هذا السياق شيء واحد بحكم أن إحداهما من لوازم الأخرى: لا تنبعث الديمقراطية إلا إذا ماتت الدكتاتورية، ولا يمكن أن تغيب الدكتاتورية إلا بقيام البديل الديمقراطية، فهما عنصران متلاغيان إذا حضر الواحد منهما كان قرينة يقينية على غياب الآخر.وليس شيء من ذلك بقائم مقام البذخ اللفظي أو الترف الشعري، فالسياق، والمقام، والمتحدث، والشعب المتحدث إليه، وكل العالم المنصت إلى رئىس الولايات المتحدة، واللقاء المرتقب في هلسنكي يومئذ، كل ذلك أرفع وأجل من أن يعمد بيل كلينتون إلى مغازلة اللغة أو العزف على مهارات المجاز.. وهنا نصل إلى مشارف الاستحداث: فالكلام يحمل رسالة، وهذا مسلم به، ولكن مفهوم "الرسالة" قد تغير هنا، فهناك الرسالة اللغوية التركيبية النحوية القاموسية، وهناك من ورائها "رسالة" أخرى قد تكون "رسائل" ولكنها استقرائية استنباطية في نفس الوقت.المعضلة هي أن هذه الرسائل المتضمنة ليست رسائل تأويلية على معنى إثارتها للخلاف، بل هي يقينية جازمة بحكم الأعراف السياسية، ولا تستدعي اجتهاداً كبيراً ولكننا نظل حيارى لو سألنا أنفسنا أين تكمن تلك الرسائل.. فمثال النص الذي بين أيدينا شديد الدلالة بالغ الافحام: الرئيس بيل كلينتون بتصريحه ذاك يوجه "رسالة" إلى بوريس يلتسين أىضاً يقول له "بها وفيها": عليك أن تنتبه إلى هذا الرهان، وعليك أن تنتبه إلى الضغوط الملقاة على كاهلي، فلا مناص لك من الوفاء بعهودك.ولكن النص يحمل "رسالة" أخرى أيضاً، وهي موجهة إلى الشعب الروسي ومؤسساته، ذلك أن أي حركة تخذل يلتسين يترتب عليها الزام روسيا بديونها وهي ثمانون مليار دولار، وعلى ذلك يترتب استنزاف اقتصادها، ثم مزيد من تعاسة كل الشعب الروسي".أين تكمن هذه الدلالات اليقينية بحسب الأعراف السياسية؟هو السؤال المؤجل.أما الجواب العاجل فيتصل بمأتاها: من أين جاءت؟ إنها متأتية من هذا الائتلاف الجديد بين القول السياسي والصورة الشعرية.. ويتصل أيضاً بصاحبها: فمن هو؟ فمنتهى كمال الآلية الوظيفية أن المتحدث وهو في سياقنا هذا الرئىس بيل كلينتون يقدم كلامه في سلالة تلقائية وبانسياب أدائي بحيث يترسب في قناعة كل المتلقين أنه هو صانعه، وأنه هو مرتجله في لحظة الافضاء به، مما يعني بأن توظيف "آليات التلقي" يستدعي الايهام بأن الخطاب من فيض اللحظة حتى يتم الالهاء عن استبصار الحقيقة التي هي بديهية من بديهيات الكون السياسي الجديد: فكل تصريح، وكل جملة، وكل كلمة، إنما هي من انتاج ورشة كاملة يأتلف حول مائدتها خبراء في الإعلام، وفي السياسة، وفي الاستراتيجية، وفي علم النفس وفي علم تركيب الخطاب من اللسانيين المهرة.الصورة الشعرية هي جسر الالهاء الطامس لمنافذ التوظيب المسبق والفاتح لكل منافذ الاختراق الذهني والنفسي في أعمق الأغوار، فبين الوعي بالأشياء وعدم الوعي بها تنفرج الزاوية وتتمطط المسافة فيتحول النص السياسي من سياق "الاخبار" إلى سياق الابداع، ويتحول قائله من متكلم حفظ النص الموجز عن ظهر قلب وألقاه بأداء يجانس الممثل المؤدي للدور الذي لقنوه إياه إلى خطيب مصقع على منبر الخطابة.. فكيف سرقت السياسة من الأدب الصورة الشعرية؟لعل السؤال يقدح شرارة الفضول فيتأسس بمشروعية متوازنة البحث عن موقع جديد من الاستكشاف تتصاقب فيه المعرفة النقدية والمعرفة اللسانية ولا يكون لا هو الأدب ولا هو الكلام التداولي، ولكنه يمثل الظاهرة الأدبية والظاهرة اللغوية إذ تلتقيان دون أن تغدو الوظيفة المعلنة صياغة نص إبداعي أو انجاز تخاطب أدائي.إنه مجال الخطاب السياسي في ثوبه الفاعل الجديد.. ولكن هل يتداول الناس لفظ "الخطاب" ومقاصدهم منه واحدة متوحدة؟

بداية الصفحة

موقف المثقف من انتفاضة الأقصى

كتب سعد الثقفي:

* مرت شهور عدة على بدء انتفاضة الاقصى، ومازالت الانتفاضة مستمرة كشوكة في نحر العدو سارق الارض العربية. والانتفاضة لو لم يكن لها حسنة سوى توحيد الشارع العربي كما يبدو في الوقت الراهن بعد حرب الخليج الثانية، فهي قد اتت ثمارها التي قامت من اجلها، لقد سارت المظاهرت المنددة على مستوى الشارع العربي متضامنة مع الانتفاضة المباركة، انتفاضة القدس الشريف، وهي التي قوضت حكومتين اسرائيليتين والبقية تأتي.وبالرغم من كل هذا، الا ان الدور كان منتظراً من المثقف العربي مازال غائباً، فهو بعيد كل البعد عن الاحداث وكأن الامر لا يعنيه شيئاً، فعلى مستوى الفنانين (المطربين) تسابق الفنانون في الغناء للقدس، لكن لم نسمع بأن احداً منهم قد تنقل بفرقته بين عواصم العالم ليشد الانظار لهذه الانتفاضة، ولم نسمع بأن احدا منهم قد خصص جزءاً من حفلاته لدعم الانتفاضة، فما فائدة الغناء بالافواه هل من اجل المال اذا والتكسب بالانتفاضة التي كثر المتكسبون بها؟ ونفس الحال ينطبق على قطاع انتاج المسلسلات والافلام السينمائية العربية، فلم نسمع بمخرج او بمنتج عربي قرر انتاج فيلم يدعم الانتفاضة الفلسطينية، فهل هناك خوف من مجهول تجاه القضية العربية الاولى، فلقد استغل الاعلام الاسرائيلي اليهودي الكاسح صورة احدى المصابات الاسرائيليات في احد الانفجارات ووصل بها الى حد توزيعها على مختلف وسائل الاعلام، ونحن في المقابل لم نفعل شيئاً تجاه ما يحدث من سيطرة الاعلام اليهودي على الرأي العام العالمي. ويبقى المثقف العربي بعيداً عن دوره كما ينبغي، ولو تساءل المثقفون العرب عن ماذا يصنعون تجاه الانتفاضة العربية الفلسطينية لوجهوا كثيراً من الاعمال بانتظارهم، فالقصيدة لم تعد تجدي فهي تنتمي لزمن التطريب والانشادية، وتعيدنا لزمن التباكي، لقد فقدنا الاندلس فرثاها ابو البقاء الرندي، وكلما فقدنا شيئاً عزيزاً علينا بكاه شاعر ونسينا الامر في كبسولة القصيدة وما ان ينتهي مفعولها (القصيدة الكبسولة) حتى يتكرم شاعر آخر فيسعفنا بقصيدة عصماء اخرى وهكذا ندمن لغة التباكي.انتقلت بتساؤلاتي للمثقفين العرب، وكم كان حزني عندما لم اطالع عبر بريدي الالكتروني الا لاجابات قليلة تعد على اصابع اليدين، ولكنها عندي مهمة جداً فهي خرجت من مثقفين اجابوا بصدق، ولم يجمعني بهم الا استشعار الدور المناط بالمثقف العربي الذي افتقده.حسن المصطفىدور المثقف بين الرؤية الملتزمة وإشكالات الواقع* ان مسألة علاقة المثقف بالحدث الحياتي اليومي بمستوياته المختلفة ترجع لطبيعة الرؤية والموقف الذي يتمثله المثقف، وما تملي عليه هذه الرؤية من فعل حركي على الساحة، سواء تمظهر هذا الفعل على هيئة موقف ابداعي او نضالي كلاسيكي. وفي كل الحالات تخضع هذه الرؤية لتراكمات حياتية ومعرفية تحكم ملامحها وتحدد وجهتها، كما انها تخضع لمعطيات الواقع وتأثيره المباشر على سلوكيات المثقف وافعاله وعلاقته بواقعه الانساني والمؤسساتي. من هنا فالمثقفون يتباينون في مواقفهم بسبب تباين الرؤية لدى كل واحد منهم، وعلاقة كل فرد منهم ببيئته ومجتمعه. كما انه لا يمكننا ان نفعل العوامل الخارجية الموضوعية والتي تجعل الرؤية تضيق او تتسع بحجم ما تسمح لها هذه الظروف، وعليه تتعدد المواقف والرؤى.ان المثقف العربي في هذا العصر يعيش هذه الاشكالية العميقة خاصة مع توالي الهزائم والخيبات، وبروز مقولة موت الادلجات، وتصاعد مقولات المثقف الليبرالي قبالة المثقف الملتزم بمعناها الكلاسيكي القديم. وعليه فأزمة المثقف هي ازمة مع ذاته وافكاره اولاً، وازمة مع الناس والمتلقين ثانياً، وازمة علاقة بالمؤسسات والفاعليات الاجتماعية ثالثاً. وفي خضم هذه الازمات والتردي العربي العام يأتي السؤال الجوهري وهو ما الذي يستطيع ان يقدمه المثقف العربي في خضم هذه المعطيات لقضاياه الكبرى ومن ضمنها القضية الفلسطينية والانتفاضة.انني اتصور ان صورة ادوارد سعيد وهو يرمي الحجر على الاسرائيليين عند بوابة فاطمة ابلغ تعبير على الموقف الرافض لكل حفلات التهريج التساومي على المسرح العربي. وان رفض مارسيل خليفة للمشاركة في المهرجان الموسيقي في استراليا احتجاجاً على مشاركة مغنية اسرائيلية لهو تعبير حي في موقف المبدع المعارض لكل ما هو تساومي. وغير ذلك من النماذج المتعددة لمواقف مبدعين ومثقفين عرب آخرين.ان الموقف لا يقتصر على النضال الكلاسيكي فقط وانما يتعداه للكلمة والقصة والشعر والرواية والمقطوعة الموسيقية والاغنية ذات الشرط الانساني واللوحة التشكيلية وكل اساليب الرفض والاحتجاج التي تعمل على تحصين الذات العربية ضد محاولات المسخ الدائم والتشويه المستمر.انني اتصور ان المثقف العربي قدم ويستطيع ان يقدم الكثير. لكن يدا واحدة فقط لا تصفق. وانما لابد من تظافر الجهود وخلق حالة اجتماعية عامة تعمل على اشاعة مناخ من التعددية والحرية تسمح للمثقف ان يقول كلمته دون مواربة. فالمثقف الذي يقبع حبيس ذاته وسط حب من التكلس الفكري والشلل الاجتماعي لا يستطيع ان يقدم لذاته شيئاً فضلاً على ان يقدم للآخر فعلاً متجاوزاً يمثل موقفاً او رؤية تبني لغد افضل وتندد بواقع بائس.عبدالله زائداستجابة المثقف العربي ليست على مستوى الحدث!* لقد كانت هناك استجابة من بعض المثقفين لكنها لم تكن بمستوى الاحداث.. والمشاهدات، ولم تكن بمستوى ذلك الالم والمعاناة.. لقد كان البؤس الانساني في صورة الطفل الفلسطيني بليغة جداً.. وكان الظلم والتجبر في اقسى اشكاله ماثلاً.. لقد اندلعت الانتفاضة مخلفة وراءها هالة من الحزن والمرارة.. عندما ضربت الاطفال والنساء فكانوا وقودها امام الالة العسكرية الاسرائيلية القاتلة.. ان تلك المشاهدات لابد وان تفضي لتحريك المشاعر وان تضرب على وتر النفوس الشفافة التي تشعر بفداحة الظلم والقسوة.. ولا شك انها ستخرج اعمالا تتحدث وتؤرخ وتسجل تلك المآسي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.. الا انه قد يحتاج الكاتب لامد.. او لبعض الوقت.. لكنني على ثقة تامة ان هناك ألما داخل كل القلوب.. ذلك الالم الذي سيحرك القلم ليسطر ابداعاً ادبياً متميزاً.. يحكي قصة ذلك الطفل الذي مات في الشارع الترابي بجانب منزله المتهالك العتيق اثر رصاصة في رأسه.. او ذاك الطفل المضرج بدمائه الذي يسأل عند استيقاظه من غيبوبته عن علم بلاده.. والاخر الذي يسأل متى سأخرج من المستشفى؟ لانه يريد العودة لقذف العدو بالحجارة.. فيشعر كل من هو حوله بالحزن لانه منذ لحظات قد فقد قدميه!!.. ان هذه المعاناة والمثل الرائعة ما هي الا تراث خالد.. وما هي الا قصص ستضاف لسجلات امتنا.. نرويها لاطفالنا واحفادنا.. ولن يسجلها الا اولئك المتميزون من مثقفينا.. الذين اوجعهم ألم المشاهدة.. وأرقهم جرح المواجة الدموي بين الطفل والمدرعة.. لذلك كله عندي امل كبير جداً.انني على ثقة او هكذا آمل: اننا سنشاهد كلمات مثقفينا تغمر الوجود بالابداع.. تسجل بالكلمة صورة اطفالنا وهم ينتشلون ما تبقى لنا من امل بالحياة الكريمة امام العدو عندي امل كبير جداً.محمد حسن علوانما الفرق بين المعركة والكتابة!!* قصائد الانتفاضة او ماشابهها علكة مملة نلوكها مع جرائد الصباح!ستون عاماً.. ولم نتغير!، المواطن العربي مازال اكثر المواطنين هموماً على الكرة الارضية. اخيراً فهم ان دواوينه كلها لن تفيده، ديوان الشعر، وديوان المقالة.. آن له ان يحرف هذا الديوان الى ميدان.. ويفهم ان الميادين هي المصنع الوحيد الذي ينتج امجاد الشعوب!.الفرق بين المعركة والكتابة.. ان الاولى تصنع المجد.. والثانية تصنع الوهم!!.لن نكتب كثيراً في هذا، لن نكرر انفسنا، فلن يعدو ما نكتبه عن ان يكون بكائية على المجد المندثر، او نداءات للشعوب الميتة، او صرخات هستيرية في وجوه الاعداء! كل هذا ينتهي ويموت مثلما ماتت آلاف القصائد، ويزداد اصفرارا مع تقادم الورق!.بصراحة.. صارت مدة صلاحية القصيدة محدودة بصدور العدد الجديد!.لهذا، مادمنا عاجزين عن ان ندواي جراحنا، فلنحترمها على الاقل.. ولنكف عن استجداء انفسنا بها! من هذا الاحمق الذي يستجدي نفسه!!، ان كان ثمة ما يعطي.. فلن يكون الا منا.. كيف نكون نحن السائل والمعطي في نفس الوقت!.مالك بن الريب باق فينا، كم من الشعر ضيعناه منذ قرن ونحن نرثي انفسنا.. ونكتب عن همومنا واوجاعنا، ونلوم كل شيء.. حتى الشمس التي تمنحنا صباحاً مجيداً وحدها دون ان نسري من اجله ليلة واحدة!، وحتى القمر الذي لا يمنحنا الا احلاماً وهمية مازالت منذ عقود تعشش في عقولنا العربية!.ايها السادة.. الاوراق اكثر هشاشة من ان ترمي بها عدوا، واقل نظافة من ان تضمد بها جرحاً، فلنحملها بعيداً عن ارض المعركة.. فليس للمعارك الا الفداء والدماء.. لا الصراخ المسعور من وراء الحدود!.سلوى ابراهيممن هو المثقف اولا؟* تسألني عن المثقف وما دوره في الانتفاضة المباركة التي يقوم بها اهلنا في الارض المحتلة! قبل ان تسألني يا عزيزي هذا السؤال اود ان تعرف لي ونعرف من هو المثقف اصلاً!.انا حتى هذه اللحظة لا اعرف من هو المثقف فكيف تريدني ان اعرف دوره الثقافي تجاه امته وقضاياها المصيرية. الانتفاضة عرت المثقف العربي ان كان هناك من مثقف عربي، فهو قد تقدم الصفوف في دعم الانتفاضة وقت ان كان الاعلام يطبل لذلك ويريده ولما خفت الاعلام لم نعد نسمع عن المثقف شيئاً. فهو يبحث عن البريق الاعلامي قبل كل شيء، ولذا لن نجد مثقفاً واحدا يعمل من اجل الهم الوطني بصدق. انني لست متطرفة في كلامي الذي قلت لكنها الحقيقة المرة التي اعرفها كما اعرف اسمي، المثقفون في الوطن العربي هم من اتقياء ومن المخلصين للسلطة في كل بلد عربي، لقد صنعتهم السلطة، فلا تتوقع منهم تحركاً مالم تباركه السلطة.وعلى مستوى آخر الانتفاضة ستستمر سواء بارك ذلك المثقف العربي ام لا، وسواء شارك في دعمها بقلمه الذي نضب حبره الآسن ام لا!اعطني مثقفاً يقف في وجه السلطة الموجهة ويحرك الشارع العربي، لقد اختفى هذا النوع من المثقفين يا سيدي ولم يعد هنالك سوى اشباح المثقفين. فهل نطارد الاشباح!!.محمد الجلالينحتاج لمثقف قيادي!!* يبقى دور المثقف العربي دوراً مهما وبارزاً ونعلق عليه امالا كبار، في هذه المرحلة بالذات من تأريخ الامة العربية الراهن. لقد ولدت الانتفاضة الفلسطينية لتذكي في همة المثقف العربي الروح التي افتقدها بعد انحسار التضامن المنشود في الشارع العربي، وها هي الانتفاضة تعيد لهذا الشارع توحده على المستوى الجماهيري الشعبي على الاقل لا على المستوى الرسمي. وكم كنت اتمنى لو كانت استجابة المثقف العربي لهذا التوحد الجديد على قدر الحدث، فالمثقف العربي ينقصه ابداع مواز لما يدور في الشارع العربي الآن، ومن كل اسف شغل المثقفون العرب انفسهم بالقضايا الهامشية التي ليس من ورائها طائل، نحن نحتاج الى رجل قيادي شبيه بالامام محمد عبده او بالافغاني، فهل يدرك المثقفون العرب حاجة الشارع العربي ام نحتاج كالعادة الى مستشرق يخبرنا بالقصور في دورنا الثقافي الراهن!!محمد السامرائيالمثقفون صنيعة السلطة وهم اهم ضحاياها* اولا انا لست مثقفاً، وثانياً لقد تعبنا من التنظير، ومن قال لك بأن هناك دوراً يصلح للمثقف العربي هذا الزمان غير دور الاطراء والمديح والتكسب ومسح جوخ الحكام، هؤلاء هم الغالبية العظمى من المثقفين العرب، في هذا الزمن الرديء، وفي ظل وجود الحكام المتسلطين الذين لا هم لهم سوى اذلال الشعب العربي وعلى رأس هذه القائمة صدام حسين الذي قرر دعم الانتفاضة بالتبرع لاسر الشهداء ونسي او تناسى ان صدام حسين (الروائي اخيرا) تعالت الرواية عن ترهات هذا الرجل!! هو المتسبب الرئيسي في ازمة العرب والشارع العربي منذ ثلاثة عقود من الزمن، فأي دور ترجوه لمثقفين يمجدون مثل هذا الحاكم. ان الثقافة العربية بريئة من هؤلاء.* ملاحظة: امتنع بعض المثقفين السعوديين عن المشاركة، وقال عواض العصيمي ساخراً ومتبرماً بأنه ليس من المثقفين في دلالة على اعتراضه على الوضع الراهن!!

بداية الصفحة

غيداء المنفى: عودة الشاعرة

د. عبدالله محمد الغذامي

* ما بين العامين 1400و 1402ه "19801982م" ظهرت غجرية الريف، أو غيداء المنفى، متخفية خلف هذين القناعين، وكان ظهورها الشعري لافتاً ومثيراً، غير أنها اختفت بعد ذلك، تاركة لأخيلتنا أن نتصور ما يمكن وما لا يمكن من التوقعات، هي صوت شعري متوهج ومحير، ولم يكن لنا عنها سوى ما تملكه الذاكرة والتأسف على طيف شعري مر خفيفا ثم راح. غير أن يوم الخميس الماضي كان لحظة للسؤال من جديد عن الشاعرة الطيف. بعد عشرين سنة من التوقف والصمت الذي لا يترك أثراً للجواب.لم يكن يخطر ببالي أن أجد ما وجدته في الخميس الماضي، وهو نشر قصيدة لغيداء المنفى تضمن إعلان العودة، أو إعلان الوجود، وأول ما خطر ظني هو أن في الأمر شيئاً غير ما في ظاهر النص، ربما تكون لعبة من نوع ما، ربما يكون النص قديماً، وجرى بعثه من مرقده، ولم أك لأحسم الأمر إلا بالعودة إلى الصديق الأستاذ سعد الحميدين الذي استقبل أسئلتي بعد دقائق من توزيع الجريدة، ليؤكد لي ظهور غيداء المنفى "غيداء الشعر والحيرة الشاعرة"، يؤكد صدق المعلومة، مثلما شاركني الفرح الذي صنعه لنا هذا النص المفاجأة، وعلمت من سعد أن الأمر يعود إلى شهر قبل نشر النص.وكم هو عجب أن تعود الشاعرة بالرمز نفسه وبالوهج الشعري ذاته، وكأنما هذا النص قد كتب في بداية الثمانينات، وقت بروز غجرية الريف "غيداء المنفى" ذلك البروز الأحجية، أحجية في تخفيه وفي توهجه معاً، وهي أحجية في عودتها المفاجئة أيضاً.ولقد مرت سنوات ظننا معها أن غيداء المنفى طيف ومضى، ولم يعد سوى ذكرى لطائف خفيف راح إلى مأواه الجميل في ذاكرة النص وخيال محبي ذلك الوهج العابر.غيداء المنفى أو غجرية الريف، هذا الاسم الرمز الذي بهرت في ظهورها مثلما بهرت في اختفائها وها هي تبهرنا اليوم في عودتها، وكأننا أمام لعبة متخيلة تشبه ما يقال في الموروثات عن مجنون ليلى وأنه اسم وهمي يتخفى وراءه أمير أموي لم يشأ أن يفضح حبه.كانت غيداء المنفى بضع قصائد تدور على أيدينا من يد ليد، ولن أنسى أن أشكر سعد الدوسري الذي صور لي نصوص غيداء والغجرية قبل خمس عشرة سنة، كانت هي المرجع لي في كل إحالاتي إليها فيما مضى من سنين.وكم هو أمر محير أن تقدم الناس شاعرة لا اسم لها ولا عنوان ولا تاريخ، إنما رمز فحسب. وحينما قدمت بعض نصوص لها إلى مؤسسة البابطين، جاءني سؤال من الأستاذ عبدالعزيز السريع يقول: هل أنت متأكد من وجود إنسانة بهذا الرمز، ثم أتبعه بسؤال آخر عما إذا كان الذي وراء الاسم رجلاً وليس امرأة، ثم تابعه بثالث عما إذا كانت سعودية أم لا.ولقد كان لدي من المعلومات ما يؤكد لي شخصيا أنها فتاة حقيقية وليست قناعا لأحد آخر. مع بعض معلومات عن اسم ومكان غير معلنين. وكان هذا يحمل التأكيد عن وجود حقيقي. ولكن: ماذا عنها أين هي ولماذا اختفت وما اسمها ومن أين هي...؟؟؟هذه الأسئلة الأخيرة ليست من عبدالعزيز السريع ولكنها من طلابنا في قسم اللغة العربية، الذين قرؤوا نصوصها وأثارت انتباههم ثم أثارت حيرتهم، فالذاكرة البشرية لا تتحرك إلا حسب قوانين التسمية الاعتبارية، ولا يكفي الترميز بل إن الترميز يثير الشكوك في الناس ويعجزون عن فك اللغز ويحتارون أكثر إذا أمعن الرمز في التخفي.لقد أمعنت غيداء في لعبتها الشعرية، ومارست التخفي، ولعبة التخفي هذه هي نص مصاحب لنصها الأصلي، يضفي عليه سحرا وهيبة ويغلفه بالأسئلة والدهشة.عودة غيداء هي عودة الطائر إلى التغريد بعد أن ظن الجميع أن الطير قد نسي نغمته، وكم هي مفاجأة أن تجد، بعد اليأس، أن طائرنا الذي أدهشنا بتغريده يوما مازال سليم الحنجرة وأنه قادر على صنع الألحان والمفاجآت.أرحب وابتهج بعودة غيداء. وكم هي حقيقي هذا النص المنشور في "الرياض" في تمثيله لها ولصوتها الشعري، حتى لكأنما قد كتبته غيداء قبل عشرين سنة وحفظته لتربك ذاكرتنا به حتى لنظن أنه أحد نصوصها القديمة، ونسيناه أو التبس علينا.إن كانت غيداء لم تتأثر بغيابها وظل مشتعلاً طوال سنين الصمت، كما يظهر من نصها المنشور، فهذا معناه أنها ما نسيت نفسها وما سمحت للزمن أن يحاصر حنجرتها وظلت تغرد في الصمت إلى أن قررت أن تعود لمن يفرح بها ويفرح بتغريدها، وأنا منهم. ولذا أقول لك يا غيداء عودي من منفاك المفرد وتعالي معنا في منفانا الكبير، لنسمع تغريدك مع تغريد الأصوات اليافعة الأخرى التي تتمنع على الصمت والخرس، وتصر على الافصاح والبوح. وشكرا لسعد الحيمدين على مفاجأته الرائعة وهو دائماً صاحب المفاجآت والخيال الجميل والخبر الشاعري المفرح، وعودة غيداء هي عندي أجمل أحداث الصيف كطلعة البرحية في سواقي النخيل. وصيف سعيد علينا وعلى المخيلة حينما تصدق في لعبة الدهشة والإثارة.

بداية الصفحة

التأويلية: مفتاح لفكّ ألغاز النص

د.عبدالملك مرتاض

* التأويل، التأويلية، التأولية، علم التأويل، الهرمينوطيقا... قد يقال كل هذا، وقد يكاد يكون المعنى واحداً فهو ليس يعني إلا النظرية العامة لتأويل النص. ذلك بأنه ليس من السهولة العثور، في تاريخ الفكر الإنساني، على اجراء فلسفي/ نقدي، جمالي معاً يمتد عمره في غابر الأزمان إلى خمسة وعشرين قرناً كإجراء التأويلية، فمنذ عهد سقراط، إلى عبدالله بن العباس أحد مؤسسي التأويلية الإسلامية (التفسير) (وقد ورد في الأثر الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له الله بأن يفقهه في الدين، ويعلمه التأويل...)، إلى دلتي، وهدجر، وقادامير، وبول، ريكور (وربما هيسيرل في بلورته لنظرية الظواهرية، حيث يزعم المفكر الفرنسي ريكو أن التأويلية لم تقطع قط علاقتها المزدوجة بظواهرية هيسيرل: لا من حيث المنطلق الذي منه تنطلق، ولا من حيث المكان الذي غادرته، (ينظر ريكور، "من النص إلى الفعل" (Du texte a l'action) مقدمة، باريس 1986م)، قبل أن يجيء الناقد الايطالي امبرتو إيكو فيتسامى بنظرية التأويلية الأدبية إلى أرقى مستوياتها من خلال كتابه العجيب: "حدود التأويلية" المترجم من الايطالية إلى الفرنسية، منذ بضع سنوات، تحت عنوان (Les limites de l'interprژtation): ظل هذا الإجراء هو الوسيلة الكبرى لتحليل النص وشرحه، وتعميق فهمه، وترشيد قراءته؛ وذلك على الرغم من أن التأويل يظل مجرد تأويل؛ أي أن النتائج التي يستنتجها في قراءته للنص ليست بالضرورة هي السليمة، بَلءَ الصحيحة.إنك أن تجد إجراء شديد التسلط، بالغ القدرة، لطيف الأدوات، بديع التحكم في كل النصوص التي تقع تحت سلطته يقرؤها، ويؤولها، ويستخلص منها النتائج، ويستخرج منها القيم الجمالية: لمما لا يكون إلا في التأويلية وحدها.والتأويلية (ونقترح أن يطلق هذا المصطلح، على هذا المفهوم، بصورة نهائية في اصطلاحات السيمائية العربية المعاصرة، عوض "الهرمينوطيقا" الآتي أصله من جذرين اثنين من الإغريقية العتيقة، فهو قبيح في النطق، وهو صادم للأذن العربية أيّما صدم) اجراءٌ فلسفي في أصله جيء به، منذ ازدهار الفلسفة اليونانية في القرون الثلاثة أو الاربعة مما قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، لفك الغاز نصوص النظريات الفلسفية المعقدة. ثم لم يلبث هذا الإجراء أن استُعين به على فهم النصوص الدينية المسيحية. فاتسعت ثقافة التأويل المتعلقة بنصوص التوراة لدى ربيي اليهود وقسيسي النصارى، فأمست حقلاً خصيباً للتقولات والتزيدات. فلما جاء الله بالإسلام ونزل القرآن الكريم على محمد عليه الصلاة والسلام وأقر مبدأين مركزيين في النص القرآني: المحكم والمشكل. فأماً المُحكم فيمكن لكل عالم متمكن من علوم الشريعة أن يفهمه فيشرحه أو يفسره على وجهه الظاهر، وأما المشكل فهو يحتاج إلى استعمال التأويل. والآيات المُشكلة في القرآن الكريم هي التي فجرت عبقريات العلماء المسلمين، في مختلف الفرق الإسلامية والمذاهب، فراحت كل فرقة تؤول بعض هذه الآيات المشكلة على ما تقتضيه المبادئ الإسلامية التي تقوم عليها الأسس الكبرى للفرقة التي ينتمي إليها هذا العالم أو ذاك العالم..وعلى أن هذه انزلاقة إلى علوم الدين التي اقتضاها الحديث عن المسألة التأويلية ليست من موضوع هذه المقالة؛ فلندع ذلك ولو إلى حين. ولكن من الظلم والجحود القفزُ على جهود المسلمين في علم التأويل، والتعلق مباشرة بالنظرية الغربية وحدها... (ينظر مقالنا: "التأويلية بين المقدس، والمدنَس، عالم الفكر، الكويت، 2000).وإذا كان بعض النقاد العرب المعاصرين عُني بالمسألة التأويلية يُوليها شيئاً كثيراً أوقليلاً من اهتمامه الإجرائي والمنهجي معاً في كتاباته النقدية (مع العلم أن عامة الكتابات العربية التأويلية المعاصرة لا تعير أي عناية لجهود العلماء المسلمين حول التأويلية من حيث هي اجراء لفهم النص)، وتحليل النصوص خصوصاً في ضوئها؛ فإننا نحن بدأنا نُعنى، في الحقيقة بقراءة النص بالاجراء التأويلي منذ زهاء خمسة عشر عاماً. وقد جاوزت الأعمال التحليلية التي تناولت نصوصاً أدبية، والتي لم نعدم الالتجاء فيها إلى الاجراء التأويلي لقراءتها في مستويات معينة يضاف إليها تحليل سورة الرحمن جاوزت العشرة.ولعل مما يمكن أن يلاحظ حول هذا العلم، أو قل: حول هذا الإجراء الذي يتخذ لفهم النصوص الكبيرة خصوصاً، أنه ينتمي إلى العلوم الإنسانية في تصنيفه، وهو ممتد في أساسه، كمعظم النظريات والمذاهب النقدية، من الفلسفة قبل أن يتبناه النقد الحداثي العالمي فيستظهر به في قراءته للنصوص الأدبية الكبرى، ولم يكن النقد العربي الجديد بدعاً من النقد دالعالمي فحاول أن يُقيد من هذا الاجراء ويستعين به في أعمال تحليلية لا تزال تظهر هنا وهناك من العواصم الثقافية العربية. وكل ذلك لمحاولة الافادة من جهود الفلاسفة في تأويل النص من أجل فهمه. فالغاية المتوخاة من استعمال الاجراء التأويلي لقراءة النص هي لفهمه أساساً.غير أننا لا نزال، نحن العرب، متخلفين عن الركب إلى حد بعيد، وأن التأويليين العرب هم من القلة بحيث لا يجاوزون أصابع اليد، كما هو من الضحالة النظرية بحيث لا نكاد نجد ناقداً عربياً واحداً ينظر لهذه المسألة في اطارها الفلسفي، قبل الانطلاق إلى الابداع بها، وفي اطارها، والاضافة إليهما من الوجهة المعرفية. فأين الكتب التي كُتبت حول هذا الموضوع باللغة العربية، في المشرق والمغرب؟ ولولا أن مجلة "الفكر العربي المعاصر" كانت خصصت أحد أعدادها للترجمات المتخصصة لهذه المسألة لأوشكنا أن نجد المجال فارغاً، والحقل فارغاً...والحق أن التأويلية اجراء أمسى من مكونات السيمائية المعاصرة، يمكن لكل الحقول الثقافية المعاصرة أن تستظهر به في قراءة النصوص المتعلقة بتخصصها؛ وقد يمكن الاستعانة بهذا الاجراء في قراءة الخطب السياسية للقادة التي كثيراً ما يجنحون فيها للتعمية واستعمال السمات الحاضرة الدالة على السمات الغائبة، وهم في حديثهم يُشكلون. فليست التأويلية خالصة، إذن للفلسفة وحدها، ولا للنصوص الدينية وحدها، ولكن يجب أن تقع الإفادة منها، كما أسلفنا القول، بالقياس إلى جميع الحققول المعرفية التي تصطنع النصوص في ثقافتها الجمالية.ويا حبذا لو وقع التفكير في اقامة ندوة عربية يُسهم فيها أساتذة الفلسفة، والنقاد العرب الكبار، من أجل إمكان الاسهام العربي في تأسيسات هذا العلم وتنظيراته بعد أن كان لأجدادنا فيه من الباع الطويل ما ملأوا به كتب التراث بآرائهم القائمة على علم التأويل وتسخيره وللاحتجاج لقضاياهم الفكرية التي كانوا عنها ينضحون.

بداية الصفحة

حمد الجاسر والتحول باتجاه الخطاب المعرفي الحديث 2/2

د. معجب الزهراني. عبدالملك مرتاض

* ابتدأ خطابنا الثقافي الحديث خطابا "أدبيا" ينتجه ويروج له ويعمل على تطويره وتكريسه مجموعة من "الأدباء" فالعواد والسباعي والأنصاري وحمزة شحاته وغيرهم من رواد ثقافتنا الحديثة كانوا يكتبون المقالة والقصيدة والقصة والرواية والمسرحية بهدف تحقيق الذات الفردية وتفعيل الأفكار الاصلاحية في المجتمع، كل ما كتبوه خلال فترة ما بين الحربين يكشف عن مدى انجذاب ذلك الجيل الى التعبيرات والصيغ والأشكال الأدبية لأن نموذج "الأديب" هو الأرقى آنذاك في هذا الفضاء وفيما حوله، لا أحد منهم كان يمارس الكتابة الا وفي ذهنه تصورات معينة لجبران والريحاني وطه حسين والعقاد والرافعي ومحمد حسين هيكل أو لسواهم من تلك الأسماء اللامعة التي كانت تمثل الطليعة الأدبية والاجتماعية على امتداد الوطن العربي.أشرنا أيضا في أكثر من مناسبة إلى تحول جدي آخر حدث ضمن سياق هذه السيرورة العامة ولازلت اعتبره البداية الفعلية الجادة لحكاية "الحداثة" في ثقافتنا الحديثة، أعني به التحول من "الشعرية" الى "النثرية"، أي من منولوجية القصيدة إلى حواريات الأشكال السردية التي جذبت حتى الشعراء اللامعين في تلك المرحلة كالعواد ومحمد حسن فقي وحمزة شحاته وحسين سرحان (ولازلت أحسب اننا نظلمهم اذ نختزل انتاجهم الغني في أشعارهم، وهو ما أساء فهمه وتأويله الجفري وامثاله حينها!).فالكتابة السردية الحديثة كانت تبدو لذلك الجيل أكثر قدرة على حمل ونقل منظومة كاملة من الأفكار الاصلاحية التحديثية المتمحورة حول مقولة "التقدم" المعبر عن الوعي بالتخلف وبامكانية، بل وبضرورة العمل على مجابهته وتجاوزه سواء تجلت آثاره في المجال الأدبي الخاص أو في المجالات الثقافية والاجتماعية العامة لم يكن أولئك الرواد مخطئين في تصوراتهم ولا مقصرين في بلورتها والتعبير عنها وفق امكاناتهم المتواضعة وضمن شروط تحولات تاريخية محلية وكونية سريعة ومربكة للجميع، ما يمكن أن نلاحظه اليوم وما ينبغي تحليله بجدية، يتعلق بالمبالغة في الطموحات التي هي من صميم منطق الخطاب الأدبي عموما، ولعل حمزة شحاته أول وأهم من عبر عن الانكسار المأساوي الذي تولد عن تلك المبالغة تحديدا، "قد يكون الأدب عظيما في ذاته كمنجز جمالي لكنه هش أو عاجز امام صخرة الواقع وعلاقاته" هذا ما عبر عنه حمزة شحاتة باقتضاب وعمق ومن ثم انسحب من المشهد كما هي عادة ابطال التراجيديات الكبار قديما وحديثا، هنا ربما يقال: ماعلاقة الجاسر بكل هذا؟ لنبادر اذن الى بيان تلك العلاقة التي لن تتبينها اي نظرة جزئية للأفراد وللمنجزات الفردية، لقد انتقل حمد الجاسر وغيره الى المدينة الحجازية للتعلم وبصيغة أدق: لمواصلة التعلم بعد أن تلقى على بعض "المشائخ" أسس القراءة والكتابة وبعض قواعد اللغة وأصول العلوم الشرعية وفي هذا الفضاء الثقافي الجديد بدأ وعيه الحديث، وعيه الاصلاحي تحديدا، يتشكل ويتبلور ليتطور لاحقا في مسار "مختلف" شقه الجاسر بنفسه كما سنرى، في البداية كان كغيره من المثقفين الشباب يعتقد أن "مجال الأدب" هو مجاله المنتظر ومن هنا كتب بعض القصائد التي سيدرك قبل غيره أنها من قبيل "النظم" الذي لا ينبغي لأمثاله أن يعول عليه، كان همه موجها الى فضاءات الطفولة والمركز الجديد للكيان الوطني الجديد حيث لا أثر يذكر للثقافة الحديثة، هكذا ما إن تمثل الأطروحة المركزية في الخطاب الاصلاحي الرائج بقوة في تلك الفضاءات المدينية حتى أدرك أن المسؤولية الكبرى التي تنتظره وأمثاله من "مثقفي الداخل" هي التأسيس المكين للبنى الادارية والتقنية التي لا غنى عنها لأي مشروع ثقافي جدي، من هنا نتفهم مبادرته الى تأسيس المطبعة والمجلة، الآلة والمنصة، ليدشن خطابا ثقافيا جديدا أريد له منذ البدء أن يتناسب مع حاجات الواقع دون الخضوع الكامل لشروطه الصعبة بما أنها تكاد تكون نابذة "لكل معرفة حديثة ولكل فكرحديث" لم يكن هناك مجال واسع للتوجهات الاصلاحية "الراديكالية" سواء تم التعبير عنها ادبيا أو فكريا ايديولوجيا، هذا فضلا عن كون الجاسر غير ميال بطبيعته الى مثل هذه التوجهات وهو الابن الوفي لبيئة محافظة لا تحتاج لشيء قدر حاجتها الى الاصلاح التدريجي، وعبر خطاب هادىء وموضوعي قدر الممكن، اننا ما إن نعود اليوم إلى الاعداد الأولى من مجلة "اليمامة" حتى نلمس أهم سمات الاختلاف المميزة لكتابة الجاسر ولمشروعه الثقافي بمجمله.فلغة الكتابة هنا لغة معرفية شفافة ودقيقة حتى لكأنها الارهاص الأول والأهم باللغة الاكاديمية التي ستنتشر بعد عقوده من تلك المغامرة الرائدة، اما الموضوعات التي تحرص عليها المجلة فتبدو وكأنها محددة سلفا من قبل الجاسر اذ يستكتب "باحثين" لديهم ما يقولونه حول فضاءات الداخل مجتمعا وثقافة وحبذا لو تمت صياغة القول المعرفي من وجهة نظر "الاعلاء" من شأن الانسان وعاداته وتقاليده وقيمه لا بقصد "الافتخار" بل بقصد عدم اثارة المزيد من القلق تجاه المشروع الوليد!.نعم لقد بدأ الخطاب الاصلاحي كله يتجه نحو "التراث" او "ثقافة الذات" العظيمة فيما مضى والمرشحة لعظمة اخرى في المستقبل، لأننا هنا أمام ظاهرة عامة في مجتمعات عربية مسلمة كان لابد أن تبحث نخبها عن صيغة للتوازن كيما تجنبها مخاطر الاستلاب أو الانغلاق.لكننا حينما نقارن بين هذه المجلة الجديدة ومجلة "المنهل" القديمة نسبياً آنذاك حتى ندرك أن هذا التوجه العام ليس واحدا هنا وهناك، فالمنهل ظلت باستمرار مجلة "أدب وأدباء" رغم ان صاحبها عبدالقدوس الانصاري من أوائل من غامر باتجاه الكتابة المعرفية الحديثة في مجال التاريخ والآثار واللغة. أما مجلة اليمامة فيغلب عليها البحث المعرفي مادة واسلوب كتابة مما يبيح لنا الحديث عن تلك "الاستراتيجية" التي دشنها الجاسر وظل وفياً طوال حياته المعرفية الحافلة بالانجاز. فلم تكن المجلة تكرارا أو تقليدا لغيرها بقدر ما كانت الارهاص الحقيقي بمجلة "العرب" مثلما كان صاحبهما الارهاص الحقيقي بذلك الباحث الأكاديمي الذي لن يعلن حضوره الا والجاسر علما بارزا في هذه الممارسة هو الذي لم ينل أية شهادة جامعية رسمية ولا شك أنه أكبر من كل "شهادة عليا" اليوم.نعم لقد نجح الجاسر في تحويل خطاب كامل من مجال "الأدب" الى مجال "المعرفة" مؤديا دوره التاريخي في تغيير شروط الثقافة والمعرفة بحيث يصبح لهما اعتبار وسلطة رمزية يعترف الجميع اليوم بمشروعيتها، ولو على سبيل الوجاهة. بعد هذا ما أغناه وأغنانا عن كل الألقاب وبالأخص إذ يتحول اللقب الى حجاب حاجز بيننا وبين أهم وأبقى ما في انجازاته.

بداية الصفحة

الملابس الشعبية في جنوب المملكة خلال الفترة من 1200ـ 1351هـ

تنومة سعيد الشهري:

* تختلف مظاهر وأشكال الملابس التقليدية من بلد لآخر حسب عادات ذلك المجتمع وتقاليده وحسب ظروفه البيئية التي يعيش فيها ولو تتبعنا الملابس الشعبية التي كانت تلبس في جنوب المملكة العربية السعودية قديماً ولا سيما قبل توحيد المملكة لوجدنا أن هناك تبايناً في نوع هذه الملابس من قرية لأخرى خصوصاً بين سكان المناطق الجبلية (الحجازية) الباردة معظم أيام السنة، وبين سكان تهامة والسواحل الغربية الحارة معظم أيام السنة، وقد أشار إلى هذا التباين الباحث السعودي الدكتور عبدالله أبوداهش في كتابه "الحياة الفكرية، والأدبية في جنوب المملكة العربية السعودية" وذلك خلال الفترة من 1200ه 1351ه حيث قال: ويرتبط اللباس في هامة وعسير بما تمليه الظروف البيئية والاجتماعية من مناخ وعادات مختلفة إذ تلبس المرأة في عسير ثياباً ذات نققوش وألوان زاهية كما أن النساء المشتغلات بالزراعة في عسير يضعن على رؤوسهن قبعات من خوص الدوم تعرف بالهطفة أو الطفشة. وكان الرجال في عسير يلبسون ثياباً عادية ذات ألوان بيضاء تعرف بالمقاطع. أما تهامة فكان الناس في المخلاف السليماني يلبسون مآزر من الخام يضيف إليها المسنون منهم صداراً من "البفتة" أو "الدبيت" الأسود، كما يغطي الشيوخ رؤوسهم بقبعات من الخيزران تلف بعمامة سوداء تعرف بالمصر، غير أن سكان المدن يلبسون المآزر الحوكي وصداراً من "البفتة" البيضاء كما يلبس الأغنياء ورؤساء القبائل ثياباً طويلة تكتنفها مآزر من "البفتة" ويضعون على رؤوسهم العمائم، وفي محايل عسير يلبس الرجال الصدار والطمرة والوزرة وعلى رؤوسهم يضعون قبعات من الخيزران، وتلبس نساؤهم الوزرة والقميص بينما يغطين رؤوسهن بخمر تعرف بالمقالم، كما أن الرجال في درب بني شعبة يلبسون الوزرة والصدار ذا الأكمام، ونساؤهم يرتدين ثياباً لا أكمام لها، ولكنها واسعة الأردان ومصبوغة بالنيل. وقد كان الرجال في أبي عريش بالمخلاف السليماني 1252ه يكتسون "بفوط" يضيف إليها الأغنياء منهم قمصاناً من الشاش بعد دهن أجسامهم بالسمن والزيت، بينما كان لباس نسائهم قمصاناً مشقوقة الأكمام. وفي جبل تريان بتهامة كان الرجال يلبسون الجلد بعد دبغه وتفصيله، كما ينتعلون الشعر وخوص النخيل.ومما يتسم به اللباس في تهامة ذلك المظهر المميز فيما يلبسونه من صدر تفننت الأيدي والأذواق في تنميقها، ثم تلك المآزر الصغيرة التي تصل في الغالب إلى أسفل الركبة، وكذلك الأحزمة التي تشد بها خواصرهم ويتمنطق بها الرجال منهم والمعروفة بالجنبية، كما يتسم الرجال من أصل تهامة بتركهم رؤوسهم حاسرة، وقد اسدل شعرها على مناكبهم في تنظيم رائع جميل حيث لفت بعصابة نقشت بالعفضة وأقيمت حولها الأزهار والرياحين.ولقد كان للنساء أردية يضعنها على ظهورهن تعرف بالمزر أو المزار ويقل عنها حجماً أنواع أخرى من الأردية كالنطع والمقصر التي تعرف في بني شهر بالقباء، ومن الأحزمة عند النساء التسعة والسبتة والحكفة، وكان لأهالي عسير قبل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري يلبسون الجلد بعد دبغه وتنعيمه ثم تفصيله على هيئة قمصان تعرف بالرهط. وكان الرجال يرتدون كذلك الشملة التي اشتهر أهل غامد بها، وقد اعتاد الناس وخاصة أهل تهامة أن يحتبوا في جلستهم وأن يخضبوا بالحناء أكفهم وأرجلهم وذلك من أجل الزينة واتقاء الحر.

بداية الصفحة

قراءة في كتاب "الرياض " "العمى والسيرة الذاتية"
ترجمة الدكتورة لمياء محمد صالح باعشن..

د. محمود شاكر سعيد *

* ضمن سلسلة "كتاب الرياض" صدر الكتاب رقم 90عن مؤسسة اليمامة الصحفية تحت عنوان: "العمى والسيرة الذاتية" تأليف فدوى مالطي دوغلاس، وترجمة الدكتورة لمياء محمد صالح باعشن.والكتاب دراسة أكاديمية متميزة عن كتاب "الأيام" لطه حسين، إذ ألقت مؤلفة الكتاب الضوء على "فقد البصر" وعلاقته بفاقد البصر، وأثره فيه من ناحية، وعلاقة فاقد البصر بمجتمعه من ناحية أخرى من خلال أحداث انتقائية من "السيرة الذاتية" لطه حسين في كتابه الأيام.وقد استطاعت الكاتبة أن تقف عند "خفايا نفسية" طه حسين من خلال تحليل بعض مواقفه في "الأيام" ومن خلال قراءة ما بين السطور أو ما خلف السطور في كتاب الأيام.وهذه القدوة المتميزة في التحليل وتفسير الأحداث والمواقف تذكرني بقول عيسى الناعوري (الكاتب الأردني المعروف، وصاحب كتاب أدب المهجر) للباحثة التي قدمت دراسة عن أدبه في رسالة ماجستير قدمتها لاحدى الجامعات الفرنسية، واستنتجت فيها بعض الأحكام عن حياة الأديب من خلال أدبه: "لقد فسرت في حياتي أمورا لم أتمكن من تفسيرها من قبل، وكشفت لي عن أمور لم أتمكن من اكتشافها في نفسي من قبل" وأضاف: "لقد عرفتني بنفسي". وقد استطاعت فدوى مالطي في كتابها "العمى والسيرة الذاتية" تحليل كثير من المواقف في حياة طه حسين، والحكم عليها، واستنتاج مدلولاتها بصورة موفقة الى حد كبير.ولم تقف الكاتبة عند تحليل شخصية طه حسين من خلال كتاب الأيام؛ بل تمكنت من خلاله من الحكم على "أخلاقيات" و"عادات" المجتمع الذي دارت فيه أحداث الأيام، ويبدو ذلك من خلال حديثها في الفصل الثالث عن "العمى في الشرق" و"العمى في الغرب" ومن خلال إيجاد وتفسير العلاقة بين شخصية طه حسين من جانب، وشخصية كل من أبي العلاء المعري (من الشرق) و أوديب (من الغرب).ولم يقف تحليل الكاتبة عند الحكم على "الأشخاص" من خلال تصرفاتهم في كتاب الأيام، بل تعدى ذلك إلى ما أسمته "الكتابة العمياء" من خلال انتباهها الى اعتماد الأعمى على الحواس غير البصرية في عملية تعرف الأشياء والأشخاص، مع تأكيدها أن "الكتابة العمياء هي اختيار حر لمؤلف يريد أن يحرك الإحساس بعالم العميان، وليس هناك أي سبب يمنع كتاب القصص المبصرين من استخدامها لتقديم راو أو بطل أعمى " (ص137). وأوضحت الكاتبة الفرق بين الكتابة العمياء والكتابة المبصرة عن طريق مثال جميل عندما قالت: يمكن التعبير عن الإحساس بدخول شخصية ما إلى الغرفة بثلاث طرق مختلفة: في الكتابة العمياء يمكن أن نقرأ: "سمعته يدخل الغرفة" بينما يخبرنا النص المبصر بالمقارنة: "رأيته يدخل الغرفة"... وهكذا فقد استطاعت الكاتبة أن تؤكد أن الكتابة العمياء تميل بطبيعتها إلى الإيحاء بوجود شخصية فاقدة البصر، بينما توحي الكتابة المبصرة بوجود شخصية قادرة على الرؤية. وقد استطاعت الدكتورة لمياء باعشن أن تترجم الكتاب إلى العربية ترجمة متميزة جاءت بأسلوب أدبي رفيع، بعيداً عن الترجمة الحرفية التي تفسد المعنى وتبهمه، وتحول دون فهمه في كثير من الأحيان، وبذلت في سبيل ابراز الكتاب بهذه الصورة جهداً واضحاً.وانطلاقاً من قول المتنبي:ولم أر في عيوب الناس عيباكعيب القادرين على التمامفإنني أسجل بالتقدير والإعجاب للدكتورة لمياء باعشن هذا الجهد المتميز في ترجمة الكتاب وإيصاله الى يد القارئ العربي من خلال منبر صحفي متميز هو "مؤسسة اليمامة" ومن خلال سلسلة "كتاب الرياض" ذات الانتشار الواسع، ولكنني أسجل الملحوظات التالية التي أرى أن مراعاتها كانت سترفع من قيمة الكتاب وتكمل تميزه، وهي:* لست أدري لم أهملت الدكتورة لمياء التعريف بالكاتبة الأصلية للكتاب التي كان من حقها، ومن حق القارئ أن يجد تعريفاً موجزاً لها كما وجد تعريفاً بالمترجمة.* ليس من المناسب أن يخلو كتاب كهذا من مقدمة بقلم المترجمة تلقي فيها الضوء على الكتاب وأهميته والجهود التي بذلت في ترجمته.. وليس من المناسب أن يكون العنوان على صفحة الغلاف "نبذة عن الكاتبة" والنبذة عن المترجمة!!* قامت الدكتورة لمياء بترجمة متن الكتاب ترجمة متميزة كما ذكرنا ولكنها أبقت الحواشي والهوامش بلغتها الأصلية، وكان من الأنسب ترجمة الحواشي والهوامش كما تمت ترجمة بقية الكتاب، إذ ان بعض القراء غير قادرين على قراءة تلك الحواشي بلغتها الأصلية..وهذا الأسلوب من الترجمة لم نعتد عليه في الكتب المترجمة في حدود علمي.* رغم أن الكتاب جاء في حوالي 230صفحة إلا أنه تم توزيعه على جزأين وعشرة فصول.وقد استمر ترتيب الفصول من الأول إلى العاشر ليشمل ذلك الترتيب الجزأين.والمعروف أن كل جزء يستقل بفصوله، فلا أدري ما الحكمة من هذا الأسلوب الذي سار عليه الكتاب في ترتيب أجزائه وفصوله.* وأخيراً فإن الكتاب لم تتم مراجعته بعد الطباعة إذ توالت فيه الأخطاء الطباعية التي تمثلت فيما يلي: رغم ندرة الخطأ في رسم همزة القطع في الكتاب؛ إلا أن أغلب همزات الوصل قد كتبت خطأ فيه. توالت الأخطاء النحوية؛ وبخاصة في استعمال الأسماء الستة والمثنى وجمع المذكر السالم، وجزم الفعل المضارع بحذف حرف العلة، وإعراب اسم الفعل الناسخ أو الحرف الناسخ إذا تأخر عن الخبر... معظم الكلمات التي تشتمل على همزة في وسط الكلمة أو آخرها كتبت خطأ في الكتاب. كتابة العدد بالحروف لم تكن صحيحة إلا نادراً.وأما الأخطاء الطباعية التي وصلت كلمتين منفصلتين أو حولت "أبو العلاء" إلى "أبو الغلاء" (ص191) أو "الأزهرية" إلى "الزهرية" (ص68) فهي كثيرة.ولعل أبرز هذه الأخطاء الطباعية أن مدينة "نابلي" قد تحولت إلى مدينة "نابلس" (ص64)؛ إذ يبدو أن الأوضاع المؤلمة في مدينة نابلس وغيرها من مدن فلسطين قد سيطرت على ذهن كاتب النص في الآونة الأخيرة؛ مما أدى إلى أن تقفز مدينة نابلس إلى ذهنه مكان مدينة نابلي.وفي الختام أؤكد أن في هذا الكتاب جهداً متميزاً من الكاتبة وجهداً رائعاً من المترجمة، وهو كتاب يستحق القراءة؛ لأنه يحقق للقارئ كثيراً من المتعة والفائدة. ويؤكد أن كتاب "الأيام" هو "قصة نجاح وانتصار" وان قراءته تؤكد ان كل المصاعب يمكن تخطيها بالعزيمة والإيمان، وأن "الإعاقة الجسدية" مهما كانت لا تقف عائقاً أمام تحقيق "الإنسان" لآماله وطموحاته.* رئيس قسم اللغة العربية بكلية المعلمين بأبها

بداية الصفحة

لأ.. لأ.. لأ.. آي.. آي.. آي

قصة: مصطفى عبدالجواد

* لست إنساناً سيئاً كما يزعم بعض الناس.. أبداً.. أبداً.. ولست إنساناً طيباً كما يزعم بعض الناس.. أبداً.. أبداً.. ولست شجاعاً أو جباناً.. عاقلاً أو مجنوناً.. صادقاً أو كاذباً.. خاذلاً أو مخذولاً.. أبداً.. أبداً.. أبداً.. إنما المسألة أكبر من ذلك بكثير بكثير.. بكثير.. بكثير.. وأبعد من ذلك أيضاً.. وأغرب.. أبعد من أن أشاهد من خلف عيني النوافذ والهياكل والأدمغة والياقات والطرقات.. وأغرب من أن اهتم بالأمور السياسية أو الفنية أو الرياضية أو نشرة الأخبار.. أبعد من أن أحافظ على حزام الأمان وأغرب من أن أحذر أقمار التجسس.. أبعد وأغرب.. وأغرب وأبعد.. بكثير.. بكثير.. بكثير.ويوم رأيت الرجلين اللذين عصبا عيني وربطا بدني حينما سطا على بيتي في الشتاء الماضي أثناء مد يد العون لهما أصابني خوف تليد.. وتذكرت في الحال ما آلت إليه القضية التي حفظت في ادراج الشرطة ضد مجهول.. وتذكرت وتذكرت وتذكرت.. ولم يكن أمامي أن لا أتذكر.. وأقدمت فيما بعد على الهروب ولكن نفسي.. أيوه نفسي وقفت لي بالمرصاد.. وقالت ان المجهول قد علم.. وإن كان علم لك وحدك ففي امكانك تتبعهما ومعرفة مكانهما والبوح بذلك لأدراج الشرطة.. وقالت: ربما على أية حال ستجد الخريطة التي رسمتها لعالم بلا حدود ضمن الأشياء التي زهدوا فيها.. أو ربما تزول الوصمة التي علقت بكرامتك وهما يتناولانك بالأرجل والأكف.. ويكيلان لك الاهانة تلو الإهانة لكشف ما غاب عن أعينهما وما احتجب عن طمعهما.. أو ربما تشرع هواجس تشتت لها ذهنك أن تضمحل.. ولغة من الانكسار راقت للسانك أن تصمت.. وصور كثيرة تتكرر باستمرار على مدار الأشهر السابقة طغت على الصور الواقعية فأكسبتها مرارة المأساة أن تكف.. تكف.. قد تتخلص من كل ذلك ناهيك عن نشوة الانتصار ونظرات الاطراء من هنا ومن هناك.. قد تصبح بطلاً.. بطلاً.. بطلاً حقيقياً.. سيخشى البشر الحط من شأنك.. وستخرص الألسن عن التحرش بك.. وتوقف العيون عن الخوض في رحابك.. وتكون بطلاً.. بطلاً.. لا لاجد عادي في الحياة.. وليس بالطبع مثل زيد وعمر وسعد وسعيد.. وكثيرون.. وكثيرون.. أسماء تتكرر بملامح مختلفة تظهر وتغيب دون أن تترك لها أي أثر في الأرض.. ماذا كنت تفعل لو غاب وجهك مثل كل الوجوه؟! هه.. هه.. وغاب شكلك.. إن الفرصة مواتية لك لكي تتميز.. لكي تسقط الحمل عن كاهلك.. لكي تصبح لاجئاً فوق العادة في الحياة.. الرؤوس خالية من الحكايات البطولية الحقيقية الحديثة.. وأزمة أجيال سابقة هي نفس أزمة جيلنا.. إنك جزء من هذه الأرض.. شئت أم أبيت.. عرفت أم لم تعرف.. جزء مستقل بذاتك.. لك لون طين الأرض.. لك تاريخ ودفاتر.. هيا.. هيا.. ستكون بطلاً.. بطلاً.. وستحيا بين الأحياء.. وستنتقل من مهزوم إلى منتصر.. عليك أن تراقب الغرباء.. تراقبهم فحسب.. تراقبهم ولو بنظرة مميتة.. لا تستدعي أحداً الآن من العالمين في أمور أكثر ضراوة أو أقل ضراوة.. وعليك أن لا تستجيب.. لا تستجيب.. لا تستجيب.. هيا.. هيا.. بقدميك الملتويتين.. وساقيك الملفوفتين بشعر غزير.. وكرشك البارز وصدرك الضامر.. ورأسك الكبير.. أشرع في مراقبتهما.. من المحتمل أن يسمحوا لنا بعمل ذلك "السيناريو" في مسلسل تلفزيوني طويل يشاهده الآباء والأبناء.. هيا.. هيا.. لقد حصلت اليوم على الكثير.. الكثير.. أيام كثيرة وشهور كنت تبحث عنهما بين الأزقة والخرائب وبين الظنون.. هاهما بشحمهما وجلدهما وفظاظتهما بين يديك.. نعم.. نعم.. بين يديك.. ونصب عينيك.. بأسلوبهما الساخر لايزالان يعاملان الرجال.. لا غرابة.. لا غرابة من ذلك إطلاقاً.. فمن قبل.. نعم.. نعم.. من قبل.. ساقاك على مرأى منك ومني حينما استفردا بنا بطريقة اسوأ من ذلك. وأكثر ما فعلناه أن توددنا لهما بطريقة منكسرة لم تجد منهما إلا الجحود.. وطوقاك بذراعيك.. وأقفلا فمك جيداً.. ثم أهالا فوق رأسك الضحكات والشتائم وأوسعاك ضرباً وعقاباً.. وبعد أن أخذا كل ما لديك.. ودعاك وداع ميت.. إلا انك لم تمت وظهر شخص غريب كان سببا في انقاذ حياتك لكنه بصمك على "شيك" هو ثمن حياتك عنده.. فقبلت لكي يفك أسرك.. كانت ليلة قاسية حقاً.. خسرت فيها ما ادخرته وما ستدخره.. بالاضافة انك خسرت شيئاً آخر عميقا كل العمق.. هيا.. هيا.. هذه الليلة سنستحوذ على كل ما ضيعناه.. ولتكن ثقتك بي أكبر من ثقتي بك.. وإن كنت أنا نفسك.. هيا.. هيا.. لتقتل الجبن بلا دية.. وتزرع في خرائبي الساحات الخضراء وتلقط مني كل مذلة.. هيا.. هيا.. لتصبح بطلاً.. بطلاً.. وتذكر.. آيوه.. تذكر.. بأنك لست إنساناً سيئاً كما يزعم بعض الناس.. أبداً.. أبداً.. ولست إنساناً طيباً كما يزعم بعض الناس.. أبداً.. أبداً.. ولست شجاعاً أو جباناً.. صادقاً أو كاذباً.. خاذلاً أو مخذولاً.. أبداً.. أبداً.. إنما أنت شخص.. نعم شخص.. شخص مستقل بذاته.. لا يشبهك أحد من العالمين.. ولا تشبه أحداً.. أنت هو أنت.. ما تورده إليك حواسك هو غير ما تورده حواس الآخرين إليهم.. لك مبصورك.. ومشمومك.. ومسمعوك.. وملموسك.. ولك تذونك.. ولهم أيضاً كل على حدة غير ذلك.. هيا.. هيا في ظل هذا النظام المتشكل له أكون عليك ان تسمح لأقدامك ببضع خطوات للأمام بعيداً عن الظلال والأعمدة والأشجار.. وبعيداً عن أي شيء.. لنحول الهزيمة إلى نصر.. سويعات قليلة من الحرية على لهب الشموع خير من قرون من العبودية وكي الضلوع.. هيا.. هيا لنتبعهما.. لنتبعهما.. اسقط الظلال التي تراها على الحوائط تتطاول وتنكمش وأجعل من بصرك دائرة من الضوء مسلطة على الرجلين لا يخرجان عنها.. ولا يغيبان عنها لكي لا تبقى في الأفواه كالدخان باحثا دائماً عن مأوى.. هيا.. هيا.. بدون وجل راقبهما وأخلف كل شيء في باطنك.. ودع الظاهرهدف.. وصك أذنك عن سماع ضحكاتهما وسخرياتهما.. سنلقيهما بعد قليل في البئر الذي نعده لهما.. آيوه لهما.. لهما.. هذه البوابة التي دخلا منها لا تدعها تخرج من عينيك.. انهما متسمران أمامها بمجرد أن يدخلا انطلق وراءهما.. ها انتظر، ثمة شخص قادم أسود كلون الليل.. انه هو.. هو نفسه الذي حل قيودك ليلتئذ.. آه.. كل شيء يتضح الآن.. يتضح الآن.. بعد أن أجهزا عليّ وسطا على كل ما معي وخرجا.. لم تكن صدفة ان يأتي لزيارتي تلك الليلة.. ولم يكن توقيعي على الشيك ليحل قيدي مجرد مزحة من صديق.. لا.. لا.. لقد كان كل شيء معدا جيداً لضحية.. انتظر.. انتظر.. ثمة أناس أُخر يطرقون الباب ويدخلون وراءهم.. ها هي الفرصة مواتية لك لتغيب بين أبدان البشر وتكتشف ما تحجبه الظلمة.. انتظر.. انتظر.. هناك اثنان لا.. لا.. بلا ثلاثة.. هيا وراءهم.. وراءهم.. وراءهم.. ينبغي ان تكون بطلاً.. بطلاً.. فرغت رؤوس الناس من الحكايات البطولية.. هيا.. هيا.. أقدم.. أقدم.. لا تخف.. أدخل... أرأيت.. أرأيت ان الظلمة لا تحجب كل شيء.. فها هو أمامك طابور طويل متهالك يقف في صمت وفي عجلة.. سنعرف الآن لا محالة سر الزحام.. ستتسرب لنا الأخبار من هنا ومن هناك وسنبصر عن كثب ما تنم عنه هذه الوخزة التي تحملها الأذرع وتغيب.. لا.. لا تخف.. لا تخف مما أتوا بعدك ولا ممن أتوا قبلك ولا من هؤلاء الظالمين الذين يحرسون الطابور ويزجرون الناس ويمنعونهم عن التفوه والتنفس.. سنعرف لا محالة كلما اقتربنا للأمام.. وستتضح لنا الرؤية أكثر.. آيوه أكثر.. وكأن الوجوه مخيفة.. وكأن الوجوه مرعبة.. وكأن كل المكان مفعم بالغياب.. حتى ان نفسي غابت وخلفتني وحيداً وجهاً لوجه أمام الرجلين.. فضحك العجوز وقال "شئت أم أبيت مد ذراعك.. وضحك الآخر الذي كان قد قيدني من قبل وقال وهو ينظر لوجهي بسخرية مذهلة ها أنت مرة أخرى في لقاء كله انبساط وشد ذراعي وضحك حتى لم يتبق في فمه قطرة ماء.. وارتشف وريدي من يده كل ما في الحقنة.. وببطء شديد خرجت من الطابور ومن الوعي.. وحلقت بالركب الزاحف نحو الركن الهادئ.. ورويداً.. رويداً سقطت كل الوجوه أمامي على الأرض وتعلقت الأبدان ببعض عظام..فاضت على مخيلتي صور كثيرة.. عذبة ومريرة.. أشعرتني بشعور ليس له في قاموسي اسم.. وإن شعرت بزهو وفخر.. وبهجة ويأس.. وجهل وعلم.. وخور وضعف.. إلا انه كان شعوراً اخر ليس له اسم.. ليس له اسم.. وفجأة حلقت نحو السقف.. وسقطت نحوالأرض وجرني صديقي القديم جراً نحو "السطل" فأفرغت من امعائي الصبر ونقمت على الخيانة والغدر.. وبقرف شديد.. شديد.. انتقلت من يد...!! إلى يد..!! حتى برزت من سائر ما في البيت فهرعت إلى هنا وهناك وهنالك.. وفي النهاية بين الناس على الرصيف احتميت.. وفي الضوء اختفيت.. وطلبت "واحد شاهي وواحد قهوة"!!! وطلبت "أرجيلتين"!!! وعلى غرار ما يفعله البشر غفلت عما علق بذهني وتناسيت.. آيوه تناسيت..نعم.. نعم.. نظف حذائي جيداً ولكن مهلاً ذاك هو الحذاء.. بدل لونه الأبيض بلون أحمر داكن.. وحاول أن تقص أربطته!!! فلدي موعد.. ولدي عمل سأقوم به يحتاج للتحرر من أي شيء.. أي شيء.. أي شيء.. آه رأسي.. ان رأسي تكاد تنفجر.. تنفجر.. نعم.. نعم تذكرت.. تذكرت الصغير والكبير.. والضوء والظلام.. والطاولة والطابور.. والأذرع والرقاب.. والجريمة والعقاب.. والثقب والوريد والدم الملطخ بالصديد!!! وجسارتي.. أيوه جسارتي.. جسارتي غير المعهودة!!! وبوابة البيت والناس ونفسي.. نفسي.. آيوه.. آيوه.. نفسي.. وأنا الذي اقول ظلمت نفسي.. ولذت بنفسي.. ولمت نفسي.. ومن غير نفسي الذي أوقعني؟! من غير نفسي الذي يهلكني؟! ومن غير نفسي جعلني بطلاً؟..، بطلاً.. آه رأسي.. ان رأسي تكاد تنفجر.. تنفجر.. نعم.. نعم.. تذكرت.. تذكرت صديقي الملوم.. والشاهي والشرطة والشرفة.. ولساني المتكبل.. وبكائي المتكبر.. وكرامتي.. آيوه.. آيوه كرامتي.. لو سمحت.. لو سمحت.. أين "السوستة"؟.. لأ.. لأ.. لأ أقصد أين مركز الشرطة؟.. في الشارع المقابل.. ها أنا رايح للشارع المقابل "أمشي على مهل".. امشي على مهل".. يا حضرة الطبيب.. يا يا يا حضرة الطبيب.. لأ.. لأ.. أقصد يا حضرة "الظابط".. إنني.. آيوه انني.. انني اكتشفت عصابة خطيرة في الشارع المعاكس.. وإنني.. آيوه إنني.. إن رأسي تكاد تنفجر.. تنفجر.. تسمح لي بقرص مخدر.. لأ.. لأ.. لأ.. أقصد قرص منبه.. لأ.. لأ.. لأ.. لأ.. أقصد أن الطابور.. لأ.. لأ.. الحقنة.. لأ.. لأ.. الرجل.. بل الرجلان لأ.. لأ.. لأ.. بل الثلاثة.. لأ.. لأ.. لأ.. بل نفسي.. لأ.. لأ بل رأسي.. لأ.. لأ.. بل.. بل.. لأ.. لأ.. آي.. آي.. آي.. آآآي..جدة صفر 1422ه

بداية الصفحة

رحلة الشاعر

معجب العدواني

* تظل الكتابة عند عبدالفتاح كليطو مغرقة في مداد التأويل الذي يتوسل به إلى الكشف عن المجاز والسعي إلى قاعدة تأويلية تكرس لنظرية تمتح من موروثنا العربي وترهن إليه، وهو بهذا يكسر ما عده إيكو قراءة حرفية للمجاز "نقرأ كثيراً من المجازات قراءة حرفية لأننا فقدنا مفتاحها التأويلي" أمبرتو إيكو: التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة سعيد بنكراد، ص(148).إن القراءة التي يجترحها كليطو هي تلك القراءة التي وحدت مفتاحها التأويلي إذ تستند إلى قواعد معرفية غربية تدفع بقراءة النصوص إلى اشراق تأويلي يبدو أثره البكر على المتلقي الأولي ويتراوح بتلك القراءة إلى تأسيس نظرية متماسكة في قراءة النص وتأويله.ظلت أعمال كليطو المكتوبة بالعربية التي تجاوزت ثمانية أعمال كان آخرها (أبو العلاء المعري أو متاهات القول الصادر) من دار توبقال للنشر 2000م تكرس لتوضع المؤلف حول التأويل، وهو ما يحيلنا إلى ما سبق أن رواه التأويلي الايطالي (إيكو) الذي كتب عن استغرابه الشديد حين سمع أستاذه في الجامعة يقول: إن الإنسان يعيش عمره كله يعالج موضوعاً واحداً أو يسعى إلى هدف واحد، ولكن إيكو نفسه لا يلبث أن يقر بما جاء في درس أستاذه بعد أن تجاوز خمسين سنة من عمره وهو أسير موضع/ موضوع واحد لا يكاد ينفك عنه في جميع أعماله الأدبية من رواية أو نقد أو نظرية، وكأن في افتتاحه ببيت لأبي العلاء المعري علاقة تفضي من المنطوق إلى المكتوب:فمالي لا أقول ولي لسان وقد نطق الزمان بلا لسانفي عرض مختلف يذكر كليطو في مقدمته علاقة ما ينتجه من دراسات تأويلية بالآخر حيث يطغى التخييل على ما يرد فعلاً عن الشخصية، هذا الأمر يثير سؤالاً مختلفاً؛ هل أصبح تأويل كليطو منتجاً للخيال على حساب الواقع. إن الخروج بمثل هذه المعادلة التي تفترضها مقدمة الكتاب يوازي ما أشار إليه بعد أن أورد كليطو نفسه حكايتين، ليكتب في خاتمة مقدمته حملة مقتضبة "وانتهى الأمر".هذه الحملة لا تنهي الأمر ولكنها تعيد فتحه من جديد، هل يمكننا أن نقول هنا: إن ما يروى يظل أهم وأبقى من التحليل ذاته، حين تتحقق المعادلة بإقامة ثنائية سردية تتوازى مع درسين في التأويل، وهما حول الجاحظ والمعري ثم تجتمع الثنائية التي بدأت من مصدر واحد هو عبدالفتاح كليطو إلى مرجع واحد وهو الآخر الغربي الذي يثير السؤال الواحد: هل كان الجاحظ والمعري في كلتا الدراستين شخصيات عاشت فعلاً أم هي نسيج من ابداع كليطو؟في المقدمة خمسة شخوص تتحرك بدءاً من كليطو وانتهاء بأستاذين أوربيين يحققان الغاية المعرفية، وتنتهي المنظومة عند شخصيتين من الموروث لأبي عثمان وأبي العلاء. اثنان هنا واثنان هناك بينما يقف المؤول هنا وهناك برؤية معمقة.في المقدمة أفقان للرؤية موروث وآخر غربي وأفق ثالث لصاحب الكتاب، الآفاق تتناسل فلمن ينتصر القارئ أم يعد ذاك ضرباً من المزيج المستحسن لاستصفاء رؤية أدق؟يمكننا أن نتمادى أكثر لتشييد صورة أخرى: فكليطو الذي كتب دراسة في التأويل عن الجاحظ وأخرى عن أبي العلاء المعري وصل إلى نتيجة واحدة في تلقي الآخر الأوروبي لهاتين الدراستين: إذ يروي كليطو عن وصول رسالة من أستاذ فرنسي يسأل فيها عن مؤلف البخلاء هل كان موجوداً بالفعل أم هو شخص من نسج الخيال؟ ، وبعد أن قدم كليطو دراسة عن المعري وهي التي وصفها في مقدمته ب(عرض متواضع) جاءه الروائي الألماني الذي أقيم المتلقى الثقافي من أجله ليسأل وهو شديد التردد: هل عاش المؤلف الذي تحدثت عنه فعلاً؟إذاً كان هذا التوازي العجيب الذي يختلقه فيما يكتب: 1 عبدالفتاح كليطو دراسة عن الجاحظ. 2 .................... دراسة عن المعري سؤال الآخر. 3 ................... العودة إلى التعريف.إن ما يقدمه كليطو حتى ولو كان درساً متواضعاً كما يدعي قادر بامتياز على تحويل الصورة المألوفة والسائدة لإنسان ما إلى صورة متخيلة تنتهك حبائل الواقع لتنسج منها خيوطاً للخيال، ما يجعلنا نضمن مشروع الأسئلة التي يشرع لها كليطو بسؤال اضافي: هل كان الأستاذان الأوروبيان (الباحث الفرنسي والروائي الألماني) موجودين فعلاً؟ذلك أن ما يطرحه كليطو يغري بنصية فعلية تستبعد عن تكوينها الشخصيات ذات البعد الواقعي السائد إلى شخصيات ورقية كما يشير بارت. هذه الشخصيات تنتج علاقة الأدبي بالغرابة أو الغريب وغير السائد.يقدم كليطو مأكولاً شهياً لقارئه مع مطلع كتابه الذي يضم عدة عناوين فرعية:الفستق منامات أبي العلاء جنون الشك ربان الحداثة بين الجهر والسر روايات الكلب الأعمى.آثر كليطو أن يعالج في كتابه القضايا السابقة من منظاره التأويلي الذي يجمع النصوص العربية التي تتقاطع في موضوع ما وذلك ما يحدث على سبيل المثال عند خوضه لموضوع الفستق بوصفه منتجاً لبلد شخصت أبصار الشعراء اللاحقين لأبي العلاء المعري إليها كما شخصت نصوصهم إلى نصه الإبداعي فعمر الخيام الذي نظم:فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعين ساحرة الأحورارلن يغيب عن باله قول المعري:خفف الوطء ما أظن أديم ال أرض إلا من هذه الأجسادموضع الفستق ليس هنا ولكنه هناك، في بلدة أبي العلاء المعري التي كانت تنتج نوعاً مميزاً من الفستق، ما يجعل الباحث يتفنن في ايجاد علاقة أخرى تنبثق عبر إحدى الحكايات التي تروى عن المعري، ينتج كليطو العلاقة بين المنتجين لهذه البلدة في قالب تأويلي معتمداً على ما ترويه كتب الأخبار عن شيخ المعرة، ويختتم هذا الدرس النقدي بخلاصة مهمة تستحق التأمل فيها بعد مزيج من النصوص والتأويلات المختلفة "طيلة حياته لعب المعري بفستقة؛ ظل يقلبها ويديرها بين أصابعه متسائلاً هل تتضمن ثمرة أم لا، إن الشك الذي اشتهر به يعود في نهاية الأمر إلى الارتياب الذي يخامر من يكون على وشك تكسير فستقة، ولا يدري هل هي فارغة أو ملآنة.. بين أصابعه فستقة، وما يقلقه أنه لا يعلم كيف وصلت إليه، وإلى من هو مدين بها، إنها على كل حال من نصيبه، سواء أكانت ملآنة أو فارغة. ليس بمقدوره أن يرفضها، وإن فعل فلمن سيردها؟ لقد قضى عمره يرفض الهدايا والصلات، ولكنه كان عاجزاً عن استبعاد الفستقة التي سقطت يوماً بين يديه" كليطو، ص18.تفضي الكتابة عن فستقة المعري إلى أشهر كتاب عرف عنه وهو رسالة الغفران وكما هو مألوف في الثقافة العربية فالارتباط بين رسالة الغفران والمعري قد قويت وشائجه بعد كوميديا دانتي الإلهية.يعرض كليطو لكيفية استقبال رسالة الغفران في عصره وتحولات ذلك التلقي في العصر الحاضر، إذ يخلص إلى أن رسالة الغفران للمعري لم يكن لها الأثر الكبير على كوميديا دانتي، وهو الموضوع الذي أثار أكثر الباحثين العرب والغرب فدانتي لم يتعرف على منجز المعري في رسالة الغفران لأنها لم تترجم ولكن كليطو يرى أثراً عكسياً مغايراً ومهماً: إن دانتي هو الذي أثر في المعري، ويعد ذلك نابعاً من نظرتنا إلى رسالة الغفران عبر الكوميديا الإلهية فلم يعد بإمكاننا أن نصبح قادرين على قراءة الغفران بمعزل عن الكوميديا.العنوان الذي اقترحته للموضوع يتوافق مع الفصل الذي كتب فيه كليطو عن منامات المعري في رسالة الغفران تتشكل من سؤال بسيط تتحول بنيته البسيطة من الصيغة الاستفهامية الصرف إلى سرد لا يتوقف في الرسالة وإنما يتمادى ليتجاوز إلى كتبه الأخرى، وما أوردته الثقافة العربية في الإطار نفسه.السؤال هو: بم غفر لك؟. والإجابة سرود مطولة لا تقر بسوى انتقالية مفترضة للشاعر المعاقب من النار إلى اقامة فردوسية دائمة يهنأ بالعيش فيها.السؤال سؤال ثقافي تفرضه الثقافة تفترض عقوبة لا نهائية لشاعر قد عد من الغاوين ولا سبيل إلى نجاته مما ارتكبه من انتهاك (لغوي) إلا ببيت أو شطر بيت شعري يحوله من عقاب قاس إلى نعيم دائم.ننسج هنا المعادلة الأخرى التي يبنيها هذه المرة شيخ المعرة أبوالعلاء حول من سبقه من شعراء الجاهلية أو ما بعد الإسلام، وكأن هذا النسج متوافقاً مع موقفه، موقفه الذي صنعه وعي مجايل له إذ يراه كثيرون مصنفاً مع أهل النار، لكن كليطو لا يتوقف عند نص رسالة الغفران ولكنه ينبري لعقد مقارنة أخرى مع وضع هذا الشاعر الذي ألف كتاب (الفصول والغايات)، وهو الكتاب المشبوه إذ يروي القاضي أبوالفتح فيما ينقله الذهبي أنه سمع أبا العلاء يصيح ويبكي بكاء شديداً بعد تلاوته لآية قرآنية ثم يرفع رأسه ويمسح وجهه ويقول: سبحان من تكلم بهذا، سبحان من هذا كلامه، ويستكمل القاضي ما بدأه بالقول "ثم دخلت عليه فقلت: أرى يا سيدنا في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئاً من كلام المخلوق (يقصد شعره)، وتلوت شيئاً من كلام الخالق، فلحقني ما ترى. فتحققت صحة دينه، وقوة يقينه".الطريق المسدود الذي وضعته الثقافة وسيجت فيه أبا العلاء المعري قد وجد له كليطو حلاً يتوازى مع ما اقترحه المعري نفسه حين كتابته عن أولئك الشعراء، إذ أخرجهم من الطريق المسدود نفسه وتلاوة آية وتدبرها، ومن ثم التأثر بها سراً دون علم الآخرين وأمام قاض استمع خلسة هو طوق نجاة يستتبع تلك المنامات التي دونتها الرسالة.الإيمان بالإعجاز القرآني واعتراف المعري بتفوق الكلام الإلهي مع ما روي عن محاولته محاكاة القرآن الكريم يخلق لنا أجواء جديدة ومناسبة لتلقي نص المعري الذي حاول فيه الخروج عن السائد في معظمه.متاهات القول لعبدالفتاح كليطو عمل نقدي جديد لا يصنع متاهة قدر نجاحه في الخروج من انفاق المتاهات التي صنعتها نماذج من التلقي الرديء للنصوص العربية.

بداية الصفحة

اللغة العربية وعلوم العصر

د. فاتن خليل محجازي

* التشكيك في قدرة اللغة العربية على الاستيعاب:ثمة أسباب مرتبطة بظروف تاريخية خاصة أدّت إلى التخلي عن اللغة العربية، واستخدام اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما في المؤسسات العلمية والاقتصادية، مما أدى إلى فقدان الثقة باللغة العربية، والتشكيك في قدرتها على الاستيعاب، والأداء، وثارت الأسئلة:هل تستطيع اللغة العربية استيعاب ما عند اللغات الأخرى من أفكار ومسميات قديمة وحديثة؟وهل تستطيع اللغة العربية أن تضيف إلى ما عند الآخرين ابتداعاً وابتكاراً، فتشارك في الحضارة الإنسانية؟ وهل اللغة العربية لغة حيّة تنمو خلاياها، وتتجدّد؟وهل يستطيع الناطق باللغة العربية أن يعبّر عن عواطفه، وأفكاره، ومكونات نفسه؟(1)كيف نعبّر بلغتنا عما يجري حولنا، وما يقع في مجال خبرتنا في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا المتقدمة التي أمدت الإنسان بقدرات رهيبة؟هل تلين اللغة العربية لتستوعب الجديد في المصطلحات والمعاني وتظل محتفظة بأصالتها وجنسيتها المتميزة؟(2)ورأى هؤلاء المشككون ان استخدام اللغة العربية قد يسبّب عزوف الطلاب عن اتقان لغة أجنبية مما يؤدي إلى ابتعادهم عن الأبحاث الجديدة، وأن التطوّر السريع للعلوم مع بطء حركة التعريب يخلق صعوبة الوفاء بكل ما يحتاجه الطالب والمدرس من مصطلحات، وأن عدم التنسيق في المصطلحات بين الدول العربية قد يؤدي إلى بلبلة ذهن المعلم والمتعلم، وأن البعثات إلى الخارج تتطلب توفير منهج، وطريقة تناسب طبيعة الدراسة في الخارج(3).هذا الإحساس بقصور اللغة العربية عن مواكبة التقدم العلمي قد ظهر في بداية عصور الانفتاح إذ المجتمع العربي مفكك غير متماسك، وغير فخور بحاضره لأسباب عديدة الأمر الذي استتبع ضعفاً في مؤسساته الحاضنة لإمكانات التقدم والتجددد على صعيد الإبداع، وهو ما انسحب على الإنسان الفرد فضعف، وتخاذل وتغرّب مفتشاً عن ملجأ ومتكأ.الأسباب التي أدت إلى ضعف اللغة العربية:وقد حدّد د.أحمد عبدالمقصود هيكل في بحث له الأسباب التي أدّت إلى ضعف اللغة ووصولها إلى حدّ الخطر كما يلي: 1 اهمال اللغة في مجال التعليم العام بسبب التركيز على تلقين القواعد النحوية، والصرفية، وعدم الاهتمام بالقدر الكافي بالممارسة التطبيقية على وجه يكوّن الملكة القادرة التي تمكّن من القراءة الصحيحة، والكتابة السليمة، والتعبير القويم. 2 اهمال اللغة في مجال التعليم العالي، وعدم العناية بها عناية تصقل الملكة اللغوية التي يفترض أن تكون قد تكوّنت في مرحلة التعليم العام، وهذا الاهمال واضح في معظم الكليات، والمعاهد غير المتخصصة في اللغة العربية، وهو أشد وضوحاً في الكليات العلمية مثل الطب، والهندسة، والعلوم. 3 اهمال التعامل مع اللغة بالقدر الكافي في مجال التعليم اللغوي العربي التخصصي، وهذا الإهمال يتضح في جانبين: الأول: عدم الاهتمام باختيار الصالحين لهذه الدراسة إذ يلتحق بالكليات، والأقسام المختصة بهذه اللغة من لم يجد فرصة في كليات أخرى من تلك الكليات التي لها في هذه الأيام بريق خاص، وبهذا يكون نصيب الكليات والأقسام الخاصة باللغة العربية محصوراً غالباً في الضعاف من حملة الشهادة الثانوية. أما الجانب الثاني فيتمثل في عدم الاهتمام بالتدريب على الممارسة اللغوية بعد ذلك، فالكليات المهتمة بتدريس اللغة العربية تهتم في المقام الأول بتلقين نظريات، وأفكار، ومعلومات، ودراسات حول اللغة، وأدبها دون الاهتمام باللغة نفسها في ميدان تطبيقها، والتعامل معها. 4 ترك اللغة العربية تماماً في بعض مجالات الدراسات العلمية فبعض الكليات في بعض البلاد العربية تدرس الطب مثلاً باللغة الانجليزية بحجة أن اللغة لا تسعف في هذا المجال، ولأن معظم المراجع والبحوث والدراسات العالمية المتطورة تتم باللغة الاجنبية الحية، وفي مقدمتها الانجليزية. 5 إهمال الفصحى، أو عدم رعايتها بالقدر الكافي في الأجهزة، والوسائل الثقافية مثل الأفلام والمسرحيات. 6 إهمال اللغة العربية في كثير من المجالات الحياتية، ومن أهمها مجالات التسميات التجارية والصناعية. 7 التهجم على العربية، أو التهوين من شأنها، والإقلال من قيمة المشتغلين بها، وقد بدأ ذلك مع الاستعمار الأجنبي للبلدان العربية.(4)ويلخص د.محمود فهمي حجازي المشكلة في ضعف الأداء اللغوي المنطوق والمكتوب لعدم وجود سياسة لغوية في الدول العربية فليست المشكلة في المعرفة النظرية بالقواعد اللغوية على الرغم من أهمية هذه المعرفة إذ هناك خلط بين المعرفة النظرية في التحليل الإعرابي، ومعرفة المواقع الإعرابية، ومصطلحات النحو من جانب، والكفاءة اللغوية كما تتضح في الأداء المنطوق، والمكتوب في الجانب الآخر، إن عدم الثقة في استخدام مصطلحات مثل المبتدأ، والخبر، ونائب الفاعل، والظرف وشبه الجملة يدل على نقص في المعرفة النحوية، أما خطأ المتحدث أو الكاتب، وهو يكوّن نصاً فيدلّ على قصور في الكفاءة اللغوية(5).فغياب التخطيط اللغوي، وعدم وجود سياسة لغوية تنسق عمل المؤسسات المعنية بالتحقيق اللغوي، وهي المؤسسات البحثية والإعلامية يؤديان إلى أن تتخذ هذه المؤسسات اتجاهات مختلفة قد تكون متعارضة ومتناقضة، فإذا اتفقنا على كون اللغة العربية الفصحى هي اللغة المنشودة، فلا يجوز أن نعزلها، ونجعلها مادة دراسية ونترك باقي مجالات الحياة تؤدَّى باللهجات المحلية أو بلغات أجنبية.إن ضعف الأداء ليس ضعفاً في اللغة وإنما في ناطق اللغة، ولا يعني أن العربية قاصرة، قال جبران خليل جبران: "إنما اللغة مظهر من مظاهر قوة الابتكار في مجموعة الأمة أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر، وفي التقهقر الموت والاندثار"(6)، فالمجتمع الذي ابتكر اللغة لتلبي حاجاته ينميها لتلبي تغيّر متطلباته عبر الزمان ويطوعها بما يتناسب مع نظامها حتى تحافظ على ذاتها وبنيتها، وعندما يضعف إنتاج المجتمع ويقلّ نشاطه تتدنى الحاجة إلى اللغة فتموت الكثير من مفرداتها ويسري الضعف في بنيتها. لقد وجدت اللغة لتخدم الفكر وعندما ينعدم الفكر تفقد اللغة قيمتها، وهذا ينطبق على اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية غير محددة بمجتمع ما. فما ينطبق على العربية صادق على الإنجليزية والفرنسية والألمانية ولا فضل للغة على أخرى، وقد استطاعت اللغة العربية أن تتكيف مع متطلبات المجتمع التاريخية عبر المراحل المختلفة، وذلك بمستوياته الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والعلمية بدءاً من الثورة الفكرية الإسلامية، فالحكم الأموي وما رافقه من تعريب للدواوين، ونظم الإدارة للمجتمعات المختلفة والأقاليم والجيوش، والحياة العامة، كما استجابت اللغة لحاجات الحضارة العباسية واهم ما فيها حركة الترجمة بل استطاعت أن تكون لغة البحث العلمي في الرياضيات والطب، والعلوم، والفلك، والهندسة. وعندما أخذت علوم العرب تنتقل إلى الشعوب الأخرى انتقلت معها كثير من المصطلحات العربية لم يحصها حتى اليوم الراسخون في علم اللغات.(7)ولكن ما أصاب الأمة العربية من ظروف سياسية واقتصادية لم يكن خافياً، الأمر الذي أدّى إلى ركود الفكر وضعف الثقافة حتى آل الأمر إلى التبعية الثقافية والفكرية، وعندما بدأت النهضة على يد محمد علي أخذت العربية في التجدد والنمو إذ بدأت تنتعش الحياة العملية، فقد أسس محمد علي سنة 1826 1827م مدرسة الطب، وكان التعليم فيها بالعربية، ونشطت حركة التأليف والترجمة في العلوم المختلفة كالنبات والأحياء والكيمياء والطب والصيدلة وعلوم الأرض، واستمرّت الحالة حتى كان الاحتلال البريطاني عام 1898فحول تدريس الطب إلى اللغة الإنجليزية وألحقت به بقية العلوم،(8) وهذا ما تفعله الدول المستمعمرة دائماً، يقول د.صلاح زهر الدين:"ليس من المستغرب أن تتعرض لغة شعب من الشعوب في مرحلة الغزو والاحتلال إلى "الإذابة" و"المحو" باعتبارها معياراً أساسياً لتحديد الذات والهوية القومية، فهي شريان الأمة وأقنوم الحضارة وقبلة الفخر والولاء كما يقول جمال الدين الأفغاني ولو أضاعت أمة لسانها لفقدت بالطبع تاريخها وحضارتها"(9).وأول محاولات الإذابة والمحو التشكيك في قدرة اللغة على أداء وظائفها داخل المجتمع مما يؤدي إلى الاستغناء عنها وقد أخذت الشعوب المغلوبة تعي ذاتها وتدرك أهمية الدفاع عن لغتها في حفظ وجودها وتمكنها من مواصلة مسيرتها التقدمية، ولعل ما حققناه من نجاح في بعض المجالات أثبت ما تتمتع به العربية من مرونة وقدرة على الحياة في عصر التكنولوجيا. والعربية الفصحى تحمل في طبيعة تكوينها عنصر التجدد والحياة، إن أفاد أهلها من منهجها العظيم، من حيث الشكل والقياس، والاشتقاق والنحت والتعريب، ومن حيث المعنى في التغيرات الدلالية المعقولة، عن طريق المجازات والاستعارات، والكنايات ثمّ اختيار الألفاظ المناسبة للعصر عند الاستخدام اللغوي.(10)هذا النجاح المتمثل في تفوق طلاب الدراسات العليا الذين يتابعون دراستهم في الخارج وقد تلقوا تعليمهم قبل ذلك بالعربية في جامعاتنا السورية.وفي مجال علوم الحاسبات لم نجد شكوى الباحثين من اللغة العربية بل من تقصير الباحثين ونقص الأبحاث اللغوية.حتى في مجال العمل لا نجد بين أيدي دارسي العربية كتاباً يقدم لهم ضوابط هذه اللغة كما تتراءى للغوي المعاصر وكل ما يقدم في هذا الصدد نماذج للرسائل والتقريرات العلمية التي يمكن محاكاتها، أو ترجمتها في الكتابات التجارية، والصناعية دون دراسة الأدوات والتعبيرات، وما يجوز، وما لا يجوز في هذا المستوى العلمي(11).ونادرة هي الأبحاث التي تبين خصائص اللغة العلمية العربية من حيث المفردات والتراكيب والأساليب الصالحة للاستخدامات العلمية إذ توجه جل نشاط الباحثين إلى معالجة مشكلة المصطلحات العلمية الوافدة فالأزمة أزمة بحث لا أزمة لغة، وقد تتمكن لغة ضعيفة محدودة الاستعمال من النهوض والانتشار إذا شاء أصحابها لها ذلك، واتبعوا سياسة لغوية حكيمة. ونستشهد بالعبرية من التاريخ الحديث والتي بعثت من مرقدها مع قيام دولة إسرائيل، فقد قدم ابن يهودا مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يطالبه فيها باستعمال اللغة العبرية في جميع المجالات الرسمية وغير الرسمية أسوة بالعربية والانجليزية، وقد ورد في رسالته قوله:"إنها لإهانة قومية أن تكون العبرية في منزلة دون منزلة اللغتين (العربية والانجليزية) في البلاد".ولم يمض زمن قصير حتى كان له ما أراد وعندما افتتحت الجامعة العبرية أكد اليهود عزمهم على أن تكون العبرية لغة الجامعة وما لبثت أن أصبحت العبرية لغة التعليم في جميع المجالات، وعلى جميع المراحل وعندما أرادت الجمعية اليهودية الألمانية التي تمول بعض المدارس اليهودية في فلسطين أن تنشئ في حيفا معهداً للتكنولوجيا على أن تكون الألمانية هي لغة التدريس بحجة أن العبرية ليست متطورة بالقدر الذي يسمح لها باستعمالها في حقل العلوم والتكنولوجيا عمت فلسطين موجة من الاحتجاجات، وأضرب المعلمون اليهود، كما استقال بعض العاملين في المدارس الألمانية، وأغلقوا تلك المدارس، وأقاموا بدلاً منها مدارس عبرية. وقد اشترط اليهود على الطلاب الذين لا يستطيعون متابعة الدراسة بالعبرية متابعة برنامج تحضيري مدته سنة للتمكن من العبرية، وقد تمكنت سياستهم اللغوية من حل مشكلتي المصطلح والكتاب، ولعب مجمع اللغة العبرية دوره في ذلك بما يتمتع به من نفوذ يجعل قراراته سارية المفعول يلزم بها الهيئات والمؤسسات الخاصة والعامة، كما استطاعت الجامعة العبرية أن تصدر المؤلفات اللازمة للطلاب بالعبرية وتم تشجيع الترجمة والنشر مما حقق نجاحاً كبيراً في عودة العبرية إلى الحياة(12). تنتشر في أنحاء الوطن العربي المؤسسات التي تسعى إلى الحفاظ على العربية وسلامتها، فقد تأسس مجمع اللغة العربية في دمشق سنة 1919لهذه الغاية، وفي القاهرة 1934وفي بغداد انشئ المجمع العلمي العراقي سنة 1950، وكذلك انشئ مؤخراً مجمع اللغة العربية الأردني.وبهدف التنسيق بين الجهود التي تقوم بها المجامع انشئ اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية سنة 1970م، كما تأسس في الرباط مكتب تنسيق التعريب تنفيذاً لتوصية مكتب التعريب الأول 1961م.والحق المكتب سنة 1972م بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.وان جهود هذه المؤسسات تجد طريقها إلى النشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلة المجتمع العلمي العراقي، ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجلة اللسان العربي.كما نجد المؤسسات الجامعية تنجز عشرات الأبحاث والدراسات في أنحاء الوطن العربي. ولعلها تكون أبحاثاً متكاملة تنفي تهمة التقصير في البحث اللغوي العربي وتفي بحاجة العربي المعاصر إلا أنا لن نجزم بذلك فالحقيقة مجهولة لأن الأعمال مبعثرة، ولا توجد خطة لجمعها. فمركز الرسائل الجامعية في عمّان مثلاً لا يُزَوَّد بكل ما ينجزه الباحثون في الجامعات العربية كما يبيّن دليله.كما أن الأبحاث التي تجد طريقها إلى النشر يجب أن تحقق متطلبات السوق حتى تنشر وان تميّزت علمياً إن اطلاع باحث عى ما كتب في موضوعه أمر في غاية الصعوبة مما يؤدي إلى التكرار في كثير من الأحيان. وتلاحق مجامعنااللغوية المصطلحات فتعربها، وتصدر المجمعات المتخصصة، ولكن انتشار هذه المصطلحات عند المتخصصين، وعند جمهور المثقفين ليس على النحو المنشود ولا يرجع هذا القصور إلى المصطلحات نفسها كما توهم الكثيرون، ولكن يرجع إلى عدم وجود خطة واضحة تجاه المصطلحات العلمية، ولعدم وجود سياسة لغوية في الدوّل العربية فلن يكون للمصطلحات العربية لفرع من فروع المعرفة قيمة إذا كان التعامل في ذلك التخصص لا يتم أساساً باللغة العربية، وهذه هي الحال بالنسبة لأكثر الفروع العلمية، والطبية والهندسية(13).العربية للبحث العلمي:أكد الدكتور خضر القرشي في بحث له عنوانه "صلاحية العربية أداة للتعليم في العلوم" قدرة اللغة العربية على استيعاب علوم العصر، وكان من نتائج بحثه إقرار حقيقة الاجماع على كون العربية ثرية وصالحة وسيلة من وسائل التعليم والبحث(14) إذاً المشكلة ليست في اللغة، وإنما في مستعمل اللغة وجهله استخدام اللغة المناسبة للموضوع المناسب، وبعبارة أخرى عدم قدرته على توظيف اللغة توظيفاً جيداً يستغل الطاقات اللغوية المختلفة. إذ لا يمكننا أن نستخدم بعض الأساليب التعبيرية التي تستخدمها اللغة الأدبية في موضوع علمي ولا يمكننا أن نستخدم المفردات ذات الطاقة الإيحائية أو الأدوات ذات الدلالات المتعددة إذا لم يكن السياق قادراً على تحديد الدلالة تحديداً دقيقاً، ويشير استخدام لغة غير مناسبة للموضوع إلى عدم وضوح الفكرة لدى منتجها أو المعلومة لدى صاحبها إذ لا يمكن الفصل بين الفكرة وواسطة التفاهم بين المشتغلين بالعلوم.إن وظائف اللغة متعددة ومن جملتها عرض الفكرة، وتوضيحها عرضاً موضوعياً يكون فيه العقل هو المتلقي، وهذا يتطلب استخدام مفردات خاصة، وتراكيب سهلة وواضحة لا تشغل العقل بتحليلها عن مضمونها العلمي لكي تصل المعلومة بيسر وسرعة، وأسلوباً يبتعد عن إثارة العواطف والخيال، لذلك فإن كثيراً من الأساليب اللغوية غير صالحة للبحث العلمي، فليست من العلمية في شيء أن يستخدم الناطق التعجب والاستفهام والمدح والذم والأمر والتكرار والتوكيد، والجمل الاعتراضية، وما يؤدي معنى الشك أو المبالغة في التوكيد. ولا يخدم الأسلوب العلمي استخدام ألوان البديع المختلفة كالجناس والطباق والسجع والاتباع، ولا تلجأ اللغة إلى ألوان الاستعارة والتشبيه والكناية، فالناطق هنا لا يريد أن يحرّك عواطف المتلقي أو أن يثير خياله، ويجمح به بعيداً عن الحقيقة. إن الغاية هنا هي العقل وتوصيل المعلومة إلى مخاطب مستعد بعقله أن يتلقى، وهو مخاطب محترم لا يسمح للناطق بأن يتهمه بالنقص، أو قلة الانتباه أو بأنه سوف ينساق إليه.إن اللغة العلمية لا تمكّن الناطقق من المخاطب وإنما تمكّن المخاطب من الفكر، لا تستبدّ بالمخاطب، وإنما تملّكه وتسوده وأهم المواصفات التي يجب أن تتوافر لها كما يحددها د.شاهين: 1 استخدام الألفاظ الحسية دون التجريدية. 2 تفضيل الجملة القصيرة دون الطويلة. 3 ألا يستخدم من الألفاظ غير الضروري. 4 تفضيل المأنوس من الألفاظ. 5 استعمال الألفاظ المتعدّية. 6 عدم الإسراف في الصفات. 7 تفضيل البناء للمعلوم على البناء للمجهول. 8 ألا يستعمل من الألفاظ ما كان ذا معنيين لأنه غامض الدلالة(15).وسمات لغة البحث العلمية عامة لا تخص لغة دون أخرى، والعربية إذا أحس استخدامها أدّت وظائفها في كل زمان ومكان كما ينبغي فهي واحدة من أكثر اللغات عراقة وانتشاراً وحيوية الأمر الذي أدى إلى اعتراف الأمم المتحدة بها لغة رسمية سادسة في العالم إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والاسبانية والروسية والصينية، وبقي أن يكافح العرب لتكون لغتهم من لغات الحضارة العلمية والتقنية باتباع خطة لغوية محكمة وسياسة جادة تنسق عمل المؤسسات البحثية والإعلامية والتعليمية وتستخدم وسائل الاتصال الحديثة التي تمكن هذه المؤسسات من التواصل فتصبح أكثر فعالية وتؤدي دورها في رفع كفاءة الناطقين بهذه اللغة.هوامش:(1) السمان، د. محمد عبدالرحيم. "قدرة اللغة العربية على الاستيعاب والتعبير والأداء"، بحوث في اللغة والأدب، ص223.(2) عمر أحمد عمر. "كيف تلين لغة الضاد للتعبير عن لطائف الفكر ومشاغل العصر"، مجلة اللسان العربي، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، العدد 23، ص65.(3) القرشي، د.خضر بن عليان. "تعريب العلوم ووضع المصطلحات"، مجلة اللسان العربي، العدد 22، ص141.(4) هيكل، د.أحمد عبدالمقصود. "اللغة العربية والحفاظ على مقومات الشخصية العربية" مجلة اتحاد الجامعات العربية، عدد خاص، 1977م، ص5.(5) حجازي، د.محمود فهمي. "البحث اللغوي"، مكتبة غريب، القاهرة، ط1، 1993م ص130، 131، 108.(6) فرشوخ، دمحمد أمين. "طلائع المستقبل في علامات الماضي" مجلة الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، بيروت، العدد 61، ص179.(7) الصالح، د.صبحي. "دراسات في فقه اللغة"، دار العلم للملايين، بيروت، ط9، 1981ص348.(8) القرشي، د.خضر بن عليان، البحث السابق، ص143.(9) زهر الدين، د.صلاح، "لغة الضاد من ملف المستشرقين" مجلة الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، بيروت، العدد 61، ص87.(10) عبدالتواب، د.رمضان. "الثبات اللغوي والابداع الأدبي"، مجلة الفكر العربي، العدد 61، ص16.(11) شاهين، د.عبدالصبور. "العربية لغة العلوم والتقنية"، دار الاعتصام، القاهرة، ط2، 1982م، ص 14 15.(12) القرشي، د.خضر بن عليان، البحث السابق ص145.(13) حجازي، د.محمود فهمي. "البحث السابق"، ص108.(14) شاهين، د.عبدالصبور. "البحث السابق" ص 15.وبحث الدكتور القرشي رسالة دكتوراه مقدمة إلى جامعة انديانا بالولايات المتحدة الأمريكية.(15) شاهين، د،عبدالصبور. "البحث السابق"، ص 14

بداية الصفحة

تفعيلاً لتوجيهات سمو ولي العهد
الجامعة الإلكترونية السعودية: حلم قابل للتحقق عبر بوابة المقرر الإلكتروني

حوار: إبراهيم داود الداود

* نتيجة لقرار صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ورئيس الحرس الوطني القاضي بتخصيص مكافأة بدل حاسب آلي للمتخصصين والمستخدمين لتقنية المعلومات والاتصالات من اعضاء هيئة التدريس بالجامعات السعودية. وهذا القرار يأتي استمراراً لجهود سموه حفظه الله في سبيل الاستفادة من تقنية المعلومات والاتصالات على مختلف الأصعدة وخصوصاً في القطاع التعليمي. ولكثرة الحديث هذه الأيام عن التعليم عن بعد والجامعة المفتوحة واستخدام الإنترنت في التعليم والجامعة الالكترونية، فقد التقت (الرياض) بأحد الاساتذة الذين تبنوا تجربة استخدام الحاسب الآلي والإنترنت في التعليم عبر تجربة طرح المقرر وفق طريقة (المقرر الالكتروني) ألا وهو الاستاذ الدكتور عبدالرحمن بن أحمد صائغ استاذ ادارة الجامعات وتخطيط واقتصاديات التعليم العالي بجامعة الملك سعود.* في البداية نود أن نعرف ماذا يقصد بالمقرر الالكتروني وما علاقته بالتربية الالكترونية؟ المقرر الالكتروني هو أحد الدوائر التي يتم فيها تفعيل استخدام تقنية المعلومات والاتصالات في مجال التربية، وعلى وجه التحديد في العملية التعليمية، أو بمعنى مبسط احلال الوسائط الالكترونية والافادة من مواقع الشبكة العنكبوتية في عملية التعليم بدلاً من الاعتماد على الاسلوب التقليدي في تقديم المقرر الدراسي. وفي اعتقادي بان المقرر الالكتروني هو النواة الرئيسية التي يمكن من خلالها احداث تغيير حقيقي واجراء اصلاح جذري في العملية التعليمية وصولاً لما يمكن تسميته ب "التعليم الالكتروني" وبدهي ان التعليم الالكتروني يمثل البعد الرئيسي لمكونات "التربية الالكترونية" التي تعني قدرة المؤسسات التربوية على تفعيل الاستخدام التقني للمعلومات والاتصالات في الجوانب الإدارية والتعليمية المتصلة بانشطتها وفعالياتها داخل المدرسة أو الكلية وخارجها.ان مفهوم التربية الالكترونية الذي يمثل المقرر الالكتروني أو التعليم الالكتروني عمودها الفقري، تمكن اعتبارها أحد ابرز التحديات التي تواجه القطاع التعليمي في المستقبل القريب والبعيد معاً. ولا ينبغي لهذا القطاع الحيوي الهام ان يتخلف عن بقية القطاعات الاخرى التي قطعت شوطاً في مجاراة عصر التقدم التقني والمعلوماتي حيث ظهرت فيه مفاهيم متعددة مثل "التجارة الالكترونية"، و"الحكومة الالكترونية"، و"الاقتضاء الالكتروني" والصحة الالكترونية، والسياحة الالكترونية وغير ذلك من المفاهيم التي تؤكد بان العصر الذي نعيشه هو يمكن وصفه ب "العصر الالكتروني".* وما دور قطاع التعليم في هذا الجانب؟ تتضاعف مسئولية القطاع التعليمي لتعدد مهامه ووظائفه المزدوجة ذات الطابع الثنائي. فمؤسسات التعليم مطالبة بتسخير تقنية المعلومات والاتصالات والافادة منها في تيسير العملية التعليمية لكنها في نفس الوقت مسئولة عن تفادي الآثار السلبية المصاحبة لها واعداد الناشئة والشباب للتعامل الواعي مع هذه التقنية بحيث لا تؤثر على البناءالسلوكي والحضاري والتفاني الاجتماعي لاجيال الأمة والوطن، كما ان مؤسسات التعليم مطالبة بأحداث التطورات التقنية المتصلة بالبيئة الداخلية للمدارس وفي نفس الوقت مطالبة بمراعاة البيئة الخارجية، وبمواءمة مخرجاتها مع متطلبات القطاعات التنموية المختلفة في ضوء شروط ومواصفات عصر التقنية والمعلومات..وبكلمة موجزة فإن المقرر الاكاديمي قبل نقطة الانطلاق لتحقيق التعليم الالكتروني والوصول إلى مفهوم التربية الالكترونية الذي يمثل المسار الرئيسي لتحقيق المجتمع الالكتروني القادر على التعامل مع متطلبات عصر التقنية والمعلوماتية وتحدياته المستقبلية.* تعد تجربة التخطيط الاستراتيجي في التربية تجربة رائدة للمقرر الالكتروني فكيف كانت الفكرة وكيف تم تنفيذها؟ في اطار المفهوم السابق للمقرر الالكتروني، تأتي تجربة مقرر التخطيط الاستراتيجي للتربية كمحاولة رائدة لتفعيل الاستخدام التعليمي للحاسب الآلي وشبكة الإنترنت على مستوى جامعات المملكة العربية السعودية. ولعل من المناسب التعريف بهذه التجربة لتكون نموذجاً يقتدى به وبارقة أمل لفتح المجال نحو القيام بمحاولات اخرى وتؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق مفهوم "الجامعة الالكترونية" في بلادنا على نطاق اكثر شمولاً واتساعاً.ان تجربة مقرر التخطيط الاستراتيجي للتربية وهو أحد مقررات برنامج الدكتوراه في قسم الإدارة التربوية بجامعة الملك سعود التي بدأت بجهود فردية من قبل طلاب هذا المقرر في بداية الفصل الاكاديمي الثاني من عام 1421 1422ه تمخضت بحمد الله وتوفيقه من انشاء موقع متميز على شبكة الإنترنت اشاد به الكثير من زوار الموقع من طلاب الدراسات العليا وأساتذة الجامعات والمهتمين والمختصين من مختلف الجنسيات ومن داخل المملكة وخارجها. والحقيقة التي تثلج الصدر هو ان هذا الموقع من ابداع وجهود طلاب المقرر تصميماً وتنفيذاً ومتابعة واشرافاً على منتدياته وفعالياته العلمية، واقتصر دوري في هذا الجهد الطلابي المتميز على طرح الفكرة وتحفيز العمل الجماعي فيما بين طلاب المقرر والاشراف والتوجيه العام على مسيرته بوصفي استاذاً لهذا المقرر.ويتضمن الموقع مجموعة من النوافذ الهادفة إلى التعريف بمفردات المقرر وانشطته النظرية والتطبيقية ونبذة مختصرة للسيرة الذاتية لاعضائه، وقائمة بيلوجرافية عن أهم المراجع ذات الصلة به، واداخاله إلى أهم المواقع الاجنبية التي تعالج قضايا التخطيط الاستراتيجي ومفاهيمه وأساليبه والكمية المعتمدة على البرامج الاحصائية والايكونوفرية، مشيراً إلى بعض التجارب العالمية في تطبيقات التخطيط الاستراتيجي في مجال التربية وغيرها، هذا بالاضافة إلى المنتدى العلمي لمناقشة قضايا التخطيط الاستراتيجي للتربية على المستوى الوطني، واخيراً المتطلبات البحتية التي قام باعدادها الطلاب حول محاور المقرر والتي سيتم عرضها على الموقع بعد تنقيحها في القريب العاجل. والعزم معقود بعد عون الله وتوفيقه ان تتواصل الجهود من قبل اعضاء الموقع وزواره ومرتادي منتداه ولتحديث معلوماته وتزويده بما يستجد من بحوث ودراسات وتطبيقات ومراجع تسهم في المحافظة على استمراريته "كمرجع الكتروني" عربي متميز يثري الساحة الاكاديمية في مجال التخطيط الاستراتيجي التربوي الذي يعاني ندرة حادة في المصادر المرجعية المكتوبة باللغة العربية.ومما يجدر ذكره ان طلاب المقرر تم توزيعهم إلى خمسة فرق عمل مصغرة يتكون كل منها من فردين واوكل إلى كل فريق عمل التركيز على تحديات التنمية (التنظيمية، التقنية، الاجتماعية، الحضارية، الاقتصادية) التي يجب على التخطيط الاستراتيجي التربوي ان يتعامل معها وماهية الحلول المقترحة لهذه التحديات. وقد تم التفاعل بين فريق العمل وتبادل الآراء والمقترحات من خلال "بريد المجموعة الالكتروني".وفي الختام اعتقد انها تجربة تستحق الاطلاع عليها عن كثب من خلال زيارة الموقع على العنوان الذي اختير بدقة وعناية ليبرز مجال تخصص الموقع والكلية والجامعة التي ينتمي اليها اعضاء الموقع وذلك على النحو التالي: www.SPCEKUS. 8m.com* كيف ترون مستقبل الجامعات في ضوء قرار سمو ولي العهد، وتجربة المقرر الاكاديمي الإلكتروني؟ وهل بالامكان ان تتحول جامعاتنا إلى جامعات الالكترونية؟ لقد كان من النقاشات التي أثيرت خلال تجربة التخطيط الاستراتيجي للتربية كمقرر أكاديمي الكتروني، مما يتعلق بالرؤى الاستشرافية لجامعة المستقبل. ولكن قبل المحاولة للاجابة على تلك التساؤلات لابد من الاشارة للدعم السياسي بشقيه المعنوي والمادي الذي تحظى به جهود توطين تقنية المعلومات والاتصالات على مختلف الأصعدة على وجه العموم وفي مجال القطاع التعليمي على وجه الخصوص من قبل القيادة الرشيدة في بلادنا الغالية وعلى رأسها مولاي رائد التعليم الاول خادم الحرمين الشريفين أيده الله ونصره.ولابد من التنويه أيضاً بقرار سمو سيدي ولي العهد القاضي بتخصيص مكافأة بدل حاسب آلي للمتخصصين والمستخدمين لتقنية المعلومات والاتصالات من اعضاء هيئة التدريس بالجامعات، وفي اعتقادي بان هذا القرار يمثل منعطفاً بارزاً ونقطة تحول في مسيرة الجامعات السعودية إذا ما أحسنت القيادات الجامعية التعامل مع روح هذا القرار والمضامين السارية وراء اصداره.ان الغاية الاستراتيجية من صدور هذا القرار ينبغي ان تفهم في اطار الجهود المتعددة التي يبذلها سمو ولي العهد في سبيل توطين تقنية المعلومات من خلال اجتماعاته المتكررة مع المسئولين ورجال الاعمال داخل البلاد ومن خلال زياراته للعديد من دول العالم حيث يحظى ملف الاقتصاد وتقنية المعلومات بأهمية بالغة في مباحثات سموه والوفد المرافق له، واخيراً وليس بآخر المتابعة والاشراف المباشر لسموه على مشروع الامير عبدالله بن عبدالعزيز وابنائه الطلبة للحاسب الآلي.من هذا المنطلق فان على قياداتنا الجامعية ان تعي بان التنفيذ الفعلي لهذا القرار لا ينبغي ان يتم في اطار آلية أو مرجعية تؤدي في النهاية إلى استثناء بعض اعضاء هيئة التدريس من الحصول على مكافأة بدل الحاسب الآلي وقصرها على فئة دون اخرى بل ينبغي ان تفهم في اطار وضع خطة تطويرية تؤدي إلى تمكين جميع اعضاء هيئة التدريس من التعامل مع تقنية المعلومات والحاسب الآلي وتفعيل استخدامها في المجال التدريسي والتعليمي والبحثي بما يقود في نهاية المطاف إلى التطبيق الكامل لمفهوم التعليم الالكتروني أو التربية الالكترونية، ولعل من بداهة الأمور ان تضطلع القيادات الجامعية بمسئولياتها التطويرية لتعميم وتفعيل الاستخدام الآلي في مجال الإدارة الجامعية والإدارة الاكاديمية ليكتمل العقد التطويري وينبئ بوضع جامعاتنا في مسارها الصحيح الذي يغضي للتحول إلى مفهوم "الجامعة الالكترونية".* وماذا عن التكاليف المادية عند التحول للجامعة الالكترونية؟ ان التحول "لمفهوم الجامعة الالكترونية" لن يكون باهظاً إذا ما قورن بالفوائد والعوائد التي ستجنيها مؤسسات التعليم العالي في بلادنا حيث ستكون في مصاف جامعات دول العالم من حيث الجودة والنوعية والآراء المتميز لاسيما وان العولمة في قطاع التربية قادمة وسيكون البقاء للجامعات القادرة على المنافسة من خلال برامجها التعليمية والبحثية والتدريبية ومرونة اجراءاتها الإدارية الالكترونية، وشمولية وتعدد مصادر معلوماتها ومكتباتها الالكترونية وقبل ذلك كله بما يمتلكه من كوادر بشرية تمتلك وسائل وادوات التعليم والبحث المتطورين المعتمد بشكل رئيسي على تقنية المعلومات والاتصالات.اما بلغة الارقام فإن اجمالي اعضاء هيئة التدريس والمحاضرين والمعيدين في جامعات المملكة يقدر بنحو (10.000) ولو افترضنا بان مكافأة بدل الحاسب الآلي تبلغ في المعدل حوالي (3000) ريال سعودي فإن اجمالي الكلفة لوضع هذا القرار موضع التنفيذ سيقدر بنحو ( 360مليون ريال سعودي) سنوياً، هذا مع ملاحظة ان هذا الاجمالي يشمل اعضاء هيئة التدريس من غير السعوديين الذين تمثل نسبتهم 40% أو اكثر، وأعتقد انه من المعيد ان يشمل القرار مكافأة اعضاء هيئة التدريس غير السعوديين ولو بنسبة متفاوتة تتراوح بين 5 10% تحقيقاً لايجاد مناخ أكاديمي متميز يصب في مصلحة الجامعات وطلابها ويرمي إلى تحقيق الغاية الاستراتيجية لهذا القرار..هذا مع ادراكي التام لتفاوت صعوبات تطبيق هذا المقرر من جامعة إلى اخرى نتيجة العدد الاجمالي لاعضاء هيئة التدريس وتفاوت التأهيل العلمي لاعضاء هيئة التدريس وفارق الامكانات المادية بين الجامعات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاوت النتائج المتوخاة من تطبيق هذا القرار. وعلى وجه العموم فإن من احدى ابرز الفوائد المتوقعة غير المباشرة لهذا القرار يتمثل في الحد من تسرب أعضاء هيئة التدريس إلى خارج الجامعة والانتقال إلى وظائف حكومية أو أهلية ذات مردود مادي مرتفع.ان التحول إلى الجامعة الالكترونية قد يكون مكلفاً ظاهرياً وعلى المدى القريب لكنه على المدى البعيد وبكل التقارير المتحفظة أكاد أجزم بانه مشروع استثماري سيؤدي إلى توسيع الطاقة الاستيعابية للجامعات وقدرتها على وضع العديد من البرامج والمقررات القابلة للتدريس عن بعد، ويمكن للجامعات ان تتعدى اسوارها لتصل إلى أبعد نقطة في جميع مناطق المملكة بل قد يصل الأمر إلى تجاوزها الحدود إلى شتى بقاع العالم.

بداية الصفحة

"الرياض" تنشر القواعد المنظمة لها
وزارة المعارف تنشئ مكتبة مركزية لخدمة الباحثين والمتخصصين في التربية والتعليم

كتب أحمد الشمالي تصوير فهد العامري :

* إيماناً من وزارة المعارف بالدور الريادي الذي تلعبه المكتبات في إثراء الفكر الإنساني وتزويده بمختلف مصادر المعرفة، وإدراكاً منها بأهمية إيجاد وسائل وقنوات اتصال ثقافية ومعرفية لمنسوبيها وللباحثين وطلاب المعرفة.. فقد صدرت مؤخراً موافقة معالي وزير المعارف الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد الرشيد على انشاء مكتبة مركزية تعنى بكل ما من شأنه تقديم خدمة معلوماتية مقروءة ومرئية ومسموعة."ثقافة اليوم" استطاعت الحصول على القواعد المنظمة للمكتبة المركزية في وزارة المعارف وهذه الضوابط هي:التعريف:المكتبة المركزية بوزارة المعارف تُعنى بتقديم خدمات معلوماتية متخصصة تربوية وتعليمية عن طريق إيجاد وتنظيم أوعية المعلومات على اختلاف أنواعها: المقروءة والمسموعة والمرئية.الأهداف:1 بناء مجموعات متوازية من أوعية المعلومات المتنوعية التي تُعنى بالتربية والتعليم، والموضوعات ذات العلاقة.2 جمع وتحليل التقارير والنشرات والمطبوعات الصادرة من وزارة المعارف ومن المنظمات التربوية الأخرى.3 خدمة الباحثين والمتخصصين في التربية والتعليم.4 تجهيز المكتبة باحتياجات البحث وبما يساعد الباحث على استثمار وقته.5 تقديم خدمة الإحاطة الجارية وخدمة البث الانتقائي للمعلومات.6 تزويد المكتبة بمطبوعات الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية ذات العلاقة بمجال التربية والتعليم.الوظائف:1 تقديم مصادر المعلومات المختلفة التي تخدم التربية والتعليم.2 حفظ الوثائق والمطبوعات الحكومية التربوية والتعليمية. وتصنيفها فنياً.3 الاشتراك في الدوريات التربوية باللغتين العربية والانجليزية على كافة الوسائط.4 تقديم معلومات تربوية وتعليمية متخصصة.5 الإجابة عن الأسئلة المرجعية المباشرة وغير المباشرة للمستفيدين.6 تقديم خدمة الإحاطة الجارية بشكل دوري ومستمر.7 الاتصال المباشر بقواعد المعلومات في الداخل والخارج.8 تقديم خدمة الانترنت لتلبية حاجات المستفيدين من المعلومات المتجددة والحديثة.9 تقديم خدمات الإعارة الداخلية والإعارة الخارجية للمستفيدين.10 القيام بخدمة التصوير في المكتبة لأوعية المعلومات المختلفة.11 تقديم خدمات استرجاع المعلومات الأخرى.12 تقديم الوسائل السمعية والبصرية إلى المستفيدين.13 تحقيق جو ملائم للقراءة والاطلاع.أوعية المعلومات:1 الموسوعات العامة العربية والإنجليزية، والموسوعات التربوية والتعليمية المتخصصة.2 الكتب التي تعنى بالتخصصات التربوية والتعليمية، والتخصصات الأخرى ذات العلاقة مما يخدم الباحثين.3 الدوريات التربوية والتعليمية باللغتين العربية والانجليزية.4 الوثائق التربوية والتعليمية، ومنها الخطط والمناهج الدراسية والكتب المدرسية السعودية.5 المطبوعات والدوريات الحكومية ومطبوعات المنظمات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالمجال التربوي التعليمي.6 القرارات والنشرات والمطبوعات التي تصدر عن وزارة المعارف.7 الصحف اليومية، والمجلات الجادة.8 أقراص الحاسب الآلي الضوئية.9 شبكات المعلومات المحلية والدولية.10 الوسائل السمعية والبصرية.11 المصغرات الفلمية.المستفيدون:منسوبو وزارة المعارف والباحثون وطلاب المعرفة في مجالات التربية والتعليم وما يتصل بهما.التبعية الإدارية للمكتبة:المكتبة المركزية مرتبطة بالمدير العام للمكتبات في وكالة الوزارة للشؤون الثقافية.الهيكل:يتكوّن من مدير المكتبة ومساعده والموظفين المتخصصين.أ المدير، يكون مؤهلاً تأهيلاً عالياً في مجال المكتبات والمعلومات، وله خبرة في مجال عمله، وهو يشرف على الشؤون الفنية والإدارية وسير العمل في المكتبة بما يحقق أهدافها.ب مساعد المدير، يقوم بما يعهد به إليه المدير، وينوب عنه في حال غيابه، وتأهيله وكذلك خبرته على نحو تأهيل المدير وخبرته.ج القوى البشرية، تتولى العمل في المكتبة قوى بشرية مؤهلة من تخصصات متنوعة لتحقيق أهداف المكتبة.أقسام المكتبة:1 قسم إدارة المكتبة المركزية.2 قسم الإعارة.3 قسم الخدمة المرجعية.4 قسم التصنيف والفهرسة.5 قسم التحليل الموضوعي والتكشيف.التزويد: تتم تنمية مجموعات المكتبة عن طريق الشراء والتبادل والإهداء.صلاحية الشراء وما إليه:يكون للمدير العام للمكتبات صلاحية الشراء المباشر للكتب وغيرها من حاجات المكتبة، والاشتراك في الدوريات، وقبول الهدايا والتبرعات، وتبادل الكتب والمطبوعات مع المكتبات الأخرى والمؤسسات العلمية والأفراد.الميزانية:تخصص للمكتبة المركزية ميزانية ضمن ميزانية وزارة المعارف، تحدد سنوياً بما لا يقل عن مئتي ألف ريال، ويصرف منها على شراء مواد المكتبة وتحقيق احتياجاتها.الإعارة:يمكن لمنسوبي وزارة المعارف وغيرهم من الباحثين استعارة الكتب المسموح بإعارتها وفقاً للضوابط الآتية:1 الحصول على بطاقة إعارة المكتبة، وتسديد رسمها ومقداره عشرة ريالات للسنة الواحدة.2 إيداع تأمين مالي، من غير منسوبي وزارة المعارف عند استخراج البطاقة، ومقداره (500) ريال، تعاد إليه عند توقُّف الرغبة في الاستفادة من خدمات المكتبة.3 تحدد مدة الإعارة ب (أسبوعين).4 لا يزيد عدد الكتب المعارة لكل مستعير على خمسة.5 يمكن للمستفيد تجديد إعارة الكتب المسجلة باسمه إذا لم يكن عليها طلب.6 المستعير مسؤول عن الكتب التي تعار له.7 في حالة فقد أو إتلاف أي مادة من مواد المكتبة بفعل أحد مرتادي المكتبة فإنه تفرض عليه غرامة مالية مقدارها (300%) من القيمة الفعلية أو المقدرة للكتاب أو الشيء المتلف، وبحد أدنى لا تقل الغرامة عن (100) ريال سعودي، وتجوز مضاعفة هذه النسبة في حالة الكتب النادرة، أو عند تكرر فقد أو تلف ما بحوزة المستعير.8 عند تأخير إعادة الكتاب في الموعد المحدد يغرم المستعير مبلغ ريال واحد عن كل يوم تأخير.التصوير:تتيح المكتبة المركزية لمرتاديها خدمة التصوير من مختلف مجموعاتها وفق الضوابط الآتية:1 يقتصر التصوير على مواد المكتبة المركزية فقط، ولا يجوز تصوير مادة من خارج مجموعاتها.2 يتم التصوير بناء على تقديم نموذج خاص بهذه الخدمة موقع من قبل مدير المكتبة.3 لا يزيد عدد الصفحات المسموح باستنساخها على (10%) من مجموع صفحات المادة.4 تُدفع قيمة رمزية للمواد المصورة في حدود ريال واحد لكل (5) صفحات.العهدة:العاملون في المكتبة مؤتمنون بالتضامن فيما بينهم على محتويات المكتبة وهم مسؤولون عن المواد المكتبية المفقودة.الجرد: يتم جرد المكتبة المركزية كل سنتين.إسقاط العهدة:تسقط في كل جرد نسبة لا تتجاوز 1% عن كل سنة من مجموع الكتب الموجودة بالمكتبة.أوقات عمل المكتبة:1 تستقبل المكتبة مرتاديها على فترتين:صباحاً: من 8 2ظهراً مساء: من 4 9مساء.2 يتوقف العمل في المكتبة لأداء الصلوات المفروضة.

بداية الصفحة

قلووز = قلاويز kilavuz



* هذه الكلمة تركية، وتستعمل كثيراً في معظم مناطق الوطن العربي.ويوجد لها بديل بالعربية وهو "الملولب" من اللولب. والآلة التي تعمل اللولبة تسمى "سنانة" بتشديد النون. وهي عدة لعمل الأسنان داخل الثقوب المعدنية لغرض شد اللولب أو "الدوسر" الملوبة.وعملياً، فقد وجد العامة من الحرفيين أن اللفظ التركي قلواز وقلاويز أقرب إلى الفهم من اللولبة.عبدالعزيز الذكيرaalthukair@hotmail.com

بداية الصفحة

من خلال ما تبدعه يداها من مصنوعات وأزياء
المرأة في فيفا تتكيف مع الطبيعة الجبلية

جازان أحمدية سالم

* تقع فيفا في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة في منطقة جازان وتتوسط جبال السروات الممتدة من الشمال بمحاذاة البحر الاحمر الى ان تنتهي عند شواطئ بحر العرب جنوبا وتقع على خط عرض 18شمال خط الاستواء وتقاطعه مع خط الطول 43تقريبا وتمتاز جبال فيفا بهوائها العليل الرطب فهي تميل الى الاعتدال صيفا والبرودة شتاء.وطبيعة ارضها عبارة عن سلسلة جبلية متصلة ببعضها تتوسطها قمة مرتفعة ترتفع حوالي سبعة آلاف قدم.ويبلغ عدد سكانها ( 50الف نسمة) منهم المقيم ومنهم من هو خارج فيفا لطلب الرزق وهي مسكونة من قبائل عددها (19) قبيلة.تكيف المرأة مع الطبيعةواستطاع الانسان في العصر الحجري ان يتكيف مع بيئته وان ينحت له من الحجر بيتا ويصنع ادواته سواء للعمل كالزراعة او الادوات الاخرى من اوان او غيرها بنفس الخامة وهي المتوفرة لديه كذلك المرأة في فيفا قد ربطت بين العصر الحجري وطبيعة فيفا لكثرة جبالها ولصعوبة الحياة في هذه الطبيعة الصعبة وقد ذكرت فيفا في اشهر معجم واشهر مؤلف ومؤرخ جغرافي ياقوت الحموي في "معجم البلدان".وللمرأة في فيفا عطاء واسع وانتاج خصب وهذه دلالة على تفاعلها مع بيئتها ونشاطها ايضا ومن تلك المصنوعات صناعة الحبال من الياف شجر السلب، والمصنوعات الجلدية ومنها الشطف وهي عبارة عن جلد شاة بعد دبغه ويستعمل لعدة امور منها الزينة وتضعه المرأة فوق ظهرها لتحمي ملابسها عند حمل قربة الماء او الحطب، وكذلك (البوة) وهي عبارة عن جلد البقر بعد دبغه ويستعمل كفراش وزينة داخل المنزل، اضافة الى (الدّاوة) وهي قربة وتتكون من نوعين (الغرب) وهو جلد التيس الكبير بعد دبغه ويتسع لنحو (30) لترا من الماء، وكذلك (الوثبة) وهي جلد الصغير من الغنم وسعته (10) لترات، و(الجونة) وهي عبارة عن وعاء مدور الشكل مصنوع من الطفي تحفظ فيها المرأة ملابسها ولها عدة احجام لكل حجم استعماله، كما تقوم المرأة هناك بصناعة الاصباغ حيث عرفت المرأة في فيفا بصناعة الصبغة من جذور الاشجار.وتبدع النساء في فيفا بصناعة (الطباقة) وهي عبارة عن زنبيل صغير مدور ومزخرف الاطراف تستعمل لحمل الطحين وتزيين جدار المنزل، وكذلك (الكعدة) وهي مصنوعة من الخشب لها غطاء وتستعمل لحفظ الدهن وتزين بالودع ويحفظ فيها السمن ومن العادات المنتشرة بالكعدة تحملها المرأة معبأة بالسمن عند زيارة قريبتها بعد الولادة ويسمون هذه الزيارة (المطالعة).حلي المرأةومن ابرز الحلي في فيفا (المسكة) وهي مصنوعة من الفضة وهي حلقة مفتوحة تحتوي على نقوش جميلة وقبب صغيرة، و(اوضاح) وهي عبار عن حلقة مختومة وتلبس فوق المرفقين منقوشة وهي مصنوعة من الفضة، وكذلك (الأعلاج) وهي عبارة عن حلقتين من الفضة منقوشتين توضعان بجانب الاذن ويربط بينهما قطعة من الجلد عليها نقوش جميلة وتسمى سير الاعلاج.الملابسومن ابرز ملبوسات النساء في فيفا (الوزرة) وهي ثوب مصنوع في الهند ذو الوان متعددة، و(الستدرة النعمانية) وهي تفصيل ذو اكمام فسيحة لتستطيع الام ارضاع ولدها من خلالها، ومطرزة بخيوط جميلة في الحلق والاكمام ويصل طول (الستدرة) الى الركبة وتبدو من تحتها الوزرة، وكذلك (المحنة) وهي عبارة عن قطعة من قماش توضع فوق الرأس مطرزة اطرافها بخيوط ملونة ويسمونه (عرز) و(المعصبة) وهي قطعة قماش حمراء تلف بعرض حوالي 5سم وتضها فوق (المحنة) وتربطها خلف الرأس.وبعد القفزات الحضارية للمنظة في جميع المجالات وصلت التكنولوجيا الى المرأة في فيفا، فتحول مسكنها الى بيوت من الاسمنت المسلح وادواتها من احدث صيحات الموضة في جميع جوانب الحياة مع الاحتفاظ بالتراث بكل اشكاله اصالة عن الماضي وشاهدا للحاضر المشرق.

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم


مواقع الرياض
جريدة الرياض
الرياض إكسبرس
الرياض@نت
دنيا الرياضة
الرياض الاقتصادي
الصحفي الإلكتروني
منتدى الكتّاب
دليل المواقع