يقيم مساء اليوم حفل توقيع لترجمته كتاب موريس "رحلة في بلاد العرب"، د. آل زلفة:
تاميزييه كان مساعد صيدلي، دوّن مذكراته عن الجزيرة ثم غاب
جهود الرحالة الفرنسيين واهتمامهم بالجزيرة العربية بدافع الاعجاب
حوار نايف رشدان:
* شرعت مؤخرا بعض دور النشر المحلية على اقامة حفلات توقيع لمنجز تأليفي تضمر في معناها الداخلي تكريما للمؤلف واعلانا صريحا لانضواء الكتاب الجديد تحت لواء جيوش يمتد وجودها العلمي من الرفوف الى الصفوف، ويمتد وجودها البرستيجي من الديكور المنزلي الى اللوبي الثقافي ولا يحق لنا معا رضة اقامة حفل توقيع لسبب اهم وهو انه حق مشروع لدار النشر وللمؤلف وايضا للكتاب الذي يستمد حاجته لنا من حاجتنا اليه وايضا لسبب آخر يتصل بقيمة الكتاب الحقيقية، فهي الفيصل بين اعطاء النعوت الرفيعة لحفل توقيع او سحبها مع سحب عبارات السخط والتذمر على الحفل وراعييه لكن استاذا قديرا كالدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة وهو يقدم لنا كتابا مميزا ورافدا مهما للمكتبة العربية التاريخية والتوثيقية يشعرك بأن حفلات التوقيع فعل صحي يدفعنا للمحافظة عليه ومباركة سنة ثقافية حميدة تغلق في مشهدنا الثقافي فماً مدورا بالتثاؤب وممددا بالنعاس. حيث تقيم دار بلاد العرب مساء هذا اليوم الاحد حفل توقيع لكتاب "رحلة في بلاد العرب... الحجاز وعسير" لمؤلفة الفرنسي موريس تاميزييه، ذلك الشاب اليافع الذي غالب كل المعوقات ليخرج هذا السفر شاهدا على مرحلة تاريخية خطيرة في عمر الجزيرة العربية. الحفل الذي سيلقي فيه الدكتور آل زلفة مترجم الكتاب كلمته سيشهد اضمامة حميمية والتفافا وديا من نخب المشهد الثقافي السعودي في الرياض، امام مبنى الامن العام وتحديدا في فندق السعودية، ولذا كان لنا هذا الحوار مع المترجم. (ثقافة اليوم): فكرة اقامة حفل توقيع كتاب، فكرة طارئة وخارقة للسائد على المشهد الثقافي السعودي، ما الذي يمكن ان يقدم في حفل توقيع كتاب؟ فكرة اقامة حفل توقيع كتاب، فكرة حضارية، تعكس الاهتمام بالكتاب، وجرت العادة لدى الناس الاحتفال بولادة مواليدهم او حصولهم على ترقية وظيفية، او تكريم قريب او صديق او زميل بمناسبة عودته من سفر، او حصوله على شهادة دراسية، او غير ذلك من الاحتفالات. والكتاب يمثل عصارة فكر وجهد انسان فترة طويلة من الزمن، وولادته وخروجه الى النور يمثل بالنسبة للمؤلف حدثا كبيرا ومهما في حياته، ثم ما يكون من اثر لهذا الكتاب في حياة الناس، بل ربما في حياة امة بكاملها. اليس هذا المولود الفكري والنتاج الثقافي والحضاري اجدى بأن يحتفل به، ويلاقي من الاهتمام والتقدير ما يفوق ذلك الاهتمام الذي نمنحه لقضايا صغيرة في حياتنا، بعضها نتاج بيولوجي طبيعي او مادي او اجتماعي لا يتعدى تأثير نفعه شخصا او عددا محدودا من الاشخاص. من اجل هذا قررت دار بلاد العرب للنشر التي انطلق نشاطها في مجال نشر كل ما يتعلق بتاريخ وحضارة الجزيرة العربية والدراسات والترجمات والتوثيق في قضاياها المختلفة ان تنهج هذا النهج، وهو اقامة احتفال توقيع اي كتاب يصدر عنها. وكتاب موريس تاميزييه "رحلة في بلاد العرب" احد هذه الكتب، وهو ثالث اصدار من اصداراتها. ونأمل ان يصبح هذا تقليدا لا تحيد عنه الدار، مساهمة في خدمة الكتاب والتعريف به. لماذا كتاب موريس تاميزييه؟ لي مع هذا الكتاب ومؤلفه قصة طويلة تعود الى سنوات قديمة حينما كنت في بداية المرحلة الثانوية، عندما قرأت في مجلة الحوادث وكانت حينذاك من اوسع المجلات العربية انتشارا تعريفا مطولا بكتاب صدر في بيروت وذلك في اواخر الستينات الميلادية ذلك الكتاب هو ترجمة كتاب ألفته مؤرخة فرنسية مشهورة اسمها جاكلين بيرن عن الرحالة الاجانب من الاوربيين الذين زاروا الجزيرة العربية على مدى التاريخ. ترجم هذا الكتاب قدري قلعجي، وقدم له الشيخ حمد الجاسر اثناء سنوات اقامته في بيروت. ومن ضمن من ذكرتهم المؤلفة من الرحالة الفرنسيين موريس تاميزييه، الذي رافق جيش محمد علي باشا في احدى حملاته العسكرية على منطقة عسير، وذلك في عام 1249ه 1834م، واعتبرته المؤلفة من اوائل الاوربيين الذين زاروا هذه المنطقة التي ظلت عالما مجهولا بالنسبة للاوربيين، وذهبت الى انه ربما كان اولهم. عانيت في سبيل الحصول على ذلك الكتاب. واذكر انني عند الحصول عليه بواسطة احد الاصدقاء الذي كان يتردد على بيروت في تلك الفترة، كالطفل الذي يحصل على اول لعبة يحبها في حياته. كنت اقرأ فصوله على اصدقائي، وحتى على اقربائي، واستعاره مني اصدقاء كثيرون، وكنا كأننا نكتشف الجزيرة العربية من خلال كتاب تلك المستشرقة الفرنسية، التي اسمت كتابها هذا "اكتشاف جزيرة العرب". من اهتمامي بهذا الكتاب وقراءاتي المتعمقة له بدأ اهتمامي الحقيقي بما كتبه الرحالة الاجانب عن بلادنا، وظل هذا الاهتمام ينمو مع الايام. واثناء سنوات البعثة الدراسية في امريكا وانجلترا، حيث اصبحت في عقر دار أولئك الرحالة ومواطن طباعة كتبهم عن رحلاتهم، وصادف ذلك انبعاث اهتمام جديد لدى الاوربيين بكتب الرحالة مع بداية منتصف السبعينات الميلادية واعيد طباعة كتب كثير منهم، فأصبحت نادرة، ولا تتوافر الا في المكتبات الكبيرة والخاصة. واستطعت الحصول على عدد من هذه الكتب في طبعتها الاولى من خلال المزادات العلنية على الكتب النادرة والمعارض الموسمية التي كانت تقام لها. الا ان كتاب موريس تاميزييه ورحلته الغريبة الى الجزيرة العربية الذي كان سبب تفتح عيني على عالم الرحالة والمكتشفين لم اجد له اثرا فيما تتبعته من معارض الكتب النادرة، والقوائم التي يوزعها القائمون على المزادات؛ فلجأت الى مكتبة جامعة كنساس التي حصلت منها على الماجستير في التاريخ الحديث حول حملات محمد علي باشا العسكرية على عسير، وكان موريس تاميزييه احد المؤثرات في اختياري لهذا الموضوع. وابديت للقائمين عليها رغبتي في الحصول على هذا الكتاب الذي لا يتوافر في مكتبة تلك الجامعة، فوعدوني خيرا، وبعثوا بطريقتهم الى مكتبات الجامعة الكبرى في الولايات المتحدة بحثا عنه فلم يجدوه الا في مكتبة احد المعابد اليهودية في احدى الولايات، واحضروا الكتاب الذي ذكروا انه يعد من الكتب النادرة حقا، واذنوا لي بالحصول على نسخة مصورة منه. ومن هنا بدأت بقية الحكاية مع موريس تاميزييه التي لم تنته الا بطبع الجزء الخاص بعسير الذي لقي قبولا منقطع النظير. وباكتمال ترجمة جزءيه نقيم هذا الاحتفال بمناسبة اكتمال هذا العمل الذي شغل حيزا كبيرا من تفكيري ووقتي. وتتويجا لهذه الجهود ندعو الآخرين لمشاركتنا هذا الاحتفال. (ثقافة اليوم): اهتمامك بهذا الكتاب لا شك انه جزء من اهتمامك بالمؤلف، فمن هو موريس تاميزييه؟ هو هذا الموريس الذي شغل حيزا من تفكيري طوال هذه السنوات، ونمت بيني وبينه علاقة تجاوزت كل الحدود، لدرجة انه نقلني الى عالمه اوائل القرن التاسع عشر الميلادي بكل ما حدث فيه من احداث كبيرة غيرت وجه التاريخ الانساني الحديث، وعشت مع مراحل تنقله خطوة خطوة في كل بقعة نزل فيها من الجزيرة العربية، وكل حادثة تعرض لها، وكل حدث سجله وشاهده، وكل شخصية قابلها وتعامل معها، هذا الموريس الذي عشت معه ومع احداث عصره بكل وجداني لا اعرف في اي عام كانت ولادته، ولا في اي مكان من فرنسا كان مسقط رأسه، ولم يشر في كتابه هذا الى شيء من هذا، سوى اشارته الى انه كان في الثانية والعشرين من عمره عندما ساقه القدر الى الجزيرة العربية موظفا في جيش محمد علي بوظيفة مساعد صيدلي، وذكر انه كان قد درس الصيدلة او شيئا منها، مما اهله للقيام بهذه الوظيفة التي فيما يبدو انها لم تكن همه ولا هدفه الاول، وانما كان همه وهدفه ان يكتشف هذا العالم المجهول، عالم الشرق بكل ما فيه من سحر وغموض على العقلية الغربية. كما عشت معه الظروف الصعبة التي عاشها في جبال عسير، واودية تربة ورنية، وسهول وادي بيشة، وتمزق احذيته، وتبعثر اوراقه، وتشقق ملابسه، ولكنه اثبت جدارة فائقة في التعايش مع هذه الظروف حتى مع حداثة سنه. لم اكن وحدي الذي يجهل تفاصيل حياة هذا الشاب الرحالة المغامر، وانما كانت تشاطرني في ذلك المؤرخة والمستشرقة جاكلين بيرن اول من عرفني على موريس، التي لم تذكر في كتابها اي شيء عن قصة حياته في مراحله الاولى قبل قدومه الى الشرق، ولا عن آخر فصول حياته بعد عودته من رحلاته الى فرنسا ولا تاريخ وفاته. واثناء مقابلتي لها في صنعاء عام 1981م اكدت لي انها لم تعثر على تفاصيل حياة هذا الشاب الرحالة المغامر. وظلت هذه الجوانب من تاريخ هذا الشاب مجهولة الى اليوم، حتى من قبل المصادر الفرنسية؛ وربما عد في فرنسا من الرحالة المغمورين، ربما لحداثة سنه، وعدم انتمائه الى قائمة المستشرقين او السياسيين الكبار الذين خدموا تاريخ الامبراطورية الفرنسية؛ او ربما لأنه كان ينتمي الى حركة فكرية شكلتها طلائع من الشباب الفرنسي الذين خابت آمالهم فيما كانوا يتطلعون اليه من تحقيق للمبادئ العظيمة التي دعت اليها الثورة الفرنسية، واهمها الجوانب المتعلقة بكرامة الانسان وحقوقه في الحرية والمساواة والعدالة التي وجد موريس ان نظام محمد علي باشا وممارسات قواته الهمجية في الجزيرة العربية تتعارض تماما مع تلك المبادئ التي دعت اليها الثورة الفرنسية، ورأى بأم عينيه ما كانت فرنسا تغض الطرف عنه حفاظا على مصالحها مع الباشا، ضاربة بمبادئ الثورة وقيمها عرض الحائط. والحركة التي ينتمي اليها موريس تاميزييه حركة انسانية تدعو الى خير الانسانية، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية او القومية، او الجنس او اللون. ويظهر ايمانه القوي بهذه المبادئ في تسامحه، وعدم تعصبه القومي او الديني، وموضوعيته عند مناقشة المسائل الدينية، او الاختلافات الحضارية. (ثقافة اليوم): الجزيرة العربية ارض خصبة لعيون التاريخ، ومدار عقول المستشرقين، ماذا عن الرحالة الفرنسيين بشكل عام وعن اعمالهم التاريخية والجغرافية المتعلقة بالجزيرة العربية بشكل خاص؟ اهتمت فرنسا خاصة بعد قيام الثورة الفرنسية بالشرق اهتماما كبيرا بلغت ذروته في حملة نابليون على مصر 1798م اذ كانت الجزيرة العربية تشكل اهمية استراتيجية في سياسة نابليون تجاه العدو التقليدي انجلترا، وكان يريد ان يضرب مصالح بريطانيا في الهند، ولم يكن بإمكانه تحقيق ذلك الا من خلال اقامة تحالفات مع القوى السياسية في الجزيرة العربية. وتزامن قيام الثورة الفرنسية، وقيام حملة نابليون علي مصر مع بلوغ الدولة السعودية الأولى ذروة قوتها واتساع نفوذها الذي كاد يكون شاملاً لكل الجزيرة العربية، بما فيها الممرات المائية في البحر الأحمر، والخليج العربي. وكذا حاولت فرنسا مد جسور التفاهم مع حكام الدولة السعودية الأولى، مستغلة عداوتهم للدولة العثمانية الحليف القوي لبريطانيا، وبذلت حكومة نابليون جهوداً كبيرة في سبيل إقامة علاقات مع السعوديين. ولكن يبدو أن السعوديين لم يبادلوا فرنسا هذا الاهتمام لاعتبارات مختلفة. وقامت فرنسا ببعث مندوبين من قبلها إلى الدرعية (عاصمة الدولة السعودية)، وكان ابرز هؤلاء المندوبين السياسي المعروف "لاسكاريس" الذي زار العاصمة (الدرعية)، يرافقه مسيحي سوري من اهل حلب اسمه فتح الله الصائغ. مات سكاريس، وضاعت أوراقه بما فيها تسجيل وقائع رحلته، إلا أن مرافقه الحلبي سجل وقائع تلك الرحلة، وظلت محفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية، ثم طبعت فيها بعد، إلا ان بعضا من الباحثين لدينا شككوا كعادتهم في اصدار احكام التشكيك ان يكون احد من الفرنسيين قد وصل الي الدرعية، معتمدين على معطيات غير كافية في اصدار مثل هذه الاحكام. وقد طبعت هذه الرحلة مؤخرا في دمشق، محققة من قبل أحد الباحثين السوريين، ولكن للأسف وعلى حد علمي واهتمامي بكل كتب الرحلات أنها غير موجودة في السوق السعودي، وليس بها ما يبرر عدم وجودها. كما طبعت في دمشق ايضا ترجمة كتاب عن لاسكاريس نفسه بعنوان "لاسكاريس العرب" على غرار لورنس العرب، اعده احد الباحثين الفرنسيين واسمه جان سوبلان. وجاء عهد حكم محمد علي باشا للجزيرة العربية، وما صاحبه من حملات عسكرية شرسة ورافقه فيها عدد من الخبراء الفرنسيين من عسكريين ومهندسين وأطباء منهم من كتب مذكراته وتقاريره، منها ما نشر ومنها ما لم ينشر. ولعل موريس تاميزييه يعد الابرز من بينهم، فقد قام بنشر رحلته الى الحجاز وعسير في عام 1840م وظلت كما سبقت الاشارة اليه طبعة مغمورة، ونادرة، واعيدت طباعتها مرة أخرى عام 1976م في فيينا. كما طبعت رحلة موريس نفسه وزميله كامو التي قاما بها بعد فترة قصيرة من رحلة الحجاز وعسير الى البحر الاحمر واريتريا والحبشة، تقريبا في نفس الفترة. ومن المؤرخين والجغرافيين الفرنسيين الذين اهتموا بتاريخ وجغرافية الجزيرة العربية خلال فترة الدولة السعودية الأولى، وأثناء حروب محمد علي باشا في نجد وعسير كل من المؤرخ مانجان الذي افرد فصولا طويلة من كتابه (تاريخ مصر في عهد محمد علي باشا)، ولما وصل اليه نفوذ الباشا في الجزيرة العربية، وطبع في عام 1823م. والجغرافي الشهير جومار الذي درس بعمق جغرافية نجد وعسير، وافرد لهما بحثين معمقين نشرا في كتاب مانجان الضخم. وقد قمت بتحقيق الجزء الخاص بجغرافية نجد، ونشرت فصولا منه في جريدة الجزيرة في السنوات الماضية، وسأقوم بنشر هذه الدراسة كاملة قريبا بحول الله. اما المؤرخ الفرنسي إدموند جوان الذي ارخ لمصر في عهد محمد علي باشا، وضمن تاريخها حروب الباشا في الجزيرة العربية، وتُرجم في مصر في عام 1934م فيعد ما كتبه عن الجزيرة العربية خلال هذه الفترة وتاريخ مواجهة جيوش الباشا مع السعوديين والعسيريين من الاعمال التاريخية الجديرة بالاحترام. وتنوي دار بلاد العرب إعادة نشر هذا العمل لأهميته. أما الكاتب والشاعر الفرنسي الرومانسي شارلز ديديه فقد زار الحجار في عام 1853، وسجل وقائع رحلته في كتاب جميل طبع في باريس سنة 1858م، ثم ترجم الى الانجليزية في كمبردج عام 1985م، وقد قمت بترجمته، ووصلت الى نهايتها الا انني علمت بأن مركز الملك فيصل قد كلف احد منسوبي قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود بترجمته من الفرنسية، وانه في طريقه الى النشر، فلم يكن امامي الا ان اتوقف مع انني كنت على وشك الانتهاء منه، منعاً للازدواجية التي كثيرا ما تحدث في عالمنا العربي في مجال الترجمة والتحقيق، واكتفيت بنشر ما كتبه عن مدينة الطائف، وذلك في حلقات بجريدة الجزيرة. وهناك رحالة فرنسي متخصص في الآثار والدراسات السامية، وهو شارلز هوبير الذي زار شمال المملكة في نهاية القرن التاسع عشر، وعثر على حجر تيماء، ونقله الى متحف اللوفر في باريس، ولكنه تعرض لحادثة اغتيال بالقرب من مدائن صالح، وما كتبه عن رحلته قد ترجم ونشر باللغة الانجليزية، ثم ترجم مؤخرا الي اللغة العربية. وفي مطلع القرن العشرين قام الآثاري سوفيناك وزميل له بزيارة او رحلة علمية الى مدائن صالح وسجلا وصورا لكل ما بها من آثار ونقوش. وتعد دراستهما اول وارقى واوسع دراسة عن آثار هذه المنطقة ونقوشها الى الوقت الحاضر. وللأسف فانه لم تتم ترجمة هذا العمل العظيم الى اللغة العربية الى الآن، مع اهميته لكل دارس وباحث في مجال الآثار والتاريخ. اما ما التقطاه من صور نادرة لهذه المنطقة فقد حصلت عليها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، وقامت بعرضها في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في العام الماضي بمناسبة الرياض عاصمة الثقافة عام 2000م. * "ثقافة اليوم": لا شك اننا نفاخر بعضو فاعل مثلك ولأنك تعد من أبرز الأكاديميين السعوديين اهتماما بما كتبه الرحالة الأجانب عن بلادنا نود أن نعرف متى بدأ هذا الاهتمام؟ وما الذي دفعك إليه؟ بدأ هذا الاهتمام ربما من الوهلة الأولى التي قرأت فيها كتاب جاكلين بيرن. ثم نما هذا الاهتمام وزاد مع اتصالي مع ما كتبه هؤلاء الرحالة بشكل مباشر، اي من كتبهم مباشرة، وليس من خلال وسيط. وهذا الاهتمام نما بشكل مطرد طوال سنوات البعثة الدراسية، واصبحت لديّ مكتبة جيدة تضم معظم ما كتبه الرحالة عن بلادنا، بما في ذلك الرحالة الاتراك، او الموظفون الرسميون الأتراك الذين عملوا في بلادنا، وكتبوا مذكراتهم او ذكرياتهم او تقاريرهم المطولة عن المناطق او القضايا التي تعاملوا معها اثناء خدماتهم الوظيفية، وهذه الاعمال من قبل هؤلاء الرحالة او الموظفين الرسمييين ظلت مهملة، وعلى حد علمي لا اعرف ان احداً اولى هذا الامر اهتمامه. وهي الآن من ضمن اهتمامات دار بلاد العرب للنشر، وسوف يكون هذا الجانب مصدراً مهماً لمعرفة جوانب ظلت مهملة في تاريخنا الوطني. اما لماذا هذا الاهتمام بكتب الرحالة، فكما هو معروف لدى كل الباحثين والدارسين ان هناك شحا في المصادر عن تاريخ بلادنا وما كتبه اهلها عنها، الامر الذي جعل كتابه التاريخ مع قلة او قصور المصادر لا يمكن القيام به ما لم ترفده مصادر اخرى. وما كتبه الرحالة يعد احد المصادر، مع الاخذ في الحسبان ما قد يشوب اعمال بعض الرحالة من الاهواء والاغراض، او عدم الموضوعية او السطحية وعدم دقة المعلومات، الا ان المؤرخ المتمرس يملك من القدرات ما يجعله يميز بين ما هو جيد من كتابات هؤلاء الرحالة وما هو غير ذلك، وكتب الرحالة مثلهامثل غيرها من المصادر والمراجع بها الجيد وبها الرديء. فما ورد على سبيل المثال في كتاب رحلة موريس تاميزييه في الحجاز وفي عسير، وما سجله من وقائع للحملة العسكرية التي كان مرافقا لها، وشاهد عيان على ما وقع من احداث خلالها يعد وثيقة من كتاب محايد لم يكن عثمانياً او مصرياً، فينحاز بطبيعة عمله الرسمى الى جانب السلطة التي يمثلها، وهو ما نلمسه في تقارير قادة الحملة من تضخيم لادوارهم وبطولات جيوشهم الزائفة احيانا، وتقزيم دور خصومهم ونعتهم باقذع انواع السباب والشتائم، ولا هو عربي نجدي او عسيري، فيأخذ موقفا مغايرا، وانما هو محايد حاول ان ينقل الحقيقة او الحادثة كما حدثت. وهذا ما ظهر في عمل هذا الرحالة بشكل ملحوظ، اضافة الى انه دون عن الناس وحياتهم الاجتماعية وظروفهم الاقتصادية، وكذلك عن المكان وظروفه واحواله الجغرافية ما لم يكن محل اهتمام القادة العسكريين فيما يكتبونه في وثائقهم او تقاريرهم الرسمية. وهي معلومات لا تجد لها ذكرا في اي مصدر آخر. وهذا ما جعلني احتفل بهذا المصدر، وما هو على غراره من المصادر المشابهة. * "ثقافة اليوم": اما ترى انه حان الوقت لتشكيل جمعية عن الرحالة وأدب الرحلات؟ هذه فكرة جيدة، لا سيما وقد بدأ الاهتمام بما كتبه الرحالة عن بلادنا يزداد بشكل ملحوظ، نلمسه فيما ترجم من أعمالهم خلال احتفال المملكة بمرور مائة سنة على اعادة تكوينها. وما قامت به دارة الملك عبدالعزيز تحت قيادة ورعاية رئيس مجلس ادارتها سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض الذي أعاد الى هذه الدارة النشاط بعد التعثر، من عقد ندوة عن الرحالة والرحلات في الجزيرة العربية. وسأكون اول المنضمين الى هذه الجمعية اذا وجدت، والباذلين ما استطيع من جهد من اجل انجاحها. وأدب الرحلات يعد مصدرا بالغ الاهمية من مصادر الادب، اضافة الى ما يتضمنه من معلومات تاريخية واجتماعية واقتصادية وسكانية. وقد اهتم العرب بهذا الجانب ابان ازدهار حضارتهم وثقافتهم اهتماما بالغا. ومن ابرز تلك الرحلات المبكرة رحلة ابن فضلان الى بلاد "الفولجا" وشمال اوروبا، والتي ظلت عملا مهملا الى ان نبش عنه المستشرقون وحققوه ونشروه، ثم جاء اهتمامنا بهذا العمل متأخرا كالعادة، محاكاة لاهتمام الغرب، وليس اهتماما اصيلا، فقد وبكل اسف افتقدنا في ازمنتنا المتأخرة المتردية، وزماننا هذا ما زال يعد منها، افتقدنا الى روح الاصالة والابتكار في انتاج الاعمال الابداعية، ومحاربة نشر وتحقيق ما افرزته ثقافتنا العربية في عصورها الذهبية من اعمال خلاقة ومبدعة، وانصرافنا فقط الى كل ما هو تقليدي مكرر لا يحمل فكرا ولا ابداعات متذرعين باسباب مختلفة لمحاربة الابداع، احيانا بحجة الحفاظ على روح ونقاء العقيدة، واحيانا حفاظا على عقول الناس من التلوث الفكري. وكأن انسان هذا العصر، الذي يشهد اقوى واكبر ثورة في تقنيات المعلومات، وتواصل معها باسرع الطرق والوسائل الأكثر انفتاحا على ثقافات العالم سيكون ذا عقلية هشة تقبل اي شيء، ويؤثر عليها اي شيء، وللأسف ما زال هناك من يحمل عقلية بناء اسوار لحجب عقول الناس عن كل الحقائق بادعاء الخوف عليها من التلوث بافكار الآخرين. ثم هناك عامل مهم تختص به بلادنا دون غيرها. فهي بلاد الحرمين الشريفين، واليها تشد رحال الملايين من المسلمين في كل عام. وعلى مدى الخمسة عشر قرنا الماضية، يمثل اكثر ما كتبه زوار بلاد الحرمين من حجاج ومعتمرين ومجاورين من كتب يمثل قصص رحلاتهم الطويلة من بلدانهم الى هذه الارض الطاهرة، تحمل في طياتها معلومات عن التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والادارة والبلدانيات وغيرها حتى شكلت اعمال رحلات الحج اهتماما ملحوظا من قبل الباحثين، وكان آخرهم المرحوم الشيخ حمد الجاسر الذي نال جائزة الملك فيصل في هذا المجال. والشيخ حمد لم يطرق الا للنزر اليسير من ادب رحلات الحج، وما زال المجال مفتوحا، والأعمال كثيرة أمام الكثيرين من الباحثين والدارسين. فاذا ما تشكلت جمعية للرحالة والرحلات، وتوافر لها المناخ الصحي من التفكير وحرية العمل، فاني اعتقد ان تشكيلها اصبح ضرورة، وانها ستكون رافدا من روافد المعرفة، ولهذا فنحن بأمس الحاجة إليه
|