اكتب لنا اكتشف مواقع الرياض عناوين الرياض اليوم الأرشيف بحث الرئيسية
Thursday 14 June 2001 No.12043 Year 37 الخميس 22 ربيع الأول 1422 العدد 12043 السنة 37
مواضيع الصفحة
بعد إقرارها وصدور لائحتها
جائزة خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبدالعزيز آل سعود
للإبداع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عيون المبدعين


"سارة الفيصل" عطاء الزمن الجميل
كتاب يؤكد نجاح سمو الأميرة في بناء نهضة المرأة السعودية وإعدادها ثقافياً واجتماعياً


نص قصصي .. أقلام الخشب

اصدارات

عين الطفولة الذكية اللماحة في نص (الحزام) لأحمد أبودهمان
سيرة قرية تختزل كل القرى


رحلة العلامة من الصوت إلى الرمز (3/1)

القصيدة الخرساء

رامبو منظِّراً للحداثة الشعرية

(بيرل هاربر) فيلم الموسم دون منازع
أم المعارك الأميركية عندما تخيب إنسانياً وتسقط فنياً


أشهر حصارات المدن في التاريخ (1)

كانت مزدهرة بكثرة أيام العهد الأيوبي والمملوكي
سبل الماء في دمشق.. لم يبق منها إلا القليل.. لكنها ما زالت تلبي حاجة الناس


(ثقافة اليوم) تواصل مناقشة الأطروحات الجامعية ( 3- 3)
الرسائل الجامعية بين الضعف والقوة


الشعر باللغة الأخرى

مرثية فارس مقدسي"إلى فيصل الحسيني"

فاطمة .. في بيتنا

كانت مزدهرة بكثرة أيام العهد الأيوبي والمملوكي
سبل الماء في دمشق.. لم يبق منها إلا القليل.. لكنها ما زالت تلبي حاجة الناس


الجوارب

بعد إقرارها وصدور لائحتها
جائزة خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبدالعزيز آل سعود
للإبداع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عيون المبدعين

استطلاع: سحر الرملاوي، عذراء الحسيني، نوال الراشد

* تعد جائزة خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبدالعزيز آل سعود للإبداع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الحدث الثقافي الأبرز في الآونة الأخيرة حيث تم إقراره في الاجتماع الأخير الذي ضم وزراء الثقافة بدول مجلس التعاون الخليجي في المنامة البحرين، كما تم الانتهاء من وضع اللائحة المنظمة لها باعتبارها جائزة تقديرية تمنح للمتميزين من ذوي الاسهامات البارزة من مواطني دول مجلس التعاون، كما تقرر ان تغطي الجائزة المجالات الإنسانية الإبداعية كلها مثل الفنون والآداب بما فيها من شعر وقصة ورواية ونقد فن تشكيلي، والعلوم الأساسية والتطبيقية من فيزياء وكيمياء وأحياء ورياضيات وطب وهندسة وغيرها من مجالات الإبداع الإنساني وهي جائزة سنوية يمولها صندوق وقفي للجائزة يتم تمويله سنويا بمبلغ ستة ملايين ريال سعودي من قبل خادم الحرمين الشريفين لتغطية الجوائز والمصروفات حيث تقرر ان يخصص لكل جائزة مبلغ مليون ريال."الرياض" أجرت استطلاعا في الأوساط الخليجية المرحبة بالجائزة الكبيرة مع عدد من المبدعين في شتى المجالات حول قيمة هذه الجائزة من الناحية المعنوية وتأثيرها على حركة الثقافة الخليجية المستقبلية وأهميتها في إثراء الحركة الإبداعية في منطقة الخليج.جائزة للتاريخفي البداية يقول الدكتور أحمد الضبيب عضو مجلس الشورى: "ان تخصيص جائزة للإبداع في دول مجلس التعاون ترتبط باسم خادم الحرمين الشريفين أمر يسر كل مثقف ومبدع على امتداد دول هذا المجلس. وتأتي أهميتها من ارتباطها أولا باسم شخصية تاريخية، وقائد عظيم من قادة هذه المنطقة له مواقف مشهودة في العالمين العربي والإسلامي، كما كانت له اليد الطولى في رعاية الفكر والتعليم في بلاده حتى أضحت مثلاً أعلى لغيرها من دول الجوار.هذا الارتباط باسم الملك فهد بن عبدالعزيز حفظه الله يعطيها سمواً في الاشعاع، وارتفاعا في المنزلة.. وقبول لدى الجميع.وتأتي أهميتها ثانيا من تقدير جهود المبدعين في دول المجلس والاعتراف بأعمالهم الجيدة، ولا شك ان كثيرا من المبدعين في دول مجلس التعاون لا يجدون الفرصة في مجالات الجوائز العربية المطروحة في الساحة، لكثرة المتقدمين إليها من أقطار العروبة المختلفة. ولذلك فإن قصرها على موطني دول المجلس سوف يجعل فرصهم بنيلها مؤكدة ومتساوية.وتأتي أهميتها أيضا من جهة ثالثة من كونها دافعا للحركة الثقافية في هذه الدول ان تنمو وتزدهر، وان يكون التنافس بين أبناء هذه المنطقة دافعا للجودة، ومعززا للمواهب الشابة، وحافزا لها على الإبداع الحقيقي.ان جائزة بهذا المستوى والتوجه نأمل ان يكون لها الأثر الطيب الكبير في دعم المثقف الجاد، والمبدع المتميز في هذه المنطقة العربية التي طالما اتهمت ظلما بالجدب الثقافي والتخلف الفكري.احتشد الفرح في نفسيالأستاذ حمد القاضي عضو مجلس الشورى ورئيس تحرير المجلة العربية. وأحد من المعنيين بالشأن الإبداعي الثقافي عبّر عن سعادته قائلا: "احتشد الفرح وديان نفسي بعد إقرار جائزة خادم الحرمين الشريفين للإبداع في دول مجلس التعاون الخليجي.ولقد ضاعف فرحتي ان هذه الجائزة من خلال رؤية سريعة في لائحتها ستكون":أولاً: حافزا لأبناء الخليج للمزيد من ارتياد مجالات الإبداع العلمية والاقتصادية والثقافية وهم يدخلون القرن الواحد والعشرين..ثانياً: ان تسهم هذه الجائزة في المنجز الثقافي والعلمي لدول مجلس الخليج، فالعلم من حولنا بكل أسف لا يزال يعرف بلادنا بأنها ذات ثراء بترولي وصروح اسمنتية، ولكننا نريد أن يعرف منجز هذا الإنسان وإبداعه وعطاءه العلمي والفكري، مع ان الإنسان الخليجي ليس طارئا على الحضارة والإبداع بل انه اسهم منذ قرون عديدة في إثرائها وعطائها بل من الجزيرة العربية انطلق ضوء العلم والثقافة والنور.ثالثاً: اتطلع إلى المبادرة في إنجاز هذه الجائزة على أرض الواقع وأن تسعى الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي إلى اكتمال فرحتنا بها بالاسراع في بلورتها، وخير البر عاجله، وبخاصة حين يتعلق الأمر بالعلم والثقافة.تحريك عملية الإبدعمن جانبها عبرت الشاعرة القطرية سعد الكواري عن سعادتها بإقرار هذه الجائزة قائلة: "ان اعلان جائزة بأي شكل من الاشكال هو بالفعل له دور كبير وواضح في تحريك عملية الإبداع والثقافة كذلك تخلق نوعا من الدافع لبعض المبدعين في متابعة المسار في هذا المجال.فمثل هذه المسابقات لها أهمية كبيرة في تنشيط الحركة الإبداعية بصورة كبيرة وان كنت أرى ان الإبداع لا يتجزأ ولكن من الجميل ان يكون هناك جائزة لأبناء دول مجلس التعاون كبداية على أمل ان يتطور هذا المشروع لتكون هذه المسابقة على مستوى أكبر وأوسع.وسام للفائزينوعن قيمة هذه الجائزة للفائزين بها مستقبل يقول الأديب عادل الحوشان: لا شك ستكون جائزة خادم الحرمين الشريفين من أهم الجوائز التي تمنح على المستوى الإبداعي في الخليج كوسام أعلى يتشرف به الممنوح لهذه الجائزة اعترافا وثقة من المسؤولين عنها بأحقية الكثير من أبناء هذا الوطن للتكريم والرفعة والاهتمام ومحرضا فعليا للتنافس في مجالات الإبداع المختلفة لإنجاز مشروعنا الثقافي الخليجي.ومن المهم أن تأتي في هذا الوقت الذي بدأ فيه أبناء الخليج بخوض تجربة مهمة على المستوى الإبدعي.شعب واحد وبيت واحدهذا ما عبّر عنه الأديب زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ قائلا: "ليس غريباً على وطننا ما يفعله من أجلنا، ولكن سؤالنا دائما ماذا فعلنا لوطننا، البذل والعطاء في مجال العلوم التطبيقية والفنون الإنسانية هو سبيل تعودنا عليه من قادة هذه البلاد منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، والحمدلله اننا لا نزال نبذل مالنا وتقديرنا للعلم وأهله.الجديد في الأمر هو نحن، ماذا علينا نحن تجاه هذا التشجيع، علينا مسؤولية يجب أن نأخذها مأخذ الجد، أن نبرز أعمالنا بالوجه الذي يليق، ان ننظر إلى الصراع الإنساني بين الشعوب، صراع البقاء بيننا وبين اليهود، صراعنا مع الشرك والبدع والخرافات، وصراعنا مع عاداتنا البالية، الصراع الذي يجعل كل مسلم في خندق الدفع عن دينه ووطنه وأهله. ان الجائزة وقد خصصت لأبناء مجلس التعاون الخليجي هو تتويج لأنفسنا وإبراز لصورتنا في إطارها العربي والإسلامي، لعلنا بها نعرف من لا يرى فينا غير الثراء والنفط، اننا شعب له سهم في الحضارة الإنسانية وامتداد لحضارتنا الإسلامية، ونحن كذلك إن شاء الله.فتخصيص الجائزة لمجلس التعاون فيه لفتة ذكية إلى وحدة الهدف بين أبناء المنطقة، ان منجزاتنا توجه لصالحنا جميعا شعب واحد وبيت واحد، ولعل هذا التوجه، وذلك بزيادة التعاون والاستفادة من خبرة أبناء المجلس.الجائزة حلم المبدعينخبر رائع بكل المقاييس وهو حلم لكل مبدع بهذه العبارات استهل محمد فخر الدين الهاجري اخصائي ملكية فكرية بشركة أرامكو السعودية، تخصص براءات الاخترع تعليقه وأضاف: "ليس مستغربا أو جديدا على حكام المملكة العربية السعودية الاهتمام بالإبداع والمبدعين، بداية بجائزة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله التي تؤكد بعالميتها اهتمامه رحمه الله بالمبدعين أينما كانوا وذلك بتكريمهم ومكافأتهم ليكونوا قدوة لغيرهم من العلماء في أفرع الجائزة المختلفة، مرورا برعاية الدولة حفظها الله للمتفوقين والموهوبين من أبناء الوطن عبر مراكز رعاية الموهوبين التابعة لوزارة المعارف والمنتشرة في أنحاء المملكة، ثم برعاية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله لمؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين التي تعنى بالموهوبين من أبناء الوطن، وتتويج خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله جهود المملكة في رعاية الإبداع والمبدعين بجائزة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود للإبداع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.بعد أن يسرت الدولة حفظها الله سبل العلم لأبناء الوطن من التعليم الإلزامي إلى التعليم العالي والابتعاث للدراسة أو التدريب، وبعد ان وفرت الدولة الجوائز والتكريم للمبدعين والمخترعين، لم يعد هناك عذرا للمتقاعسين عن العمل الراكنين إلى الراحة والدعة والكسل. ان السبل ميسرة ولله الحمد ولا يوجد معوق عن الإبداع والابتكار والاختراع، ان التقدم الصناعي والتقني هو القوة العسكرية في الغرب، والقوة الاقتصادية في الشرق وهو المقياس الحقيقي لتقدم الأول وهو الدافع الرئيسي للنمو الاقتصادي للأمم، هذ المفهوم الشامل لقوة العلم والابتكار والاختراع كان نصب أعين قادتنا عندما رعوا العلم وكرموا المبدعين وكافأوا المتميزين منهم، وهو ما يهدف إليه خادم الحرمين الشريفين حفظه الله عندما قصر المسابقة على أبناء الأسرة الواحدة أبناء الخليج العربي حتى يتنافسوا فيما بينهم لما فيه رفعة دولهم وتقدمها التقني والاقتصادي، فالتقارب الشديد بين المتنافسين في المستوى الفكري والعلمي يجعل المنافسة بينهم عادلة، ووجود متسابقين من دول ست يبعد المسابقة عن الجمود والانغلاق ويأتي بأفكار ودماء جديدة ترفع من مستوى المتسابقين مرة بعد أخرى، وغياب المنافس من الدول المتقدمة صناعيا يحفز همم أبناء الخليج للتنافس فيما بينهم، فلا يخفى على فطن ان مشاركة منافسين من دول متقدمة صناعيا وحصدهم معظم الجوائز تثبط من همة المتنافسين من أبناء الدول الأقل نموا وتكون عائقا بينهم وبين خوض المنافسات العالمية. أفلا نعمل حتى نكون من الشاكرين لأنعم الله علينا؟قناة تعريف مهمةويقول الأديب عبدالله التعزي:انه لشيء جميل ان يهتم بالمبدعين على هذا المستوى خصوصا واننا فعلا بحاجة إلى جائزة تهتم بالإبداع الخليجي. وان تكون جائزة تقديرية أخرى مثل جائزة سلطان العويس على المستوى العربي ولكن إذا حددت الجائزة بشكل أقرب إلى الإبداع منها إلى تقدير مجمل الانتاج العام كجائزة البوكر البريطانية وجائزة بلتزر الامريكية والتي تهتم بالمميز في الإبداع أكثر من تقدير مجمل الإبداع إذا تم تحديد هذا في الجائزة فاعتقد ان هذه الجائزة ستكون قناة يستطيع الآخر ان يتعرف من خلالها على المهم والمميز من إبداعنا طبعا الجائزة تقديرية واتمنى ألا تدخل هذه الجائزة التقديرية في الإطار الإداري الممل والطويل والذي يحرص على ان يقتل الجميل في مبدعينا إذا استطاعت لجنة الجائزة أن تتجاوز القوانين الجامدة إلى استشراق الجمال في الاعمال الإبداعية فإنها حتما ستتوج بشكل إيجابي إلى أهم المبدعين في الخليج وليس إلى مناصب المبدعين.ان وجود جائزة تقديرية في الخليج شيء جيد وكل الذي اتمناه أن تكون فعلا تقديرية بما يتناسب وقيمة الجائزة المعنوية والمادية وان تصل إلى مبدعينا الحقيقيين.الجائزة نبهتنيمن جانبه تحدث الدكتور مازن مطبقاني أستاذ مساعد بقسم الاستشراق بكلية الدعوة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) حول أهمية الجائزة قائلاً: انني من المؤيدين لإنشاء جوائز في شتى المجالات ولذلك فرحت جدا بخبر هذه الجائزة وأنا بشوق للاطلاع على اللوائح التنظيمية لهذه الجائزة ومن الذي يحق له ان يرشح وكيف يتم الترشيح. ولابد انك اطلعت على مركز المدينة لدراسات وبحوث الاستشراق وهذا المركز قد اصبح في منتصف عامه الثاني واعتقد انه من النشاطات الإبداعية فإعلان هذه الجائزة قد فتح عيني على التفكير في الجائزة وهل من حق الإنسان أن يفكر في الجوائز وبخاصة إذا شعر انه مبدع فعلاً ولا أريد ان افصل ولكن ارجو ان تتاح الفرصة للجميع للتجول في الموقع على الانترنت بتوسع ليعرفوا حجم الجهد والإبداع في هذا العمل وبخاصة انه عمل فردي يقوم به فرد، ومثل هذه الجائزة كما اتصور من شأنها ان تقدر هذا المجهود.أعضاء اللجنة."الرياض" التقت أيضاً بعض أعضاء لجنة الجائزة من مختلف دول المجلس لتقف منهم على بعض الحقائق عن وحول الجائزة فمن سلطنة عمان التقت "الرياض" الشيخ محمد بن أحمد الحارثي الذي قال: "منذ البداية أدركت منظومة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ان رقيها وتقدمها الحضاري يكمن في الإنسان باعتباره غاية ووسيلة لهذا التطور، من هنا ارتكزت كل جهودها على ذلك الإنسان واهتمت بتكوينه وإعداده للانطلاق نحو عملية البناء التنموي الشاملة.ويضيف: ان أصحاب السمو والمعالي الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية بدول المجلس باعتبارهم المعنيين بالفكر والإبداع، كان لهم اهتمام كبير بالبحث عن افضل السبل للعناية بتحفيز وتشجيع كل المبادرات الخلاقة الساعية إلى الرقي الإبداعي في مجالات الثقافة والعلوم وخلصوا إلى الرؤية المشتركة لاستحداث جائزة خادم الحرمين الشريفين للإبداع التي بادرت المملكة العربية السعودية الشقيقة مشكورة بتحمل تكاليفها، إيمانا منها بما يمكن ان تحدثه في مسار عملية النمو والتطور في مجال الثقافة والعلوم ولتشكل رافدا جديدا من روافد دعم ورعاية المبدعين في دول المنطقة كوحدة واحدة لا تتجزأ، نظر لما ستشكله هذه الجائزة من بلورة للعمل الثقافي وتحفيز القدرات الإبداعية المتنامية في المنطقة واكتشاف تلك القدرات ورعايتها والاعتراف بها كواحدة من العناصر الجوهرية الملازمة للتنمية.وهي بذلك تسعى إلى رعاية التميز والتأكيد على ضرورة تكاتف الجهود وتعزيز دور التعاون الخليجي في مجال تنمية القدرات الإبداعية وضرورة الدفع بها إلى أقصى مدى.ويكمن المردود الحثيث لمثل هذه الجائزة في كونها تلامس الغايات المنشودة لإنسان هذه المنطقة والفهم الأكيد لأهمية الخلق والإبداع المرتكز على روح حضارة المنطقة وغناها في سعيها للرقي بمستوى ذلك الإبداع والمساعدة على تهيئة كل الأجواء المناسبة له.جائزة رائدةومن الامارات كان ل "الرياض" هذا اللقاء مع الشيخة ميسون القاسمي عضو لجنة الجائزة بل في الواقع العضو النسائي الوحيد في اللجنة وقد عبّرت عن سعادتها بالجائزة وعضوية لجنتها وقالت: تعتبر الجائزة بكونها الأولى من نوعها التي تمنح للمبدعات والمبدعين في مجلس التعاون الخليجي وبمكرمة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز قيمة هامة في ذاتها من ناحية ورافعة لقيمة الإبداع من ناحية ثانية بالاضافة الى انها جائزة رائدة على المستوى الخليجي وهي تتوجه إلى المثقفين داخلها على المستويين الخاص حيث توحد بينهم وتخصهم في هذه الجائزة والعام حيث لا تتجه لدولة في ذاتها داخل المجلس وكان من الممكن ذلك لولا التوجه الراقي لجعلها ضمن جوائز الأمانة العامة لمجلس التعاون فهي تجمع بين شعوب المنطقة وتصبح كمقدمة لتخالط فكري ووجداني وعلائقي بين المثقفين وهو موجود من الأساس لكنه موجود بشكل غير مؤسس له كما يساعد في صياغة موقف ثقافي وإبداعي وهذا دور اساسي يرفع من قيمة المثقف والمبدع ومن ثم قيمة الثقافة في دولنا.. بالاضافة الى ذلك فإن أي جائزة محترمة هي في حد ذاته انتصار للإبداع الذي لا يبحث عن جوائز بالطبع ولكنه يبحث عن قيمة حقيقية ولهذا فإن أي جائزة له هو انتصار للإبداع في دولنا وتركيز الضوء على الجيد والراقي منه والارتقاء بقيمة المنتج الإبداعي والثقافي في ذاته وعلى المستوى الموضوعي والثقافي وإذكاء روح المنافسة الجيدة بين المثقفين والمبدعين لا أساس الدولة الواحدة بل على مستوى أوسع وأشمل تجعله قادراً على المنافسة الأكبر والأكثر وعياً وإدراكاً. وان اقترانها باسم الملك فهد وان تقدم عن طريق رؤساء الدول أو من ينوب عنهم فهذا أيضاً إعطاء الثقافة الدور الذي تستحقه والتركيز على أهميتها بل والاعتراف بدورها أيضا والاعلاء منه والذي لم يكن من قبل حيث كنا نجد الجوائز الكبرى تتجه إلى مجالات أخرى مثل الرياضة وغيرها ولم يعتن بالمثقف الخليجي على الإطلاق مما أدى بالمثقف إلى الاحباط وعدم الاهتمام بانتاجه الثقافي.. اعطاء مكانة ترفع من الإبداع ليست على مستوى المثقفين فقط بل على المستوى الشعبي والإنساني عموما. ولابد من تذكر دور المرحوم الأمير فيصل بن فهد الذي قدم هذا المشروع ودعمه واهتم به وهو الذي يرجع له الفضل الأول في طرح فكرة هذه الجائزة وانتهز هذه المناسبة لارجاع الفضل إليه.ان نوعية الجائزة وقيمتها واقتران اسمها بالملك وكيفية اختيار الجائزة عن طريق اللجان ذات المستوى هذا يعني انها ليست مجرد جائزة تعطى بذاتها بقدر ما هنالك من تصفيات حقيقية يعطي للجائزة قيمتها ونزاهتها أيضاً.وبالنسبة لي أنا سعيدة بإقرار وتأسيس هذه الجائزة باعتباري مبدعة أولاً من مجلس التعاون ومن ثم أي جائزة تمنح لأي مبدع هو اعتراف لي ثانيا. وان إقرار هذه الجائزة كان له الخصوصية لي من حيث مشاركتي في اجتماعاتها التأسيسية ولي الفخر أن تختارني دولتي كي أشارك وأمثلها في تأسيسها وأن أرأس أحد اجتماعاتها وأنا أعلن انني جد سعيدة كوني المرأة الوحيدة التي تشارك في هذا العمل الراقي.الجائزة وإشكالية الإنتماءويقول الدكتور محمد غانم الرميحي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب "دولة الكويت": ان كل إطار يحتاج إلى أدوات ربط وكل انتماء يتعزز بصلات. كذا الانتماء إلى الخليج العربي. ومن هذه الزاوية أنظر بداية إلى جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، للإبداع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وعندما تخصص جائزة للإبداع على هذا المستوى الرفيع من التشجيع المعنوي والمادي، فهذا يعني ان الرؤية الأولى هي الدفع نحو انتماء حضاري خلاق ما أحوجنا إليه رغم ما تم إنجازه إلى الآن على صعيد مسيرة مجلس التعاون. ان الأمة تنهض عندما ينخرط مجتمعها في عملية تنافس لإثبات قدرة ابنائها على محاكاة أمم سبقت، أو لإثبات ريادتها للعالم. ونحن لا نزال في خانة الاحتمال الأول. ومن المستحيل احداث حالة الانخراط هذه دون تشجيع وحفز، وهما لا يتحققان إلا من خلال الدور الذي تؤديه الجوائز. وكلما اتسعت الدائرة الجغرافية للجائزة كانت المنافسة أعم وأوسع، فتجيء النتائج أرقى والفائدة أشمل وأفعل. إن كلا من دول الخليج خصصت جوائز إبداع على المستوى الوطني، وبعضها خصص جوائز على المستوى القومي العربي. وتنوعت مصادر رعاية هذه الجوائز بين جهات رسمية أو مؤسسات أو افراد تميزوا بالمبادرة المقرونة بالقدرة والوعي والشعور العميق بالمسؤولية العامة. وليس مصادفة ان تقترن هذه الجوائز مع الحراك الفكري والعلمي والثقافي الذي تشهده مجتمعاتنا الوطنية في الخليج العربي، في حاضرنا الحديث. وأجزم بأن هذه الجوائز كانت واحدة من أبرز دوافع الإنجازات التي شهدناها على هذا الصعيد غير ان ما تحقق يبقى أدنى بكثير من الطموح في أكثر من ناحية، فالنهضة تتمم بالكامل بين مختلف جوانبها، ويجب أن نشدد على هذا المحور لدى كل معالجة لشؤون الخليج ومجلس التعاون. من هنا بدأت الحديث عن العلاقة بين الجائزة والانتماء. ذلك ان التعاون الخليجي بقي حتى الآن عند مفهومه التضامني السياسي، مع محاولات متفرقة لوحدة اقتصادية وسياسات إجرائية لرفع مستوى التعامل المتبادل مع المواطنين. اما على مستوى التفاعل الفكري والعلمي والثقافي، والإبداع عموما، فإني ألمس قصورا يتجاوز مرات مضاعفة قصور هذا النوع من التفاعل على المستوى القومي العربي. ووسط هذا التفاوت بين الطموح إلى وحدة خليجية من ناحية، والواقع المنجز إلى الآن، جاء قرار الوزراء المسؤولين عن الثقافة في دول المجلس قبل سنتين بتبني اقتراح الأمين العام للمجلس، المقدم من الأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز رحمه الله استحداث جائزة خاصة بدول المجلس تهدف إلى تقدير الإبداع والريادة وحفز الأفراد والمؤسسات على اكتشاف الإمكانات والطاقات الكامنة فيها. غير ان تبني خادم الحرمين الشريفين للجائزة جعلنا نتفاءل أكثر بأهمية المشروع. فهذا التبني الكريم يساعد على تثبيت رؤية المشروع والأهداف المتوقعة منه ويزيد من مصداقية التعاون على المستوى الثقافي، بل على مختلف المستويات. من هنا كانت مسارعة الوزراء المعنيين إلى إطلاق اسم خادم الحرمين الشريفين على الجائزة التي تتميز بقيمة معنوية ومادية على هذا المستوى الرفيع الذي يجعلني اتوقع التالي:أولاً: ان تكون بين أهم الجوائز قيمة وشمولية على المستوى العالمي قاطبة.ثانياً: ان هذه الجائزة ستحدث تنافسا حضاريا راقيا بين أبناء دول المجلس ومؤسساتها بما يسهم بفاعلية في نهضتها.ثالثاً: ان الجائزة ستساهم في اسراع وتيرة التفاعل على المستوى المجتمعي، العلمي والثقافي عموما بما ينعكس على مختلف المستويات.رابعاً: ان مجلس التعاون سيكتسب صورة تجدد وتحيي مصداقية شعاراته وأهدافه.خامساً: ان الجائزة ستشجع على مبادرات أخرى على الصعيد العربي العام.ولذلك كله فإن الجائزة سيكون لها مردودها الذي يساهم في جميع جوانب نهضة أمتنا ومجتمعنا العربي في الخليج.

بداية الصفحة

"سارة الفيصل" عطاء الزمن الجميل
كتاب يؤكد نجاح سمو الأميرة في بناء نهضة المرأة السعودية وإعدادها ثقافياً واجتماعياً

القاهرة مكتب "الرياض" سامي المهنا:

* "سارة الفيصل وعطاء الزمن الجميل" ليس مجرد عنوان لكتاب يحمل بداخله إنجازات امرأة عربية ترأس جمعية النهضة النسائية الخيرية والتي أسستها منذ 39 عاماً، ولكنه يحمل بداخله قيمة لمعنى جميل ونادر، معنى تجسده هذه المرأة الفاضلة والتي يعرفها كل إنسان على أرض المملكة العربية السعودية وجميع أنحاء الوطن العربي بما تقدمه من خدمات ورعاية للأسرة والطفل، وضمن موسوعة المرأة العربية صدر هذا الكتاب الذي يحمل هذا العنوان للكاتب عادل حافظ، ويأتي الكتاب في أربعة فصول.. الفصل الأول في عنوان "سارة الفيصل القيادة، الرمز وروح العصر"، الثاني "الفيصل والتاريخ وبناء وطن المرأة"، الثالث "سارة الفيصل وعطاء الزمن الجميل"، الرابع "سارة الفيصل بين وطن المرأة ومدرسة المجتمع".. ،عبر هذه الفصول الأربعة تفوح رائحة هذا المعنى الجميل الذي تجسده سارة الفيصل رائدة العمل الاجتماعي السعودي والتي انطلقت منذ البداية لطرح نهج يتمشى مع تعاليم الشريعة الإسلامية ذلك لأن النهج الإسلامي هو القادر على أن يتصدى للتحديات دون أن تستوعبه الأعراض الثانوية وبالتالي فهو يشحذ الهمم ويقوي العزائم ويطور الإمكانات. وانطلقت جمعية النهضة النسائية معها لتعزز إنسانية المرأة بوصفها قيمة حضارية تتعزز بالعلم والوعي والإدراك والشعور بالمسؤولية ولتسمو بالولاء الاجتماعي إلى مراتبه العليا.* وقد أسست جمعية النهضة النسائية الخيرية دعائمها ومرتكزاتها* كما يقول الكاتب عادل حافظ بقوة وصلابة سواء على أرضية النهوض التنموي الوطني الشامل، من خلال مشاركة المرأة السعودية في كل الميادين والقطاعات التنموية السعودية ومن خلال ترشي الصحوة الخيرية وتعميق وتفعيل مضامينها ومفرداتها في الوجدان الإنساني العام. لكن كان يقلق الأميرة سارة الفيصل منذ تأسيس جمعية النهضة النسائية الخيرية كما يقول عادل حافظ هو كيفية تفعيل العمل الخيري التطوعي مع المجتمع السعودي وخاصة وأنها تؤمن بأن الجانب الخيري لعمل المرأة السعودية له قيمته الكبرى والهامة، لأنه يأخذ الدور المكمل والمتمم لخطط الدولة في تنمية الفرد والمجتمع. ولكنها كانت تفرق دائماً في عملها الخيري التطوعي بين القلق الخلاق والقلق المكبل الأسر، بين القلق المثمر للنجاح، والقلق المستهلك لعزيمة الفرد، وبين القلق الإيجابي والقلق السلبي، بين قلق الباحث عن توفير الأمان والسعادة للآخرين وقلق المرتعد من ارتياد تجربة جديدة. لذلك سعت جمعية النهضة معها إلى تنظيم اهتمامات المرأة السعودية، وتعبئة جهودها وحشد طاقاتها في مراكز ومؤسسات أهلية، تقوم على تقاليد إسلامية اجتماعية راسخة وعلى تحمل المسؤولية الواعية إلى المشاركة في بناء المجتمع. لذلك فهي تسعى دائماً كي تقدم النموذج الفريد لنهج العمل الخيري التطوعي والتنموي السعودي، في أبعاده ومطامحه وتطلعاته الحضارية، بعد أن حققت وأرست أبعاده ودعائمه الوطنية.* ويقول الكاتب عادل حافظ في مدخل كتابه أعطتنا سيرة الأميرة سارة الفيصل، الحافلة بالإنجازات الاجتماعية والإنسانية، منذ تسعة وثلاثين عاماً وحتى اليوم، السيرة المحمودة التي تختزن معها قيم الأمة الإسلامية، قيم الوفاء للمجتمع والولاء للوطن، أنها صورة دقيقة عما ينبغي أن تكون عليه المرأة العربية المسلمة وما تطمح إلى تحقيقه. تعرف ما تريد من أجل العمل التطوعي الخيري الإسلامي، وتعرف ما هو ممكن الآن، وما هو غير ممكن، تعرف كيف تحول غير الممكن للمرأة والطفل إلى ممكن، تحدد الهدف الخيري التطوعي في ضوء الإمكانات المتاحة، وتعمل على تحقيق إمكانات غير متاحة لتحقيق هدف جديد غير متاح. وليس لديها قرار غير محسوب ولا عمل غير مدروس، وليس للصدفة مكان في أرقام حساباتها الاجتماعية، والإيمان بالعمل التطوعي الخيري من أهم الأعمال لديها. أدركت معنى العمل الاجتماعي والإنساني بدقة، وهذا نتلمسه في قمة عطائها ووفائها للشعب وللأمة الإسلامية.* وضعت العمل الاجتماعي في موضعه، وأصبح من أوليات الاهتمامات لديها، وكرمت الأرامل والأيتام والأسر الفقيرة والمعوق والكفيف والطفل، كما ينبغي أن يكون التكريم في أسمى مواقعه وأرقاها. ومنذ تأسيسها لجمعية النهضة النسائية الخيرية عام 1962م، طرحت الهدف الأساسي من العمل التطوعي والخيري بشكل مختلف تماماً عن الجمعيات النسائية العربية. يتمثل في أهمية تحديد الهدف المحلي للعمل التطوعي وتحديد الأولويات والتميز بين ما هو رئيسي وما هو هامشي وتركيز الجهد الرئيسي باتجاه العمل الخيري الاجتماعي وذلك عن طريق تنمية قدرات المرأة وتوجيهها وذلك بما يتلاءم وتعاليم الشريعة الإسلامية وتنظيم نشاطها الخيري والاجتماعي والمساهمة الفعالة في تحقيق أهداف خطط التنميةالوطنية بالمملكة العربية السعودية. فتمثلت الحقبة الأولى مما قدمته الجمعية في خدمات ريادية مثل: إنشاء مركز توعية الصحة، التعليم الخاص الذي يرعى الفتيات والسيدات ذوات الإعاقة الخفيفة ويقدم لهن الرعاية التأهيلية والتعليمية والنفسية من خلال مراكز متخصصة لهذه الخدمات. ورعاية متلازمة من خلال مدارس متخصصة وتقديم التعليم الخاص لهم. وجاءت المراحل التالية لتؤكد قيمة هذا العمل ومن إنجازاتها افتتاح أول مدرسة لتعليم ذوي الحاجات عام 1407ه كأول مؤسسة تربوية سعودية تعني بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وفق أحدث الأساليب العلمية لهؤلاء الأطفال وتتابع نموهم وتطورهم على أيدي متخصصين.* لذلك فهي أول القيادات الاجتماعية التي طالبت بأهمية إفراد قانون خاص من قبل الدولة من أجل دعم برامج رعاية وتأهيل وتنمية مهارات هذه الفئة وقد عكست تجربة جمعية النهضة مع ذوي الاحتياجات الخاصة المتلازمة، ردود فعل نافعة من قبل المجتمع السعودي والدولة شملت عملية التأهيل والتشغيل والدعاية بعد ذلك.* وقد خرجت سارة الفيصل عن دائرة الأمومة المحددة بالإنجاب إلى دائرة الأمومة لكل أفراد المجتمع السعودي. حتى أنها عندما أرادت أن تتبنى طفلة اختارت طفلة معاقة لتعطي للمجتمع العربي درساًِ قوياً لأهمية رعاية المعاقين. ولم تكتف سارة الفيصل أن تكون إحدى مثقفات الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية أو تقف عند هذا الحد وهي التي تجيد اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية. بدون أن يكون لها دور تطوعي يهدف إلى إنماء العمل الثقافي لدى المرأة في المجتمع السعودي. لذلك أقامت الجمعية عدداً من الدورات الثقافية لتعليم اللغات الأجنبية.وفي مجالات مختلفة وقد تطور منهج هذه الدورات تطوراً يناسب احتياجات المرأة والمجتمع السعودي وساهمت الجمعية أيضاً في تفعيل دور الفنانة التشكيلية السعودية في المجتمع السعودي وذلك من خلال إقامة معارض وبالتالي إتاحة المجال لإبراز دور الفنانة السعودية وازدهار الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية.* وهكذا كان على سارة الفيصل أن تنهض مع جمعية النهضة النسائية الخيرية، نهضة جديدة مشرفة، تجمع بين أصالة الماضي وإشراقة الحاضر وأمل المستقبل، ترتبط بماضي الأمة المجيد بأرقى الأنساب وتأخذ من حاضر الأمة السعيد بأقوى الأسباب نهضة حضارية تحتل بها المملكة مكانة مرموقة في العمل الاجتماعي الخيري التنموي، نهضة هدفها الإنسان السعودي، محور اهتمام الدولة الدائم والثروة الحقيقية للوطن السعودي.* ولعل هذا الفكر وهذه الرؤيا الحكيمة للأميرة سارة الفيصل لها من الجذور الكثير حيث تؤكد أن نظرتها للمؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله والذي تعلمت منه كيفية النهوض بشرف المسؤولية في قيادة العمل الاجتماعي، فقد كان يمثل لها الجبل الشامخ الذي يجسد شموخ رسالة الإسلام.* كذلك تناولت صحوة العمل الخيري التطوعي والتنموي السعودي والذي تعزز بالعمل الفاعل والهادف والرعاية الكاملة من قبل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير عبدالله بن عبدالعزيز وسمو النائب الثاني وزير الدفاع والطيران الأمير سلطان بن عبدالعزيز.* وهكذا دائماً الشجر المثمر.. أوراقه لا تنضب وتبقى رائحتها تفوح في كل الأركان.. وتظل أصالة الجذور ممتدة في فروعها.

بداية الصفحة

نص قصصي .. أقلام الخشب

فهد المصبح

* من الجماد تبنت الحياة وتستأصل ويبقى الفناء دالة الوجود"من أقوال حكيم موسوسأولاد كموج البحرتقض الأرض كالزلزال *طلباتهم تضجر الآباءرغم الجوع والمرض والتخلف قالوا بصوت واثق:* سنتسلح بالعلم.ومرت الشهوروفي كل عام يخضعون لامتحان نتائجه تبعث الصراخ.. الكل ينشد سبب الاخفاقحتى ألفته آذان الآباء، فقابلوه بالصمت ما دام لا يمس سلطانهمالأولاد تسبر المستقبل والكبار تردد:* الغيب لله وحده.جاء الامتحان الكبير.. سكنت الأجساد الدورجمع الآباء الأقلامنام الأولاد بأدمغة مثقلةوجاء الصباح ولم تحضر الأقلامكانت التعليمات تدعو للتأجيل* محال.كانت صرخة الرفض في وجه الآباء فسقوهم :* كل شيء تطور حتى الاختبار.* والأقلام؟* سنوزعها مبرية في قاعة الامتحان.وفي طريقهم شاهدوا الأقلام ترقد حبيسة الجدرانبأفواه مثلومةتهتف بيوم النجاحواصل الأولاد طريقهم بأيد خاليةيبحثون عن قلموهي في المكتباتفقصدوهاليجدوا المفاجأةرفض معزز من الآباء الباعة بيعهم خوفاً من استعمالها في أمور غير دراسيةغضبغضبالأولاد ترعد تريد المصير وتواصل سيرها إلى ساحة الوغىفي أيديهم أقلام من خشباتخذوها من أغصان الشجرودخلوا معمعة الامتحانكان السؤال كبيراًكتبوا إجابته بحروف مسروقة *لم تظهر على الورقفالأعواد لا تكتب إلاّ على الأرضينقصها المدادفطنوا إلى أمر تهامسوا بهعصروا دماءهم وأرضعوها أقلام الخشب فكتبت سطوراً قرأها الجميع إلاّ هموالآباء عاجزة تبكي السندوالأولاد رفاتا تحت سيوف الخشبوالنتيجةككل سنة لم ينجح أحدهامش:* من قصيدة لسعد العتيق.* من عنوان المجموعة هيام المفلح.الدمام 1422ه

بداية الصفحة

اصدارات

إعداد: عماد العباد

* منطقة الخليج العربي *" من القرن 3ق. م وحتى القرن الأول والثاني الميلاديين" المؤلف: د. حمد بن محمد بن صاري * في الوقت الذي اهمل فيه الباحثون والدارسون لليونانية والرومانية واللغات السامية ولمدة طويلة دراسة التأثيرات اليونانية والرومانية في منطقة الخليج، يأتي هذا الكتاب كدراسة علمية منهجية تبحث في تاريخ الخليج العربي في الفترتين الهلستية والرومانية وعلاقتها مع حضارات العالم في ذلك الوقت، وقد اعتمد الباحث في جمعه للمعلومات على كل ما انتجته الدراسات التاريخية والأثرية في هذا الخصوص من جهة والى مقابلة الشخصية القائمة على منهج علمي مع عدد من كبار الباحثين وعلماء الآثار المهتمين بهذه المنطقة اضافة الى الزيارات الميدانية الاستكشافية الى عدد من المناطق التي يذكرها مع تزويد القارئ بصور لآثارها وحضارتها. * المعلوماتية والمجتمع *المؤلف: معن النقري الناشر: المركز الثقافي العربي مايو/2001* يحاول المؤلف استشفاف مجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع المعلوماتية في عصر تميز بالانفجار المعرفي في كافة الاصعدة، ودار موضوع الكتاب حول محورين الاول المعلوماتية وعصر المعلومات وشرح فيه المؤلف مفاهيم اساسية في المعلومات والمعلوماتية وتحدث عن الانسان والاخلاق في عصر المعلوماتية، وعن الاتصالات والروبوتات وعن العالم النامي في عصر المعلومات، في حين خصص المحور الثاني للحديث عن المعلوماتية ونظريات المجتمع بعد الصناعي. * اتجاهات نقد الشعر في الأندلس * الناشر: المجمع الثقافي 2000م * يؤرخ لنقد الشعر في عصر بني الاحمر الاندلسي الذي لم يقبل على دراسته الا القلة من الباحثين الذين لم تكن دراستهم له بالميسرة ، بل كانت الوقفة سريعة والنظرة عجلى، والحكم غير دقيق بسبب مشقة الاستقصاء وقلة المصادر وجدة الموضوع حتى وقف مؤلف هذا الكتاب على شيء غير قليل من خزائن المخطوطات في دور الكتب ومعاهدها العربية والاجنبية، ليتناول اهم القضايا المطروحة فيما دار عليه الكلام ونال الاهتمام، ليصبح مصدراً مهماً يعنى بالدراسات الاندلسية في التاريخ والنقد والأدب. * شروط نهضة العرب والمسلمين * المؤلف: أبو يعرب المرزوقي الناشر: دار الفكر المعاصر مارس/2001* يقوم المؤلف بمحاولة الوقوف وتحليل الاسباب التي أدت الى تعثر العرب والمسلمين من خلال هذا الكتاب، وذلك في سبيل ايجاد طريق تتيح لنهضة معاصرة النجاح، وقد طرح الباحث في أول دراسته سؤالين وأجاب عنهما، الأول: كيف نتخلص من الخطأ الذي وقعت فيه النهضة العربية الاسلامية الاولى عندما عادت الى مجرد الاندراج في النمط الحضاري والفكري السائد آنذاك (النموذجين الفارسي والبيزنطي)، والثاني: لماذا اوقعت النهضة العربية الاسلامية الثانية هي الاخرى في الخطأ نفسه فصارت ضحية النموذج الغربي ببعديه السوفيتي والأميركي. * بيانو * المؤلف: جين كامبيون كيت بولينغر الناشر: المجمع الثقافي 2000م * حاز فيلم بيانو للمخرجة جين كامبيون على جائزة مهرجان كان عام 1993م ويروي الفيلم قصة حب لافتة استطاعت أن تجذب الملايين الى صالات السينما في العالم بأسره وهذه القصة التي تناقلها أولئك المقيمون في مستوطنة صغيرة في نيوزلندا واولئك الذين عرفوا الأم آدا وابنتها وحفيدتها وتدور وقائعها في القرن التاسع عشر حين غادرت آدا وطنها برفقة ابنتها والبيانو الذي تملكه الى الادغال البعيدة لتتزوج حسب رغبة والديها كان البيانو الذي حملته آدا معها الى (نهاية العالم) كما تقول وسيلتها الوحيدة للتعبير عن نفسها وعن صلتها بالعالم ولذلك فإن محاولتها للاحتفاظ به ستتحول الى مغامرة للدفاع عن كيانها.

بداية الصفحة

عين الطفولة الذكية اللماحة في نص (الحزام) لأحمد أبودهمان
سيرة قرية تختزل كل القرى

فاطمة المحسن: لندن:

* أحمد أبودهمان أول كاتب من المملكة يصدر نصاً قصصياً باللغة الفرنسية وهو الساكن في باريس منذ ما يقارب العقدين من الزمن، سرعان ما حاز عمله اعجاب القارئ ليضعه على قائمة الكتب الأكثر مبيعا، ويجد طريقه الى دار (غاليمار) أكبر دار نشر باريسية، تناقلت الصحف أمر شيوع هذا العمل، وظل القارئ العربي بانتظار ترجمته الى اللغة الأم، وها هو المؤلف يعيد كتابة النص بالعربية ليصدر عن دار الساقي ببيروت.(الحزام) عنوان السيرة المتخيلة لشاب من قرية زراعية في الجزيرة العربية تعيش حياة الفطرة الأولى وكأنها تقع خارج التاريخ الحديث، يشهد البطل مرحلة التحول في هذه القرية ويكون هو النموذج الذي يختزل في سيرته الشخصية تاريخ قريته.طريقة كتابة النص توحي بانها أقرب الى السيرة الذاتية، غير أن هذا العمل على صغر حجمه يجمع الى القص، الشعر والسوسيولوجيا والانثربولوجيا، وهو في النهاية بحث في ثقافة مجموعة بشرية ينقل المؤلف عاداتها وتمثلاتها ومروياتها وممارساتها اليومية وتصوراتها عن العالم، ولعل تميزه يتحدد بما يحفل به من معلومات صيغت على نحو مشوق عن حياة الناس في القرية التي ينتسب اليها الكاتب وتقع في أعلى قمم جبل السروات في المملكة العربية السعودية حسبما يورد الناشر.لا تشكل المعلومة التي يحتويها القص أهمية استثنائية وحسب، بل إن اسلوب هذا الكاتب وعلاقته مع قارئه تقف وراء نجاح نصه، فعمل أحمد أبودهمان في جانبه الأهم، يضع امامه قارئاً مفترضا يعرف بالضبط ماذا يريد منه، في وقت يقوم برحلة مضادة تتجاهل وجود أو تتوخى صدم مسلماته الثقافية أو قلب تصوراته عن الانساق المتداولة في مرجعيات ثقافته حول الشعوب البدائية وعادات وتقاليد العرب والمسلمين، وهو يختزل قدر ما يستطيع رغبة الفرجة السياحية لدى هذا القارئ، ويثير فيه الفضول والتشويق وحوافز التفهم، وفرق بين ما توفره نزعة الاستعراض الفولكلوري من تسلية، وبين رغبة التفهم التي يضعها أمامه كخيار لا مناص منه، وتعتمد تلك الرغبة بين ما تعتمد، على قدرة الأدب على استيعاب وعكس الجانب الانثربولوجي في مادته.الاسلوب هنا يعتمد اللغة الأدبية البسيطة، وهي تملك من الترابط مع مزاج العمل وطبيعة المادة ما يؤهلها لأن تصبح أداة توصيل لهذا العالم دون وساطة بل هي تتماهى معه وتكاد تشكل أحد ثيماته.كيف تقص مادتك، وكيف بمقدورك صنع التفاعل المستمر بين تصوراتك عن المادة الأولية من جهة، ولمعاني والدلالات التي يخلفها الاسلوب؟ ذلك هو الحقل الذي تنطلق منه وتتحرك وفي أجوائه رواية (الحزام)، الاسلوب وزاوية التناول يغدوان الشكل الذي يحدد طبيعة ادراك الموضوع، وهي طبيعة تبدأ مهمتها في تهشيم التخيلات الجاهزة عن الأخلاق والقيم في المجتمعات الفطرية عند القارئ عربيا كان أم أجنبياً.يشتغل المؤلف على عملية القلب البلاغي في توريته العامة، فكل العادات والتقاليد المستهجنة عند الغربي التي تنبع من ثقافته الجاهزة حول التكوينات الأولى للمجتمعات العربية والاسلامية، تحظى بقدر من التبجيل والاهتمام والتأمل عند المؤلف، حتى في لحظة التوقف الساخر منها، وهو في تغافله عن تلك النظرة المستنكرة، يؤكد رغبته في حماية ذاكرته الجماعية من هذا التنكر والاستهجان، انه يمضي الى رسم كينونة أخرى لها في خيال المتلقي، كينونة تملك جاذبيتها الخاصة، وبالتالي وجودها المستقل عنه الجدير بالاحترام، رغم ابتعادها عن ذائقته وأخلاقه ومتعارفاته.في البدء يعرف المؤلف بنفسه من خلال النسب القبلي الذي يعود الى الجد الواحد والعشرين وهي توطئة للتعريف بطقس الختان الذي يحفظ فيه الفتى نسبه، ومن خلال تلك المعلومة يخرج باستنتاجه الأهم: "مما يعني أن جزءا من طفولتنا وشبابنا ينتمي الى "ما قبل التاريخ" ذلك هو المدخل الأساسي الذي يعكس فيه المؤلف مفارقة حكايته تلك، التي تنوب عن البؤرة الدرامية في الحبكة الروائية، إن صاحبنا هنا الذي يقص بضمير الأنا المتكلم، يجمع على جسده حسبما يقول، آثار العصورالغابرة التي بقيت تستوطن قريته من مراحل تسبق الاسلام بكثير، على هذا بدا التحول الذي طرأ على قريته في مرحلة صبا البطل وشبابه أقرب الى المعجزة التي تختصر العصور وتكثفها في كيانات تنشطر ذواتها بين القديم الموغل القدم، وبين الجديد الذي يبعثر وجودها ويعيد تكوينه، البطل الآن في باريس تلك النقلة الراديكالية التي عليه كي يستوعبها، ردم الهوة الفاصلة بين كينونته القديمة والجديدة، كي يثبت من هويته أو كي يستعيد نفسه المبعثرة تاريخيا ومعرفيا وسايكولوجيا.نحن نتكلم الآن عن بطل صاغته لنا مرويات أحمد أبودهمان في (الحزام) ولا نستطيع ان نمنع انفسنا من تخيل تطابقها أو تمازجها مع السيرة الشخصية للمؤلف، لسبب بسيط وهو أن الصدق الروائي ودرجة الوضوح في المشاعر، ونوع المعلومة التي لا يعرفها القارئ المتمدين، تلوح وكأنها المرادف لحياة عاشها المؤلف ذاته.القصة في النهاية، تحاول مد جسور التفاهم مع الآخر الأجنبي وهي هنا تشكل توطئة ثانية في قول المؤلف وفي تلقي قراء الفرنسية لها: "سمعوا سلامي وردوا التحية بأحسن منها، رأيت "الحزام" في الواجهات: في البيوت، علقه بعضهم على جسده كما نفعل في القرية، اتسعت قريتي واستعدنا السلام".في المبحث الانثربولوجي وهو مبحث شديد الأهمية حتى ولو مازجه الخيال، نتعرف على قرية زراعية رعوية، والطابع الجبلي الزراعي لهذه القرية يمايزها عن الأخرى الصحراوية في الجزيرة العربية، انها تحيا حياة التوطن والاستقرار، وطبيعة التعامل القبلي فيها لا يختلف كثيرا عن القرى الأخرى الا بما يشكله الاستيطان من قوة دافعة للتوحد، كي يحل فيها الانتساب الى القرية بدل الانتساب الى القبيلة، ويؤثر في تبدل في بعض قيمها، وربما يكون هنا موقع المرأة القوي نسبيا، فاعلا في تحديد صيغة العلاقات بين الجنسين، او ربما يدفعنا الافتراض الى تصور بقايا المجتمع الأمومي في تلك المناطق النائية التي مازالت آثارها عند الطوارق في المغرب العربي مثلا، ويلحق بتلك العلاقة موقع الخال في حياة الابن وهو موقع يبدو في مرويات القرية أكبر تأثيرا من موقع العم، غير أن قوة المرأة تبقى نسبية، وهي في جانب منها معنوية، وفي هذه الرواية يتولى الخيال اضافة اللمسات الذاتية كما يعلي من شأن وجود المرأة في تحديد علاقات الشخصيات. عند هذا الحد يبدو المؤلف متساوقا مع ما يريده القارئ الغربي، عند استذكار الصلة الرحمية بقريته، فهو عندما يذكر اسم اخته يقول: "اختي/ ذاكرتي" في اشارة الى محبة خاصة يوليها للنساء في عائلته: "أمي التي أحب، أبي الذي يحبنا، واختي/ ذاكرتي، وانا الشاعر كما يتوهمون".غير أن الذي تغير هنا في زاوية الطرح، جملة المواضيع التي تشكل مواقف رجولية،ومنها العلاقة بالسكين أو مفهوم العنف في استعارته القريبة فهو يقول: "الرجل سكين، أليس كذلك؟ كله سكين: نظراته، أفعاله أقواله، وحتى نومه يجب أن يكون حادا كالسكين، سكين الرجل هي قلبه وعقله، حياته وموته".. بيد أن السكين في المحصلة تصاحب فولكلور الرجولة، ولا تعود لها المعنى الحدي الذي تنطوي عليه في ذاكرة المدينة، اما طقس ختان الصبيان الذي يرسم له المؤلف صورة جميلة ومرحة، فيغدو جزءا من موروث قديم يسبق ضرورته التي أرساها الاسلام في تعاليمه.يكتشف القارئ في علاقات الزواج المتداخلة في تلك الأصقاع النائية، حرية وسماحة يفتقدها المجتمع المديني، وبمقدور العائلة المنحدرة من أكثر من زواج مر به الزوج والزوجة أن تعيش سلامها الخاص بمجموعة الأبناء والأمهات المنحدرة اليها من الزيجات السابقة. ان مفهوم تعدد الزوجات الذي سبب الأذى الكبير للمرأة العربية في المدينة والريف، يبدو هنا في الحياة الفطرية، أقل وطأة وأكثر تسامحا مع المرأة: "عادت أمي الى بيت أختها الذي كان أبا لزوجة ابي الأولى وجدا لاخواتي الثلاث "بنات عمي" وربما يحق لنا أن نتصور أن طرح المؤلف على هذا النحو قد أعاد الاعتبار لما يمكن أن نسميه حياة التسامح في المجتمعات البسيطة، وفي بعض اللمسات التي يضيفها يقول "كل الأولاد أخوة، وكل الأمهات أمهاتنا" ان العيب ومفهومه، طقوس الحياة ونوع النظافة والاكتفاء الذاتي نجد في تلك الأمور الكثير من الاختلاف عن الحياة العصرية.ولا يكتفي المؤلف بذاكرته الأولى عن القرية، بل يتحدث عن مرحلة التحول يوم دخل التعليم والطب الحديث ويوم تشكلت الصلة الأعمق بالمدينة وهو من الفصول الممتعة التي استطاع الكتاب ان ينقلنا من خلالها الى رحلة عجائبية شديدة الخصوصية، انه يتحرك بين حدي هذا المجتمع الذي يود الانفتاح وبين عادات الانغلاق في القرية التي تأبى مخالطة الغرباء والتشبه بعاداتهم، عيد الأضحى الذي تذبح فيه الأغنام يشكل في تورية الرواية الجانب المضاد في تصور الغرب المسيحي عنه وينجح المؤلف في تقريب صورة التكافل الاجتماعي بل يجعله مستساوقا مع حياة الناس الفطرية.عين الطفولة الذكية اللماحة، تبقى الى النهاية سائدة في نص أحمد أبودهمان. فالبراءة التي يناقش فيها تطور الأحوال في قريته، تبعد سرده على امكانية المبالغة او تجنب مادته قدر الامكان ما تضفيه المخيلة الأدبية من رتوش وتزويق، وان كان الكاتب يلجأ في احيان الى استنطاق بعض شخصياته بما لا طاقة لزمنها على تمثل ما تقول، وخاصة الام التي يشعرن المؤلف شخصيتها حتى تبدو أقرب الى الشخصية الخيالية.النص يبقى الى النهاية في حيرة الانتساب الى جنس أدبي محدد، فلم يضع الكاتب ايضاحا على غلاف الطبعة العربية، ومع اتباعه نهج الرواية غير أن من الصعوبة ان ننسبه اليها، وهو ليس سيرة ذاتية ايضا رغم اعتماده على بطل واحد يقص يوميات قريته، لأن تلك اليوميات تبقى انتقائية يرتب البطل فيها المناسبات للحديث عن عادات قريته وأفكار أناسها، فالمادة تنقسم الى مواضيع سردية، تتردد في تذكارات يستخدم فيها المؤلف فعل الماضي البسيط والماضي الناقص، وكلها تندرج في فترات ترتبها ذاكرة من صنع زمنها الساكن، حيث يختزل هذا الزمن المراحل الى طقوس تحفل بالمفارقات، ومفارقات غرابتها تتوضح حين تقاس على ما هو حال الدنيا الآن، فهناك مغزى لكل حدث يرتبط بإحدى الشخصيات، مغزى لا يفلت من الاستذكارات طابعها القصدي البحثي الذي يقدم معلومة محددة.غير أن الخيال يحرف تلك المعلومة في بعض المواقع ليدخلها في زمن هو من صنع الحاضر أو من صنع الخيال الشعري أو الروائي إن شئنا، شخصية حزام الأب الروحي للبطل، قدرما هي تقرب من الواقع تنأى عنه، فهذا الرجل الذي يقول عنه الراوية انه سر القرية ولغزها الكبير (كان يدعو بعينيه، ونحن نغض الطرف، لأن فمه مملوء عادة بالزبيب والتمر) هذا الرجل المفترض في ذاكرة البطل، يمثل جدله مع الحياة بخيرها وشرها أو هو حكمتها التي تتصارع مع العادات والتقاليد قدر ما تعلي من شأنها، انه يقول "لقد منحت كمية من الابتسامات لأملك غيرها في حياتي، وذلك منذ أن ولدت، ولو أن كلا منا احترام العادات في القرية، لما تجاوز أحد تلك الكمية التي تكفي الانسان في حياته كلها". تتواتر الغرائبية في القص من خلال فكرة المس أو الجنون التي يصاب بها البطل، تلك الفكرة التي تفلت فيها العوالم من واقعيتها الى ضفة الخيال، وهنا تواجه الرواية بعض الاختبارات التي تخل بميزان التناسب بين وحداتها، فالذاكرة الجماعية التي تعيد نسج حياة القرية الواقعية وقصصها، تتنافذ مع ذاكرة الحاضر الروائية وهي في جانب منها تعتمد التخيل الشعري او الفانتازيا، ولكنها في بعض المواقع تفاجئ القارئ في نبوها عن السياق المفترض لأفعال الشخصيات، وربما تصبح في اللغة الفرنسية أكثر قدرة على التجاوب مع السياق العام.وفي النهاية تمضي الرواية من حيث تبدأ وتنتهي الأشياء: من صباح فطرتها الأولى الى مساء أفولها وتفرق شمل أناسها، الا ما تبقيه الذاكرة من تلك القرية النائية التي نجح المؤلف في أن يؤدي لها التحية وهو على مبعدة منها، لتتردد أصداؤها عند قرائه مهما شط بهم الوقت ونأت عوالمهم عنها.

بداية الصفحة

رحلة العلامة من الصوت إلى الرمز (3/1)

د.محمد ربيع

تمهيد:* مما لا شك فيه أن ل(العلامة اللغوية Sign) رحلات متعددة يحتاج وصفها والوقوف على تفصيلاتها المختلفة إلى مئات الصفحات. وستكتفي هذه المقالة بالوقوف على جزء قصير من هذه السلسلة من الرحلات العلامية المتنوعة، المتعاقبة منها والمتزامنة، وهو جزء يرى كاتبها أن له أهمية خاصة،وإن كانت الأجزاء الباقية لا تعدم الأهمية، وتمس الحاجة دوماً إلى التأمل فيها جميعاً وبحثها. ذلك لأن العلامة وهي تنتقل من محطة إلى أخرى في رحلاتها يمر بها في كل موضع ألوان وأنواع متفاوتة من المظاهر الخاصة، فيكون لها وبها ما يستحق أن يُعاود النظر إلى مراجعته مرة تلو أخرى.ولعل من الممكن إلى حد ما القول: إن العلامة تنتقل في احدى سلاسل رحلاتها الطويلة المتشابكة من (العقل الجمعي) إلى (العقل الفردي)، ثم منه إلى اللسان في صورة ما نطلق عليه هنا اسم (الصوت)، هي الصورة الصوتية للعلامة، أي: المتحققة على ألسنة المتكلمين باللغة من الجماعة اللغوية الواحدة. ثم قد يراد للصورة الصوتية المنطوقة ان يمثلها رمز أو أكثر من الرموز الخطية المرئية التي سميت هنا ب(الرمز) أي: المكتوب. ويتلو مرحلة الكتابة مراحل أخرى في طريق العودة من الرسم إلى القراءة مرة أخري. وان هذه السلسلة من رحلات العلامة والتي يمكن عدها الرحلات (الآنية) للعلامة ليست غير حلقة في سلاسل رحلاتها (التعاقبية) عبر الأزمان.وتنحو الورقة نحو التركيز على مجرد وصف رحلة العلامة من صورتها الصوتية إلى صورتها المكتوبة، باعتبار إرادة الكاتب لرمزه الكتابي أن يمثل لفظه المنطوق والميل منه إلى الوصول إلى تمام المطابقة بين الصورتين. هذا مع الاعتراف بأن الكتابة بما هي فعل لغوي ليس بالضرورة أن تكون في جميع الأحوال مجرد إرادة تمثل المكتوب للمنطوق كما سيأتي. غير أن الدراسة تقتطف من الرحلة هذا الجزء الذي فيه تنحو الكتابة نحو تمثيل الصوت؛ لاعتبار منهجي يروم غاية التحديد والتعيين لمدار البحث. وتذهب الورقة في هذا السبيل إلى محاولة تقديم رحلة العلامة بين محطتي (الفم) و(الورقة)، ووصف ما تفقده العلامة أو تكتسبه من المظاهر، وصولاً إلى الآثار الناجمة عن الفقد أو الاكتساب، سواء من جهة اللغة نفسها أم من ناحية النظر إلى اللغة والبحث فيها من قبل دارسيها وعلمائها، ويتخذ البحث في هذا الموضوع من العربية أنموذجاً للدراسة ودليلاً تطبيقياً على كثير من مقولاته التي يعرضها.والورقة ستُجاوز في هذا الصدد وصف رحلات الصوت إلى وصف رحلة الانتقال إلى المستوى الكتابي مباشرة فقط حين يخطر على الذهن التمثيل المباشر للصوت، مكتفية بما تحدثه (الكتابية)، بما هو فعل لغوي، في إدراك طبيعة الصوت الممثل بها من لدن العارفين أو من يفترض أنهم عارفون بطبيعته على وجه الدقة، ولا سيما في العربية.وأرجو أن يستطيع هذا البحث تكوين حلقة مكتملة الصورة في ضمن حلقات متسلسلة متتابعة من رحلات العلامة. تلك الرحلات التي ربما لا تقل غرائبية وادهاشاً عن رحلات الرحالة عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة، كما لا تقل أهمية وحاجة إلى التتبع بالتمحيص والدراسة واستخلاص الفوائد والعبر منها. ذلك لأنها رحلة اللغة مع متكلميها ورحلتهم معها في مختلف الاتجاهات والأزمنة والأمكنة على اختلاف المستويات والصور والهيئات.الكتابة السحر والغموض:بدت قصة الكتابة منذ أول ظهورها إلى الآن وما تزال أشبه ما تكون بقصص اختراق الغيب وكشف الحجب وفك طلاسم الغموض، أكثر من أن تعد من قبيل استعمال المكر والدهاء الإنساني في مضاعفة القدرة على التوصل إلى ما لا يستطيع التوصل إليه بمجرد امكاناته البشرية الطبيعية الأولية، وأبعد من أن تُفسر فقط بأنها استعمال العقل لتقريب الشيء بآخر. وكان لا بد لها في أول أمرها ألا يكون بمقدور عامةالناس إدركها، ولا ينالها العادي منهم؛ لأنها ليست شيئاً سهلاً عادياً، بل ينبغي لمن يصل إليها أن يكون ذا قدرات خارقة للعادة، فهي إذن صنعة النخبة الماهرة المتفوقة. أحاطت هالة الرعب والفزع فعل الكتابة والانبهار منها وبها أول ظهورها؛ لأن مرحلة ما قبل الكتابة باعتياد شفاهية الكلام وصوتيته، واعتياد الانهماك في التعامل به في هذا المستوى تقتضي حتماً إن لم يكن من السهل فيها تصور إمكان تحويل هذا الصوت إلى مادة أخرى غير صوتية. فإن حصل هذا فهو السحر بعينه، وإن ادعى مدع شيئاً من القدرة على ذلك فهو إما ساحر كهان عياناً بياناً وإما صاحب قدرة خارقة للعادة.ولم يربط عقل الإنسان في أول أمره ربطاً كاملاً بين أصواته التي تنطلق من بين شفتيه والعلامات الأخرى التي لا مفر من أن يستعملها لتؤدي بعض أغراضه وحوائجه التي يقضيها بأصواته. غير أن الموهوبين منهم (النخبة) هم فقط الذين استطاعوا أن يقطعوا اشواطاً أطول إلى الأمام في هذا الربط حين بدؤوا الخطوات الأولى في الكتابة، فتمكنوا من أن يبهروا عامة بني جنسهم الذين لم يعرفوا بعد سر (اللعبة). وسيطر هؤلاء على العامة بلعبتهم، ووقف أولئك مشدوهين فاغري أفواههم، ينظرون إليها من أسفل إلى أعلى. بل لم يتورع (الكَتَبة) عن ادعاء أنهم يسخرون الجن والعفاريت لخدمتهم بالكتابة، ولم يترددوا في اذلال الناس وتخويفهم واستعبادهم لنيل مآربهم منهم عن طريق التلويح بالكتابة، حتى أيقن الناس أن للكلمة المكتوبة أثراً حسياً مباشراً يُلحق الأذى والقتل بمن يوجه إليه الكاتب كلمته الشريرة المكتوبة. بل أيقن أكثرهم أنها أشد بلاء من السلاح المادي الفتاك؛ لأن هذا مرئي يمكن تدارك بعض آثاره ومعالجتها، أما تلك فإن سرها وغموضها يزيد من تعقيد المشكلة وصعوبتها. وهذا يذكرنا بمراحل أخرى في التفكير البشري، حين يلتبس أثر الكلمة المنطوقة صوتياً بكثير من آثار الأشياء الحسية المادية الملموسة.كان منتظراً أن تكون هذه الهالة، وهذا التصور السحري الكهنوتي للكتابة، في ذمة التأريخ. وكان متوقعاً أن يعد هذا القدر من الغاز الكتابة المتمثل في الفجوة الكبيرة بين القدرة على الإحاطة بمعرفة سرها الغامض وعملها المعجز الذي لا يدركه إلا الموهوبون ذوو القدرات الخاصة، وبين الفهم المكشوف البسيط لعمل الصوت واعتياد استعماله من قبل عامة البشر، شيئا من الماضي لم يعد له وجود. غير أن اللافت أن شيئاً من بقايا هذه الألغاز مازال في حقيقة الأمر موجوداً، ليس في أذهان العامة وغير العارفين، بل في أذهان اللغويين المختصين في علوم اللغة، والذين يدَّعون أنهم أعلم الناس بها، وعند الغالبية العظمى من الذين يستعملون لغتهم بصورة دائمة في كلا المستويين المنطوق والمكتوب، إن لم يكن عند جميعهم قاطبة. وليس مردُّ التباس أمر المنطوق بالمكتوب عند المختصين وغير المختصين إلى جهلهم، بل أزعم هنا أن سببه الرئيس في (الكتابة) نفسها لا في من يتعامل بها. وأزعم أيضاً أن الكتابة من حيث هي كتابة تقتضي حتماً الإيهام والخداع والتمويه على مستعملها وعلى الناظر فيها (الكاتب والقارئ) على حد سواء. ذلك لأن فيها من الخصائص ما يجعلها تبدو في ظاهرها على غير هيئتها الحقيقية التي هي عليها. وفيها من وجوه النقص ما تعمد إلى اخفائه وستره عن الناظر إليها فتظهر في صورة الكمال، حتى لتبدو كأن فيها من الطبع البشري قدراً كبيراً اصطبغت به في طبعها؛ ربما لأن الإنسان هو صانعها فأضفى عليها جزءاً أصيلاً من مسلكه في حياته. غير أن لرحلتين: صغرى وكبرى (آنية، وتأريخية) في حياة الكتابة علاقة مباشرة بهذا النقص وبهذا الخداع.رحلة رسم الأصوات التاريخية:بعد أن توصل البشر إلى التواصل بأصوات مقطعة تدل على شؤونهم (وهنا لا نخوض مطلقاً في بدء اللغة صوتياً، أتواضع هو أم اصطلاح) هدتهم عقولهم إلى تطويع غير الصوت لأداء مهام الصوت نفسها (بقطع النظر عن أسبقية أحد الأمرين). ويهمنا هنا أن نؤكد أن "الخط" (وهو أحد الأدوات الأربع عند علماء العرب القدماء) كان أحد الأدوات التي ينبغي بالضرورة ان يكون قد استعملها في صورتها الزولية عامة البشر، كالحزِّ على جذوع الشجر لابلاغ شخص ما شخصاً آخر بشيء، مثل أنه هناك على مقربة من الشجر أو نحو ذلك، هذا مثلما يستعمل الإشارة باليد أو غيرها ومثلما ينصب جذعاً أو يضع حجراً في نقطة ما لدلالة ما، وهو بالضرورة يعرف ان الحز على جذع الشجرة أو نصب الجذع أو الحجر لا يمكن أن يكون هو بعينه اللفظ الذي يريد أن ينيب عمله هذا عنه. غير أنه حتماً فوجئ بعمل بعض الأذكياء الذين طوروا الفعل نفسه الذي يزاوله، فبدا له أن عملهم ذاك في صورة مختلفة؛ إذ ظهر له أن عملهم أبلغ أثراً من اللفظ.أما بعد أن شاعت الكتابة فلم يكن الحال أحسن كثيراً من ذي قبل؛ لأنه يبدو أن التعود على رؤية اللفظ مرسوماً في أغلب الأحوال أسهم في عودة الصورة القديمة المصاحبة لرحلته من الصوت إلى الرمز، لكن من غير إدراك ملابسات هذه الرحلة. تلك الملابسات التي جعلت مستعمل الكتابة يذهل عن الوعي بما تخفيه الكتابة من الكلام مما يراه واضحاً من غيرها، لكنه يظن أن الكتابة هي التي أبانته.بدأت رحلة الكتابة كما يرويها اللغويون من المحاكاة لما في الطبيعة. إذ اعتمدت في بادىء الأمر رسم صورة الأشياء المنظورة، وهو ما يسمى ب(الدور الصوري الذاتي). ثم مرحلة تالية ما يسمى ب(الدور الصوري الرمزي)، وهو الدور الذي يفترض فيه اللغويون أن الإنسان عمد إلى الاعتماد على صورة محسوسة لإيصال معنى معنوي مجرد، كرسم رجل يحمل سلاحاً للدلالة على العدو أو نحو ذلك. ثم تلا ذلك (الدور المقطعي) الذي تدل فيه الصورة على مقطع من مقاطع الكلمة بدلاً من دلالتها على الكلمة بكاملها، كأن تدل صورة العدو على حرف العين والسفينة على السين، وفي المقابل يمكن اختصار الصورة إلى جزء منها لا كاملها (كالذي يقال في حرف الجيم العربي مثلاً من أنه في الأصل رسم للجمل بالاكتفاء برسم رأسه فقط). ثم جاء بعد ذلك (الدور الهجائي) المعروف اليوم الذي يعد أعلى المراحل وأكثرها تطوراً وتقدماً. على أن كثيراً من اللغات اليوم تحتفظ ببقايا مراحل الكتابة التصويرية والمقطعية.والمهم هنا الانتقال إلى النظام الهجائي المعروف وإن بدا من استعراض المراحل أنه في نهاية سلم تطور الرسم المراد به تصوير الأصوات هو في الحقيقة أفضل السوء، وأقصى ما أمكن تحقيقه إلى اليوم. وهو لا يبعد كثيراً عن أولى المراحل وأكثرها تخلفاً وعجزاً عن نقل المستوى الصوتي للغة، بل لا يمكن التعويل عليه في رسم الأصوات مطلقاً، وإن بدا ظاهرياً لنا ربما بأثر الاعتياد أنه كاف في اعطاء الصورة الحقيقية للغة المسموعة المنطوقة ودلالاتها المختفة. ذلك أن ما يسمى ب(الدور الهجائي) ظل حتى الآن عاجزاً عن الاستقلال تماماً عن دور التصوير فضلاً عن الدور المقطعي. وهو لا يستطيع بالضرورة الوفاء قطعاً وفي جميع الظروف بالمطلب الرئيس الأوحد الذي من أجله اختُرع، وهو تمثيل الهجاء الواحد (الحرف الهجائي) ل(الصوت) الذي يرمز له الهجاء كما سيأتي فضلاً عن الوفاء بمهام أبعد من هذا، ولهذا لا بد من الاعتراف بأن العالم مازال يحبو في عالم الكتابة، وكأنه لم يصل إلى مبتغاه النهائي منها؛ فلم يحقق تقدماً يذكر بين فاتحة الأدوار التي تلمَّس فيها التعبير عن الكلمات برسم صُور الطبيعة وبين الدور الأخير في هذه الرحلة الطويلة. وهذا يقودنا إلى الحديث عن ارتحال الكلمة من نطقها باللسان إلى هيئتها التي تكون عليها بالنظام الهجائي الحديث، ومن ثم رصد ما تفقده العلامة بخفية ودون إعلام في هذه الرحلة الصغرى الآنية، وسيكون ذلك مدار الحديث في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

بداية الصفحة

القصيدة الخرساء

محمد علي شمس الدين

* في مقالين على التوالي، نشرا بالتزامن في الاهرام بمصر وجريدة السفير اللبنانية، بتاريخ 2001/5/9م وتاريخ 2001/5/16م كتب الشاعر المعروف احمد عبدالمعطي حجازي، حلقتين نقديتين حول "قصيدة النثر"، معتبراً في النتيجة انها "قصيدة خرساء" كما ورد في عنوان المقال الثاني، الذي ينهيه بالجملة التالية: "قصيدة النثر اذن ثمرة من ثمار الصمت الذي أصبنا به، فنحن خرس لا نقول ولا ننشد". وتبعاًً للمقالين المذكورين، يظهر أن الشاعر حجازي ينتهي الى اخراج قصيدة النثر (عامة) والعربية منها (خاصة) من حوزة الشعر بمفهومه الايقاعي (الصوتي) المتمثل بالوزن، كاملاً او مجزوءاً او مقطعاً الى نوياته الاساسية أو "نوتاته" الايقاعية المتمثلة في التفعيلة. فمن دون ايقاع التفعيلة في القصيدة، لا شعر، بل نثر جميل او بليغ او معبر او ما أشبه ذلك. فالوزن، برأيه، هو "الجناح الآخر للمجاز الى جانب الصورة الشعرية".والوزن مرتبط بالموسيقى والموسيقى صوت. فالمشكلة الكبرى، كما يقول حجازي تكمن "في لغتنا الفصحى بأنها لغة نقرأها (اليوم) بصوتنا ولا نكاد ننطقها بألسنتنا، لأننا لا نتعامل بها، (أي ليست هي اللغة المحكية، بل المقروءة)، ولا نفسح لها في حياتنا، ولا نلتفت لوجودها إلاّ في لحظات عابرة مصطنعة. وانك لتجد الرجل يقرأ ثم يضطر لأن ينطق فتدرك انه عاجز عن النطق الصحيح، وإذن فهو عاجز عن الفهم الصحيح، لأن الصوت اللغوي علامة على المعنى، فإن لم نفهم دلالته، او ان جعلته صوتاً حملته دلالة ليست فيه". فالصمت الذي يقصد اليه حجازي، من خلال كلامه، والذي ينتج قصيدة النثر، هو "صمت الموسيقى" اذا صح التعبير... ولا تكون الموسيقى الا بالصوت والوزن. ولا يكون ذلك الا في "الكلام الموزون". تبعاً لذلك، لا دور لما يسمِى "الموسيقى الداخلية". كما لا دور لما يسمى "المناخ الشعري" في تعريف "القصيدة". وعليهما تستند قصيدة النثر، فضلاً عن استنادها لعناصر اخرى. وأرى الخلاف هنا خلافاً في الموسيقى.. ومعناها. ولو ابتدأنا من النقطة العالية للمسألة، لأمكن القول ان ثمة موسيقى ما تنبعث من ظهورات الاشياء، بحد ذاتها، وتكاد تسمع بالاذنين، إلا أنها ليست كذلك، بل ينبعث رنينها في القلب او النفس مباشرةً، انطلاقاً منها هي بذاتها على ماهي عليه، كما يقول هوسرل صاحب النظرية الظهورية.. (الفينومينولوجية)، كأن تجلس في ليل صامت وتصغي الى موسيقاه في ذاتك، او تنظر الى النجوم، أو البحر، أو تتأمل في تمثال، او كما لو اغمضت جفنيك في وحدتك وحولك صخب او هدوء (سيان الأمر)، فإن في امكانك الاصغاء لموسيقى ذاتك او موسيقى الاشياء من حولك. ذاك هو مناخ الموسيقى الذي تعيشه ويعيش فيه العالم. إنما هو مناخ الموسيقى، بمعنى عدم شرطه بالأصوات الحسية المادية. هي حال نفسية يعرفها كلُّ منّا. فليس شرطاً وجود هدير الامواج في الخارج لكي استشعر بالهدير في داخل ذاتي، إذ قد تهدر الامواج هديرها الهائل في الصدر، من حيث لا بحر في الخارج. هنا البحر في الصدر. هنا موسيقى الذات. هذا أولاً وانطلاقاً من ذروة الحياة وعمقها ومعناها فالموسيقى سالكة حبات الوجود بأكمله، والأصوات جزء منها. إنّ هذه الموسيقى قد تنبعث من المشهد الطبيعي، كما تنبعث من اللوحة التشكيلية، ومن الصخب كما من الصمت، ومن الفكرة ذاتها كما من الانفعال الفني... والشعر بعامة، بكافة صيغه واشكاله، كما الفنون، وحتى الفلسفات والافكار، لاقطة حساسة لهذه الموسيقى، وتنزلها في إهاب صنيعها الفني او التقني الخاص بها. ان ثمة موسيقى تنبعث من فلسفة ارسطو كما من اناشيد جبران ولوحاته، ولاشك في أنّ لأفكار دريدا وتفكيكاته الفذة، موسيقى، كما لفوكو، وبول بولز، وعبدالصبور، وحجازي والسياب ،الماغوط، كل موسيقاه... فلو نزلنا من المستوى العام لفهم الموسيقى الى المستوى التخصصي او التقني المتمثل في الصنيع الفني الابداعي بذاته، ولنخصص أكثر فأكثر في "القصيدة"، فهل في الامكان اعتبار هذه الموسيقى الكونية، اذا تحققت فيها، كافية لمنحها اسمها ونوعها الذي يفرقها عن الأنواع الأخرى؟ أم أن ثمة شروطاً اخرى اضافية وضرورية، لابد من توفرها فيها لكي تكتسب اسمها وتعريفها، ونوعها؟. الحال هي أن قصيدة النثر، التي عرفت في فرنسا على يد بودلير في اواسط القرن التاسع عشر. وسار على منوالها شعراء في أوروبا وأميركا والعالم من بعد ذلك، وصولاً الى اللغة العربية، الحال هي أنها التصقت بالموسيقى النفسية، اكثر من التصاقها بالموسيقى الصوتية. فهي بالفعل، كما سمها حجازي "وليدة الصمت او الخرس". وصحيح ايضاً ان ت. س اليوت لم يَمِلء في انتاجه ونظريته الى تبنيها، بل كتب بالايقاعات الكثير من شعره، وأنّ أراغون الذي بدأ يكتب شعره على الوزن الالكسندري، ثم انتقل بعده الى قصيدة النثر المطلقة من الوزن، إلا انه في آخر أيامه عاد يكتب على الوزن، وأنّ ادونيس الذي كان من اوائل من بشّر بقصيدة النثر من خلال مقالاته وتنظيراته في مجلة شعر في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، إلا انه عاد في السنوات الخمس الاخيرة من هذا القرن وحتى اليوم، فتراجع عن قبولها وعن اعترافه بكتابته لها.. في العربية... بل اعتبرها فاشلة وغير دقيقة، بل مجردة من الشعر بمعنى "القصيدة"... كل ذلك صحيح، إلا أنّ ثمة ملاحظتين لابد من اثباتهما في هذا الجدال المثمر. الاولى: هي أن "القصيدة" كمعطى تقني للشعر، والتي يشرطها حجازي اليوم، كما يشاركه آخرون في رأيه، بالايقاع المتمثل بالوزن.. مضافاً الى الصورة الشعرية او داخلاً فيها دخولاً كيانياً ولغوياً غير قابل للتجزئة.. هذه القصيدة كان شرطها نفس الشرط، في الماضي، الفلاسفة العرب والنقاد والمعدودون، كالفارابي وابن سينا، وابن قتيبة الدينوري وحازم القرطاجني. فالنظرية النقدية القديمة المتفق عليها للشعر والقصيدة لدى العرب، مؤسسة على أنّ القصيدة هي بناء لغوي موسيقي ايقاعي للمخيلة. معنى ذلك أنّ للشعر في نظرهم حدين متداخلين لاينفصل الواحد منهما عن الآخر: المخيلة والوزن. فالمخيلة بلا وزن. تصنع السجع والنثر واشارات المتصوفة وتنبيهاتهم، فضلاً عن النص القرآني الخارج عن حدود الشعر. كما أنّ الوزن بلا مخيلة يصنع القالب الجامد والنظم في أحسن احواله، لكنه لا يصنع الشعر.وهذه النظرية، وان كانت عربية في الاصل والجوهر، الاّ انها تأتي منسجمة مع نظرية الفلاسفة اليونانيين القدماء للشعر، وقد عرضها بالتفصيل ارسطو في كتاب "الشعر"، فجاءت النظرية النقدية العربية، منسجمة مع النظرية اليونانية. ثانياً: لا ننسى أنّ توسيع مفهوم الموسيقى والانتباه لموسيقى الذات التي تنبعث من تركيب الاشياء، والكلمات، هو من أسس قصيدة النثر الحديثة. وأنّ اشعار بودلير في قصائد نثره، تقدمت بابداعية حديثة وجذابة، ومثلها اشعار الماغوط بالعربية.ذلك ومثله هل يكسر النظرية؟ نسأل ونجيب: نعم ولا. نعم بمعنى عدم قدرتنا اخراج بودلير والماغوط من مملكة الشعر. ولا، حين نعتبر الصوت في الموسيقى، الصوت المنبعث من الخارج، الصوت الحسي والمادي، اساساً في موسيقى الداخل، ولولاه لما كان هناك موسيقى للداخل، اعني ان المسألة تبقى جدالية. فالشعر في النتيجة، هو الحرية. بيروت

بداية الصفحة

رامبو منظِّراً للحداثة الشعرية

هاشم صالح

* في كتابها الذي أصبح كلاسيكياً الآن تخصص الناقدة الانكليزية اينيد ستاركي فصلاً كاملاً للتحدث عن العقيدة الجمالية لرامبو.. من المعلوم ان هذا الشاعر كان ينظّر للشعر الجديد وعمره لا يتجاوز السابعة عشرة! وقد ورد ذلك في رسالتيه الشهيرتين المعروفتين باسم "رسالتي الرائي".. وفي حين ان الشعراء الآخرين بحاجة إلى عمر مديد والمرور بتجارب عديدة وقراءة مئات الكتب قبل أن يتنطّحوا للتنظير كان رامبو يفعل ذلك وهو لا يزال في سن تتراوح بين الطفولة والمراهقة! لم يعرف التاريخ عبقرية تفتحت في مثل هذه السن المبكرة، اللهم إلا عبقرية موزار في مجال الموسيقى. ولكن قبل أن تنخرط الناقدة المذكورة في تحليل نظريته الشعرية نجدها تتوقف قليلاً عند الشاعر الكبير الذي سبقه مباشرة أي بودلير.. وتقول بما معناه: إن التأثير الأدبي الأعظم الذي تلقاه رامبو هو بدون شك تأثير بودلير.. ولا ينطبق ذلك على الشعر فقط، وإنما أىضاً على نظرياته الجمالية وطريقة حياته.. كان بودلير أحد أوائل الشعراء الذين تنعكس حياتهم المعقدة في اشعارهم وتنصهر فيها كلياً، فلا يعدو هناك فرق بين الحياة والشعر.. وكان ذلك يحصل من خلال امتزاج الجمال بالقبح، والآمال العظيمة بالفشل، والغرائز الحسية أو الجسدية بالروح، والحلم بالكابوس المظلم.. كان بودلير كتلة من المتناقضات الحدّية.. وقد عبّر عن ذلك بشكل فني لا يضاهى.. وهذا ما جذب رامبو في العمق.. وكان بودلير منظراً كبيراً للفن والشعر قبل أن يكون شاعراً كبيراً.. وتتلخص نظريته فيما يلي:الشاعر الكبير هو ذلك الذي يعرف كيف يكتشف هذه التشابهات المنبثة في الكون، أو كيف يترجمها إلى لغة محسوسة.. بهذا المعنى يمكن القول بأن الشاعر يرى علاقات بين الأشياء لا يستطيع الإنسان العادي أن يراها.. يضاف إلى ذلك أن الشعراء الكبار مثلهم في ذلك مثل المفكرين الكبار يرون إلى ما وراء الأشياء، إلى ما يتجاوز أشكالها الظاهرية، وينفذون إلى أعماقها وجوهرها.. ولكن المدرسة البارناسية أو الشكلانية الخارجية التي كانت مسيطرة في عصر رامبو كانت تمنع من معرفة العظمة الحقيقية لبودلير.وقد أخَّرت معرفته أو اكتشاف أهميته لفترة تتجاوز البضع سنوات.. بعدئذ انفجرت شهرته كالقنبلة الموقوتة.. فاهتمامها بالأشكال الخارجية والقشور ألهاها عن رؤية جوهر الكتابة الشعرية.. ولهذا السبب اصطدم رامبو بشعراء هذه المدرسة بمجرد أن وصل إلى باريس، وأظهر لهم احتقاراً شديداً.. وراح يستهزئ بشعرهم أو نظمهم الاصطناعي بالأحرى في كل مناسبة.. وكان هذا هو أحد أسباب فشله في نيل الشهرة التي يستحقها في البيئات الباريسية.. فقد جاء قبل الأوان، مثل أستاذه بودلير.. ولم يستطع أن ينتظر بضع سنوات اضافية لكي يكتشف الجميع من هو.. كان مستعجلاً رامبو.. ورحل دون أن يعرف أحد أن هذا "العابر الضخم" على حد تعبير مالارميه هو الذي يجسد جوهر الشعراء حقيقة.. ليس غريباً والحالة هذه ان يكون رامبو أحد الأوائل الذين لمحوا فوراً عظمة بودلير والخرق الهائل الذي أحدثه في تاريخ الشعر الفرنسي.. يقول عنه في رسالة الرائي الثانية والأكثر طولاً: "ولكن اكتشاف المجاهل اللامرئية وسماع ما هو خارق أي ما لم يُسءمَع بعد، هو شيء آخر غير اجترار روح الأشياء الميتة.. بودلير هو الرائي الأول، إنه ملك الشعراء..".. ثم يضيف إلى ذلك نوعاً من الاستدراك الذي لا يقلل من أهمية بودلير بقدر ما يحدد حجم المهمة المطروحة على الشاعر الكبير الذي سيجيء بعده.."ولكن بودلير عاش في بيئة فنانة أكثر من اللزوم (المقصود بفنانة هنا اصطناعية، وتهتم بالشكل أكثر مما ينبغي).. فالشكل الذي يُتفاخر به لديه مسكين أو تافه".ثم يطلق بعدئذ عبارته الشهيرة: "ذلك ان استكشاف المجهول يتطلب اشكالاً شعرية جديدة".. هنا تكمن المساحة الجديدة التي سيضيفها رامبو إلى الشعر بعد بودلير.. فبودلير ظل سجين الأوزان الشعرية الكلاسيكية في ديوانه "أزهار الشر".. وأما رامبو فسوف ينتقل من الأوزان الكلاسيكية المقيِّدة لحرية الروح إلى الشعر الحر ومنه إلى قصيدة النثر في "الاشراقات".. وهكذا راح يتحرر في كل مرة أكثر فأكثر لكأنه كان يريد أن يتوصل إلى شعر بلا شكل: شعر منبث في الهواء كالأثير أو كأشعة النور.. لكن لنعد إلى القضية المركزية التي تشغلنا هنا: نظرية الرائي وأفكار رامبو فيما يخص الشعر الجديد.. أعتقد ان الناقدة الانكليزية ضربت فأصابت الهدف فيما يتعلق بهذه النقطة.. فتحليلها لتنظيرات رامبو التي أسالت حبراً كثيراً تبدو لي مقنعة.. ما الذي يقوله رامبو في نهاية المطاف؟ انه يقول بأنه لم يوجد شعر منذ اليونان وحتى بودلير.. طيلة ألفي سنة لا يوجد إلا صحراء قاحلة من الشعر، قرون وسطى.. ولكن الشيء المضيء في دراسة الناقدة المذكورة هو ربطها لتنظيرات رامبو بتنظيرات أفلاطون.. فنحن كنا نعتقد أن رامبو اخترع أفكاره كلها من العدم.. ولا ريب في أنها تحتوي على الكثير من الأصالة والابتكار والعبقرية.. ولكننا ندهش عندما نطلع على آراء أفلاطون فيما يخص الشعر.. فهناك تشابه واضح بين الموقفين.. ولعل هذا ما يفسّر لنا سبب اعجاب رامبو بالشعر الاغريقي واعتباره أصل الشعر وقمة كل شعر لنستمع إلى بعض آراء أفلاطون: "ليس عن طريق الصنعة، وإنما عن طريق الإلهام يتوصل كل هؤلاء الشعراء الملحميين الكبار إلى تأليف كل هذه القصائد الجميلة.. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن الشعراء الغنائيين فهم كقبيلة "الكوريبانتيين" لا يرقصون إلا عندما يبلغ بهم الطرب أقصاه ويصبحون وكأنهم خارج أنفسهم.. وكذلك الأمر فيما يخص الشعراء الغنائيين: فهم لا يملكون أنفسهم عندما يؤلفون هذه الأناشيد الجميلة التي نعرفها. ولكن ما إن يدخلوا في حركة الموسيقى والايقاع حتى يصبحوا وكأنهم مهيجون أو ممسوسون تماماً.. ذلك أن الشاعر شيء خفيف، مجنَّح، .. إنه لا يستطيع أن يبدع إلا إذا أحس بالإلهام يغلي في داخله، وأصبح خارج نفسه، وفقد القدرة على استخدام العقل.." انتهى كلام أفلاطون.. هذه الفكرة أخذها رامبو حرفياً تقريباً، ولكنه قدَّم عنها صياغة جديدة أوهمتنا بأنها تولد لأول مرة.. فالشاعر بالنسبة لرامبو ليس إلا وسيطاً يمر صوت الشعر أو صوت العبقرية والالهام من خلاله.. وبالتالي فالشاعر ليس مسؤولاً عما يقوله لأن هناك شخصا أعلى منه يتحدث عن طريق فمه دون أن يعي ذلك.. إنه يكتب الشعر في حالة من اللاوعي، أو في حالة من الهذيان كما يقول أفلاطون.. يقول رامبو حرفياً: من الخطأ أن نقول: "أنا أفكر ينبغي أن نقول: يُفكّر من خلالي".. هناك شخص آخر أو قوة علوية تفكر من خلالي أو تكتب القصيدة من خلالي.. وهكذا يمكننا أن نفهم عبارة رامبو الشهيرة والغامضة التي طالما حيّرت الشراح والنقاد.. "الأنا هي آخر".. في الواقع ان معظم الكتاب الكبار كانوا يشعرون بأن هناك قوة سرية، قوة خفية، تسكنهم في الداخل.. وهذه القوة هي التي تدفعهم إلى الكتابة وهي التي تلهمهم أعظم ما كتبوه.. بهذا المعنى فإن الكاتب العبقري هو شخص ممسوس أو مسكون بدون أدنى شك.. يكفي أن نفكر هنا ولو للحظة بدوستيوفسكي.. رامبو الذي كتب قصائد عبقرية في سن السابعة عشرة، هل كان شخصاً طبيعياً أو عادياً؟ وهل كثير عليه أن يعتقد بأنه ملهم من قبل قوة فوقية؟ ضمن هذا المنظور ينبغي أن نفهم فكرته الأساسية عن الرائي أو الرؤيا.. فالطريقة الوحيدة لكي يصبح المرء شاعراً حقيقياً هي أن يصبح رائياً، سارقاً للنار.. والشاعر بهذا المعنى يشبه النبي الذي يستطيع أن يسبر مجاهيل الغيب بقوة داخلية لا يملكها أحد سواه.. هكذا نجد أن الشاعر بالنسبة لرامبو ليس ذلك الشخص الذي يحفظ أوزان الشعر أو يمتلك القدرة التقنية على النظم.. فهؤلاء ليسوا شعراء.. إنهم موظفو الشعر كما يقول.. لقد تحول الشعر على أيديهم إلى مجرد حلبة لفظية، أو العاب بهلوانية وبلاغية كما حصل للشعر العربي في عصر الانحطاط مثلاً.. ولهذا السبب يزعم رامبو بأنه لم يوجد شعر في الفترة الواقعة بين اليونان والحركة الرومانطيقية وبالأخص بودلير.. نقول ذلك على الرغم من أنه يعترف "لراسين" ببعض الأهمية.. في الواقع ان الفكرة التي يشكلها رامبو عن الشاعر فكرة عالية جداً وخطيرة جداً ويكاد يغار منها الفيلسوف!.. فالشاعر بحسب تصوره مسؤول عن البشرية لا أكثر ولا أقل.. الشاعر سوف يكون مسؤولاً عن شق طريق المستقبل أمام البشرية.. وبالتالي فالشاعر لا يمكن اختزال عمله إلى مجرد بلاغيات شكلانية، أو أوزان وقوافي أو اطراب واعجاب وانما هو مفكر يسبر أعماق المجهول.. ويعترف رامبو هنا لبعض الشعراء الرومانطيقيين الذين سبقوا بودلير ببعض الأهمية.. فمثلاً يقول عن "لامارتين" هذه العبارة المضيئة جداً: "لامارتين احياناً يكون رائىاً في شعره، ولكنه مخنوق من قبل الاشكال العتيقة للشعر"، أي الأوزان التقليدية ذات الاكراهات المرهقة.. ولهذا السبب يدعو رامبو إلى اختراع اشكال شعرية جديدة لأن المضامين الجديدة أو الأفكار الجديدة تتطلب ذلك حتماً.. وقد نفَّذ هذا البرنامج حرفياً في اشعاره التي تخلو من الأوزان والقوافي: أي في "فصل في الجحيم" أو "الاشراقات" أساساً.. وهنا يكمن الطابع الانقلابي أو الثوري الحقيقي لشعر رامبو.. وبهذا المعنى يمكن القول انه المؤسس الحقيقي للحداثة الشعرية مثل بودلير وأكثر من بودلير.. فقد مشى في طريق التحرر خطوة اضافية، وأية خطوة؟.. ليس غريباً إذن أن يكون شعره يمثل انفجاراً هائلاً في التعبير عن الحرية، في التوقان إلى الانعتاق من أسر القيود المرهقة للتقاليد الاجتماعية.. وهنا تكمن أيضاً القوة الجاذبة لشعره، قوة سحرية، سرية، مخلخلة للعقول.. لا أستطيع أن أختم هذه المقالة عن تنظيرات رامبو الشعرية بدون أن أتعرض للمسألة الخطيرة التالية: إلى أي مدى ينبغي على الشاعران يدمّر نفسه لكي يصبح شاعراً، لكي يرى ما لا يُرى؟ هل ينبغي عليه أن يمر بكل تجارب الحب والجنون والشذوذ عن المألوف؟ هل الثمن المدفوع ينبغي أن يكون النزول إلى أعماق الجحيم السفلية؟ يبدو من قراءة تنظيرات رامبو القليلة ان الرؤيا الشعرية لا تعطي نفسها إلا لأولئك الذين قبلوا بأن يدفعوا الثمن مسبقاً، إلا لأولئك الذين قبلوا بأن يتخذوا أنفسهم كحقل تجارب، أي كمختبر لتجارب مرعبة على كافة الأصعدة والمستويات: من حياتية، وجنسية، ووجودية، وهذا هو معنى عبارته الشهيرة التي يقول فيها بأن الشاعر "لا يتوصل إلى الرؤيا إلا بعد أن يقوم بخلخلة طويلة، هائلة، متعقلّة لجميع حواسه". ولكن كيف يمكن أن تكون خلخلة ومتعقلة في ذات الوقت؟ ألا يوجد هناك تناقض منطقي في العبارة؟ لا يمكن حل هذا التناقض إلا عن طريق القول ان الشاعر ينخرط في التجربة الحارقة وهو واع بخطورتها.. انه يتخذ من نفسه حقل تجارب بكل ما للكلمة من معنى.. ورامبو هنا يريد أن يسير على خطى استاذه بودلير الذي اشتهر بمعارضته للمجتمع وخروجه على المألوف من حيث تعاطي الشراب بشكل مزمن واحياناً المخدرات، ولكن رامبو عندما كتب كلامه لم يكن قد اطلع بعد على رسائل بودلير الشخصية إلى أمه.. وهي رسائل يعبّر فيها عن قرفه من نفسه، وعن خجله من نواقصه وضعفه، وكم كانت تكلفه من صراعات داخلية تكاد تعصف به أو تدمره..

بداية الصفحة

(بيرل هاربر) فيلم الموسم دون منازع
أم المعارك الأميركية عندما تخيب إنسانياً وتسقط فنياً



* لو عُرض فيلم (بيرل هاربر) الأميركي تحت اسم أي بلد من تلك التي تسمى بلدان العالم الثالث، لضحك الناس ملء أفواههم عليه وعلى صنّاعه وعلى البلد الذي انتجه. غير أن الحكمة تقول: إذا أدبرت الدنيا على أحد سلبته محاسن نفسه، وان أقبلت عليه منحته محاسن غيره.وفيلم (بيرل هاربر) هو (التوب) بين الأفلام في هذه الأيام حسب لغة أبناء العم سام!، حقق عرض أسبوعه الأول في الولايات المتحدة 75مليون دولار، في حين حصد من شباك التذاكر البريطاني في يومه الأول فقط 4ملايين جنيه استرليني، ومن المتوقع أن تصل أرباحه أرقاماً تفوق التوقع في كل أنحاء العالم.يحكي الفيلم قصة منطقة بيرل هاربر الامريكية التي تعرضت إلى قصف الطيران الياباني خلال الحرب العالمية الثانية. أي أن مخرجه الشاب مايكل باي يعود إلى فتح ملفات بدت وكأن الزمن تجاوزها وكف الناس عن تذكّرها. بيد أنه أراد أن يعطي الشباب الأمريكي درساً في الوطنية، وإن كان جاهلاً بأصوله الإنسانية أو متغافلاً عن سقف قدراته الفنية. والأخطر ما في فيلمه أنه يمثل ذلك النموذج المؤثر في فن صناعة البروبوغاندا الجديدة التي نهضت في هوليود بعد أن كادت أن تُقبر خلال السنوات التي اعقبت خسارة امريكا في حرب فيتنام. كانت تلك الأيام فرصة ذهبية لجيل الخريجين الامريكان من الذين أطلقوا على أنفسهم موجة (تحت الأرض) في الخمسينات، كي يظهروا ويتطوروا خلال العقود اللاحقة نهاية الستينات والسبعينات وحتى ما بعدها. والموجة الطليعية تلك ظهرت في الأساس، معادية لهوليود وقيمها السلعية الاستهلاكية ومستوى أفلامها التجاري غير أنها اشتغلت في قلب هذا الاتون الضخم مستفيدة من تمويل بعض الشركات الهوليودية نفسها ومسجلة الكثير من الانجازات المشهودة لصناعة الفيلم الامريكي سواء من الناحية الفنية أو من حيث مستوى خطابه الإنساني. ولعل من بين أفضل المواضيع التي عالجتها هذه السينما قصة الحرب الفيتنامية. وكانت تلوح فيها تلك النبرة التي تمتلئ مرارة من الحرب ومسببيها، وتعلن انتصار إنسانية الإنسان عندما يشعر بقدرة التخلي عن فكرة الانتصارات الحربية الفارغة، ويفهم قيمة الاحساس بالخسارة والاندحار. غير أن هوليود وما يقف خلفها من مراكز تمويل سياسية، ما كفت في الوقت نفسه عن ضخ أفلام تمجد معجزات الجاسوسية الامريكية، وتجعل من جيمس بوند الساحر المدهش الذي يخرج من قبعته الأرانب والغزلان أمام جمهوره الساذج الذي يفغر فاهه اعجاباً ويشحذ ذهنه بالإثارة والتحريض ضد الأعداء الخائبين من جواسيس البلدان المعادية. أما رامبو بجسده الحيواني ووجهه المشوه الذي يفتقد الذكاء والفطنة، فغدا بطلاً عالمياً وقدوة يقلدها الأطفال في كل أنحاء العالم.ولا نريد أن يشط بنا الخيال لنجزم، أن مخرج فيلم (بيرل هاربر) هو في منتصف ثلاثينياته، من الطراز الذي تشبع بقيم أفلام رامبو، مع أن مستوى فيلمه يشي بقرابة مع نزعات هذا النوع من الأفلام العنصرية التي تتجه بعيداً نحو ترسيخ فكرة البطولة الامريكية على حساب الشعوب الأخرى (المجرمة) التي يلقنها الامريكيون درساً لا تنساه. وهو أيضاً يبدو على وفاء لموجة أفلام العنف الامريكية التي وصلت ذروتها عندما أصبحت أفلام بائع أشرطة الفيديو تورنتينو الذي تحول مخرجاً، الأكثر جماهيرية. ويكفي أن نقول إن أشهر أفلام كوبنتين تورينتينو (بولب فيكشن) ويعني روايات الجيب يعد الأكثر عنفاً، ولهذا السبب دون غيره حاز أيضاً على ايرادات خيالية خلال عرضه في التسعينات. المهم في الأمر أن فيلم (بيرل هاربر) يبدأ بقصة حب وينتهي بالنشيد الوطني. وتلك النهاية أياً كان نشيدها الوطني امريكياً أم سواحلياً أم من جزر القمر، تبعث على الريبة والخوف. الخوف فنياً لما هو مقبل من ذائقة تمجد البطولات الفارغة، والخوف سياسياً مما يستتبعها من مصائب. فمعركة مثل معركة بيرل هاربر أعقبتها هيروشيما وناكازاكي بكل بساطة حين ألقت امريكا القنبلة الذرية الأولى على أرض اليابان لتترك الأثر الأبشع للتصرف الوطني اللامسؤول عن مصائر الشعوب الأخرى. ولا نجد دون شك أثراً لهذه الفعلة في فيلم (بيرل هاربر) فنحن أمام بطولة فردية مطلقة ضد بشاعة وبربرية اليابانيين، وهي في الأساس بطولة جماعية كما يصورها الفيلم، ولو عولجت في بعدها الحياتي والتركيبي لانتجت شريطاً مختلفاً. غير أن مخرجه الذي يقول عن فيلمه انه يستند إلى التاريخ لم يكن يعرف من التاريخ شيئاً، أو لم يتعب نفسه في دراسة مفترضة للماضي الذي يحتكم إليه وهو ابن الحاضر. غير أنه لا يقف وحيداً في هذا الميدان فهناك موجة من الأفلام التي سبقته وبينها فيلم (انقاذ الجندي راين) الفائز بأوسكار 1998م ومن اخراج ستيفن سبيلبيرغ، ويعيد هذا الشريط إلى الذاكرة الأفلام الحربية التي دعمتها المؤسسة العسكرية الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية. وها نحن نشهد هذه الأيام عودة غير حميدة إلى موجة الأفلام الحربية الامريكية التي تبدو وكأنها من صناعة المؤسسة اياها!. وقبل سنة تم تحقيق فيلم عن القوات البحرية الامريكية تحت عنوان (رجال الشرف) بطولة النجم الأشهر روبرت دينيرو واخراج جورج تيليمن، وهو فيلم يقول لنا كم يزخر بالجمال عالم العسكر رغم اصابته بمرض العنف والبربرية. والأنكى في هذا الفيلم أنه يتتبع مصير فتى أسود حاول الدخول في سلك البحرية، لنكتشف من خلال دوره أن العنصرية والقسوة والعنف المجاني بين قادة ورجال هذه المؤسسة ضرورة يقتضيها الشرف العسكري. الفيلم إهانة صريحة موجهة إلى السود ولا نعرف كيف مر تحت انظار القوة السوداء في امريكا. المهم في هذا الفيلم أنه ينتهي بالعلم والنشيد اياه. ويبدو مايكل باي مخرج (بيرل هاربر) تحت تأثير ذلك السحر المدوخ لشعار الوطنية في فيلم (رجال الشرف)، فاظهر شخصية الأسود ذاته الذي مر بالمخاض العسكري ليضيفه إلى مقطع من فيلمه، ويظهر هنا خادماً وفياً لكابتن سفينة حربية، يتعمد بوسام البطولة الرئاسي بعد أن اخلص في واجبه الخدمي. استخدم المخرج بطل الفيلم ذاته كي يؤكد وفاءه لتلك المرجعية.موضوع الحرب في كل الأحوال، يضع المخرجين على مقربة من الفيلم الملحمي الذي يحتاج إلى الإنتاج والتمويل الضخم. ولم يعدم صاحب فيلم (بيرل هاربر) ذلك الدعم غير المحدود، ويتبدئ ذلك في تكنيكه المتطور الذي يحتاج إلى ميزانية ضخمة. تولت مؤسسة الطيران الامريكية تدريب أبطاله ولم يظهر الفيلم مقدار دعمها المالي.الفيلم بهذا المعنى مطب للصغار والشباب، فالضجيج الذي يصاحبه إعلامياً والبذخ الذي يصرف عليه يرشحه بين الأفلام الأكثر جماهيرية. استخدام المخرج الكوادر الضخمة والحيل الأكثر براعة في سينما اليوم، مع مونتاج يجعل موضوعه يحمل إثارة أفلام الحركة (الاكشن). وعلى مدى ثلاث ساعات أو أكثر يتنقل بين موضوع وآخر من دون أن يشعر المشاهد بالملل أو يصرف ذهنه عنه، لأنه يجمع حصيلة خبرة الفيلم الامريكي في التعامل مع الجمهور، مشاهد حب مسلية وعنف وقتل وهروب ومطاردات وصراخ وخيانات ووفاء واخلاص للوطن والأمة، ثم الدموع والنشيد الوطني وأعلام النصرم.والحق أن هكذا نوع من الأفلام يعيد السؤال من أوله حول قدرة الفيلم الحربي على التحرك على جبهة مضادة لفعله، أي ادراكه الجانب العبثي أو اللاعقلاني في الحرب. ولعل فيلم (الخط الرفيع الأحمر) لمخرجه الامريكي تيرانس ميلك هو خير ممثل لذلك النوع من الأفلام الراقية عن الحرب ظهر في وقت ظهور فيلم (انقاذ الجندي راين) لستيفن سبيلبيرغ الذي حاز على الأوسكار، وشتان ما بين الاثنين من الناحية الفنية. ومع أن سبيلبيرغ من مخرجي السينما الامريكية البارعين، غير أن فيلمه هذا يدل على تدهور ذوقه، وتفسير هذا الأمر بسيط لأنه أراد أن يصنع فيلماً دعائياً يخدم جهة سياسية معينة. في حين حرص ميلك في فيلمه (الخط الأحمر الرفيع) على أن يشتغل على قصيدة سينمائية مؤثرة. قصيدة تظهر الخوف الانساني وفزع الطبيعة من الحرب والقتل. على عكس فيلم سبيلبيرغ الذي يحفل بمشاهد مرعبة من الحرب، كان فيلم ميلك يبتعد عنها فتأتي أصواتها في حركة النبات الذي يتموج من وقع مشاعر الجنود من الجبهتين. أراد أن يقول للناظر باختصار: إن الموت هو وحده المنتصر في كل الحروب وان حياة الإنسان أغلى من أن تهدر في فعل عصاب عدواني من هذا النوع.علينا أن ندرك في فيلم (بيرل هاربر) جمال الانتقام، فالمغيرون على اليابان يتمسكون بفعل الحرب كواجب اخلاقي لا بد منه لتأديب المعتدي، ويأتي فعل الحب ديكوراً مكملاً لمسرح تلك اللعبة الخطيرة، لعبة الحرب.تبدأ رحلة فيلم (بيرل هاربر) عبر قصة حب يتقاسم فيها صديقان من المتدربين في سلاح الطيران الامريكي قلب شابة في فرقة التمريض تقع في حب البطل الذي لا يقهر، ثم تتلقى خبر فجيعة موته على الجبهة البريطانية مع الألمان حين اختار مصيره بإرادته ليبرهن على شغفه بفعل البطولة. ثم يعود لاحقاً بعد أن أذيع خبر موته ومراسيم تكريمه، ليجد صديقه الأقرب في علاقة حب مع خطيبته تلك الميلودراما المكررة في أفلام كثيرة، تنتقل بنا إلى فعل حربي آخر يوحد الصديقين من جديد على الجبهة اليابانية فيموت الحبيب الثاني هذه المرة لتعود الفتاة إلى فتاها الأول تحت أهازيج النصر والبطولة والنشيد الوطني الذي هزم فيه الأعداء. ذلك الجانب هو الفعل المخفف في ميلودراما الحرب الأكثر بشاعة، فمشاهد القتل المتكرر التي تصحبها موسيقى تصم الأذان تحول الفيلم إلى جحيم مرئي وهي تغدو في المحصلة أهم أدوات التأثير الفيزيقي على المشاهد. إنها تشكل لذاتها وسيلة سايكولوجية فاعلة في توحيد فعل الاستلاب الممارس بوحشية على المشاهد. وظيفتها تشبه وظيفة المارشات العسكرية المدوخة وهتافات الجماهير في الولاء إلى القادة باسم الوطن. والموسيقى الصاخبة وأصوات الهتاف وخطب الزعماء اليوم تملك القدرة ذاتها التي ملكتها في احتفالات هتلر الجماعية. وهي ذاتها التي تصنع اليوم جماهير اغاني الشباب الحديثة الذين يدخلون المحبة غير المشروطة للمغني من دون أن يملكوا فرصة التثبت من قيمة كلماته أو لحنه.فيلم (بيرل هاربر) يمثل بالضبط حصيلة مرحلة سياسية واجتماعية في امريكا ارتفعت فيها نبرة الافتخار بالذات الامريكية المتفوقة على العالم بين طلبة المدارس وأبناء الأزقة والحارات وحتى بين بعض النخب الثقافية، ناهيك عن النخب العسكرية. كانت لحرب الخليج الأخيرة وانتهاء المعسكر الاشتراكي، الأثر الفاعل في ظهورها.وهذا الفيلم بايراداته الضخمة يمثل من جهة أخرى، تردي الذوق الفني، فمستوى التمثيل لا يرقى إلى مستوى الممثلين الامريكان الذين تفوقوا على الكثير من فناني العالم بعفويتهم وطلاقتهم، وأبطاله حسب شهادة محرر جريدة الغارديان اللندنية، يتحركون مثل حجارة ثقيلة، وربما يتبادر إلى الذهن أن فرصة المخرج الشاب في النجاح تتضاعف وعثراته يمكن تجاهلها، لو استطاع أن يأتي بجديد في طريقة الاخراج كما هي الحال في أفلام تورنتينو في الأقل، غير أنه عمد إلى استنساخ مشاهد كثيرة من الأفلام المعروفة وبينها مشهد غرق الباخرة تيتانيك، وأفلام الخيال العلمي، وتبرز سذاجته وضعف ثقافته الفنية في الكثير من المشاهد وبينها تلك التي يقف فيها الرئيس روزفلت بما يشبه المعجزة من على كرسي الشلل الذي يدفعه خادم زنجي، ليستنهض همة قادته العسكريين ويحثهم على المضي في خطة الانتقام.تجاهل المخرج الشاب النزعة اللاعقلانية التي تحكم منطق الحرب ليسوغ ضرورتها، تلك الضرورة التي تكمن خلفها نوايا الدعاية الرسمية. فالحرب عندما تدخل البيوت وعقول الشباب كتسلية، يمكن أن تصبح الترياق الذي يمحو عيوب واقعهم ولكنها لا تؤجل موتهم. ففي كل الحروب هناك خاسر ومنتصر، ويتساوى الجميع في النهاية مهما زينت الحرب للمنتصر من المغانم، فحصاد امريكا الأخلاقي من هيروشيما أكثر فداحة من حصاد اليابانيين من بيرل هاربر. ذلك المنطق الذي لم يتح للمخرج الشاب التوصل إليه كي يجعل فيلمه جديراً بالمشاهدة والاعجاب.

بداية الصفحة

أشهر حصارات المدن في التاريخ (1)

إعداد: بارعة إبراهيم bareah@alriyadh-np.com

*طروادة، أريحا، صيدا، صور، روما، قرطاجة، القدس، بغداد، القسطنطينية، غرناطة، بيروت، عكا، لينينغراد، برلين ... ست عشرة دولة في العالم قدر لها أن تعيش رعب وأهوال الحروب والفتوحات ومآسي الحصار والسقوط والتدمير، كما لم تعشها مدن أخرى عصفت بها رياح الحرب ذات يوم.فكيف واجهت تلك المدن الحصار المضروب عليها وبأي موقف تصدى أهلها لتلك التجربة القاسية؟ .. هذا ما يحكيه لنا بلغة سردية شيقة كتاب لمي علوش حمل عنوان (أشهر حصارات المدن في التاريخ).حصار طروادةأول وأهم الحصارات المعروفة في التاريخ، والتي نقلها إلى الأدب العالمي الشاعر هوميروس، وهو حصار طروادة. وقد ظلت حكاية طروادة طويلاً تنسب إلى خيال هوميروس يتناقل الناس أخبارها وكأنها أسطورة من الأساطير، إلى أن جاء عام 1830فقام أحد الذين شغلتهم القصة وسيطرت على تفكيرهم، ويدعى هنري شليمن ابن أحد رجال الدين الألمان قام بجمع المال اللازم وبتعلم اللغة اليونانية وعمل بجد لسنوات حتى أتيحت له فرصة البحث عن آثار طروادة.عند أطراف تركيا الشمالية الغربية التي تطل على بحر ايجة وتواجه بلاد اليونان، وبالضبط على تل حيسارليك، الذي وجد الرجل أنه أكثر الأماكن ملاءمة لبناء مدينة، وراح شليمن يحفر بجد في منحدرات التل. وسرعان ما بلغ ضالته، فما هو إلا وقت قصير حتى بانت من بين الأتربة أسوار المدينة الثمانية.بقي علينا أن نحدثكم عن هيلانة الجميلة وحصار طروادة.كان لبريام ملك طروادة العجوز ابن اسمه باريسن ولقد زار هذا الأمير يوماً مدينة اسبرطة اليونانية للتفاوض مع ملكها بشأن طائفة من شؤون الدولتين القويتين المتنافستين.كان يحكم اسبرطة يومها الملك منيلاوس، الذي شيد لعاصمته أسواراً منيعة، وابراجاً شاهقة، وجند للدفاع عنها ولتوسيع املاكها جيشاً لجباً أشرف بنفسه على تدريبه وتنظيمه.استقبل سكان اسبرطة الأمير البهي الطلعة (باريسن) مع حاشيته بالحفاوة والكرم، وكان من ضمن المستقبلين هيلانة الجميلة زوجة الملك منيلاوس. وما ان وقعت عينا باريسن على هيلانة حتى بهره جمالها ووقع في غرامها.وبادلت هيلانة الأمير الشاب شعور الحب وتمكن باريسن من اختطاف هيلانة والابتعاد بها عن اسبرطة الدولة المضيفة، وبلغ عدد الدول التي تحالفت على طروادة سبعاً وخمسين دولة. وعقد الحلفاء مؤتمراً في مدينة مسينا واختاروا اغممنون قائداً عاماً لجيشهم، وزحف اغاممنون على رأس مئة ألف فارس وراجل إلى سواحل طروادة، وكان بريام ملك طروادة قد حشد الأعوان والأنصار واختار هكتور شقيق الأمير باريسن ليقود جيش طروادة.لكن أهل طروادة تصدوا للمهاجمين بشجاعة منقطة النظير حتى ان اليونانيين اضطروا إلى الاكتفاء بمحاصرة المدينة دون الدخول إليها. فلقد منيت جيوشهم بخسائر فادحة.واستمر حصار المدينة مدة طويلة دامت عشر سنوات متتابعة ظل خلالها الجيش اليوناني عاجزاً عن اقتحام طروادة. فقد كان للمدينة ثلاثة أسوار مما جعل اقتحامها أمراً مستحيلاً.وفي المرحلة الأخيرة استطاع الوينانيون أن يتغلبوا على الطرواديين بأن تظاهروا بالانسحاب من حول أسوار المدينة وتركوا خلفهم حصاناً خشبياً ضخماً غريباً من نوعه، وقد خبأوا في جوف الحصان عدداً من مقاتليهم الأشداء. فلما رأى الطرواديون اليونانيين قد ولوا الأدبار مخلفين وراءهم ذلك الحصان الخشبي الضخم، سحبوا الحصان إلى داخل المدينة على اعتبار أنه غنيمة كبيرة من اليونانيين.ولأن البوابة الرئيسية لم تكن تتسع لدخول الحصان الخشبي، فقد هد الطرواديون جزءاً من سور مدينتهم ليدخلوا الحصان من دون أن يحطموه. وما ان وصلوا بالحصان إلى داخل المدينة حتى قفز المقاتلون المختبئون فيه وقتلوا أعداءهم وأسرعوا إلى أبواب المدينة ففتحوها لرفاقهم الذين كانوا كامنين يراقبون الطرواديين وهم يجرون الحصان إلى داخل المدينة. وكان انتصار اليونانيين تاماً كاملاً، فلم يفلت من انتقامهم غير القليل.صيدا تتحدى آرتحششتافي سنة 1394ك.م احتل صيدا الفرعون المصري رعمسيس الثاني. وما أن تمكنت صيدون من خلع نبره فيما بعد، حتى جاءها الآشوريون بزعامة ماكهم أشور ناصر بال، واحتلوها سنة 870ق.م وضموها مع كل سوريا إلى امبراطوريتهم.ثم دخلت صيدون تحت حكم الفرس وأصبحت جزءاً من امبراطوريتهم، وشكلت الولاية الخامسة في تلك الامبراطورية. واسترجعت صيدا مرتبتها الأولى بين المدن الكنعانية التي كانت تحتلها. وكان فيها مقر للملك الفارسي، وفي ذلك العهد حدث حصار صيدا.وما جعل الامور تتغير بين الفينيقيين والفرس هو تحول الفينيقيين نحو الاثينيين. ولقاء ذلك الود الذي أظهره الفينيقيون تجاههم، اعفاهم اليونانيون من الضريبة المفروضة على الغرباء الذين ينزلون بلادهم في مدينة اتيكا وبدأت العلاقات التجارية بين الاثينيين والفينيقيين في تلك الفترة تتحسن وتزدهر كلما ازداد ذلك الود. وعلى إثر ذلك التحسن في العلاقات صارت جاليات فينيقية كثيرة تستقر في بلاد الإغريق ولا سيما في ميناء البيرية، ميناء مدينة اثينا حيث كان للفينيقيين معابد ومقابر.وقد تعرضت العلاقات المتينة بين صيدا والفرس للفتور إثر انكسار الفرس في معركة سلامين أمام الاسطول اليوناني، إذ اتهم الملك الفارسي زوراً قائد الأسطول الفينيقي بالخيانة. ولقد جنح ملوك فارس في آخر عهدهم إلى الظلم والاستبداد فقامت صيدا بثورة عليهم.لقد بدأت الثورة الفينيقية ضد آرتحششتا الفارسي في الصيداوي من مدينة طرابلس، ومن هناك انتشرت حتى عمت جميع الساحل اللبناني.وكما استعد سكان صيدا، كان ارتحششتا هو الآخر يتهيأ للمواجهة الحاسمة، والواضح أنه لم يضيع دقيقة واحدة من وقته، بل ترك بابل على رأس جيش جرار قوامه 300ألف راجل، و 30ألف فارس، وقد جهز في البحر 300مركب بحري، و 500مركب تجاري.أعلنت تسع من المدن الفينيقية استققلالها بعد أن طردت ولاة الفرس، وذلك ما أوغر صدر ارتحششتا وتقدم بجيوشه، وفي نيته أن يقهر جميع هذه المدن ويعيدها إلى طاعته.ولقد قرر الملك تنس ملك صيدا ان يسلم مدينته للغازي المحتل لكي ينجو بنفسه من موت أكيد، لكن ارتحششتا أمر بقتله وقتل من معه جميعاً. هنا رأى أهل صيدا وقد علموا بما فعل ملكهم، أن يسلكوا سلوكاً لبقا ليخلصوا مدينتهم مما ينتظرها، فبعثوا بخمس مئة من أعيان المدينة يحملون في أيديهم أغصان الزيتون. فما كان من الملك ارتحششتا الذي كان مفعماً بروح الانتقام إلا أن أمر بذبح الخمسمائة الذين جاؤوا لمقابلته والبحث في أمر مدينتهم معه.عندما تحقق أهل صيدا من مصير ملكهم وما حل باخوانهم فضلوا الموت بشرف على أن يمكنوا الفرس من دخول مدينتهم مجدداً.كان قرارهم الأول أن يحرقوا المراكب، ثم أن يقتل كل واحد منهم زوجته وأطفاله. ومن ثم أغلقوا أبواب منازلهم وأحرقوها على أنفسهم فماتوا جميعاً. ومن نجا منهم فقد قبض عليه وسبي إلى بابل.عندما دخل ارتحششتا المدينة لم يجد إلا مدينة محروقة، فلقد مات في ذلك الحريق الهائل 40ألف نسمة. وكان في رماد الموتى من ذهب الحلي وفضتها الكثير، بحيث ان الملك الفارسي باعها بالمزاد، وكان ذلك في سنة 350ق.م كما أتى ذلك الحريق على سجلات ووثائق حرم علماء الأجيال التالية من الاستفادة منها.صور الكبيرة واسكندر الكبيرصور هي (ثير) التي بنيت قبل الميلاد بألفين وسبعمائة سنة. و(ثير) هي الصخرة، ويلفظها العبرانيون (زور) والعرب (سور). وكانت تقوم على جزيرتين صخريتين بالبر ببرزخ عليه طريق معبدة، والاسكندر الكبير هو الذي انشأ الطريق التي تربط الجزيرتين بالبر.ولما فتح المسلمون سوريا استولوا على مدينة صور أيضاً. وفي عام 1324م استوى الملك بلدوين الثاني الصليبي ملك القدس على مدينة صور وعلى قلعتها الحصينة، وبقيت بيد الصليبيين مدة 87سنة ولم يتوصل صلاح الدين إلى استردادها ولكن الأشرف هو الذي استردها. وفي عام 1517م الحق السلطان سليم مدينة صور بالدولة العثمانية.وقد اجتاح شلمنصر الخامس الآشوري صور بعدد من الحصارات، وكانت صيدا وعكا وصور التي في البر ترغب في تحرير نفسها من السيطرة المالية لصور التي في الجزيرة وزعامتها.وحصار الاسكندر لمدينة صور هو من أشهر الحصارات التي عرفها التاريخ على الاطلاق. ولقد جرى ذلك الحصار عام 332ق.م وكان الملك الذي يحكم مدينة صور يدعى أشمون.وكان الاسكندر قبل وصوله إلى صور قد سيطر على كل مدن الساحل الفينيقي في طريقه من دون مقاومة تذكر، ولم يكن يتوقع أن تقف صور عقبة في طريق مسيرته. فمدينة آرواد رحبت به، وجبيل فتحت له الأبواب أما صيدا فكات قد تحولت إلى رماد قبل وصوله بثمانية عشر عاماً.وقد كان الاسكندر محارباً شديد البأس وأكبر أهل زمانه علماً وثقافة. ولكن حبه للسيطرة جعله شرس الطباع بطاشاً، لعل انتصاراته المتواصلة زادت من كبريائه وغطرسته.وبينما هو متجه نحو صور دخل عليه أحد حراسه ينبئه عن مجيء رجل من صور يدعي أن لديه أوراقا سرية يريد تسليمه اياها. وكان ذلك الرجل الخائن فاليس الذي أخبر الاسكندر أن الصوريين لا يعترفون بسيادة أحد، وأن لديهم من المؤونة ما يكفيهم لسنوات، وأنهم اضطهدوه لأنه بشرهم بقدومه، أي قدوم الاسكندر.هنا اقفلت صور مداخلها وخرج أشمون إلى الجموع المحتشدة وأعلن على مسامعهم حالة الحرب، وراح الجميع يعدون العدة الساعة المجابهة. وجمع ابناء الحي البري مؤونتهم وبضائعهم لنقلها إلى الحي البحري حيث قصر الملك، واستمر هذا لمدة اسبوعين، والمقدونيون في الجهة المقابلة يبنون أبراجهم ليل نهار، ولقد أقفرت المدينة البرية إلا من بعض الحيوانات الداجنة التي تركها أصحابها لصعوبة نقلها وانسحب حرس الحي البري مع سكان المدينة إلى الحي البحري.فاستولى الاسكندر على الشاطئ المقفر إلا من الرمال وراح يتجول في أرجاء صور وعيناه تقدحان غضباً، ولولا شجاعته لسيطر عليه اليأس، وهنا تذكر كلام الخائن فالس عن أهل صور وقدتهم الدفاعية، فأراد اختبارهم بتجربة أولية فأمر قائده بتعبئة السفن الكبرى بما يلزم ومهاجمة الأسوار وتسلقها بواسطة السلالم.وما كاد رجال المقدوني يقتربون من الأبراج حتى انهالت عليهم السهام كزخات المطر، وقطع الزفت المشتعلة التي فاجأتهم واشعلت النار في سفنهم، فاندلعت ألسنة اللهب تتعالى في الفضاء. ووقعت معركة عنيفة خرج منها الصوريون من سفنهم مهاجمين سفن الأعداء بالسيوف والرماح وموقعين فيها خسائر فادحة.وعندما خف القتال في آخر الليل أشار الملك على شعبه ان يتناولوا الطعام ويبقوا المراجل مشتعلة، وأن يظل حراس الأسوار متيقظين.تفرق القادة كل إلى عمله، وفي ساعة متأخرة من الليل ذاتها كان الاسكندر يذرع الأرض جيئة وذهاباً وقد تملكه الغضب وثارت ثائرته، وقادته من حوله صامتون واجمون. وبعد هنيهة قطع الاسكندر حبل الصمت ليقول لقادته وجنوده:"اجمعوا المجانيق سنهاجم حصون الصوريين من الشرق ولا بد من أن نطبق على المدينة قبل بزوغ الفجر فإن لم نحقق ما أردنا الليلة، سنعلن النفير العام ونجمع الفيالق فيرى ملك صور وزبانيته أن أسوار صور العظمية أعجز من أن تشكل حاجزاً أمام جبروت الاسكندر ولو كانت تناطح السحاب".وبحلول الظلام من جديد سمع حراس صور ينادون الجنود كي يهبوا إلى معركة جديدة. وقام اشمون بنفخ البوق معلناً حالة الخطر، لقد كانت زوارق الاغريق تغطي المضيق محملة بالعتاد والرجال. وغايتهم نصب السلالم على الأسوار وحماية متسلقيها المدججين بالسلاح، ولكن الصوريين رغم هول المعركة وضخامتها بادروا الأعداء بنيرانهم الفتاكة وبالرمال المحرقة التي تثقب خوذ الجنود وتعمي عيونهم وتسفع أجسادهم.واخذت سلالم الاغريق تهوي نحو البحر والمقدونيون يتساقطون أشلاء في خضم الأمواج الهائجة، وازدادت ألسنة اللهب، وما هي إلا دقائق حتى وصلت لجنده امدادات جديدة من البر فاستعادوا بعض المبادرة، فاحتدم الصراع المستميت من جديد وعادت السهام تحجب الشمس، والنيران تعمي الأبصار، وعادت رماح الصوريين تنال من صدور المقدونيين بقوة.ومرت أيام أخرى سارت فيها المعركة على هذه الوتيرة حتى صعق الاسكندر وأدرك أن الخذلان لا محالة متربص به. ساعتئذ أصدر أوامره بالتقهقر والعودة.ثم أرسل الاسكندر وفداً برئاسة فوثيوس لمفاوضة حكام صور عارضين عليهم هدنة غير محددة.وأثناء تلك الهدنة جاء الوفد المقدوني بصحبة الخائن فالس، واغتاظ الملك حين رأى الخائن فالس برفقة الوفد المقدوني، ورفض الدخول في مفاوضات معه وأحد الخونة حاضر. ولما طلب الوفد من الملك احترام الاسكندر نفسه، قال له: لا نمد أيدينا لمفاوضين خونة. وكان له شرط واحد من الاسكندر وهو فك الحصار عن صور، ولما خرج الوفد أمر الملك بمواكبتهم حتى سفنهم خوفاً من غضب الشعب الثائر. ثم أعلن الاسكندر تصميمه على تحطيم صور وازالة أسوارها من الوجود. ولكن المشكلة كانت لا تفارق ذهنه هي بعد المسافة بين صور البرية وصور البحرية. فقرر انشاء سد يصل الجزيرة بالبر ينقل عليه العتاد والرجال وعند ذلك يسهل عليه ضرب الأسوار بالمجانيق.المرحلة الحاسمة من المعركة:فتحول أفراد الجيش المقدوني إلى عمال شوارع حين بدأوا بردم البحر وقطع الأشجار ودفعها إلى البحر. وكان الاسكندر يشرف على العمل من منصة مرتفعة، فحث الجميع على المثابرة لبلوغ النصر. لم يتدخل الصوريون في بداية انشاء الجسر، ولكن ما أن وصل العمل في الجسر على مقربة من أسوار المدينة، أخذ الصوريون يقومون بهجمات انتحارية ضد العاملين، لذا فقد كان بناء الجسر بطيئاً يتقدم نحو الجزيرة شبراً شبراً وطال انتظار النتائج. ولكن عندما علم الصوريون أن الاسكندر نجح في الاستعانة بثمانين مركباً حربياً جاء بها من صيدا وجبيل وأرواد معززة بقطع بحرية من قبرص ورودس، أدركوا ان النهاية تقترب فجمعوا النساء والأولاد والعجزة وأرسلوهم إلى قرطاجة.وبينما كان الفنيون في جيش الاسكندر يعدون أدوات الحصار الجديدة كرؤوس الكباش والمجانيق، كان الصوريون يعدون العدة لتحمل حصار طويل، وأدركوا عبث فكرة الخروج لمواجهة الغزاة خارج المدينة.ووضع الاسكندر أدوات حربه من جديد على رصيف الجسر وعلى السفن وأمر بشن هجوم على سور المدينة لإحداث فجوة فيه. فعادت الأيام السود إلى صور والملك ينتظر سقوط المدينة بين ساعة وأخرى.وداخل المدينة خرج أشمون من قاعة الملك وانطلق إلى الساحة حيث كان الجنود يتأهبون للقتال وصاح بهم: أيها الأبطال لن ندع الاسكندر يدخل صور.ولكن قوة صور محدودة أمام الجيوش المقدونية والحصار في شهره الثامن والصوريون منهكون لا يعرفون طعم الراحة. والاسكندر رغم استبسال الصوريين كان قد اتخذ احتياطات لاحباط كل محاولة صورية جديدة. فنشبت معركة لم تشهد أيام الحصار أشرس منها، المجانيق تهدم الأسوار والقذائف النارية تتساقط في الساحات العامة، والسلالم ترفع نحو الأبراج، وكان أهل صور نجحوا في إعاقة هجوم قوات الإكسندر فترة من الزمن، إلى أن تمكن أحد الكباش من إحداث ثغرة في سور المدينة نفذ منها الإسكندر على رأس قواته واقتحم المدينة بعد مقاومة باسلة دامت أكثر من سبعة أشهر.وجمع الاسكندر شتات جيشه وتوجه بقواته العسكرية نحو صور لدك ما تبقى منها، فجابهه الصوريون بما تبقى عندهم من سلاح ورجال، حتى سقط بعض قادة الاسكندر صرعى من جراء الرد المستميت، وقتل من قتل. ولم ينجح من المذبحة الرهيبة إلا القليل من أهل صور ممن حالفهم الحظ فوجدوا لأنفسهم ملجأ عند أقاربهم من الفينيقيين الذين كانوا في عداد جيش الاسكندر.وكان حصار الاسكندر الكبير لمدينة صور الكبيرة آخر حصار عانته هذه المدينة الفينيقية على أيدي الغزاة وقاومته بضراوة شديدة، وقد اعتبر بعض المؤرخين فتح صور في تموز من عام 332ق.م، أعظم عمل عسكري قام به الاسكندر.

بداية الصفحة

كانت مزدهرة بكثرة أيام العهد الأيوبي والمملوكي
سبل الماء في دمشق.. لم يبق منها إلا القليل.. لكنها ما زالت تلبي حاجة الناس

دمشق مكتب "الرياض "محمد أحمد طيارة

* تشتهر مدينة دمشق بعذوبة مياهها وبرودتها ونقاوتها.. وتنتشر سبل ومناهل المياه في شوارعها واحيائها وحاراتها وأسواقها القديمة ،وكذلك في دمشق الجديدة مؤدية دورا حيويا وهاما في إرواء عطش الناس وعابري السبيل والمتسوقين بواسطة وعاء يعلق في زاوية خاصة من السبيل والمنهل.. وعادة يكون للسبيل عدة مناهل بحيث يتمكن اكثر من شارب شرب من الماء من فتحات المياه في اكثر من جهة من جهات المنهل والسبيل. وتتميز سبل دمشق القديمة بتفردها من حيث اعتبارها لوحة فنية معمارية انجزها فنان مبدع حيث الزخارف والرسومات على هذه السبل والزوايا المعمارية الجميلة التي تعطيها منظرا سياحيا وجماليا فريدا فتجذب لها انتباه الزوار والسائحين وكلها تنتمي الى التراث المعماري الاسلامي المتميز بخصائصه الهندسية والفنية الفريدة.جاء في كتاب (دمشق الشام أقدم مدينة في العالم) لمؤلفه الباحث مطر خشان ان الولاة والاثرياء شيدوا سبلا في اماكن عديدة من الاحياء وفي واجهات المساجد والتكايا والمدارس لتوفير المياه للمارة في الطرقات من اهالي المدينة او الوافدين عليها لقضاء حاجاتهم وانجاز اعمالهم.وفي بداية القرن العشرين قامت مؤسسة عين الفيجة عند تأسيسها بجر المياه الى دمشق فاحدثت كذلك سبلا في الاحياء والطرقات والاسواق على شكل "كباس" ثم الغي هذا النظام واستبدل به الصنبور. كما قام الاهالي بتخصيص اماكن معينة في الطرقات وفي مداخل الشوارع والبيوت واوصلوا اليها المياه على نفقتهم الخاصة ابتغاء الاجر والثواب من الله تعالى في ظاهرة من موروثات الماضي تدل على غيرة محببة لفعل الخير واغاثة الملهوف والجائع والعطشان من عابري السبيل وغيرهم. وقد كان لهذه السبل اهمية كبيرة في حياة المدينة. الا ان التطور العمراني قضى على بعضها ونظام الري الحديث والسقاية فيها اديا الى تعطيل بعضها. وبقي في دمشق مما بني منها في العهود الايوبية والمملوكية والعثمانية ما يقرب من مائة سبيل. هذا عدا السبل التي اقيمت حديثا بعد العهد العثماني.كما ان هناك سبلا موجودة في دمشق لا يعرف العهد الذي بنيت فيه لعدم وجود كتابة تدل على تاريخ بنائها. وما زالت معظم هذه السبل تؤدي دورها في إرواء عطش الناس العابرين بجانبها أو القاصدين لها. كما انها تعتبر ارثا فنيا جميلا، خاصة تلك الموجودة في احياء وحارات دمشق القديمة.وفي جولة على بعض السبل الدمشقية المتبقية حتى الآن والتي تعود لعهود قديمة بدءا من العهد الايوبي وحتى العهد العثماني، نتوقف امام واحد من اجمل هذه السبل، الا وهو سبيل "الدرويشية" الذي يقع في الواجهة الشمالية من جامع درويش باشا في الحي المنسوب اليه (الدرويشية) قرب باب الجابية. وبجانب سوق الحميدية الشهير بدمشق. وهذا السبيل من المباني العثمانية المسجلة في عداد الابنية الاثرية انشأه والي دمشق درويش باشا عام 982ه وهو سبيل جميل تزين واجهته ألواح القاشاني تتوسطها لوحة مكتوبة بالخط التركي القديم شوهتها لوحة رخامية حديثة تشير الى مجدد هذا السبيل. ويقبل الناس على شرب الماء من منهل بواسطة كوب معدني معلق داخل سور حديدي يحمي السبيل من العبث، كما يحافظ على نظافته وجماليته.ويوجد سبيل آخر يطلق عليه: السبيل المعلق يقوم امام الجامع المعلق في شارع الملك فيصل بحي العمارة البرانية في دمشق القديمة يعود بناؤه الى نهايات القرن التاسع عشر وتلاحظ العناية الفائقة بحماية الزخرفة العربية الاسلامية ودقة التفاصيل الفنية المستوحاة من (الباروك والروكوكو) المنتشر في أوروبا في تلك الحقبة.ايضا من السبل الشهيرة في دمشق: سبيل زقاق الموصلي الذي يعود تاريخ بنائه للعهد الايوبي ولعام 637ه. ويوجد هذا السبيل على جدار بيت سليم الموصلي سابقا في حي الموصلي بمنطقة الميدان الشهيرة بدمشق. ويمتاز هذا السبيل بجمال بنائه المشيد من الحجر، تزين جداره كتابة اسلامية تشير الى انشاء مسجد في هذا المكان تحول الى بيت فيما بعد. كما تشير الى بناء السبيل المذكور. ويقول نص الكتابة:بسم الله الرحمن الرحيمحسبي الله، انشأ هذا المسجد المبارك والسبيل المنار، العبد الفقير الى الله اجير محمد بن اسلام بن اسماعيل بن رشيد عفا الله عنهم والفراغ منه في شهر شعبان المعظم سنة سبع وثلاثين وستمائة. وكانت وفاته يوم الخميس اول ذي الحجة تاريخه (كلمة غير موجودة) سنة عفا الله عنه.كما هناك سبيل البريدي وهو من العهد المملوكي ويقع في محلة البريدي بمنطقة السويقة في دمشق القديمة. ومسجل لدى المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية في عداد المباني الاثرية عام 1948م. وتدل الكتابة المنقوشة على جداره الى ان منشئه هو علاء الدين البريدي عام 700للهجرة. ويقول نص الكتابة:بسم الله الرحمن الرحيمأنشأ هذه القناة المباركة، العبد الفقير الى الله تعالى، علاء الدين البريدي رحمه الله تعالى ورحم جميع المسلمين ورحم الله من سبل ورحم من شرب لا إله رلا الله محمد رسول الله. سنة 700ه.أما في العهد العثماني فقد انتشرت السبل بشكل اوسع ومنها سبيل ابو الشامات الذي يقع في الواجهة المقابلة لزاوية ابو الشامات في منطقة القنوات في البلطجية. ويعود بناء هذا السبيل الى العصر العثماني المتأخر في عام 1314ه. ولسبيل ابو الشامات اطار رخامي جميل تعلوه لوحة منقوش عليها عدد من أبيات الشعر تتحدث عن السبيل ومنشئه.ومن السبل المشيدة في العصر العثماني ايضا: سبيل جامع العريشة (جامع السادات الصغير) ويوجد هذا السبيل على الواجهة الغربية لجامع العريشة في منطقة باب توما، حي القشلة. ويمتاز السبيل المذكور بجمال بنائه المزخرف بزخارف نباتية مكتوبة ضمن اطار حجري نقشت عليها ايضا ابيات شعرية.ومن السبل كذلك في العصر المذكور سبيل جامع الشيخ يعقوب في حي الميدان، على الواجهة الغربية لجامع الشيخ يعقوب وهو من الحجر وله اقواس مرتفعة تقوم فوقها مئذنة جميلة من الحجر الابيض والاسود. تزين جداره لوحة حجرية مربعة الشكل عليها كتابة تشير الى باني السبيل وتعلوها زهرة ناخرة من الحجر، وجاء في نص الكتابة:بسم الله الرحمن الرحيمأجرا لهذا السبيل من طه سبيل المصطفى هو طالب المدعو مزال عقيل الشرف فاشرب هنيئا انه من شربه فيه الشفاء. عام 1228ه..وهناك سبيل محطة الحجاز مقابل محطة الحجاز للقطار. وقد بني مع بناء المحطة اوائل القرن العشرين في أواخر العهد العثماني. وانشىء ليخدم المسافرين ويخفف من عطشهم، وهو عبارة عن عمود تزييني ضخم عليه زخارف هندسية رائعة، وله اربعة مناهل يمكن الشرب منها.كذلك هناك سبيل قصر العظم، قرب باب الغربي لقصر العظم عند زاوية البزورية. وكذلك سبيل الصوفانية بجانب جامع الصوفانية في حي باب توما، وسبيل الشهداء في الصالحية المجاورة لجامعة الشهداء، والمشاد كما يروي الناس فوق قبور ثلاثة اخوة من الصحابة استشهدوا منذ فتح دمشق.

بداية الصفحة

(ثقافة اليوم) تواصل مناقشة الأطروحات الجامعية ( 3- 3)
الرسائل الجامعية بين الضعف والقوة

أجرى التحقيق محمد عبدالله الهويمل:

* تواصل (ثقافة اليوم) مناقشتها لموضوع الرسائل الجامعية حيث التأمت في الحلقتين الاولى والثانية حشود من الآراء المتصالحة والمتضاربة حيث تناولنا موضوع ضعف وقوة الرسائل ومدى مباشرتها للواقع وتستمر المداخلات والاضاءات في الحلقة الثالثة والاخيرة الى محورين وهما اثر تقليص الزمن الاشرافي من ساعة الى ساعتين على الحماس والعطاء لدى المشرف وحقيقة التنسيق البحثي بين الجامعات لتحقيق التكامل وتلافي التكرار..التنسيق بين الجامعات ضعيفنستهل حديثنا حول المحورين بمداخلة الدكتور حسن الحفظي وكيل كلية اللغة العربية للدراسات العليا ورئىس قسم النحو في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية الذي اكد وجود الضعف التنسيقي بين الجامعات: (لا ارى له اثرا في اداء المشرف ودقته وجديته، بل المشرف الجاد سيؤدي عمله بدقة ونشاط وحرص، والمشرف غير الجاد لن يغير طريقته ولا اتجاهه) وفي شأن المحور الثاني ذكر الحفظي: (التنسيق بين الجامعات في موضوعات الرسائل موجود ولكنه ضعيف ومن سبل التنسيق ما يقوم به الطلاب والجامعات من الاتصال والسؤال عن الموضوعات عند تسجيلها، وعدم الموافقة على اقرار الموضوعات المسجلة في ناحية أخرى.ولكن لو استطاعت الجامعات زيادة هذا التنسيق بحيث تتصل الجامعة العازمة على القيام بمشروع علمي محدد يتناوله عدد من الطلاب، تتصل بالاقسام المناظرة وتسألهم عما لديهم عن هذا الموضوع، وتخبرهم بعزمها على تنفيذ هذا المشروع، لو حصل ذلك لكان اولى، ولكان معينا على التجديد وعدم التكرار).كثير من الجامعات وثقت الرسائل في مجلداتلكن الدكتور عبدالمحسن الضويان عميد الدراسات العليا في جامعة الملك سعود يختلف مع د. الحفظي حول التأثير السلبي حيال تحديد ساعات الاشراف قال د. الصويان:( تعديل العبء التدريسي لعضوية هيئة التدريس عند الاشراف على الرسائل من ساعتين الى ساعة قد يكون له بعض التأثيرات السلبية على عدد الرسائل، لكن ليس له تأثير سلبي ظاهر على مستوى الاشراف ولا عن عزوف اعضاء هيئة التدريس عن الاشراف، والحقيقة ان هذا الموضوع يجب دراسته من قبل عمادات الدراسات العليا للحد من تأثيره السلبي إن وجد، على انه يجب ملاحظة ان الاقسام التي لديها عدد كبير من الطلاب والطالبات يقوم اعضاء هيئة التدريس بمجهود كبير في الاشراف حيث يتولى كثير منهم الاشراف على اربعة طلاب وطالبات وهو الحد الاعلى الذي حددته اللائحة الموحدة للدراسات العليا واحيانا يشرف عضو هيئة التدريس استثناء على خمسة طلاب او طالبات ولذا لم تتأثر هذه الاقسام لسلبا بتخفيض ساعات الإشراف ).وحول المحور الثاني اكد د. الصويان وجود التنسيق بين الجامعات قائلا:(التنسيق بين الجامعات والكليات التي لديها دراسات عليا ضروري فيما يتعلق بمواضيع الرسائل حتى لا تكرر، ولا اعتقد ان هناك غاباًفي التنسيق كما ذكر في السؤال، ولكن قد لا يكون التنسيق بالمستوى المطلوب ولو ان كثيرا من الاقسام تحرص على الاستفسار من جامعة الملك سعود مواضيع الرسائل التي تم انجازها او التي في دور الدراسات بمجلد تم توزيعه على مختلف الجهات المختصة والمكتبات، واعتقد ان هذا يعتبر مرجعا هاما لكل من يريد ان يضع خطة بحث، فالمجلد الذي وزعته جامعة الملك سعود يحتوي على مواضيع رسائل المجاستير والدكتوراه في مختلف اقسام كليات الجامعة بالاضافة الى اسم الطالب او الطالبة والمشرف على الرسالة وتاريخ الانتهاء منها ويجري تحديث المجلد كل عام، وتجدر الاشارة الى ان كثيراً من الجهات المعنية تعي اهمية التنسيق فكليات التربية للبنات مثلا تعمم المواضيع المختارة مبدئيا للرسائل على الجامعات للتأكد من ان هذه المواضيع لم تدرس من قبل وترد الينا في عمادة الدراسات العليا هذه الخطابات ونتولى الرد عليها وايضاح ما اذا كان الموضوع قد طرق من قبل او لا).التنسيق يدفع القلق لدى الباحثوثالث المتدخلين هو الدكتور سليمان العايد رئيس قسم الدراسات العليا في كلية اللغة العربية (جامعة أم القرى) سابقا الذي اكد غياب التنسيق قال د. العايد:(التنسيق بين الجامعات والمؤسسات العلمية الاخرى بشأن موضوعات الرسائل العلمية مطلب ملح، وهو يحقق مصالح كثيرة، ويخدم برامج الدراسات وينهي او يقلل تكرار الموضوعات. وهو امر يؤرق الباحثين ويوجد نوعا من القلق النفسي، مع ما فيه من هدر للجهد والمال والزمن.التنسيق في وقتنا غائب، والامر متروك لاجتهاد والباحث ومشرفه وما يمكن ان يتاح لهما من وسائل تختلف حسب الموضوعات والعلاقات، ويعاني طلاب الدراسات العليا من اجل التأكد من ان موضوعا ما لم يسجل في بعض الاقسام الجامعية وليس لدى كثير من المؤسسات العلمية قائمة بعناوين الرسائل المسجلة.وهناك مؤسسات تقدم خدمات مشكورة في هذا الجانب، مثل مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية، ولكن هذا لا يغني عن دور الجامعات).في حين وصف نظام تحديد نظام قيمة الاشراف بساعة واحدة بانه عادل:(في ظني ان هذا تحديد عادل وتقدير مناسب: اذا نظرنا الى الانصبة وجدنا نصاب الاساتذة (10، 12، 14وساعات مكتبية تكمل الخمس والثلاثين ساعة.وبعض الاساتذة وغيرهم يطالب برفع قيمة ساعة الاشراف الى ساعتين او ثلاث وهذا طلب غير معقول، بل يقضي على الدراسات العليا ويضعفها، لان الاستاذ لن يشرف الا على طالب واحد او طالبين، وسوف تتأثر جداول الاساتذة وانصبتهم بهذا، والعجب كيف يقترح البعض هذا، وينسى انصبة الاساتذة، وجداول الاستاذة في المرحلة الجامعية.الحكمة تقول: "اذا اردت ان تطاع فأمر بما يستطاع".هناك من يطلب اعتبار ساعة الاشراف بثلاث ساعات، ولكن هذا الرأي فيه من المغالاة ما يجعله غير مقبول. وبعيدا عن الواقعية).النظام الغربي أفضلوالدكتور عبدالحميد المبارك المشرف على دراسة وتوثيق البحث العلمي بجامعة الملك فيصل في الاحساء ذكر ان بعض كليات البنات اهتمت بقضية التنسيق خلافا للجامعات والكليات الاخرى.(اما بالنسبة للاشراف فانه يحتاج لنظر وتأمل فطريقة الاشراف في الجامعات الاوروبية والامريكية في غالبه افضل من واقعنا، فلابد من الاشراف من متابعة دقيقة واقامة حلقة نقاش في القسم كل شهر على الاقل لما يقدمه الباحث من انتاج وما نواجهه من عقبات فان هذا يثري البحث العلمي في القسم ويزيد من متانة وقوة الرسالة، ويطور الباحث اكاديميا ويساعد في سرعة انجاز الرسالة وضمان نجاحه.ارى ان اتباع مثل هذا النظام يخفف العبء ايضا على المشرف ويقلل من تسلط بعض المشرفين، مع اعطائه فسحة وحرية في الرأي للباحث.اما موضوع التنسيق بين جامعاتنا حول الرسائل العلمية فانه شبه معدوم عدا بعض كليات البنات. وفي هذا هدر للطاقات وتبديد للجهود العلمية في خدمة مجتمعاتنا.ارى ان تتولى وزارة التعليم العالي بالتنسيق مع الرئاسة العامة لكليات البنات انشاء موقع على الانترنت خاص بالرسائل الجامعية، ولا يسمح لاي رسالة بالتسجيل إلا بعد التأكد من عدم مطابقتها لرسالة اخرى في حدود خمس سنوات مما قد يقع فيه التطور).الأولوية الثانوية للبرامج العلياالدكتور محمد الحبيب استاذ ادارة الاعمال في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة اكد ما ذكره الدكتور المبارك في وجوب تأسيس قاعدة بيانات للرسائل الجامعية فذكر الحبيب:(اختيار موضوع البحث من مسؤولية الطالب والمشرف حيث يكون قد قام الطالب بمسح لأدبيات البحث والابحاث السابقة ذات الصلة. حيث انهما الاقرب معرفة بموضوع البحث ثم يأتي دور القسم العلمي في دعم ذلك الاختيار. ولتفادي تكرار موضوعات البحث بالرغم من ان هذا ليس عيبا بحد ذاته فهو يدعم النظريات العلمية ارى تيسير الوصول الى قواعد بيانات رسائل الماجستير والدكتوراه السعودية والعربية. حيث يمكن ايجاد قاعدة بيانات موحدة للرسائل الجامعية في المملكة من خلال قيام كل جامعة سعودية بتوثيق الرسائل الجامعية لديها في هذه القاعدة قبل منح الدرجة العلمية. كما يمكن ان تحتوي قاعدة البيانات هذه على مشروعات الرسائل الماجستير والدكتوراه المجازة من المجالس العلمية بالجامعات اي الرسائل التي تحت الاعداد).وفي المحور الثاني عقد د. الحبيب مقارنة كانت الجامعات العالمية طرفا فيها: (النظام الجديد للجامعات السعودية زاد في عدد ساعات العبء التدريسي لعضو هيئة التدريس الامر الذي يشجع التركيز على برامج البكالوريوس ويعطي اولوية ثانوية لبرامج الدراسات العليا. فكثير من الجامعات لديها فلسفات تعليمية معينة فيما يتعلق بدورها. ففيما يتعلق بالعبء الاكاديمي لعضو هيئة التدريس فان بعض الجامعات العالمية تعطي وزنا اكبر لعملية التدريس بينما البعض تعطي وزنا اكبر لعملية الابحاث).التكرار قد لا يكون مزعجاًاما الدكتور حسن الهويمل عضو هيئة التدريس في كلية العلوم العربية والاجتماعية جامعة الامام (القصيم) فنفى وجود التكرار الا نادرا حيث قال:( يبدو لي ان هناك تنسيقا بين الجامعات والطالب او الطالبة لا يعتمد تسجيل رسالته حتى يحضر وثائق من الجامعات المحلية بان هذا الموضوع لم يطرق ومن ثم فان التكامل موجود والتنسيق موجود والتكرار نادر مع ان امر التكرار قد لا يكون مزعجا الا في حالة تكرر تحقيق مخطوطة او ما شابه ذلك).كما علق على المحور الثاني واصفا نظام تحديد الساعات الاشرافية بالاجحاف: (هناك اجحاف واضح في حق المشرفين ولربما يكون العذر لقلة اعضاء هيئة التدريس وحرص الجامعات على الاستفادة منهم واستاذ الجامعة مرهق بالتحكيم والاشراف والمناقشة والعضوية والتدريس وبحوث الترقية وحضور المؤتمرات مع ان العائد المادي قليل لا يكاد يوصف لكن الموضوع علمي وخدمة وطنية والاستاذ تجاوز مرحلة المقايضات واحسب ان الوقت حان لتثمين جهود الاساتذة ومراعاة ظروفهم واحترام حقوقهم).تكرار الموضوع لا يعني تكرار الدراسةالدكتور محمد القويفلي المستشار السابق في كلية الدراسات العليا في جامعة الملك سعود واستاذ النقد الحديث رفض المساواة في النظام الجديد بين رسائل الماجستير والدكتواه فقال د. القويفلي:(ارى، من حيث المبدأ، ان ساعة واحدة كافية بوصفها تقديرا رمزيا للمشرف، ولا تعويضا له عن جهده. اعني الاستاذ الذي يرى ان الاشراف يقع ضمن مسؤوليته الاكاديمية، ويرى انه كلما احسن توجيه الطالب والعناية به، قام بجزء من مهمته العلمية الاجتماعية، قبل الوظيفية. لكن لا ينبغي ان يساوي النظام بين رسائل الماجستير والدكتوراه في قيمة ساعات الاشراف).كما ضم صوته لمن اكد غياب التنسيق متفائلا بعلاج لهذا الوضع:(تكرار تناول الموضوعات نفسها في الرسائل العلمية، لا يعني بالضرورة تكرار القضايا المدروسة وزوايا النظر والمناهج والاجراءات والنتائج، وان وقع شيء من هذا ففيه نظر. اما غياب التنسيق بين مؤسسات التعليم العالي في موضوعات الرسائل فجزء من غياب التنسيق بينها، بل التواصل في قضايا اهم بكثير من هذه القضية. ولعل وزارة التعليم العالي تسعى الى معالجة الوضع).المشرفون لا يقفون مع طلابهم عند حدوالدكتور عبدالله القرني مدير مركز بحوث اللغة العربية وآدابها في جامعة ام القرى انتصر للاستاذ الجامعي المشرف.. فقال: (اظن ان اساتذة الجامعة لا يقفون مع طلابهم عند حد الساعة والساعتين، بل ان منهم من يفتح بيته لطلابه يقضون معه الساعة والساعتين والثلاث دون التعويل على قضية المدة الزمنية المحتسبة له في نصابه التدريسي.ولكن لو ان النظام راجع هذه المسألة واعطاها ما تستحقه بعد استفتاء يطرح على استاذة الجامعات الذين يمارسون الاشراف على الرسائل لكان لذلك اثر اكبر واشعار لاعضاء هيئة التدريس بتقدير جهودهم وعطائهم).وعند غياب التنسيق بين الجامعات ذكر الدكتور القرني: (هو امر يؤسف له، ولو ان عمادات الدراسات العليا تبادلت المعلومات بشكل فصلي اي في كل نصف عام دراسي لانتج ذلك ثمارا طيبة، بل ان مما ينبغي ان يكون هناك لقاء دوري بين رؤساء اقسام الدراسات العليا في الجامعات يعقد في كل فصل مرة في احدى الجامعات ينتقل في الفصل الذي يليه الى جامعة اخرى هكذا).كما ذيل مداخلته بقوله: (هناك نقطة اخيرة هي: ان المطلوب مراجعة برامج الدراسات العليا في الجامعات السعودية على مستوى الجامعة الواحدة وعلى مستوى جميع الجامعات بشكل متتابع وتطوير ما يحتاج منها الى تطوير واستبدال ما يحتاج منها الى استبدال وايقاف ما يحتاج الى ايقاف وطلب الوصول الى الصورة التي يتطلع اليها الاساتذة والطلاب).التحديد سبب العزوف عن الإشرافالدكتورعبدالله العمير وكيل كلية الآداب للشؤون الاكاديمية في جامعة الملك سعود يجزم ان التحديد الزمني بساعة سبب عزوف الاكاديميين عن الاشراف.. ذكر د. العمير: (من خلال عملي في لجان الجدال وفي لجنة الخطط والرسائل العلمية استطيع ان اجزم ان قصر قيمة الاشراف بساعة واحدة بدل ساعتين تسبب في عزوف واضح من شريحة عريضة من اعضاء هيئة التدريس عن قبول الاشراف على الرسائل العلمية. لان الذي زاول الاشراف وقارنه بتدريس المقررات يجد ان هناك فرقا شاسعا بين هذا وذاك، فتدريس المقررات قد يكون شيئا روتينيا معتادا، لا يحتاج معه الاستاذ الى بذل المزيد من الجهد والوقت، ثم ان هذا الجهد محدود في وقت ومكان معينين. لكن الاشراف يحتاج الى متابعة دقيقة ومستمرة، وهمه هم ملازم طوال الوقت، في الجامعة وفي البيت وفي الهاتف، ومع هذا يصدف ان يكون توجيه المشرف وارشاداته في واد والباحث في واد آخر مما يزيد الطين بلة، ويضاعف من جهد المشرف دونما نتيجة تذكر).كما ألح على وجوب التنسيق بين كليات الجامعة الواحدة بقوله: (لا شك ان هذا الامر يعد من اهم الامور العلمية التي ينبغي التنبه لها وتداركها، بل انه مع تقادم الزمن يعد امرا في غاية الخطورة والحساسية. واعتقد ان عدم التنسيق بين الجامعات بل بين كليات الجامعة الواحدة احيانا له محاذير كثيرة، فهو من ناحية يعد من ابواب هدر الطاقة والجهد، ومن ناحية ثانية مدعاة لسلب الافكار والحقوق. واجزم انه آن الأوان لانشاء مركز او وحدة يناط بها شأن تنسيق الرسائل العلمية بين كليات ومعاهد وجامعات المملكة قبل الشروع في تنفيذ خططها. وربما تجاوزت مهام هذا المركز مستقبلا الى التنسيق في امر الابحاث المقدمة للمجلات ومراكز البحوث وغيرها من اوعية النشر. ويمكن ان يكون مقر مثل هذا المركز وزارة التعليم العالي او احدى الجامعات التابعة لها).التحديد لا اثر له في التدني البحثيينفي د. محمد الهاشمي استاذ الدراسات العليا في كلية الآداب للبنات جامعة الامام ينفي وجود اثر سلبي لتحديد النظام الزمني على درجة القوة البحثية.. (ان تحديد نظام قيمة الاشراف بساعة او ساعتين، لا اثر له في تدني مستوى الرسالة، لان التدني له اسباب اهم واكبر من ذلك بكثير). كما قرر وجوب التنسيق.. قال (التنسيق بين الجامعات ضروري جدا في الموضوعات التي يسجلها الطلاب في كل جامعة ومن الضروري اصدار نشرة دورية سنوية بالموضوعات التي سجلت وتاريخها تفاديا للتكرار).الساعة الواحدة غير كافيةوللبروفوسور ف. عبدالرحيم استاذ اللغة العربية في الجامعة الاسلامية تدخل ينفي من خلاله كفاية مدة الاشراف بساعة واحدة وفي شأن التنسيق ذكر د. عبدالرحيم (التنسيق حاصل بين الجامعات غير انه يحتاج الى تفعيل. ارى ان تنشأ جهة مركزية تصب فيها المعلومات الخاصة عن موضوعات الرسائل الجامعية المسجلة والمناقشة في جميع جامعات المملكة وكذلك في بعض جامعات البلاد العربية والباحث يمكنه الحصول على ما يحتاج اليه من هذه الجهة).تسجيل البحث مشروط بالتنسيقعميد الدراسات العليا في جامعة الامام الدكتور زيد الزيد يدافع ببسالة عن التحديد الزمني الجديد فقال: (ارى ان الالتزام بهذه الساعة فعليا كاف، لان الرسائل العلمية تستغرق وقتا طويلا يصل الى ثمانية فصول دراسية لمرحلة الماجستير وعشرة فصول لمرحلة الدكتوراه وهذا يعطي الطالب فرصة كبيرة للالتقاء بالمشرف).ان التنسيق بين الجامعات السعودية قائم ويتم تفعيله باستمرار، ومن جوانب التنسيق في تسجيل الرسائل العلمية ان اي طالب لا يمكن ان يسجل رسالته حاليا الا بعد اتصاله بالاقسام المناظرة في الجامعات السعودية، واحضر منها افادة بان الموضوع المقترح لم يتم تسجيله من قبل، ولدى عمادة البحث العلمي في جامعة الامام قاعدة معلومات عن الرسائل التي تم تسجيلها في داخل المملكة، ومعلومات مفيدة عن بعض الرسائل العلمية التي تم تسجيلها في خارج المملكة. وبالتالي فيندر جدا حاليا ان يسجل موضوع في جامعة من جامعات المملكة وهو قد سجل من قبل في جامعة اخرى بسبب التواصل المستمر بين هذه الجامعات والذي تسير في الآونة الأخيرة).الجامعات غير معذورةالدكتور عبدالله السعيدي استاذ الثقافة الاسلامية في جامعة الملك سعود اكد بقوله: (طبعا) حول تأثير التحديد الزمني وانعكاسه على اداء المشرف كما حمل على الجامعات في تقصيرها بشأن التنسيق لا سيما في عصر الانترنت قال د. السعيدي: (الجامعات في ظل الانفتاح الثقافي كالانترنت وغيره لم تعد معذورة في عدم التنسيق ويلزم الجامعات ان تعلن ما تم انجازه وما هو مسجل لديها من وسائل عبر الانترنت بشكل دقيق.. ويفترض الا يقبل من الباحث موضوع إلا بافادة من مركز الحاسب الآلي في الجامعة المقدم لها الموضوع يفيد عدم تسجيله في جامعة اخرى ولا يعتمد في ذلك على افادة الباحث.حقيقة يؤكدها المشرفونالدكتور مازن مطبقاني استاذ الثقافة الاسلامية في كلية الدعوة جامعة الامام فرع المدينة المنورة اكد ما طرحه التحقيق في المحور الثالث قال: (ان هذا يؤكده اكثر من استاذ يقوم بالاشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير وهو حقيقة هامة في تقليل عدد الساعات التي يمكن ان ينفقها الاستاذ مع تلميذه).كما الح على ما ذكره د. السعيدي في شأن التنسيق: (المسألة ان جهاز الحاسوب والانترنت يمكنهما ان يحلا هذه المشكلة. ولكن يبدو ان الجامعات لا تزال بطيئة بالاخذ بهذه التكنولوجيا مع ان معظم الجامعات لديها اقسام كمبيوتر خاصة بالتسجيل والدرجات وغير ذلك او اقسام علمية تدرس علوم الحاسب الآلي فلماذا لا يستفاد من هذه التقنية في ان تسجل الرسائل اولا باول ثم بعد ذلك يصبح من السهل على اي احد ان يعرف الرسائل التي سجلت او التي في طور الاعداد وغير ذلك).أكاديميون لا يعرفون إلاّ أسماء الجامعاتاستاذ الادارة العامة المشارك في قسم الادارة العامة في جامعة الملك سعود الدكتور حزام المطيري اقترح زيادة ساعة الاشراف الى ثلاث ساعات قال: (ان هذا له تأثيره السلبي على اداء المشرف لانها لا تعادل الجهد المبذول وخصوصا من قبل الفئة التي تستشعر المسؤولية وتؤدي عملها بامانة واخلاص. لذا فاني ارى زيادتها بساعتين على الاقل او ثلاثة مع تحديد مدة انجاز الرسالة بفصلين دراسيين فقط مع محاسبة كل من الطالب والمشرف على حد سواءعلى التقصير والاخلال بواجبهما للانجاز اثناء المدة المحددة. فان كان التقصير من الطالب يُفصل وان كان من المشرف يحرم من احتساب ساعات الاشراف.والح د. المطيري على ما ذكره سابقوه في شأن التنسيق.. (للاسف الشديد مفقود ونتيجته السلبية ليس فقط في تكرار الموضوعات وانما ايضا من باب التعاون بين ذوي الاختصاص الواحد في الجامعات المختلفة لدرجة ان البعض لا يعرف إلا اسم الجامعة الاخرى فقط. والحل في نظري ان توكل مهمة التنسيق في كل جامعة الى جهة محددة كعمادات الدراسات العليا وان تزود بشبكة اتصال بينها للحصول على المعلومات المطلوبة باسرع وقت ممكن دون الخضوع الى اجراءات ادارية معقدة من قبل الباحثين والاقسام العلمية).البحث عند الاكاديميين شيء ثانويوكدأبنا في الحقلتين السابقتين نعرض نخبة من اساتذة الجامعات في التخصصات العلمية التجريبية بعد ان بسطنا الكلا حول آراء اكاديميي التخصصات النظرية ونبدأ باستاد علوم الحاسب ورئيس قسم الحاسب الآلي في جامعة الملك فيصل الدكتور بدر الجوهر. يستهل تدخله بتوجيه نقده على المشرفين قائلا: 1 البحث العلمي في حياة الاكاديمي السعودي شيء ثانوي ويلجأ اليه للترفيه فقط، فمعظم الوقت ينفق على الاعمال الادارية والتدريس للمقررات مما يجعل متابعة الاكاديمي للمستجدات في تخصصه ضعيفة. 2 ان الاشراف الاكاديمي على الرسائل العلمية يعتبر شيئا ثانويا بالنسبة للمشرف، اذ لا يحسب في العبء الاكاديمي سوى ساعتين قديما وزاد الامر سوءا عندما خفض الى ساعة واحدة بينما لدى الاكاديمي 10الى 13ساعة تدريس. وهذا لا شك يؤثر سلبا على جودة ابحاث الدارسين. 3 المشرف هو احد الاسباب وراء طول الفترة الزمنية التي تستغرقها الرسائل العلمية في المملكة. كثير من الطلاب يشتكون من بطء تجاوب المشرفين في مراجعة اعمالهم تصل الى اشهر احيانا لمراجعة فصل واحد من الرسالة.وحول التنسيق ادلى د. الجوهر بسخط بالغ: (اما في دائرة توفر المواد الاولية من تجهيزات ومختبرات ومكتبات ودوريات ووثائق.. الى آخره نجدها ملقاة بصورة كبيرة جدا على الطالب دون اعانة من المشرف او من عمادة الدراسات العليا في الجامعة، وهذا لا شك يؤثر بصورة سلبية على جودة الرسالة العلمية. تصور قسم يقدم برنامجا للماجستير والدكتوراه ولا توجد في القسم دورية علمية واحدة محكمة، فكيف يتسنى للاستاذ والطالب الاطلاع على الجديد في التخصص؟؟ ايضا لا توجد مراكز معلومات سواء في دوائر القطاع الخاص او العام يمكن ان تزود الباحثين بمعلومات حديثة ودقيقة عن موضوع البحث او الدراسة، نتيجة لهذه العقبات في هذه الدائرة جعلها السبب الثاني وراء اخذ طلاب الدراسات العليا لسنوات طويلة في اتمام الرسالة (خمس سنوات لرسالة ماجستير).وختم مشاركته باسداء بعض المقترحات: 1 تخفيف النصاب التدريسي للاكاديميين لاتاحة وقت اكبر للابحاث مع المحاسبة والمتابعة لتحفيزهم على زيادة الابحاث. 2 اعطاء مزيد من التفرغ للمشرفين على الرسائل العلمية وذلك برفع وزن العبء الاكاديمي للاشراف الى ثلاث ساعات او اكثر. 3 قيام عمادات البحث العلمي بمخاطبة القطاع الخاص والعام لتلمس احتياجاتهم البحثية ووضعها امام طلاب الدراسات العليا. 4 دعم المكتبات في الجامعات لتوفير الدوريات العلمية والتنسيق بين الجامعات فيما يتعلق بالاستفادة من الموارد الاولية للابحاث في كل جامعة من قبل الدارسين في الجامعات الاخرى).البحث التطبيقي يحتاج وقتا وجهداالدكتور صالح السحيباني قسم الهندسة الزراعية كلية الزراعة في جامعة الملك سعود صب اهتمامه اكثر على حق الطالب الباحث في الرعاية لا سيما في البحوث التجاربية حيث قال: بالنسبة لساعات الاشراف فان توجيه الطالبا ومتابعته للتأكد من سلامة منهجية في البحث وكذلك من استمراره في بذل الجهد حتى يتخرج في الفترة الزمنية المحددة امر في غاية الاهمية. كما ان التخصصات التطبيقية تتطلب ايضا جهودا للاشراف على سير التجارب المعملية او الحقلية وهي جهود تتطلب وقتا كبيرا وكما ان من حق الطالب الحصول على الاشراف الجيد واعطائه الوقت اللازم فانه ايضا من حق المشرفين الحصول على اعتبار للوقت الذي يقضونه في الاشراف على البحث. ولذلك المقترح اعادة دراسة هذا الموضوع والذي قد يرى بعد ذلك ان تقدر ساعات الاشراف في نهاية الفصل بما يتناسب مع الجهد الذي تم بذله مع الطالب. واذا تعذر ذلك بسبب صعوبة ايجاد معايير لضبط الموضوع فتقدر بساعتين كل اسبوع للاشراف على الرسالة كما كانت في السابق).ونادى كسابقيه بضرورة المنسق الانترنتي لانه مع التقنيات الحديثة يمكن لكل جامعة توفير معلومات الانشطة البحثية لديها من خلال موقعها على الشبكة العالمية (الانترنت) وذلك في الجزء الخاص بمكتبة الجامعة على الشبكة مما يساعد الطلاب والطالبات على الاطلاع بكل يسر وسهولة وهذا يؤدي الى تفادي الازدواجية او التكامل حسب طبيعة البحث).التحديد يدفع الطالب للاعتماد على ذاتهومسكية المشاركات كانت للدكتور عبدالعزيز الملحم استاذ الفيزياء النظرية المشارك وعميد البحث العلمي في جامعة الملك فيصل اكد ايجابية وسلبية اجراء التحديد الزمني فقال: (لابد ان يكون لهذا الاجراء اثر في الوقت الذي يخصصه المشرف للطالبات للمتابعة والاشراف. وبالتالي نوعية وجودة الرسالة التي تنتج عن جهد الطالب باشراف مشرفه الاكاديمي. الا انه وفي نفس الوقت فان مثل هذا الاجراء قد يكون مفيدا للطالب بان يجعله معتمدا على جهده الذاتي بصورة اكبر ويمكن من زيادة عدد الدارسين).كما وضح ان التنسيق (مهم جدا بالاخص في غياب الترابط الوثيق بين المختصين في نفس المجال. ودراسة نفس الموضوع من قبل اكثر من طالب دراسات عليا في اكثر من جامعة سعودية فيه تضييع للموارد والامكانات. فعدد طلاب الدراسات العليا في الجامعات السعودية لا يزال قليلا نسبيا. وعملية التنسيق لا تستوجب اكثر من توفير المعلومة عن الرسائل المنجزة والجارية. واود في هذا الشأن ان اشير الى ان بعض الجهات المسؤولة عن الدراسات العليا في بعض الجامعات والمؤسسات التي بها دراسات عليا تأخذ هذه النقطة في عين الاعتبار)..* وفي ختام الاستطلاع توجه (ثقافة اليوم) الشكر الى الاساتذة الكرام الذين اثروا الموضوع بمساهماتهم الثرية على مدى حلقاته الثلاث والتي كانت على النحو التالي:الحلقة الاولى: مدى قوة بحوث الماجستير والدكتوراه في السنوات الاخيرة.الحلقة الثانية: مدى معالجتها لقضايا الواقع ومباشرتها للاحتياج العام.الحلقة الثالثة: عن اثر تقليص زمن الاشراف من ساعتين الى ساعة على انجاز العمل الاشرافي وكذلك حضور وغياب التنسيق بين الجامعات بشأن البحوث لمنع التكرار والازدواجية.والمشاركون مثلوا ست جامعات وهي جامعة الملك سعود وجامعة الملك فيصل وجامعة الامام والجامعة الاسلامية وجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة ام القرى.

بداية الصفحة

الشعر باللغة الأخرى



* يُعنى غسان تويني صاحب جريدة النهار اللبنانية منذ فترة بنقل أعمال زوجته الشاعرة الراحلة ناديا تويني من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية وقد عهد بمهمة الترجمة الى بعض الشعراء اللبنانيين ومنهم انسي الحاج وهنري صعب وبالفعل صدرت خلال السنوات الماضية، وبالعربية، مجموعات ناديا تويني الشعرية المكتوبة اصلا باللغة الفرنسية.وهناك بالإضافة الى ناديا تويني شعراء لبنانيون كثيرون باللغة الفرنسية يعملون منذ فترة على نقل أعمالهم إلى اللغة العربية بحثاً لها عن مكان في نادي الأدب العربي يضاف الى مكانها الآخر في نادي الأدب الفرنسي. فصلاح ستيتية وهو سفير لبناني سابق، أحد هؤلاء الشعراء. وهو مهتم جداً بنقل اشعاره الى العربية. وبالفعل صدرت له عن دار الآداب ترجمة لأحد دواوينه قام بها أدونيس وكاظم جهاد. وقبل سنوات صدرت ترجمة عربية لبعض أعمال جورج شحادة الشعرية، وهو شاعر ومسرحي لبناني معروف. وفي الفترة الأخيرة نقل الشاعر خليل الخوري عدة قصائد للشاعرة فينوس خوري اللبنانية المقيمة في باريس ايضاً.وهناك شعراء عرب آخرون غير هؤلاء اللبنانيين كتبوا شعراً وأدباً بالفرنسية ويعملون الآن ايضاً على نقل أعمالهم إلى اللغة العربية وفي طليعتهم جمال الدين بن الشيخ وخالد بن جلون اللذان يُنظر إليهما في باريس على انهما من أكثر الأجانب قدرة على الكتابة باللغة الفرنسية.وهذا الشعر الذي كتبه شعراء عرب بلغة أجنبية يثير اسئلة كثيرة يتعلق بعضها بهويته. فهل هو أدب عربي مكتوب بلغة أجنبية، أم أدب أجنبي لا يمكن أن يصب الا في بحر الأدب الفرنسي دون سواه؟الأسئلة دقيقة والمسألة لها أكثر من وجه. فنحن من جهة أمام أدباء بعضهم متمكن من اللغتين العربية والفرنسية، وبعضهم لا يتقن الا اللغة الفرنسية ولكنهم جميعاً لا يمكن أن يكونوا قد نجوا من تأثير بيئاتهم الأصلية وثقافتها وأفكارها وحكاياتها. فما يكتبونه اذن ليس نابعاً من تأثيرات فرنسية محضة بل من تأثيرات متعددة المصادر منها ما هو عربي أو إسلامي، وأحياناً صريح في عروبته واسلامه. فنحن، تأسيساً على ذلك، لسنا ازاء شعراء ثقافتهم الفرنسية ثقافة خالصة، كما اننا لسنا قطعا ازاء أدب عربي صرف بدليل انه ادب مكتوب بلغة غير اللغة العربية.ثم ان هؤلاء الشعراء يكتبون بلغة فرنسية ويتوجهون الى جمهور فرنسي. واللغة الفرنسية هنا ليست مجرد اداة تعبير، بل حياة ووجود ان صح التعبير. ان اللغة هي الضمير الجماعي للأمة وذاكرتها الثقافية وليست مجرد حروف وكلمات. ومن كتب بلغة ما عملاً ابداعياً فلا ريب ان ابداع الأمة كلها، عبر شتى عصورها، قد شارك بصورة من الصور في العمل الإبداعي هذا. فالمبدع يكون قد قبس بوعي منه أو بدون وعي ايضاً خلاصة عامة تناهت إليه عبر ثقافته السالفة بهذه اللغة، مما يجيز لنا القول إن اللغة الأجنبية هنا ليست مجرد "أداة" أو "وسيلة" للتعبير، بل هي أكثر من ذلك. انها "وطن" فكري وروحي وثقافي، وان كانت تؤلف، بالنسبة للكثير من هؤلاء الشعراء نوعاً من منفى، على حد ما يقول جمال الدين بن الشيخ في بعض قصائده.ولا ننسى ان هؤلاء الشعراء جزء من حركة الشعر الفرنسي الراهنة يتفاعلون معها تفاعلاً تاماً فهم يكتبون شعرهم متأثرين بهذا المذهب السوريالي أو ذاك الرمزي، وما إلى ذلك. أي ان شعرهم مرتبط بتقنيات الشعر الفرنسي الحديث وفنيته وأساليبه ولا يمكن أن يكون شعراً عربياً مغترباً أو لابساً مجرد ثوب فرنسي لا أكثر.ولذلك فإن هذا الشعر، عند ترجمته إلى اللغة العربية أو إلى أية لغة أخرى، يفقد الكثير من خصائصه الفنية والأسلوبية مما يشكل نوعاً من تعرية كاملة أو شبه كاملة له. ونحن نعرف أن الترجمة، من حيث المبدأ، تؤلف فعل خيانة اما ترجمة الشعر بالذات فإنها تؤلف خيانة مضاعفة لأن الشعر ليس فقط معاني وأفكاراً، بل هو أكثر من ذلك، انه تلك الميزات الفنية والأسلوبية التي يتهاتر اكثرها ويتبدد عند ترجمته، ناهيك عن انه عملية اغتراب ضمن لغة قومية معينة لها خصائصها ولها طرائقها وأساليبها الخاصة.ولأن أكثر هؤلاء الشعراء يواكبون حركة الشعر الفرنسي الحديث، حيث الغموض والرمز هما سادة الموقف، فإن عملية النقل نفسها عملية شاقة لأنك امام عمل شعري غامض في بنيته الأساسية وتحتمل كل كلمة فيه هذا المعنى العربي، كما تحتمل سواه. ولذلك فلن تصل الى ترجمة أمينة أو دقيقة له حتى ولو اعطيتها لشاعر عربي متمكن من اللغتين. وقد تيسر لي في السابق ان اطلعت على اكثر من ترجمة ومن مترجمين جيدين لقصيدة فرنسية واحدة فإذا هناك فرق شاسع في المعنى عند ترجمتها إلى العربية. وكل ذلك يدل على ان عملية شق طريق لهذا الشعر المكتوب بالفرنسية الى اللغة العربية عملية في منتهى الصعوبة، ان لم يكن الاستحالة.على اننا نعترف بأن عملية وضع معيار جامع مانع كما يقولون لهوية هذا الشعر قد تكون متعذرة والسبب انك، كما تجد بين هؤلاء شعراء اندمجوا اندماجاً تاماً، أو شبه تام، في الحياة الفرنسية والحضارة الفرنسية، وجاء شعرهم بعيداً بعداً تاماً عن الثقافة العربية الإسلامية وموضوعاتها وخصائصها، كجورج شحادة مثلاً، فإنك تجد في المقابل شعراء تمتلئ شاعريتهم بحساسية مشرقية أو عربية أو إسلامية منبعها بلاشك تراث الشرق والعرب والإسلام، ومن هؤلاء مثلاً صلاح ستيتية وناديا تويني وجمال الدين بن الشيخ.ان صلاح ستيتية شاعر ينتمي الى عائلة بيروتية وفي شعره اطياف ورؤى لبنانية وعربية وإسلامية. والفرنسيون يعتبرون شعره حلقة وصل بين آداب الغرب وآداب العرب وهو بالذات قلق لمسألة هوية شعره، يريد أن يوجد له مكاناً في آداب بني قومه عن طريق ترجمته إلى اللغة العربية. وهي ترجمة يسهر هو بنفسه على تدبير من ينفذها ولكنه غير واثق تماماً من نتائجها. ويروي الشاعر المصري احمد عبدالمعطي حجازي انه التقى يوماً بصلاح ستيتية في باريس فأهداه نسخة من كتاب يتضمن قصائد له منقولة الى العربية وسأله ما إذا كان شعره المنقول اليها شعراً عربياً؟ ويقول حجازي إنه اجاب ستيتية، بعد ان اطلع على بعض هذه القصائد: اما انه شعر فلاشك في ذلك، واما انه عربي، ففي النفس ما فيها.. وعاد ستيتية يقول، ولكن شعر الخيام الموضوع اصلاً بالفارسية اصبح الآن جزءا من التراث العربي.. فأجابه حجازي: ان الخيام كتب بالفارسية وهي لغة من لغات الحضارة الإسلامية والخيام يتناول الموضوعات التي كان يتناولها الشعراء العرب والمسلمون عامة، فيتحدث عن الخمر واللذة والطبيعة والخوف من عقاب الآخرة والرجاء في عفو الرحمن. وقد اتيحت لشعره ترجمات مختلفة منظومة ومنثورة ألحت على القارئ وتأدت عليه حتى فتح لها باب تراثه..وفي الواقع لا يوجد شيء كثير من ذلك في شعر هؤلاء الشعراء باللغة الفرنسية. ا ن ناديا تويني مثلاً، رغم عاطفتها القوية تجاه لبنان وتجاه العرب، وقد تربت كما هو معروف في بيئة وطنية، تكتب شعراً لا يمكن تفريقه عن شعر أي شاعر فرنسي سوريالي أو رمزي. ان شعرها غناء حار صادر عن حنجرة مميزة ولكنه لا يعتبر لا بالفرنسية ولا بترجمته العربية جزءاً من اتجاهات الشعر اللبناني وذلك لامتلائه بتساؤلات وصياغات وتقنيات تجعله مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بحركة الشعر الفرنسي الحديث.وإذا كان ذلك هو وضع ناديا تويني وصلاح ستيتية فماذا يمكن أن نقول عن شعر فؤاد غبريال نفاع وفريدا بغدادي ومارسيل حداد وفينوس خوري وجورج شحادة ممن لا نجد في شعرهم احيانا ادنى قرابة مع التراث العربي؟نايف الربيع

بداية الصفحة

مرثية فارس مقدسي"إلى فيصل الحسيني"



* هجرت الرباط المحاصروقلت أهاجرلأن حدودك في "البيت" ضاقت عليكلأن رؤاك التي ما تزال تغنيصدى الفجر وابتهال القنوتمجرحة بانكسار العروبة فينا.. وذل السكوتأتاك المنون ...لذلك كبرت عند اقتراف الرحيلوقلت أموتكأني أراكترابط بعد تخوم الزمانوفوق حدود المكانوفيما وراء الفضاءوخلف المتاريس.. عند انكفاء الخيامكأنك أنت التراب وأنت...وأنت السيوف أعدت ليوم الصداموعرس الشهادةكأن انتهاءك قمة هذا المخاضوبدء الولادةكأني أراكبعيداً هناكتعانق كوكبة من شباب الحجارة منذ ولدت بأرض العراقيبوء لك بالشوق والانتظاريطرز لك من جناحه شارةوينسج لليلك المدلهمخيوط نهاركأني أراكتطل علينا، لتشعلنا، من وراء العدموتبسم حين تراك اضجعت بساح الحرموصرت إلى الشعب أقربفتزهر عطراً..وتسقط ثمراً..وتروي لقدسك من عالم الغيب بشرىتضمد جرح الثكالىوتسقيها من النصر حتى الثمالةوتشرب تشربعلى ملحمة من عظيم الألمترتلها سورة الفتح والانفطار.. سيأتي النهاروتشرق في صحونا كوجوه الأحبة وجهاً بهياًفيا جرحنا المقدسيويا سيفنا العمريويا راية من جيوش أميةسلام عليك ليلة متسلام عليك إذا قمت حياسلام عليك فنم سوف يأتي النهار.

بداية الصفحة

فاطمة .. في بيتنا

قصة: إبراهيم محمد شحبي

* يوم واحد فقط من الوهم كان كافياً ان يختصر ما تبقى من أيامي، لم أصدق أنني سأخرج من هاجس التفكير الروتيني حول مداراة الأعداء وملاطفة الأقارب حتى آخر رمق، غير ان هبوطها في بيتي الريفي كان أشبه بكارثة من الوزن الثقيل الذي لا يبقي ولا يذر..فاطمة.. تحل كالغيث على الأرض الجدباء بعد غياب طويل.. الغياب الذي اعتقدت معه ان سبعة عشر عاماً كانت كافية لطمس كل المعالم لذلك الحب القديم..الحب الذي لم يكن عابراً بقدر كونه موؤوداً في صباه.. ها هو يخرج كحي.. ويعود كمارد.. يتوسد فراشي الذي عركته السنوات فغدا لا يبالي بمن يتوسده من كثرة الإعياء.فاطمة: تأتي اليوم فجأة دون سابق إنذار.. حسناء رشيقة كما عهدتها لم تغير فيها السنوات شيئاً.. حين أطلت كنت أعاني من آلام في الكلى وصداع نصفي طالما لازمني منذ عصفت برأسي فكرة التخلي عن الوظيفة والركون إلى البيت.. عندها لم أستطع الاحتفاء بها كما ينبغي، لكن قمرية الدار رقصت طرباً وغنت على فنن شجرة السدر التي تعانق المدخل فطربت فاطمة.. قلت لها وأنا أخطو مرحباً بالمطر الذي يأتي فجأة دون رعود.. تبسمت وأخذت مكانها في الدار المتواضع.بدأ حزن يدب في دمي ويعتري جسدي فبيتي لا يليق بحبيبة غابت كل هذه الأزمنة عن ناظري.. وجسدي المتهالك لا يسعفني في ردم هوة الفارق الحيوي.الحزن الذي اختلط بالفرحة تحول إلى رعشة تجلب شفقتها التي عبرت عنها بقولها: أنت كما أنت لم تتغير!!قلت: لماذا؟!قالت: تحب التمسكن.. ليتها تعلم ان الموت كان أهون عليّ من رؤيتها لفرط فرحي وشدة حسرتي.. تركتني وذهبت في زحمة الناس الذين تقاطروا لرؤيتها ، أما أنا فبقيت ألاحقها بشعوري المخلوط الذي تحمله عيناي أينما حلت وهي تنتقل كفراشة لم تغب عني لحظة طيلة ذلك النهار.. كنت أود محادثتها عن الماضي الذي جلب لي كل هذه النشوة من العناء.. اسألها عن أشياء كثيرة لا يكفي الخوض فيها أسابيع، أحدثها عن ما كتبته عنها على مدى هذه الفترة الطويلة التي تكفي للنسيان.. اسألها هل قرأت اشعاري؟.. هل أعجبها شيء من حروفي الموزعة في صفحات الأيام؟لكنها ظلت شاردة كمهرة عصية كعادتها القديمة..بقيت أبكي حزناً.. لماذا يتلذذ الناس بتعذيبي حتى هي؟!في جوفي ظل يصعد هذا السؤال تارة إلى الحلق فيحدث لي غصة أغيب فيها عن وعيي ثم أفيق فأتذكره منتصباً تارة كرمح، وأخرى يتعرج كحية لها فحيح حتى أيقظتني ابنتي لصلاة العصر وقد امتقع جسدي وفراشي عرقاً.

بداية الصفحة

كانت مزدهرة بكثرة أيام العهد الأيوبي والمملوكي
سبل الماء في دمشق.. لم يبق منها إلا القليل.. لكنها ما زالت تلبي حاجة الناس

دمشق مكتب "الرياض "محمد أحمد طيارة

* تشتهر مدينة دمشق بعذوبة مياهها وبرودتها ونقاوتها.. وتنتشر سبل ومناهل المياه في شوارعها واحيائها وحاراتها وأسواقها القديمة ،وكذلك في دمشق الجديدة مؤدية دورا حيويا وهاما في إرواء عطش الناس وعابري السبيل والمتسوقين بواسطة وعاء يعلق في زاوية خاصة من السبيل والمنهل.. وعادة يكون للسبيل عدة مناهل بحيث يتمكن اكثر من شارب شرب من الماء من فتحات المياه في اكثر من جهة من جهات المنهل والسبيل. وتتميز سبل دمشق القديمة بتفردها من حيث اعتبارها لوحة فنية معمارية انجزها فنان مبدع حيث الزخارف والرسومات على هذه السبل والزوايا المعمارية الجميلة التي تعطيها منظرا سياحيا وجماليا فريدا فتجذب لها انتباه الزوار والسائحين وكلها تنتمي الى التراث المعماري الاسلامي المتميز بخصائصه الهندسية والفنية الفريدة.جاء في كتاب (دمشق الشام أقدم مدينة في العالم) لمؤلفه الباحث مطر خشان ان الولاة والاثرياء شيدوا سبلا في اماكن عديدة من الاحياء وفي واجهات المساجد والتكايا والمدارس لتوفير المياه للمارة في الطرقات من اهالي المدينة او الوافدين عليها لقضاء حاجاتهم وانجاز اعمالهم.وفي بداية القرن العشرين قامت مؤسسة عين الفيجة عند تأسيسها بجر المياه الى دمشق فاحدثت كذلك سبلا في الاحياء والطرقات والاسواق على شكل "كباس" ثم الغي هذا النظام واستبدل به الصنبور. كما قام الاهالي بتخصيص اماكن معينة في الطرقات وفي مداخل الشوارع والبيوت واوصلوا اليها المياه على نفقتهم الخاصة ابتغاء الاجر والثواب من الله تعالى في ظاهرة من موروثات الماضي تدل على غيرة محببة لفعل الخير واغاثة الملهوف والجائع والعطشان من عابري السبيل وغيرهم. وقد كان لهذه السبل اهمية كبيرة في حياة المدينة. الا ان التطور العمراني قضى على بعضها ونظام الري الحديث والسقاية فيها اديا الى تعطيل بعضها. وبقي في دمشق مما بني منها في العهود الايوبية والمملوكية والعثمانية ما يقرب من مائة سبيل. هذا عدا السبل التي اقيمت حديثا بعد العهد العثماني.كما ان هناك سبلا موجودة في دمشق لا يعرف العهد الذي بنيت فيه لعدم وجود كتابة تدل على تاريخ بنائها. وما زالت معظم هذه السبل تؤدي دورها في إرواء عطش الناس العابرين بجانبها أو القاصدين لها. كما انها تعتبر ارثا فنيا جميلا، خاصة تلك الموجودة في احياء وحارات دمشق القديمة.وفي جولة على بعض السبل الدمشقية المتبقية حتى الآن والتي تعود لعهود قديمة بدءا من العهد الايوبي وحتى العهد العثماني، نتوقف امام واحد من اجمل هذه السبل، الا وهو سبيل "الدرويشية" الذي يقع في الواجهة الشمالية من جامع درويش باشا في الحي المنسوب اليه (الدرويشية) قرب باب الجابية. وبجانب سوق الحميدية الشهير بدمشق. وهذا السبيل من المباني العثمانية المسجلة في عداد الابنية الاثرية انشأه والي دمشق درويش باشا عام 982هـ وهو سبيل جميل تزين واجهته ألواح القاشاني تتوسطها لوحة مكتوبة بالخط التركي القديم شوهتها لوحة رخامية حديثة تشير الى مجدد هذا السبيل. ويقبل الناس على شرب الماء من منهل بواسطة كوب معدني معلق داخل سور حديدي يحمي السبيل من العبث، كما يحافظ على نظافته وجماليته.ويوجد سبيل آخر يطلق عليه: السبيل المعلق يقوم امام الجامع المعلق في شارع الملك فيصل بحي العمارة البرانية في دمشق القديمة يعود بناؤه الى نهايات القرن التاسع عشر وتلاحظ العناية الفائقة بحماية الزخرفة العربية الاسلامية ودقة التفاصيل الفنية المستوحاة من (الباروك والروكوكو) المنتشر في أوروبا في تلك الحقبة.ايضا من السبل الشهيرة في دمشق: سبيل زقاق الموصلي الذي يعود تاريخ بنائه للعهد الايوبي ولعام 637هـ. ويوجد هذا السبيل على جدار بيت سليم الموصلي سابقا في حي الموصلي بمنطقة الميدان الشهيرة بدمشق. ويمتاز هذا السبيل بجمال بنائه المشيد من الحجر، تزين جداره كتابة اسلامية تشير الى انشاء مسجد في هذا المكان تحول الى بيت فيما بعد. كما تشير الى بناء السبيل المذكور. ويقول نص الكتابة:بسم الله الرحمن الرحيمحسبي الله، انشأ هذا المسجد المبارك والسبيل المنار، العبد الفقير الى الله اجير محمد بن اسلام بن اسماعيل بن رشيد عفا الله عنهم والفراغ منه في شهر شعبان المعظم سنة سبع وثلاثين وستمائة. وكانت وفاته يوم الخميس اول ذي الحجة تاريخه (كلمة غير موجودة) سنة عفا الله عنه.كما هناك سبيل البريدي وهو من العهد المملوكي ويقع في محلة البريدي بمنطقة السويقة في دمشق القديمة. ومسجل لدى المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية في عداد المباني الاثرية عام 1948م. وتدل الكتابة المنقوشة على جداره الى ان منشئه هو علاء الدين البريدي عام 700للهجرة. ويقول نص الكتابة:بسم الله الرحمن الرحيمأنشأ هذه القناة المباركة، العبد الفقير الى الله تعالى، علاء الدين البريدي رحمه الله تعالى ورحم جميع المسلمين ورحم الله من سبل ورحم من شرب لا إله رلا الله محمد رسول الله. سنة 700هـ.أما في العهد العثماني فقد انتشرت السبل بشكل اوسع ومنها سبيل ابو الشامات الذي يقع في الواجهة المقابلة لزاوية ابو الشامات في منطقة القنوات في البلطجية. ويعود بناء هذا السبيل الى العصر العثماني المتأخر في عام 1314هـ. ولسبيل ابو الشامات اطار رخامي جميل تعلوه لوحة منقوش عليها عدد من أبيات الشعر تتحدث عن السبيل ومنشئه.ومن السبل المشيدة في العصر العثماني ايضا: سبيل جامع العريشة (جامع السادات الصغير) ويوجد هذا السبيل على الواجهة الغربية لجامع العريشة في منطقة باب توما، حي القشلة. ويمتاز السبيل المذكور بجمال بنائه المزخرف بزخارف نباتية مكتوبة ضمن اطار حجري نقشت عليها ايضا ابيات شعرية.ومن السبل كذلك في العصر المذكور سبيل جامع الشيخ يعقوب في حي الميدان، على الواجهة الغربية لجامع الشيخ يعقوب وهو من الحجر وله اقواس مرتفعة تقوم فوقها مئذنة جميلة من الحجر الابيض والاسود. تزين جداره لوحة حجرية مربعة الشكل عليها كتابة تشير الى باني السبيل وتعلوها زهرة ناخرة من الحجر، وجاء في نص الكتابة:بسم الله الرحمن الرحيمأجرا لهذا السبيل من طه سبيل المصطفى هو طالب المدعو مزال عقيل الشرف فاشرب هنيئا انه من شربه فيه الشفاء. عام 1228هـ..وهناك سبيل محطة الحجاز مقابل محطة الحجاز للقطار. وقد بني مع بناء المحطة اوائل القرن العشرين في أواخر العهد العثماني. وانشىء ليخدم المسافرين ويخفف من عطشهم، وهو عبارة عن عمود تزييني ضخم عليه زخارف هندسية رائعة، وله اربعة مناهل يمكن الشرب منها.كذلك هناك سبيل قصر العظم، قرب باب الغربي لقصر العظم عند زاوية البزورية. وكذلك سبيل الصوفانية بجانب جامع الصوفانية في حي باب توما، وسبيل الشهداء في الصالحية المجاورة لجامعة الشهداء، والمشاد كما يروي الناس فوق قبور ثلاثة اخوة من الصحابة استشهدوا منذ فتح دمشق.

بداية الصفحة

الجوارب



* لباس القدم، ومجموعها أو مزدوجها "جوارب".يسميها أهل نجد "شراب" بتشديد الراء، ويسميها أهل العراق "جواريب" بسكون الجيم وأهل مصر "شربات" بفتح الشين والراء.أما أهل الشام فالاسم عندهم "كلسات" وقد أخذوه عن الاسبانية calcetin أو الايطالية calzino.أما كلمة "جورب" التي نستعملها في الجزيرة العربية فقد أخذناها من الفارسية من "كور" وتكتب بخط مواز لخطها المائل بحيث تنطق g وتعني "قبر" وب بثلاث نقط كي تنطق p وتعني رجل "بكسر الراء، وكأن أهل فارس يسمونها "قبر الرجل".

aalthukair@hotmail.com

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ تحقيقات صحفية | حوادث | كاريكاتير | فن | ثقافة اليوم | لقاء | مقالات | الرأي للجميع | عيادة الرياض | محطات متحركة | هموم عربية | شئون دولية | السعودية اليوم | مسابقات الرياض ]
[ بحث | الأرشيف | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2001
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

ثقافة اليوم


مواقع الرياض
جريدة الرياض
الرياض إكسبرس
الرياض@نت
دنيا الرياضة
الرياض الاقتصادي
الصحفي الإلكتروني
منتدى الكتّاب
دليل المواقع