في معرض "فخار وبيوت" للتشكيلية منال السيد الألوان تبوح بأسرار رائحة الأرض
القاهرة القسم الثقافي شريف الشافعي:
* عندما تهمس الألوان بأسرار رائحة الأرض، وتتحد جزيئات الخامة بخلايا الإنسان الحية.. فمعنى ذلك انها تجربة موغلة في خصوصية الذات والبيئة معاً.. وهذا بالفعل هو ما يمكن الشعور به بمجرد مطالعة لوحات الفنانة التشكيلية منال السيد والتي تضمنها معرضها الأخير "فخار وبيوت" الذي انعقد في مقر نقابة الفنانين التشكيليين بدار الأوبرا المصرية.تقدم الفنانة منال السيد، وهي أيضاً كاتبة للقصة، تصوراتها الخاصة حول "المرائي البسيطة في الحياة والتراث" عبر مجموعة لوحات أظهرت من خلالها عوالم مركبة وغنية تمس رؤيتها للعالم بأسره ولمواطنها وبيئتها المحلية وتراثها المتعدد والمتباين.تتجسد الرؤى والتخيلات النابضة في لوحات الفنانة كما أرادت، أما عناصر وألوان الطبيعة والعالم البدائي (الاولي) وانفجارات الكون وتفتحات وردة الخلق التي تسعى إلى اظهارها بجد واجتهاد فلاشك انها عالقة بذاكرتها وضميرها الشخصي والفني من خلال خبراتها: الحياتية (الواقعية)، والبصرية (التراثية) والتأملية (الفلسفية) ومن خلال حرصها على الالتصاق بنبض البسطاء والتفاصيل المشهدية التي من الممكن التقاطها لدى ممارسي الحرف الشعبية والمهن التقليدية في القاهرة القديمة، فضلاً عن طرطشات مناظر الآثار الإسلامية والقبطية في شوارع قاهرة المعز (حي الجمالية بصفة خاصة) ومنطقة "مار جرجس" والتي تبدو رموزها وذيولها في كثير من اللوحات.ثبات الجذورويمكن القول ان تجربة "بيوت وفخار" هي تجربة خصبة لغناها بالروح المحلية، حيث تتحقق فيها مقولة الزعيم غاندي: "من المهم ان أفتح نوافذ بيتي أمام جميع التيارات والرياح، بشرط الا تقتلعني من جذوري".ان لوحات منال السيد تكشف عن وعيها بطبيعة تجربتها، وتجسد محاولاتها في مجال التشكيل.. باعتبار الفنان باحثاً تجريبياً.. يحاول الوصول إلى صيغة أو نتيجة عبر الحوار الجدلي بين الخامات المستعملة، مستفيداً من تراكمات المعرفة البشرية في مجال التشكيل، ومنفعلاً ببيئته وأفراد شعبه وتراثه وتاريخه. انها تجربة ذاتية، غير معزولة عن الهموم الحياتية الاخرى، وهي حوار وجدل بين ما تشاهده الفنانة وما تحسه، فهي أشكال جدلية بين المعرفة وطريقة التعبير، مع وضوح الاهتمام بالتراث، ولكن الفنانة ترفض استلهام التراث بطريقة فجة، فلا تتقيد بمنهج معين ولا يحكمها قانون سوى رؤيتها الذاتية وتجربتها. ومن ثم، نجد مزجاً بين روح الفنون المصرية بأضلاع أو خطوط المثلث الشهير: الخط الفرعوني، الخط القبطي، الخط الإسلامي.. مع الافادة الواعية من التيارات والمدارس الفنية المعاصرة والوافدة بمعالجات خاصة أقرب في الظاهر إلى التناول الفطري أو التلقائي، الأمر الذي يضفي بساطة مرغوبة على جملة الاعمال، ويكفل سلامة وصول المضمون إلى المتلقي.ومن الملاحظ في كثير من لوحات الفنانة منال السيد حرصها على تجسيم المنظور المصور، فثمة أبعاد للاشياء، والمرائي تغري باللمس لادراك علاقات دراما اللوحة، فضلا عن نتوءات ناجمة عن الظلال واختلاف الكثافات اللونية، مما يعطي لمسة نحتية (أو فوتوغرافية أحياناً) تمنح بعض اليقين أو التجسيد.. ونلحظ أيضاً ما يمكن تسميته ب "إنسانية المضمون"، حيث تتفاعل جزيئات الخامات والألوان المستخدمة على الفور مع الخلايا الإنسانية الحية للرائي، مما يشي ب "حالة حياة" شاملة تنسحب على الموضوع والتيمة التعبيرية، فتتلاشى كافة الاطر والحدود بين الذات والموضوع ويتحقق الجدل المنشود.الجدير بالذكر ان الفنانة منال السيد، والتي افتتح معرضها الدكتور حسين الجبالي نقيب الفنانين التشكيليين المصريين، من مواليد عام 1971م، وحصلت على بكالوريوس الفنون الجميلة في عام 1994م، وهي عضوة في اتحاد الكتاب المصري، وفي جماعة "انطلاقة" للفنون والآداب، وفي ندوة "المساء" الأدبية.. وقد أقامت معارض فردية واشتركت في اخرى جماعية عديدة في كلية الفنون الجميلة وفي جمعية أصالة للتراث بوكالة الغوري وفي قصر الفنون.
|